القارب لا يزال غارقا حاملا جثث الضحايا
القارب لا يزال غارقا حاملا جثث الضحايا

بعد مرور شهرين على حادثة غرق قارب هجرة غير شرعي شمال لبنان، لا يزال البحر يبتلع في أعماقه ما يقارب الثلاثين جثة غالبيتها من نساء وأطفال، بعدما عجزت السلطات اللبنانية عن انتشالها نظراً لعمق المياه في مكان الكارثة.

في الثالث والعشرين من شهر أبريل الماضي كان موعد عاصمة لبنان الثانية طرابلس مع الفاجعة، وذلك بعدما أبحر قارب ضم ما يزيد عن 80 مهاجراً في محاولة للوصول إلى شواطئ ايطاليا، وقبل تحقيق الحلم انقلبت حياتهم إلى جحيم حيث اصطدم قاربهم بخافرة للجيش اللبناني كانت تلاحقهم.

وجه الركاب أصابع الاتهام إلى الجيش بأنه اصطدم عمداً بقاربهم متسبباً بغرقهم، في حين نفى الجيش ذلك مشدداً على أنه "عملنا على إيقاف القارب وإقناع قائده أنه معرض للغرق حيث كان محملاً بما يزيد عن 15 ضعفاً لحمولته المسموحة، لكن لم يقتنعوا وقد اتخذ قائد القارب القرار بتنفيذ مناورات للهروب من الخافرة بشكل أدى إلى ارتطامه بها".

الأوضاع الاقتصادية والمعيشية دفعت عدداً من اللبنانيين إلى الهجرة
مركب طرابلس.. شهود يتهمون الجيش اللبناني بـ"مجزرة" وتعهد بتحقيق شفاف
لا تزال تداعيات غرق المركب الذي كان يقل مهاجرين غير شرعيين من مدينة طرابلس شمال لبنان إلى السواحل الإيطالية تتفاعل، لاسيما مع تصويب الناجين أصابع الاتهام إلى الجيش اللبناني وبالتحديد إلى الضابط المسؤول الذي أمر بإيقافهم ومنعهم من استكمال رحلتهم، في وقت عزا الجيش اللبناني، في بيان، وقوع الحادثة إلى تسرّب المياه بسبب ارتفاع الموج وحمولة المركب ‏الزائدة.

ألم أهالي الضحايا مضاعف، فهم لم يفقدوا أحبابهم فقط بل لم يتمكنوا حتى الآن من دفن جثامينهم التي علقت كما يرجح في الغرفة السفلية للقارب، لا سيما بعدما توقفت عمليات البحث لعدم توفر المعدات المطلوبة للوصول إلى العمق الذي استقر فيه، ليناشد الأهالي بعدها المجتمع الدولي طالبين مساعدته، وعندما لم يتلقوا جواباً تواصل مغتربون مع شركة هندية خاصة لاستقدام غواصة والقيام بالمهمة.

أخذ اللواء أشرف ريفي، على عاتقه متابعة وصول الغواصة إلى لبنان والتي من المقرر كما قال: "أن تنطلق من جزر الكناري في إسبانيا على أن تصل الشهر القادم" وأضاف في حديث لموقع "الحرة" "تكفلت منظمة إنسانية أسترالية لبنانية تدعى "Aus Relief" بجمع التكاليف من المغتربين، والتي تصل إلى 251 ألف يورو للغواصة فقط عدا باقي المصاريف".

بين اليأس والترقب

خسرت عائلة الدندشي عشرة أشخاص في رحلة الموت، دفنت اثنين منهم، ليبقى لها ثماني جثث في المياه، وبعد أن كان بلال الدندشي "أبو ابراهيم" من أشد المطالبين بانتشال جثامين الضحايا لم يعد اليوم يولي الأمر الأهمية ذاتها، وبحسب ما قاله: "من استشهد لن يعود إلى الحياة، نحن نسلم أمرنا إلى الله، فإن وصلت الغواصة ونجحت في مهمتها نشكر من يقفون خلف ذلك على جهودهم، وإن لم يحصل ذلك فهذه إرادة الله".

حالة اليأس التي وصل إليها أبو ابراهيم سببها دولة تركت ابناءها في قعر البحر من دون أن تحرك ساكناً وتعمل كل ما في وسعها لانتشال جثثهم، ووعود عدة تلقاها أهالي الضحايا بوصول غواصة قبل أن تطرق عراقيل تؤدي إلى تأخير موعد انطلاقها، ويقول أبو ابراهيم لموقع "الحرة": "أولى العراقيل وضعتها المؤسسة العسكرية ثم الدولة اللبنانية ومن بعدها شركة الشحن التي تريد مؤسسة أو منظمة تضمن عملية نقل الغواصة، وكما علمتُ، قد يتم توكيل الصليب الأحمر الدولي بالإشراف على الموضوع".

لكن مصدرا مسؤولا في مخابرات الجيش نفى أي عرقلة من قبل المؤسسة العسكرية لوصول الغواصة، متسائلاً: "لماذا سنعرقل انتشال الجثث؟"، وأكد في حديث لموقع "الحرة" "نحن بانتظار وصول الغواصة التي سيتم شحنها عبر باخرة، ونعمل على تأمين كل الأمور اللوجستية وسنقدم كل التسهيلات الممكنة لها، في وقت لا يزال التحقيق مستمراً مع المدنيين والعسكريين المعنيين بالقضية، ولا موقوفون حتى الساعة".

من جانبه، أكد اللواء ريفي أن العراقيل إدارية وأنه "يجري حلحلتها من خلال متابعة الموضوع مع المعنيين وذلك كي تتمكن الغواصة من الوصول وإنجاز مهمتها".

استقدام الغواصة بعمل فردي اعتبره المحامي محمد صبلوح، الذي يتابع القضية، دليلاً على أن "الدولة اللبنانية لا تحترم نفسها كون ذلك من مسؤوليتها، لكنها تخلت عن دورها، ما يشير إلى لا مبالاتها بلبنان وشعبه".

وطالب المحامي بأن يتم تسيير كل الإجراءات للغواصة لكي تقوم بمهمتها، مشدداً على ضرورة التقاط صور للقارب وهو في قاع البحر من كل الجوانب قبل محاولة سحبه من المياه لمعرفة من أي جهة حصل الارتطام، وذلك "خشية من انكساره وتبدد الأدلة".

ويشدد صبلوح على أن "طرّاد الجيش مزود بكاميرات يمكن أن تظهر كيف وقع الحادث، نتمنى أن يتم نشر مقاطع منها للرأي العام".

بعدما خسر ربيع الجمل خمسة من أفراد عائلته، هم والدته هند وشقيقته ليليان وزوجته حنان مرعب وطفليه يوسف وريماس، كل ما يريده اليوم هو انتشال جثثهم من المياه، وأن تأخذ العدالة مجراها ويحاكم من كان السبب خلف الكابوس المرير الذي دمّر حياته.

"الوجع كبير جداً"، كما يقول ربيع لموقع "الحرة": "فقدتُ أساس منزلنا أمي الحبيبة، وشقيقتي الوحيدة، ومن تعاهدت وإياها على إكمال الحياة سوية، إضافة إلى طفليّ، فأي كلام يمكنه وصف ما أعيشه كل لحظة، بعدما خسرت كل شيء! أصعب ما على الأرض أن يباعد الموت بينك وبين عزيز عليك، فكيف إذا كانوا خمسة دفعة واحدة!".

منذ اللحظات الأولى لغرق القارب تابعت وحدة الإنقاذ في الدفاع المدني البحث مؤازرة الجيش اللبناني من خارج الموقع،  وبحسب ما شرحه رئيس الوحدة سمير يزبك: "في العادة عند غرق أي قارب يمكن أن تطفو الجثث على سطح الماء خلال 24 إلى 48 ساعة إذا لم يكن عمق المياه كبيراً، أي إذا كان نحو 40 متراً، لكن بما أن قارب طرابلس غرق على عمق يصل إلى 600 متراً فإنه من الاستحالة أن تطفو الجثث".

وفيما إن كان بالإمكان العثور على جثث بعد مرور شهرين على تواجدها في المياه قال لموقع "الحرة": "نعم كون درجة الحرارة على العمق الذي استقر فيه القارب تتراوح ما بين 6 إلى 7 درجات، إذ كلما ازداد العمق انخفضت درجة الحرارة، لكن ذلك لا يلغي تعرض الجثث للتحلل".

المسار القانوني

بعد الحادث، كلف مجلس الوزراء اللبناني الجيش التحقيق في حادثة قارب الهجرة، وذلك خلال جلسة استثنائية ترأسها رئيس الجمهورية، ميشال عون، في قصر بعبدا، حيث أعلن وزير الإعلام، زياد مكاري، بعدها أن الحكومة قررت "الطلب من قيادة الجيش إجراء تحقيق شفاف حول ظروف وملابسات الحادث وذلك تحت إشراف القضاء المختص"، موضحاً أن القضاء العسكري سيتولى التحقيق.

كما كلفت الحكومة وزارتي الخارجية والدفاع التواصل مع الدول والجهات المعنية للمساعدة على "تعويم" المركب الغارق.

وفي محاولة لكشف الحقيقة، تطوع 11 محاميا لمتابعة القضية، كما عينت نقابة المحامين في طرابلس لجنة لذات الأمر، وبحسب ما يقوله صبلوح: "خطوتنا جاءت رداً على هذه الجريمة التي لا تغتفر، ولكشف من يقف خلفها فيما إن كان ضابط خفر السواحل أو سائق القارب أو أي من تظهره التحقيقات، فلا يجوز أن يفلت المجرم من العقاب سواء كان مدنياً أو عسكرياً".

ويأسف صبلوح كون "التجارب السابقة في مثل هذه القضايا انتهت بتسويات" مشدداً على أن "هذا ما لن نقبله، نحن في دولة مؤسسات وقانون ومن غير المسموح أن تذهب دماء الضحايا هدراً، ولكي نضمن العقاب راسلنا منظمة "Mena Rights" للدفاع عن حقوق الإنسان ومركزها في جنيف، حيث تقدمنا بشكوى أمام المقرر الخاص بالمسؤولين عن الجرائم خارج أطر القانون، وذلك في رسالة إلى المسؤولين في لبنان أن هناك من يراقب مجريات التحقيق".

ينتظر المحامون أن يرسل المقرر الخاص خلال أيام كتاباً إلى الحكومة اللبنانية للاستفسار عن مجريات التحقيق، وقال صبلوح: "بعد الخطوة التي قمنا بها، أي شكوك لدينا حول نزاهة التحقيق، يمكننا محاسبة المعنيين أمام النظام القضائي العالمي الخاص في أوروبا".

بعد غرق القارب، اعتبرت كل من مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة بأن هذه المأساة "تؤكد الحاجة إلى الدعم المستمر للبنان".

وقال ممثل مفوضية اللاجئين في لبنان، أياكي إيتو: "يسلّط هذا الحادث المأساوي الضوء على المخاطر الصادمة التي يلجأ إليها الكثيرون بدافع اليأس. تحطم القوارب وغرقها، والوفيات المأساوية والمعاناة التي تسببها أمر يمكن تفاديه، وذلك من خلال حشد الدعم الدولي المستمر لمساعدة لبنان، خاصة مع تدهور الظروف المعيشية للاجئين واللبنانيين على حدّ سواء".

وفي تغريدة على حسابها على تويتر، قالت يوانّا فرونِتسكا، المنسقة الخاصة للأمم المتحدة في لبنان: "هذه المأساة هي بمثابة إشارة أخرى إلى الحاجة الملحة لإيجاد حلول للأزمات الاجتماعية والاقتصادية والمصاعب المعيشية في لبنان التي تدفع بالكثيرين إلى تعريض حياتهم للخطر أثناء محاولتهم الهروب عن طريق البحر".

من جهته، صرّح رئيس المنظمة الدولية للهجرة في لبنان، ماتيو لوتشيانو، أن الأزمة الاقتصادية في لبنان تسببت بواحدة من أكبر موجات الهجرة في تاريخ البلد، وقال: "تدفع الظروف الاقتصادية اليائسة المتزايدة، بعدد متزايد من الأفراد في لبنان إلى المغادرة بطرق غير آمنة. هناك حاجة ماسة إلى بدائل آمنة وقانونية للهجرة غير النظامية، وإلى دعم سبل العيش وتحسين الوصول إلى الخدمات في المجتمعات المعرضة للخطر".

وشهد لبنان، بحسب الأمم المتحدة، زيادة في عدد المغادرين بحراً منذ عام 2020، حيث حاول 38 قارباً على متنها أكثر من 1,500 راكب القيام بتلك الرحلات الخطرة، وتم اعتراض أو إعادة أكثر من 75 في المئة منها.

الحلم.. مستمر

أظهر مسح أجرته شبكة "الباروميتر العربي" في أبريل الماضي، أنّ "ما يقرب من نصف اللبنانيين يطمحون إلى الهجرة"، لهذا لم يحل غرق القارب دون استمرار مجازفة بعض ممن لم يجدوا في لبنان أبسط مقومات العيش، حيث لا كهرباء ولا ماء ولا استشفاء، فحتى شراء ربطة الخبز يفرض الوقوف في طوابير وكذلك حال المحروقات، في وقت أصبح الحصول على جواز سفر أمراً صعباً.

وبعد الحادثة تمكن عدد من المهاجرين عبر مراكب غير شرعية انطلقت من شمال لبنان الوصول إلى وجهتهم والتقاط مقاطع فيديو للحظة تحقيق حلمهم، كما أعلن الجيش اللبناني عن توقيف عدد من القوارب غير الشرعية وإعادتها إلى الشاطئ.

تتضارب المعلومات حول عدد ركاب القارب الذي غرق، وقد تحدثت الأمم المتحدة عن "84 شخصاً على الأقل من نساء ورجال وأطفال" غالبيتهم لبنانيون إضافة إلى فلسطينيين وسوريين، تمكن الجيش من إنقاذ 45 شخصاً بعد الحادثة، وانتشل ستة جثامين، ليبقى نحو 33 ضحية في أعماق المياه بانتظار من يصل إليها.

ومنذ شهر رمضا،ن لم يتم أخذ إفادات أحد من الناجين، فالتحقيق متوقف بحسب صبلوح "لذلك تقدمنا بشكوى أمام النيابة العامة التمييزية، مطالبين أن يحال الملف إلى جهاز أمني آخر غير الجيش، إذ من غير المقبول أن يحقق المتهم بالجريمة، كما من غير المقبول أن يحقق القضاء العسكري، نحن نريد خبراء مدنيين مستقلين يقدمون تقارير للوصول إلى العدالة، كما تقدمنا بكتاب إلى وزير العدل، هنري خوري، طالبنا من خلاله العمل على إصدار مرسوم من مجلس الوزراء بإحالة الملف إلى المجلس العدلي".

ويشدد صبلوح على أن التحقيق يحمي البلد من خلال تنفيس احتقان أهالي الضحايا وأن يحول دون أي ردة فعل غير مدروسة، كما أنه يحفظ هيبة المؤسسة العسكرية ويكشف الحقيقة، ونحن نأمل بأن يفي قائد الجيش اللبناني، جوزيف عون، بوعده الذي قطعه للأهالي حين استقبلهم بأن التحقيق سيكون شفافاً.

وقبل أيام، حصل إطلاق نار كثيف في منطقة القبة شمال لبنان خلال اعتصام لأهالي الضحايا احتجاجاً على تأخر انتشال جثث ذويهم من البحر، عن ذلك علّق "أبو ابراهيم" بقوله: "كان هدفنا اإسال صوتنا إلى الدولة المتقاعسة التي تتصرف وكأن قضيتنا ليست من ضمن مسؤولياتها، كما أننا لسنا نحن من أطلق النار بل طابور خامس، وقد ردّ الجيش اللبناني بإطلاق النار في الهواء".

لم يعد لدى أبو ابراهيم أي أمل بالدولة اللبنانية والمسؤولين الذين همّهم كما يقول: "الكرسي فقط، ولو أرادوا فعل شيء، لكنا لمسنا ذلك فيما يتعلق بقضية انفجار المرفأ".

لبنان وسوريا

تحت أضواء ثريات ذهبية، وفي قمة حافلة باتفاقات تجارية، وبرمزية كبيرة، أدهش الرئيس الأميركي دونالد ترامب العالم من الرياض، بإعلان مفاجئ: الولايات المتحدة سترفع العقوبات عن سوريا.

تجمد الحاضرون لحظة، ثم ضجت القاعة بالتصفيق. 

لسنوات، عزلت العقوبات الأميركية نظام الأسد، ورسمت المعالم الجيوسياسية للمنطقة. لكن الآن، بإعلان واحد، بدأت الخريطة تتغير.

في بيروت، كان التأثير فوريا. إذ سارع رئيس الوزراء نواف سلام إلى إصدار بيان وصف فيه قرار ترامنب بأنه فرصة نادرة للبنان، البلد الذي ابتلعته دوامة الانهيار الاقتصادي، وحروب حزب الله. 

شكر سلام السعودية على دورها في التوسط في هذا الشأن.

في غضون ذلك، لمّح ترامب نفسه إلى رؤية أوسع.

"هناك فرصة في لبنان لتحرير نفسه من نفوذ حزب الله"، قال من على المنصة، "يمكن للرئيس جوزاف عون بناء دولة خالية من حزب الله".

كانت رسالة ترامب واضحة: تغيير واشنطن موقفها من سوريا له امتدادا تشمل لبنان أيضا.

ولكن ما الذي يعنيه هذا القرار حقا بالنسبة للبنان؟ 

رغم الأهمية البالغة لقرار الرئيس الأميركي، يشير الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، خالد أبو شقرا،أن ذلك "لا يعني بالضرورة رفع جميع العقوبات المفروضة على دمشق".

في حديث مع موقع "الحرة،" يوضح أبو شقرا أن العقوبات الأميركية تنقسم إلى نوعين "عقوبات تنفيذية يستطيع الرئيس إلغاؤها بقرار منه، وعقوبات تشريعية يفرضها الكونغرس، وأبرزها قانون قيصر الذي فرض على سوريا عام 2019".

"إلغاء قانون قيصر يتطلب تشريعا جديدا"، يضيف.

يعد قانون قيصر، وفق أبو شقرا، "من أشد القوانين تأثيرا على الاقتصاد السوري، إذ يمنع الاستيراد والتعامل بالعملة الصعبة، ويعزل سوريا عن نظام سويفت (SWIFT)، ما يعيق استيراد التقنيات المستخدمة في قطاعات حيوية مثل الطيران والصناعات العسكرية والكهرباء".

ويلفت أبو شقرا، من ناحية أخرى، إلى "معلومات تفيد بأن الرئيس الأميركي قد يتمكن من تجميد العقوبات المفروضة عبر قانون قيصر لفترة تصل إلى ستة أشهر، لكن رفعها بشكل نهائي يبقى من صلاحيات الكونغرس".

ويشير إلى أن "العقوبات الأوروبية المفروضة على النظام السوري، وشخصيات محددة، لا تزال قائمة، وتشمل أيضا شخصيات جديدة ظهرت في السلطة بعد سقوط نظام بشار الأسد".

تداعيات إيجابية

يرجح أبو شقرا أن يكون لقرار ترامب رفع رفع العقوبات عن سوريا تداعيات إيجابية على لبنان، على مستويات متعددة، أبرزها:

1-المساعدة في ما يتعلق باللاجئين السوريين في لبنان

يشير أبو شقرا إلى أن وجود حوالي مليون سوري في لبنان عبء اقتصادي كبير، تتراوحت كلفته السنوية بين مليار  و 1.3 مليار دولار سنويا، بينما كانت المساعدات الدولية أقل من ذلك بكثير. 

"عودة ولو جزء من هؤلاء اللاجئين إلى سوريا، ستخفف من الضغط على الاقتصاد اللبناني، وتسهم في تخفيف الأعباء المالية على الدولة اللبنانية.

2- تخفيف الضغط على العملة الصعبة

عاد السوريون إلى بلادهم، وتوقفت عمليات التحويل غير الرسمية، قد يتراجع الطلب على الدولار في السوق اللبنانية، ما يُسهم في استقرار سعر الصرف، ويخفف من الأعباء المالية على المواطنين اللبنانيين.

3- تسهيل استجرار الغاز المصري والكهرباء من الأردن

لطالما حالت العقوبات المفروضة على سوريا دون تفعيل مشروع استجرار الغاز المصري والكهرباء من الأردن. ومع رفع العقوبات، قد يعاد إحياء هذا المشروع الحيوي، ما سيتيح للبنان استجرار 300 ميغاوات من الكهرباء من الأردن، بالإضافة إلى تشغيل معمل دير عمار بقدرة 500 ميغاوات، ما سيرفع التغذية الكهربائية في البلاد إلى حوالي 800 ميغاوات.

4- مشروع خط النفط من العراق

ناقش الوفد الوزاري اللبناني، الذي زار دمشق حديثا، وضم وزير المالية ياسين جابر، إمكانية إعادة تفعيل مشروع خط النفط من كركوك إلى بيروت أو دير عمار. يتيح هذا المشروع للبنان في حال تنفيذه استيراد النفط الخام من العراق وتكريره في البلاد، ما سيعزز الإيرادات عبر تصدير النفط المكرر إلى الخارج، ويحقق إيرادات كبيرة لخزينة الدولة.

5- عودة الشركات اللبنانية للاستثمار في سوريا

هناك أيضأ إيجابيات تتعلق بإمكانية عودة الشركات اللبنانية للاستثمار في سوريا، إذ قد تستقطب سوريا الكفاءات اللبنانية من مهندسين ومحامين وغيرهم. العديد من هؤلاء اكتسبوا خبرات واسعة خلال فترة الأزمة السورية، ما قد يسهم في إعادة الإعمار في سوريا عند رفع العقوبات.

6- ازدهار العقارات في الشمال اللبناني

يُتوقع أن تشهد مناطق الشمال اللبناني ازدهارا بسبب زيادة الطلب على الإيجارات والعقارات. قد تختار بعض الشركات أن تتخذ لبنان مركزا لانطلاق عملياتها في سوريا، وتحديدا لاستقبال موظفيها وطواقمها التنفيذية، ما سيرتفع الطلب على العقارات والشقق الفندقية والمكاتب في هذه المناطق.

ووفقا لوزير المالية اللبناني ياسين جابر فإنّ "قرار رفع العقوبات عن سوريا يشكّل أيضاً دفعاً ايجابياً في انعكاساته على مستوى ما يقوم به لبنان من تحضيرات لتأمين عبور النفط العراقي الى مصفاة طرابلس وخط الفايبر أوبتيك وكذلك لخط الربط الكهربائي الخماسي وتأمين نقل الغاز والكهرباء من مصر والأردن إلى لبنان".

وأضاف جابر في بيان "سنستمر في اتصالاتنا مع الاشقاء العراقيين لإنجاز كل الاجراءات والاعمال للتعجيل في إتمام التجهيزات المطلوبة على هذا الصعيد، كما أننا سنعمل على تفعيل كل ما يخدم الاقتصاد اللبناني والإفادة من رفع الحصار عن سوريا من حركة نقل وترانزيت من لبنان نحو دول المشرق والخليج العربي وسواها، باعتبارها منفذاً حيوياً واساسياً مساعداً في عملية الإعمار والاستنهاض الاقتصادي ككل".

بين الإصلاح والإخفاق

قد يشكّل رفع العقوبات عن سوريا فرصة ذهبية للبنان، "لكن ذلك يتطلب إصلاحات جذرية في قطاعات حيوية ما زالت تحتكرها الدولة، مثل الاتصالات والكهرباء والمياه والنفايات، مما يعيق دخول القطاع الخاص ويحدّ من فرص الاستثمار".

ويشير أبو شقرا إلى أن "تحسين البنية التحتية في هذه المجالات يعدّ ضروريا لجذب الشركات الأجنبية، سواء للاستثمار في لبنان أو لاستخدامه كنقطة انطلاق نحو سوريا. من دون إصلاحات ملموسة، ستظل التكاليف مرتفعة والخدمات دون المستوى المطلوب، مما سيبعد المستثمرين الأجانب عن الساحة اللبنانية".

على صعيد القطاع المالي، يصف الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، الوضع بأنه شبه مشلول "بورصة بيروت، التي تعاني من غياب النشاط وتراجع عدد الشركات المدرجة فيها، باتت عاجزة عن جمع التمويل اللازم للشركات اللبنانية الراغبة في التوسع أو الاستثمار في إعادة الإعمار السوري. هذا الواقع يضعف من قدرة لبنان على المنافسة مع دول أخرى أكثر جاهزية مثل تركيا والسعودية والإمارات، التي تمتلك بنية تحتية متطورة وقدرة أعلى على جذب الاستثمارات".

في المحصلة، يرى أبو شقرا أن رفع  العقوبات عن سوريا يضع "لبنان أمام خيارين؛ إما أن يقتنص الفرصة ويبدأ بإصلاحات جذرية في قطاعاته الحيوية، أو يفوّتها ويبقى في أزمته".