تكلفة ارتياد المسابح والشواطئ المؤهلة تعتبر "خيالية"

رغم عمله بالتلوث الكبير الذي يصيب الشاطئ عند منطقة "الرملة البيضاء" في بيروت، يستلقي محمد، 27 عاماً، على الرمال لاكتساب سمرة الصيف، دون أن يتمكن من السباحة في البحر المقابل له، بل يتطلب منه الأمر الانتقال لكيلومترات عدة، من أجل الوصول إلى موقع أقل تلوثاً يصلح للسباحة. 

ولكونه عاطل عن العمل، كما هو حال نحو 40% من القوى العاملة في لبنان، فإن تكلفة ارتياد المسابح والشواطئ المؤهلة، تعتبر "خيالية" بالنسبة له، حيث يؤكد في حديثه لموقع الحرة، أن تكلفة يوم سباحة في لبنان تتجاوز المصاريف التي يحتجاها الشخص للعيش في لبنان نحو أسبوع.

10 دولارات تبلغ تكلفة الدخول إلى مسبح "عادي" خلال أيام الأسبوع، وتصل إلى 13 دولاراً في عطلة نهاية الأسبوع، وفقاً لابن مدينة بيروت الذي راح يبحث عن مكان يناسبه ليمارس فيه هواية السباحة المفضلة لديه، "حتى شواطئ البحر العامة التي يفترض أن تكون مجانية هناك من يسيطر عليها ويفرض دفع نحو 4 دولارات من أجل ارتيادها، وهذا من دون أكل وشرب، أضف إلى ذلك تكلفة التنقل للوصول إلى تلك الشواطئ العامة التي عادة ما تنتشر بعيداً عن بيروت، يكلف اليوم الواحد نحو نصف مليون ليرة للشخص.

محمد قرر البقاء في بيروت هذا الصيف، حيث يسبح في منطقة عين المريسة، مقابل الجامعة الأميركية في بيروت، ويتشمس في منطقة "الرملة البيضاء"، وعلى الرغم من الازدحام وبعد المسافة، يبقى هذا الخيار أفضل من التكاليف المترتبة على ارتياد المسابح في لبنان.

يشكل تلوث الشاطئ مانعاً آخر أمام اللبنانيين في ارتياده

العائلة تكلف "الملايين"

مي أم لولدين، 35 عاماً، فضلت هي الأخرى عدم التوجه إلى المسابح هذا العام، وفسخت العقد السنوي الذي اعتادت ابرامه موسمياً مع منتجع كانت تقصده طيلة السنوات الماضية، وذلك بعدما باتت تكلفة يوم السباحة الواحد لعائلة من 4 أشخاص نحو 3 ملايين ليرة، أي ما يقارب 105 دولار، ما بين تسعيرة المسبح، والأكل والشرب والتنقل.

تؤكد في حديثها لموقع "الحرة" أن هذا المبلغ يساوي ثلث راتبها الشهري بعد كل الزيادات والتعديلات الناتجة عن الأوضاع المعيشية. "المنتجع الذي كنت أتعامل معه سنوياً، يطلب في الموسم الواحد هذا العام اشتراكاً يعادل 540 دولار". مبلغ تفضل مي أن تجمعه لشراء تذاكر سفر لها ولعائلتها لتمضية أسبوع استجمام خارج البلاد.

وبحسب جولة أجراها موقع "الحرة" على تسعيرة الدخول إلى المسابح في لبنان، تراوحت ما بين 5  و20 دولار ، تختلف بحسب المكان والمنطقة والخدمات المقدمة والجمهور المستهدف فيها، فيما ترتفع داخلها أسعار المأكولات والمشروبات لنحو ثلاث مرات عما هي عليه في الأسواق، تحت عنوان "أسعار سياحية".

يذكر أن نسبة كبيرة من اللبنانيين لا يزالون يتقاضون أجورهم بالليرة اللبنانية وبمستويات منخفضة جداً نسبة إلى الدولار، لاسيما في القطاع العام، وجزء كبير من القطاع الخاص، في حين أن الحد الأدنى المعتمد للأجور في لبنان يساوي 675 ألف ليرة (30 دولار)، فيما متوسط الأجور يتراوح ما بين 150 و400 دولار في القطاع الخاص.

"سندويش برغر واحدة كلفتني 200 ألف ليرة (7 دولارات) المشروبات الغازية بـ 50 ألف ليرة (2 دولار)، أما وجبة الغداء لعائلة من 4 أشخاص فبلغت تكلفتها مليون ليرة"، بحسب مي التي تلفت أيضاً إلى أن كلفة التنقل وحدها باتت نحو نصف مليون ليرة بدل وقود (20 دولار).

وطال ارتفاع في الأسعار معظم النشاطات الترفيهية في لبنان، حيث يجد اللبنانيون صعوبات في ارتياد الأماكن المخصصة للترفيه، وتجهد العائلات في البحث عم سبل ملائمة للترفيه عن أنفسهم وعن أطفالهم خصوصاً في ظل كل الضغوطات التي يعانون منها.

 ويغيب عن لبنان قسم كبير من الأماكن الترفيهية بعد اغلاق عدد كبير من المؤسسات السياحية أبوابها بسبب الأزمة الاقتصادية التي تعاني البلاد من تأثيراتها الحادة منذ نحو 3 سنوات. ومعها وقع نحو 80% من اللبنانيين في فقر متعدد الأوجه وفقاً للأمم المتحدة، ما دفع بالترفيه والاستجمام إلى التراجع بشكل كبير على سلم أولويات سكان البلاد.

يشهد الشاطئ اللبناني على امتداده من شمال لبنان إلى جنوبه سلسلة تعديات على الأملاك العامة

"محرومون" بين التلوث والتعديات

وبناء على ما سبق، تعتبر مي عائلتها "محرومة" من السباحة لهذا العام، و"محرومة" أيضاً من حق الترفيه والاستجمام، حيث ستكتفي بارتياد شواطئ عامة بتكلفة زهيدة من أجل اكتساب السمرة دون السباحة فيها لتجنب مخاطر التلوث المنتشر في مناطق عدة من الشاطئ اللبناني، "أو قد استخدم سطح المنزل"، وفق تعبيرها.

ويشهد الشاطئ اللبناني على امتداده من شمال لبنان إلى جنوبه سلسلة تعديات على الأملاك العامة، يعود تاريخ بعضها إلى ما قبل الحرب الأهلية اللبنانية، يستفيد منها مجموعة من النافذين سياسياً واقتصادياً، لإنشاء مشاريع خاصة على الشاطئ العام، مما يحرم نسب كبيرة من السكان من ارتياد الشواطئ المؤهلة للسباحة، ويقتطع من المساحات العامة المتاحة للبنانيين. 

ويشكل تلوث الشواطئ العامة في لبنان، مانعاً آخر أمام اللبنانيين في ارتيادهم الشاطئ العام، لاسيما وان هذا التلوث يتركز في محيط المدن الكبرى، التي تشهد أكبر كثافة سكانية وبالتالي حاجة لأماكن يرتادها السكان.

وفيما لم يصدر بعد التقرير السنوي للمجلس الوطني للبحوث العلمية، (منتظر صدوره قريباً)، الذي يرصد نسبة التلوث على الشواطئ اللبنانية، ويرشد اللبنانيين إلى الأماكن الصالحة للسباحة، فإن مدير المركز الوطني لعلوم البحار يلفت في حديثه لموقع "الحرة" إلى أنه من غير المتوقع أن يشهد التقرير المقبل للعام 2022 تغييرات كبيرة عما كان عليه الوضع عام 2021، من ناحية نسب التلوث عموماً وتوزعه على امتداد الشواطئ اللبنانية.

وكانت نتائج المسوحات البحرية للشاطئ اللبناني في تقرير العام 2021، قد أظهرت 24 موقعاً بحرياً صالحاً للسباحة من أصل 36 موقعاً تم أخذ عينات منها طيلة العام على طول الشاطئ اللبناني. وبذلك تعتبر الحالة البيئية العامة لمياه هذه المواقع جيدة الى جيدة جداً وينصح بالسباحة فيها. ويختلف الأمر فيما يتعلق بالمواقع الإثني عشرة الأخرى التي تحوي مواد ملوثة بنسب غير مقبولة ولا ينصح بارتيادها وممارسة أي نشاط فيها، وفقاً للتقرير.

السياحة بالدولار 

وفي وقت تراهن فيه المؤسسات السياحية والحكومة اللبنانية على الموسم السياحي الصيفي من أجل جذب عملة صعبة إلى البلاد التي تعاني من شح كبير في وارداتها بالدولار، مقابل ارتفاع كبير في مدفوعاتها الخارجية، بسبب الاستيراد الذي يغطي نحو 80% من حاجات سكان البلاد، يرى لبنانيون أن هذا الاستقطاب يأتي على حساب السكان المحليين، غير القادرين من جهة على تحمل تكاليف السفر والسياحة بعد احتجاز أموالهم في المصارف، ومن جهة أخرى باتوا يعجزون عن تحمل تكاليف السياحة الداخلية.

وفي هذا السياق أعلنت وزارة السياحة اللبنانية، السماح للمؤسسات السياحية بعرض أسعارها بالدولار الأميركي،  وذلك "نظراً للظروف الاستثنائية التي تمرّ بها البلاد، وخصوصاً لناحية تقلب سعر صرف الدولار مقابل الليرة اللبنانية وتمكيناً لحسن مراقبة ومقارنة الأسعار على أن تصدر الفاتورة النهائية مسعرّة بالليرة اللبنانية والدولار الاميركي"، وفق بيانها.

هذا السماح وصفته الوزارة بالـ "إستثنائي واختياري" يمتد من تاريخ 2 يونيو 2022 ولغاية نهاية شهر سبتمبر 2022 ضمناً، على أن "يجدد هذا التعميم حيث تدعو الحاجة". كما شددت الوزارة على المؤسسات السياحية كافة التزام الأسعار التنافسية التي تراعي القدرة الشرائية لرواد هذه المؤسسات تحت طائلة اتخاذ الإجراءات والتدابير القانونية بحق المؤسسات المخالفة.

وأشار وزير السياحة اللبناني وليد نصّار، في تصريح إعلامي، إلى أن "المؤشرات التي حصلت عليها الوزارة من القطاع الخاص تشير إلى أن فصل الصيف سيكون واعداً جداً من الناحية السياحيّة، وعدد الوافدين سيكون كبيراً."

هذا الواقع أثار ردود فعل متباينة لدى الرأي العام اللبناني، بين من توجس من الفكرة ووجد فيها تكريساً لـ "دولرة" الاقتصاد اللبناني، وخشي مزيد من ارتفاع الأسعار وفوضى تسعير في ظل تعدد أسعار الصرف المعتمدة في البلاد وتقلبات سعر صرف الدولار بين اليوم والآخر.

فيما وجد آخرون في الأمر، فرصة لمراقبة الأسعار بحقيقتها دون تذرع بسعر الصرف وكلفة الاستيراد، فيما رحب أصحاب المؤسسات السياحية بهذا القرار لكونه يجذب السياح والمغتربين اللبنانيين، ويظهر مدى انخفاض الأسعار في لبنان إذا ما احتسبت على سعر الدولار، بالنسبة إلى باقي دول العالم.

"بالدولار أرخص"

يحتسب الأمين العام للاتحاد ورئيس نقابة المؤسسات السياحية البحرية جان بيروتي كلفة الدخول إلى المسابح بالدولار، ليخلص بنتيجته إلى أن الأسعار وبعكس ما يلمسه معظم الناس، قد انخفضت عما كانت عليه قبل الأزمة.

يشرح في حديثه لموقع "الحرة" أن أرخص دخول إلى المسبح كان يناهز الـ 15 دولاراً، "فيما اليوم تناهز التسعيرة الـ 5 دولارات، رغم ان كلفة الصيانة والتشغيل ندفعها اليوم بالدولار، وبينما كانت فاتورة الطاقة تساوي نحو 8% باتت نحو 40% من المصاريف". 

ويضيف بيروتي أن شعار "السباحة للأغنياء فقط" هو "مجرد شعار شعبوي يستخدمه الإعلام لشد القراء، ولكن واقعاً الأمور مختلفة، والأسعار المسجلة ما بين 10 و20 دولار هي ليست أسعارا لمسابح العائلات، وإنما لمسابح خاصة بالفنادق والمنتجعات المشهورة ومسابح تقيم حفلات وتستهدف فئة الشبان والشابات، وليس جديداً أن يكون هناك مسابح في لبنان لا تناسب كافة الفئات الاجتماعية، فيما المسابح العائلية الشعبية لا تتجاوز أسعارها الـ200 ألف ليرة (7 دولار)، ومن يتقاضى اليوم ما يساوي 12 دولار، كان يقبض نحو 35 دولاراً في السابق قبل الأزمة، رغم أن الكلفة التشغيلية تضاعفت مرتين."

يرحب بيروتي بقرار وزارة السياحة، ويرى انه من شأن التسعير بالدولار أن يزيل تأثير الأرقام الكبيرة التي يجري التسعير بها بالليرة اللبنانية، "فالأركيلة مثلاً المسعرة 150 ألف ليرة لبنانية تثير خوف الزبون والسائح على حد سواء، ولكن في الحقيقة لو قلنا انها تساوي 5$ ستكون من الأرخص على البحر في العالم. الأمر نفسه بالنسبة لباقي الأمور، فصحن الحمص المسعر بـ 75000 ليرة سيبدو رقماً ضخماً، بينما يساوي دولارين تقريباً."

بالنسبة إلى بيروتي فإن الحل يكون هنا ليس بخفض الأسعار المنخفضة أساساً نسبة إلى الأسعار العالمية والتكلفة بالدولار، وإنما يكون "بتصحيح الأجور للبنانيين بمنا يتناسب مع التصحيح الحاصل للأسعار في السوق. ما يعني رفع رواتب الطبقة الوسطى في لبنان لإعادة تمكينها وبالتالي إعادة تنشيط الاقتصاد."

وبحسب تقديرات نقيب أصحاب المجمعات السياحية البحرية، ينتظر من القطاع السياحي هذا العام أن يدخل نحو 4 مليارات دولار إلى لبنان في الموسم الصيفي. "وهذا رهن بالاستقرار السياسي في البلاد، فالوضع الأمني ممسوك بشكل واضح لاسيما على الصعيد السياحي، ولكن بحاجة أيضاً لاستقرار وعدم توتير سياسي."

ويختم لافتا إلى أن المؤسسات السياحية في لبنان ما عادت تبتغي الربح بقدر ما تهدف إلى الصمود في ظل هذه الأوضاع، وأسعارها الحالية لا تؤمن أرباحاً بقدر ما تغطي النفقات، في حين أن الأسعار بالدولار تظهر أن لبنان بات أرخص دولة سياحية في المنطقة كلها."

الحدود اللبنانية الإسرائيلية

للوهلة الأولى، تبدو الحدود اللبنانية - الإسرائيلية وكأنها قد استسلمت تماما لحالة هدوء غريب، منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في نوفمبر الماضي. لا دوي انفجارات، ولا صواريخ متبادلة، ولا تصعيد علني يوحي بعودة وشيكة إلى المواجهة. 

لكن هذا الهدوء، يؤكد مسؤولون عسكريون ومحللون أمنيون، هو مجرد غطاء هش لواقع يوشك على الانفجار في أي لحظة.

خلف خطوط التماس، تنفذ إسرائيل ضربات جوية "استباقية"، تستهدف ما تعتبره تهديدات مصدرها حزب الله أو مجموعات متحالفة. في الوقت ذاته، يتحدث الجيش الإسرائيلي عن دروس وعبر استخلصها من هجوم 7 أكتوبر، ويعكف على إعادة تشكيل عقيدته الدفاعية على الجبهة الشمالية، حيث تتزايد المخاوف من الطائرات المسيّرة، والخلايا المسلحة، والقدرات العسكرية التي يسعى حزب الله لإعادة ترميمها.

ووفقا لمسؤول عسكري في قيادة المنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي، فإن إسرائيل تعتبر السيادة "خطا أحمر"، وتؤكد أن عملياتها العسكرية في الوقت الراهن تأتي ضمن استراتيجية أوسع لاحباط التهديدات قبل وقوعها.

لكن المسؤول، الذي رفض الكشف عن اسمه، أعرب في تصريحات لـ"الحرة" عن ارتياح بلاده لآلية المراقبة الدولية لاتفاق وقف إطلاق النار:

"تطور إيجابي ملحوظ يتمثل في نشاط متزايد للجيش اللبناني في متابعة الشكاوى بشأن خروقات من قبل حزب الله أو أي تنظيمات فلسطينية أخرى بحيث يتم التواصل من خلال آلية تنسيق مع ضباط أميركيين وشركاء آخرين، يتم بموجبها نقل المعلومات إلى الجانب اللبناني للتحقق منها أو معالجتها".

مقاتلات إسرائيلية

تعاون محسوب وضربات دقيقة

من أبرز التغيّرات التي طرأت خلال الأشهر الماضية، ازدياد تجاوب الجيش اللبناني مع التحذيرات الإسرائيلية، وذلك من خلال آلية تنسيق يقودها الجانب الأميركي.

وبيّن المصدر الإسرائيلي أن تجاوب الجيش اللبناني مع التحذيرات الإسرائيلية بات أكثر جدية، في تحول لافت مقارنة بالماضي، وأشار إلى أن الوضع على الأرض اليوم يختلف تماما عما كان عليه حين كان يُنظر إلى حزب الله كـ"دولة داخل دولة".

لكنه أشار، في المقابل، إلى وجود حالات تستدعي تحركا إسرائيليا مباشرا دون إبلاغ الشركاء، لا سيما عند رصد تهديدات آنية، مستشهدا باستهداف مسلحين لا يتبعون الجيش اللبناني.

ووصف ذلك بأنه رد مشروع على "خروقات اتفاق وقف إطلاق النار".

رقابة دولية وواقع ميداني معقد

من جهته، أوضح المحلل العسكري إيال عليما لـ"الحرة" أن هناك آلية تنسيق دولية تضم ممثلين عن قوات اليونيفيل، والولايات المتحدة، وفرنسا، ولبنان وإسرائيل. وتُعقد اجتماعات منتظمة في الناقورة، مع تواصل مباشر أحيانا بين إسرائيل وقوات اليونيفيل.

""هذه آلية لعبت دوررا ملموسا في بعض الحالات، مثلا عندما أبلغ الجيش الإسرائيلي بوجود قذائف موجهة ضد إسرائيل، نقلت هذه المعلومات وتم التعامل معها بصورة ناجعة، بينما لم يجرِ التعامل في حالات أخرى"، يقول عليما.

ويعتقد عليما أن السياسة الأمنية الإسرائيلية باتت أكثر حزما منذ فشل الجيش في منع هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023. وأشار إلى أن إسرائيل تستفيد من الدروس المستخلصة للحيلولة دون تكرار ذلك السيناريو على جبهات أخرى.

دبابة إسرائيلية في المنطقة

140 قتيلا منذ بدء الهدنة

منذ سريان وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024، نفذت إسرائيل عشرات الضربات الجوية الدقيقة، استهدفت ما تعتبره عناصر مسلحة، خاصة في القطاع الغربي من الحدود.

وبحسب المصدر العسكري، فقد قُتل نحو 20 شخصا في هذا القطاع فقط، ليرتفع عدد القتلى إلى حوالي 140 عنصرا في عموم لبنان منذ توقيع الاتفاق.

وقد امتدت بعض العمليات إلى مناطق شمال نهر الليطاني، وهي منطقة تخضع لإشراف قيادة العمق الاستراتيجي في الجيش الإسرائيلي، المختصة بتنفيذ عمليات طويلة المدى في عمق أراضي الخصوم.

تهديد االمسيرات

من أبرز التحديات الجديدة التي تواجه إسرائيل بعد الهدنة هو تصاعد استخدام حزب الله للطائرات المسيّرة، "التي شكلت في السابق نقطة ضعف أمنية بالغة،" وفقا للمسؤول الإسرائيلي.

وقد بلغ التهديد ذروته في 1 فبراير 2024، عندما استهدفت طائرة مسيرة منزل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في بلدة قيساريا، وتسببت بأضرار مادية جسيمة دون وقوع إصابات بشرية.

واخترقت طائرات مسيرة أخرى المجال الجوي الإسرائيلي، واستهدفت قواعد عسكرية، ما أسفر عن مقتل جنود إسرائيليين.

ودفعت هذه الهجمات قيادة الجيش إلى إعادة صياغة عقيدة الدفاع الجوي، وتوسيع نطاق التدريب على اعتراض هذا النوع من الطائرات.

وقد رفعت إسرائيل، وفقا للمسؤول العسكري، عدد قواتها المنتشرة على الحدود الشمالية مقارنة بالسابق. "إن عدد القوات المنتشرة هناك أكثر بنحو مرتين ونصف، مقارنة بما كان عليه الوضع قبل الاتفاق".

وأعاد الجيش الإسرائيلي تفعيل ثكنات عسكرية قديمة على الحدود مع لبنان، إضافة إلى المواقع الخمسة التي أنشأها داخل الأراضي اللبنانية.

ويشير المسؤول إلى بناء ثكنات عسكرية ومواقع أخرى بغية تعزيز الردع ومنع التسلل إلى البلدات الشمالية من إسرائيل.

تحركات حزب الله

تراقب إسرائيل عن كثب محاولات حزب الله إعادة التمركز وإعادة التسلّح، خصوصا بعد انهيار نظام الأسد في سوريا، والذي أدى إلى تقليص قدرة الحزب على تهريب الأسلحة عبر الأراضي السورية.

وشدد المسؤول الإسرائيلي على أن بلاده مصممة على منع الحزب من بناء بنية تحتية عسكرية جديدة.

مقاتلات إسرائيلية

ديناميكيات إقليمية

أدى الانهيار الفعلي للنظام السوري إلى فراغ إقليمي تتابعه إسرائيل عن كثب. ومع تراجع النفوذ الإيراني في سوريا، بدأت بعض الأصوات داخل إسرائيل من الأوساط السياسية والأمنية تطالب باستغلال هذا التحول لإطلاق ضربة استباقية ضد المنشآت النووية الإيرانية.

رغم تزايد الحديث عن احتمال تنفيذ الهجوم في عام 2025، يرى المحلل إيال عليما أن تنفيذ هذا السيناريو غير مرجّح في الوقت الراهن.

"الساحة السياسية الدولية شديدة التعقيد حاليا"، يقول عليما. "الولايات المتحدة منخرطة في مفاوضات نووية مباشرة مع طهران، وهناك معارضة قوية من الاتحاد الأوروبي وداخل الولايات المتحدة نفسها لأي تصعيد".

وأشار إلى تزايد الانتقادات الغربية للحكومة الإسرائيلية الحالية، والتي تُوصف بأنها الأكثر تطرفًا في تاريخ البلاد الحديث، ما قد يُضعف الدعم الدولي لأي تحرك عسكري كبير.

هدنة هشة

تعكس سلسلة العمليات الإسرائيلية الأخيرة، سواء تلك التي استهدفت مواقع لحزب الله في جنوب لبنان أو بنى تحتية لحلفائه الحوثيين، مدى هشاشة وقف إطلاق النار القائم حالييا.

وعلى الرغم من أن الطرفين، إسرائيل وحزب الله، لا يبدوان راغبين في الانزلاق إلى مواجهة شاملة، لا يزال الوضع متقلبا. فكل طائرة مسيرة، وكل ضربة جوية، وكل تحرك عسكري يُعتبر رسالة استراتيجية موجهة إلى حزب الله، وإلى إيران.

وقف إطلاق النار ليس اتفاق سلام، كما هو معروف، ولكن في حالة حزب الله وإسرائيل، يبدو أقرب إلى هدنة متوترة، رغم استمرارها تبقى على حافة الانهيار.