القارب لا يزال غارقا حاملا جثث الضحايا
القارب لا يزال غارقا حاملا جثث الضحايا

بعد مرور شهرين على حادثة غرق قارب هجرة غير شرعي شمال لبنان، لا يزال البحر يبتلع في أعماقه ما يقارب الثلاثين جثة غالبيتها من نساء وأطفال، بعدما عجزت السلطات اللبنانية عن انتشالها نظراً لعمق المياه في مكان الكارثة.

في الثالث والعشرين من شهر أبريل الماضي كان موعد عاصمة لبنان الثانية طرابلس مع الفاجعة، وذلك بعدما أبحر قارب ضم ما يزيد عن 80 مهاجراً في محاولة للوصول إلى شواطئ ايطاليا، وقبل تحقيق الحلم انقلبت حياتهم إلى جحيم حيث اصطدم قاربهم بخافرة للجيش اللبناني كانت تلاحقهم.

وجه الركاب أصابع الاتهام إلى الجيش بأنه اصطدم عمداً بقاربهم متسبباً بغرقهم، في حين نفى الجيش ذلك مشدداً على أنه "عملنا على إيقاف القارب وإقناع قائده أنه معرض للغرق حيث كان محملاً بما يزيد عن 15 ضعفاً لحمولته المسموحة، لكن لم يقتنعوا وقد اتخذ قائد القارب القرار بتنفيذ مناورات للهروب من الخافرة بشكل أدى إلى ارتطامه بها".

الأوضاع الاقتصادية والمعيشية دفعت عدداً من اللبنانيين إلى الهجرة
مركب طرابلس.. شهود يتهمون الجيش اللبناني بـ"مجزرة" وتعهد بتحقيق شفاف
لا تزال تداعيات غرق المركب الذي كان يقل مهاجرين غير شرعيين من مدينة طرابلس شمال لبنان إلى السواحل الإيطالية تتفاعل، لاسيما مع تصويب الناجين أصابع الاتهام إلى الجيش اللبناني وبالتحديد إلى الضابط المسؤول الذي أمر بإيقافهم ومنعهم من استكمال رحلتهم، في وقت عزا الجيش اللبناني، في بيان، وقوع الحادثة إلى تسرّب المياه بسبب ارتفاع الموج وحمولة المركب ‏الزائدة.

ألم أهالي الضحايا مضاعف، فهم لم يفقدوا أحبابهم فقط بل لم يتمكنوا حتى الآن من دفن جثامينهم التي علقت كما يرجح في الغرفة السفلية للقارب، لا سيما بعدما توقفت عمليات البحث لعدم توفر المعدات المطلوبة للوصول إلى العمق الذي استقر فيه، ليناشد الأهالي بعدها المجتمع الدولي طالبين مساعدته، وعندما لم يتلقوا جواباً تواصل مغتربون مع شركة هندية خاصة لاستقدام غواصة والقيام بالمهمة.

أخذ اللواء أشرف ريفي، على عاتقه متابعة وصول الغواصة إلى لبنان والتي من المقرر كما قال: "أن تنطلق من جزر الكناري في إسبانيا على أن تصل الشهر القادم" وأضاف في حديث لموقع "الحرة" "تكفلت منظمة إنسانية أسترالية لبنانية تدعى "Aus Relief" بجمع التكاليف من المغتربين، والتي تصل إلى 251 ألف يورو للغواصة فقط عدا باقي المصاريف".

بين اليأس والترقب

خسرت عائلة الدندشي عشرة أشخاص في رحلة الموت، دفنت اثنين منهم، ليبقى لها ثماني جثث في المياه، وبعد أن كان بلال الدندشي "أبو ابراهيم" من أشد المطالبين بانتشال جثامين الضحايا لم يعد اليوم يولي الأمر الأهمية ذاتها، وبحسب ما قاله: "من استشهد لن يعود إلى الحياة، نحن نسلم أمرنا إلى الله، فإن وصلت الغواصة ونجحت في مهمتها نشكر من يقفون خلف ذلك على جهودهم، وإن لم يحصل ذلك فهذه إرادة الله".

حالة اليأس التي وصل إليها أبو ابراهيم سببها دولة تركت ابناءها في قعر البحر من دون أن تحرك ساكناً وتعمل كل ما في وسعها لانتشال جثثهم، ووعود عدة تلقاها أهالي الضحايا بوصول غواصة قبل أن تطرق عراقيل تؤدي إلى تأخير موعد انطلاقها، ويقول أبو ابراهيم لموقع "الحرة": "أولى العراقيل وضعتها المؤسسة العسكرية ثم الدولة اللبنانية ومن بعدها شركة الشحن التي تريد مؤسسة أو منظمة تضمن عملية نقل الغواصة، وكما علمتُ، قد يتم توكيل الصليب الأحمر الدولي بالإشراف على الموضوع".

لكن مصدرا مسؤولا في مخابرات الجيش نفى أي عرقلة من قبل المؤسسة العسكرية لوصول الغواصة، متسائلاً: "لماذا سنعرقل انتشال الجثث؟"، وأكد في حديث لموقع "الحرة" "نحن بانتظار وصول الغواصة التي سيتم شحنها عبر باخرة، ونعمل على تأمين كل الأمور اللوجستية وسنقدم كل التسهيلات الممكنة لها، في وقت لا يزال التحقيق مستمراً مع المدنيين والعسكريين المعنيين بالقضية، ولا موقوفون حتى الساعة".

من جانبه، أكد اللواء ريفي أن العراقيل إدارية وأنه "يجري حلحلتها من خلال متابعة الموضوع مع المعنيين وذلك كي تتمكن الغواصة من الوصول وإنجاز مهمتها".

استقدام الغواصة بعمل فردي اعتبره المحامي محمد صبلوح، الذي يتابع القضية، دليلاً على أن "الدولة اللبنانية لا تحترم نفسها كون ذلك من مسؤوليتها، لكنها تخلت عن دورها، ما يشير إلى لا مبالاتها بلبنان وشعبه".

وطالب المحامي بأن يتم تسيير كل الإجراءات للغواصة لكي تقوم بمهمتها، مشدداً على ضرورة التقاط صور للقارب وهو في قاع البحر من كل الجوانب قبل محاولة سحبه من المياه لمعرفة من أي جهة حصل الارتطام، وذلك "خشية من انكساره وتبدد الأدلة".

ويشدد صبلوح على أن "طرّاد الجيش مزود بكاميرات يمكن أن تظهر كيف وقع الحادث، نتمنى أن يتم نشر مقاطع منها للرأي العام".

بعدما خسر ربيع الجمل خمسة من أفراد عائلته، هم والدته هند وشقيقته ليليان وزوجته حنان مرعب وطفليه يوسف وريماس، كل ما يريده اليوم هو انتشال جثثهم من المياه، وأن تأخذ العدالة مجراها ويحاكم من كان السبب خلف الكابوس المرير الذي دمّر حياته.

"الوجع كبير جداً"، كما يقول ربيع لموقع "الحرة": "فقدتُ أساس منزلنا أمي الحبيبة، وشقيقتي الوحيدة، ومن تعاهدت وإياها على إكمال الحياة سوية، إضافة إلى طفليّ، فأي كلام يمكنه وصف ما أعيشه كل لحظة، بعدما خسرت كل شيء! أصعب ما على الأرض أن يباعد الموت بينك وبين عزيز عليك، فكيف إذا كانوا خمسة دفعة واحدة!".

منذ اللحظات الأولى لغرق القارب تابعت وحدة الإنقاذ في الدفاع المدني البحث مؤازرة الجيش اللبناني من خارج الموقع،  وبحسب ما شرحه رئيس الوحدة سمير يزبك: "في العادة عند غرق أي قارب يمكن أن تطفو الجثث على سطح الماء خلال 24 إلى 48 ساعة إذا لم يكن عمق المياه كبيراً، أي إذا كان نحو 40 متراً، لكن بما أن قارب طرابلس غرق على عمق يصل إلى 600 متراً فإنه من الاستحالة أن تطفو الجثث".

وفيما إن كان بالإمكان العثور على جثث بعد مرور شهرين على تواجدها في المياه قال لموقع "الحرة": "نعم كون درجة الحرارة على العمق الذي استقر فيه القارب تتراوح ما بين 6 إلى 7 درجات، إذ كلما ازداد العمق انخفضت درجة الحرارة، لكن ذلك لا يلغي تعرض الجثث للتحلل".

المسار القانوني

بعد الحادث، كلف مجلس الوزراء اللبناني الجيش التحقيق في حادثة قارب الهجرة، وذلك خلال جلسة استثنائية ترأسها رئيس الجمهورية، ميشال عون، في قصر بعبدا، حيث أعلن وزير الإعلام، زياد مكاري، بعدها أن الحكومة قررت "الطلب من قيادة الجيش إجراء تحقيق شفاف حول ظروف وملابسات الحادث وذلك تحت إشراف القضاء المختص"، موضحاً أن القضاء العسكري سيتولى التحقيق.

كما كلفت الحكومة وزارتي الخارجية والدفاع التواصل مع الدول والجهات المعنية للمساعدة على "تعويم" المركب الغارق.

وفي محاولة لكشف الحقيقة، تطوع 11 محاميا لمتابعة القضية، كما عينت نقابة المحامين في طرابلس لجنة لذات الأمر، وبحسب ما يقوله صبلوح: "خطوتنا جاءت رداً على هذه الجريمة التي لا تغتفر، ولكشف من يقف خلفها فيما إن كان ضابط خفر السواحل أو سائق القارب أو أي من تظهره التحقيقات، فلا يجوز أن يفلت المجرم من العقاب سواء كان مدنياً أو عسكرياً".

ويأسف صبلوح كون "التجارب السابقة في مثل هذه القضايا انتهت بتسويات" مشدداً على أن "هذا ما لن نقبله، نحن في دولة مؤسسات وقانون ومن غير المسموح أن تذهب دماء الضحايا هدراً، ولكي نضمن العقاب راسلنا منظمة "Mena Rights" للدفاع عن حقوق الإنسان ومركزها في جنيف، حيث تقدمنا بشكوى أمام المقرر الخاص بالمسؤولين عن الجرائم خارج أطر القانون، وذلك في رسالة إلى المسؤولين في لبنان أن هناك من يراقب مجريات التحقيق".

ينتظر المحامون أن يرسل المقرر الخاص خلال أيام كتاباً إلى الحكومة اللبنانية للاستفسار عن مجريات التحقيق، وقال صبلوح: "بعد الخطوة التي قمنا بها، أي شكوك لدينا حول نزاهة التحقيق، يمكننا محاسبة المعنيين أمام النظام القضائي العالمي الخاص في أوروبا".

بعد غرق القارب، اعتبرت كل من مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة بأن هذه المأساة "تؤكد الحاجة إلى الدعم المستمر للبنان".

وقال ممثل مفوضية اللاجئين في لبنان، أياكي إيتو: "يسلّط هذا الحادث المأساوي الضوء على المخاطر الصادمة التي يلجأ إليها الكثيرون بدافع اليأس. تحطم القوارب وغرقها، والوفيات المأساوية والمعاناة التي تسببها أمر يمكن تفاديه، وذلك من خلال حشد الدعم الدولي المستمر لمساعدة لبنان، خاصة مع تدهور الظروف المعيشية للاجئين واللبنانيين على حدّ سواء".

وفي تغريدة على حسابها على تويتر، قالت يوانّا فرونِتسكا، المنسقة الخاصة للأمم المتحدة في لبنان: "هذه المأساة هي بمثابة إشارة أخرى إلى الحاجة الملحة لإيجاد حلول للأزمات الاجتماعية والاقتصادية والمصاعب المعيشية في لبنان التي تدفع بالكثيرين إلى تعريض حياتهم للخطر أثناء محاولتهم الهروب عن طريق البحر".

من جهته، صرّح رئيس المنظمة الدولية للهجرة في لبنان، ماتيو لوتشيانو، أن الأزمة الاقتصادية في لبنان تسببت بواحدة من أكبر موجات الهجرة في تاريخ البلد، وقال: "تدفع الظروف الاقتصادية اليائسة المتزايدة، بعدد متزايد من الأفراد في لبنان إلى المغادرة بطرق غير آمنة. هناك حاجة ماسة إلى بدائل آمنة وقانونية للهجرة غير النظامية، وإلى دعم سبل العيش وتحسين الوصول إلى الخدمات في المجتمعات المعرضة للخطر".

وشهد لبنان، بحسب الأمم المتحدة، زيادة في عدد المغادرين بحراً منذ عام 2020، حيث حاول 38 قارباً على متنها أكثر من 1,500 راكب القيام بتلك الرحلات الخطرة، وتم اعتراض أو إعادة أكثر من 75 في المئة منها.

الحلم.. مستمر

أظهر مسح أجرته شبكة "الباروميتر العربي" في أبريل الماضي، أنّ "ما يقرب من نصف اللبنانيين يطمحون إلى الهجرة"، لهذا لم يحل غرق القارب دون استمرار مجازفة بعض ممن لم يجدوا في لبنان أبسط مقومات العيش، حيث لا كهرباء ولا ماء ولا استشفاء، فحتى شراء ربطة الخبز يفرض الوقوف في طوابير وكذلك حال المحروقات، في وقت أصبح الحصول على جواز سفر أمراً صعباً.

وبعد الحادثة تمكن عدد من المهاجرين عبر مراكب غير شرعية انطلقت من شمال لبنان الوصول إلى وجهتهم والتقاط مقاطع فيديو للحظة تحقيق حلمهم، كما أعلن الجيش اللبناني عن توقيف عدد من القوارب غير الشرعية وإعادتها إلى الشاطئ.

تتضارب المعلومات حول عدد ركاب القارب الذي غرق، وقد تحدثت الأمم المتحدة عن "84 شخصاً على الأقل من نساء ورجال وأطفال" غالبيتهم لبنانيون إضافة إلى فلسطينيين وسوريين، تمكن الجيش من إنقاذ 45 شخصاً بعد الحادثة، وانتشل ستة جثامين، ليبقى نحو 33 ضحية في أعماق المياه بانتظار من يصل إليها.

ومنذ شهر رمضا،ن لم يتم أخذ إفادات أحد من الناجين، فالتحقيق متوقف بحسب صبلوح "لذلك تقدمنا بشكوى أمام النيابة العامة التمييزية، مطالبين أن يحال الملف إلى جهاز أمني آخر غير الجيش، إذ من غير المقبول أن يحقق المتهم بالجريمة، كما من غير المقبول أن يحقق القضاء العسكري، نحن نريد خبراء مدنيين مستقلين يقدمون تقارير للوصول إلى العدالة، كما تقدمنا بكتاب إلى وزير العدل، هنري خوري، طالبنا من خلاله العمل على إصدار مرسوم من مجلس الوزراء بإحالة الملف إلى المجلس العدلي".

ويشدد صبلوح على أن التحقيق يحمي البلد من خلال تنفيس احتقان أهالي الضحايا وأن يحول دون أي ردة فعل غير مدروسة، كما أنه يحفظ هيبة المؤسسة العسكرية ويكشف الحقيقة، ونحن نأمل بأن يفي قائد الجيش اللبناني، جوزيف عون، بوعده الذي قطعه للأهالي حين استقبلهم بأن التحقيق سيكون شفافاً.

وقبل أيام، حصل إطلاق نار كثيف في منطقة القبة شمال لبنان خلال اعتصام لأهالي الضحايا احتجاجاً على تأخر انتشال جثث ذويهم من البحر، عن ذلك علّق "أبو ابراهيم" بقوله: "كان هدفنا اإسال صوتنا إلى الدولة المتقاعسة التي تتصرف وكأن قضيتنا ليست من ضمن مسؤولياتها، كما أننا لسنا نحن من أطلق النار بل طابور خامس، وقد ردّ الجيش اللبناني بإطلاق النار في الهواء".

لم يعد لدى أبو ابراهيم أي أمل بالدولة اللبنانية والمسؤولين الذين همّهم كما يقول: "الكرسي فقط، ولو أرادوا فعل شيء، لكنا لمسنا ذلك فيما يتعلق بقضية انفجار المرفأ".

لبنان حزب الله

يترقب اللبنانيون أول اختبار لقياس حجم التأييد الشعبي لحزب الله بعد الخسائر التي مُنّي بها، والدمار الذي لحق بالسكان، والبلد عموما، جراء الحرب مع إسرائيل.

وستعبر نتائج الانتخابات البلدية المقررة في مايو المقبل، ضمنا، عن مزاج الشارع، الشيعي خصوصا، حيال قضايا أبرزها سلاح الحزب وتقاعسه في إعادة إعمال المناطق المتضررة جراء الحرب.

يأتي ذلك على خلفية حالة تملل، متزايدة، من تداعيات الحرب، وما رافقها من دمار واسع في القرى الجنوبية، ونزوح آلاف العائلات من مناطقها، وتراجع في الخدمات الأساسية، إلى جانب أزمات اقتصادية خانقة.

وبينما يحاول حزب الله الإيحاء بتماسك قاعدته من خلال رفع شعارات بعيدة عن الواقع، فإن جزءا من جمهوره بات يبحث عن حلول ملموسة لأزماته اليومية، ولإعمار ما دمرته الحرب، بعيدا عن الخطابات الأيديولوجية.

المؤشرات كثيرة إلى أن الباب بات مشرعا أمام تغييرات مفصلية في المشهد المحلي، ولو على مستوى بعض البلديات، ويرجح مراقبون، تحدثوا موقع "الحرة"، أن يقول الشارع الشيعي كلمته بشأن حزب الله في الانتخابات النيابية  2026.

تحدي الانتخابات

رغم الدمار الهائل الذي خلفته الحرب لا سيما جنوب لبنان، ورغم استمرار عمليات الاغتيال الإسرائيلية ضد عناصر من حزب الله واستهداف ترسانته العسكرية، "تتجه السلطات اللبنانية إلى إجراء الانتخابات البلدية، بعد أن كانت قد أجلتها لعامين متتاليين دون مبرر قانوني أو مقنع، متذرعة تارةً بغياب التمويل وتارةً أخرى بأوضاع أمنية ولوجستية"، كما يقول الباحث في تطوير القوانين والأنظمة الانتخابية، عاصم شيّا.

وفي حديث لموقع "الحرة"، يرى شيا أن "المشكلة الحالية التي تواجه إجراء الانتخابات البلدية ليست تقنية بقدر ما هي تنظيمية، خاصة في البلدات الجنوبية المدمرة". 

"هناك خياران أمام الجهات المعنية: إما نصب خيام داخل البلدات المتضررة إذا أصرّ السكان على الاقتراع فيها، أو نقل مراكز الاقتراع إلى بلدات مجاورة أكثر استقرارًا، على أن تُستخدم مبانٍ عامة مثل المدارس، الحسينيات، أو الكنائس لهذا الغرض".

لكن التحدي الأبرز، بحسب شيا، يكمن في تأمين "هيئة القلم"، أي الموظفين المكلفين بإدارة العملية الانتخابية، ومعظمهم من النساء العاملات في القطاع العام، لا سيما في التعليم، واللواتي يُبدين تحفظًا على التوجه إلى مناطق غير آمنة.

وتجدر الإشارة إلى أنه بحسب تقرير التقييم السريع للأضرار والاحتياجات في لبنان لعام 2025، الصادر عن البنك الدولي في 7 مارس، تقدّر احتياجات إعادة الإعمار والتعافي في أعقاب الصراع الذي شهده لبنان بنحو 11 مليار دولار أميركي.

ويعد قطاع الإسكان الأكثر تضرراً، مع أضرار تقدَّر بنحو 4.6 مليار دولار، فيما بلغت الأضرار التي لحقت بالمقومات المادية 6.8 مليار دولار.

أما من الناحية الجغرافية، فيشير التقرير إلى أن أكثر المناطق تضرراً هي محافظتا النبطية والجنوب، تليهما محافظة جبل لبنان التي تضم الضاحية الجنوبية لبيروت.

حقل تجارب؟

يلاحظ الباحث عاصم شيا، الذي يراقب الأنماط الانتخابية منذ عام 2009، أن القوى السياسية استخدمت الانتخابات البلدية عام 2016 كـ"حقل تجارب" لقراءة المزاج الشعبي، بعدما راودها القلق من قانون الانتخاب رقم 25/2008 (قانون الستين)، الذي أصبح يشكل خطراً عليها بسبب تطور وعي الخصوم المستقلين.

يقول شيا إن "تأجيل الانتخابات النيابية عامي 2013 و2015، مقابل إجراء الانتخابات البلدية عام 2016، كان مدروساً، الهدف منه مراقبة اتجاهات الناخبين. وفعلاً، كشفت الانتخابات عن نقمة واسعة، ما دفع الأحزاب إلى اللجوء إلى تكتيكات جديدة، أبرزها الدفع بمرشحين "نظيفي الكف" وغير حزبيين ظاهرياً، ليترأسوا اللوائح، ثم إحاطتهم بأعضاء بلديين حزبيين يضمنون ولاء المجلس للحزب. هذه المقاربة ساعدت في ضمان المكاسب لاحقاً في انتخابات 2018".

كذلك، "تم اللجوء إلى توظيف آلاف في مؤسسات رسمية رغم عدم الحاجة الفعلية إليهم، كما جرى التعاقد مع أعداد كبيرة في الوزارات، خصوصاً التعليم، فيما اعتُبر رشوة انتخابية مقنّعة لتأمين الأصوات".

اليوم يتكرر المشهد نفسه، بحسب شيّا، "تُسرع القوى السياسية إلى إجراء الانتخابات البلدية لا لمعالجة أزمات المجالس، بل لرصد اتجاهات الناخبين، تمهيداً لاستخدام الوظائف العامة والعسكرية مجددًا كأداة لاستمالة الأصوات"، فهذه الانتخابات، في نظره، ليست سوى مختبر سياسي يساعد القوى التقليدية على إعادة تنظيم صفوفها استعداداً للمعركة الأهم: انتخابات 2026 النيابية.

في المناطق التي تعرف بـ"الحاضنة" لحزب الله، يعاني معظم السكان، الذين تعرضت منازلهم للتدمير جزئياً أو كلياً، من بطء الإجراءات المتعلقة بإعادة الإعمار، إضافة إلى تأخر استجابة الحزب لتقديم التعويضات اللازمة لترميم المنازل أو تعويض الأثاث المتضرر.

وقال الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، بشأن إعادة إعمار المناطق المتضررة من الحرب، في 14 ديسمبر، أن "إعادة الإعمار مسؤولية الدولة،" التي تعاني أصلا من أزمة مالية خانقة. ودعا "الأشقاء العرب والدول الصديقة في المساعدة في إعادة الاعمار".

صراع عائلي تحت رايات حزبية؟

لا تعكس الانتخابات البلدية بالضرورة موازين القوى السياسية بشكل دقيق، وفقا لشيّا، "لأنها غالباً ما تكون امتداداً لصراعات عائلية داخلية.

"قد تُطرح لوائح تبدو متنافسة لكنها في الواقع تابعة للحزب نفسه، تختلف فقط حول المواقع أو التفاصيل، في مشهد يختلط فيه النفوذ العائلي بالحسابات الحزبية"، يقول شيا.

وعند تحليل تأثير الحرب الأخيرة على توجهات الناخبين، يرى شيّا ضرورة التمييز بين فئتين "الأولى تضمّ مؤيدي حزب الله، الذين رغم تضررهم من الحرب، زاد ارتباطهم به. أما الفئة الثانية، فهي من الشيعة غير المنضوين ضمن الثنائي الشيعي، هؤلاء يبدون استياءً واضحاً من الحرب ويحملون "الثنائي" مسؤولية ما جرى. ويُتوقع أن تتخذ هذه الفئة موقفاً مغايراً في الانتخابات المقبلة".

ويرى الكاتب، الصحفي مجد بو مجاهد أن "ثمة طابعا مجتمعيّا خاصا باستحقاق الانتخابات البلدية والاختيارية في لبنان في غالبية المناطق اللبنانية بخاصّة في القرى، ولا يمكن الحديث عن طابع سياسي سوى في بعض المدن الكبرى المتنوعة طائفياً كمدينة بيروت. 

"لذلك لا يمكن اعتبار الاستحقاق البلديّ بمثابة مقياس للتوجه الشعبيّ السياسي لدى المواطنين الشيعة أو سواهم من المواطنين اللبنانيين، من دون إغفال أنّ ثمة مدناً يغيب عنها التنافس السياسي في الاستحقاق الانتخابيّ البلديّ الحاليّ رغم أنه كان ظاهراً في استحقاقات بلدية سابقة".

اللافت وفق ما يقوله بو مجاهد لموقع "الحرة" أنّ "الأجواء الشيعية المجتمعية لا تبدو مهتمّة في استحقاق الانتخابات البلديّة مقارنة مع بيئات مجتمعية مغايرة تتطلّع بحيوية نحو خوض الاستحقاق والتنافس بين اللوائح على مستوى مجتمعيّ، لا سياسي".

ويشرح: "خروج المجتمع الشيعي من حرب ألحقت به خسائر كبرى، منها ضرب البنى التحتية والأراضي، سبب لتراجع الاهتمام الشيعي بخوض تنافس مجتمعيّ على الانتخابات البلدية، ولذلك كانت لافتة ظاهرة تشكيل لائحة واحدة فحسب في كثير من البلدات بعيداً عن خوض منافسة بين اللوائح".

إذا تضاعفت النقمة على "الثنائي الشيعي" _ أي حزب الله وحركة أمل _ من المواطنين في المناطق ذات الحضور الشيعي، فإنها ستظهر، وفق بو مجاهد، "في استحقاق الانتخابات النيابية المقبلة، لا في استحقاق الانتخابات البلدية".

"حتى الآن، هناك امتعاض شيعيّ واضح من حزب الله بخاصة بسبب تأخّر إعادة الإعمار، لكنّ تطوّر ذلك الامتعاض من عدمه سيكون مرتبطاً بما ستعرفه الأشهر اللاحقة من متغيرات".

النزاهة موضع شك؟

الحديث عن انتخابات نزيهة "غير واقعي"، يشدد شيّا، "لا بسبب حزب الله فقط، بل بسبب جميع الأحزاب التي تسيطر على مناطق نفوذها بشكل كامل ومدروس، ما يقيد قدرة المعارضين على خوض المعركة بتكافؤ".

يستشهد شيا بلائحة معارضة في بعلبك "تواجه صعوبات جمّة في التواصل مع الناخبين، في وقت تُستغل فيه الحرب والخطاب السياسي في الجنوب لتأليب الرأي العام عبر العاطفة، خصوصاً من قبل حزب الله وحركة أمل".

ويؤكد أن المعركة البلدية يجب أن تبقى محلية الطابع، "هدفها تحسين الخدمات وتفعيل دور البلديات". ويذكّر شيّا أن "الثنائي الشيعي لم يحصل في انتخابات 2022 النيابية على أكثر من 47% من أصوات الناخبين الشيعة مجتمعَين"، ما يعكس تراجعاً في شعبيته.

أما بو مجاهد فيرى أنه "قد يكون لتسليم حزب الله سلاحه والتقليل من سيطرته على المناطق الشيعية إذا حصل، نتائج تسرّع الحلول في المناطق المتضرّرة من الحرب".

ويضيف "كيفية تغيّر المزاج الانتخابي داخل البيئة الشيعية ستظهر في الانتخابات النيابية السنة المقبلة، لا في الانتخابات البلدية التي ستحصل خلال أسابيع. وتالياً، لا ترجيحات في قدرة الانتخابات البلدية على التغيير، والرهان سيكون على الانتخابات النيابية".