لبنان

اهتز الرأي العالم اللبناني خلال الأيام الماضية، على وقع توالي جرائم وانتهاكات فظيعة، استهدفت جميعها نساء من مناطق مختلفة، في حالات متفرقة بالشكل والقصص، لكنها مرتبطة بشكل وثيق، بالوضع العام الذي تعيشه النساء في لبنان لناحية التمييز السلبي، وانعدام الحماية القانونية، فضلاً عن المساواة في الحقوق والواجبات. 

3 جرائم تكشفت للبنانيين على مدى 3 أيام متتالية. عنف زوجي وصل إلى عتبة القتل، اغتصاب جماعي لفتاة من ذوي الاحتياجات الخاصة على يد عناصر أمنية محمية، وانتحار لفتاة قاصر بسبب إرغامها على الزواج من شخص يكبرها ولا تريده. أحداث جرت على مرأى من اللبنانيين وسلطاتهم دون أن رادع أو محاسبة، في ظل انعدام الأطر القانونية والإرادة السياسية للمعالجة. 

اغتصاب جماعي

إحدى أبشع الجرائم ضجت يوم الاثنين الماضي، بعدما كانت قد كشفت صفحة معنية بأخبار المخيمات الفلسطينية في لبنان على موقع فايسبوك (مخيمات لبنان نيوز)، عن جريمة تقشعر لها الأبدان، أقدم خلال عناصر من الأمن الوطني الفلسطيني، التابع لمنظمة فتح، على اغتصاب فتاة تعاني من أمراض عقلية، في أحد مكاتب الأمن الوطني الفلسطيني في مخيم عين الحلوة.

وبحسب التفاصيل المنشورة، فقد أقدم نحو 9 عناصر أمنية، بينهم مسؤول إعلامي، وأحد الأقارب، على اغتصاب الفتاة في مكتب أمني في منطقة "حي الطيرة"، وبعد تأكيدات العائلة في بيانات لها على الواقعة، والتي أثبتها حمل الفتاة الذي ظهر مؤخراً، واعتراف حركة فتح بحصولها، رغم تنكرها لانتماء المعتدين لصفوفها، جرى تسليم عدد من المتورطين لمخابرات الجيش اللبناني.

إلا أن عائلة الضحية تحدثت عن تدخلات عالية المستوى من ناحية الأمن الفلسطيني وحركة فتح للضغط عليهم من أجل "لفلفة القضية"، كما جرى الحديث عن تدخلات أفضت إلى الإفراج عن أحد المتهمين النافذين، ومحاولات لحمايته من تبعات القضية.

هذا الأمر أثار غضبا كبيراً لدى الجمعيات الحقوقية والنشطاء المعنيين بالدفاع عن حقوق النساء في المخيمات الفلسطينية وعلى الأراضي اللبنانية، التي طالبت في بيانات بوقف التدخلات الأمنية والسياسية وانزال اشد العقوبات بحق المرتكبين دون استثناء، فضلاً عن تأمين الحماية للضحية وعائلتها في وجه الضغوطات والتهديدات.

تكسير أضلاع وتلف أحشاء

جريمة أخرى سجلت خلال اليومين الماضيين، وقعت في بلدة سحمر في البقاع الغربي، ضحيتها زوجة تبلغ من العمر 30 عاماً، وأم لطفلة، تعرضت ليل الاثنين الماضي، لاعتداء عنيف من قبل زوجها، داخل منزلها وعلى مرأى طفلتها، أدى إلى نقلها إلى المستشفى بحال خطرة بعدما تعرضت لنزيف حاد نتيجة 4 كسور في الأضلاع، ما أدى في النهاية إلى استئصال الطحال، نتيجة تعرضها لتلف. 

وبحسب كلام عائلة الضحية، فإنها ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها الضحية لعنف جسدي على يد زوجها، بلغ ذروته في الحادثة الأخيرة. وقد جرى تداول مقاطع مسجلة لطفلة الضحية تطلب النجدة من §خالها، وتقول في التسجيل "تعال بسرعة ماما سوف تموت.. بابا قتلها"، ما زاد من حالة الصدمة التي تركتها الواقعة على اللبنانيين. 


ومرة جديدة، يتكشف ضغوطات عائلية وسياسية من بعض النافذين، لحماية المرتكب، حيث تحدثت جمعيات حقوقية وصفحات نسوية على مواقع التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى عائلة الضحية عن ضغوطات ومحاولة حماية للمعنف، الذي كان قد فر إلى جهة مجهولة بعد الحادثة، فيما تقدمت عائلة الضحية بدعاوى قانونية بحقه. 

تزويج مبكر ينتهي بانتحار 

وبالتزامن أيضاً وبفارق ساعات عن الأحداث السابقة، أقدمت طفلة بعمر الرابعة عشر، على الانتحار في بلدة قرحيا-الضنية في شمال البلاد، نتيجة الضغوط العائلية وإرغامها على الزواج من شخص لا ترغب به.

الحادثة سرعان ما سلطت الأضواء على قوانين منع التزويج المبكر الذي تقدمت به جمعيات عدة في لبنان للمجلس النيابي من أجل اقراره، وتحديد سن الزواج في لبنان بعمر الـ 18 عاماً، لتفادي الآثار الكارثية التي تنتج عن التزويج المبكر، والتي كان انتحار الطفلة شكل من أشكالها. 

واستنكرت الهيئة اللبنانية لمناهضة العنف ضد المرأة الجريمة النكراء التي أدت إلى انتحار الطفلة، "بعد أن أجبرها أهلها على الزواج متمسكين بالأعراف والتقاليد البالية وحفاظاً على الذهنية الذكورية في المجتمع"، وفق بيانها.

وأضافت الهيئة "بالرغم من كل المطالب والصرخات التي تطلقها دوماً الجمعيات والمنظمات النسوية والحقوقية لوضع حدّ للجرائم التي ترتكب يوميا ًبحق الطفلات باسم الزواج التقليدي، وبالرغم من تقدمنا، الى جانب جمعيات أخرى، باقتراح قانون حماية القاصرات من التزويج المبكر، والذي تمت مناقشته داخل لجنة حقوق الإنسان النيابية السابقة في البرلمان، نقف اليوم عاجزين أمام هذه الجريمة المروعة بحق الطفولة." 

الهيئة شددت على ضرورة الإسراع بإقرار قانون يحمي الطفلات من التزويج المبكر ومعاقبة كل من شارك أو تدخل أو حرّض على هذا الفعل، وطالبت في بيانها الجهات المعنية بالتحرك تجنباً لحصول كوارث أخرى من هذا النوع و"هتك أرواح بريئة لا ذنب لها سوى أنها حرمت من طفولتها." 

"التجمع النسائي الديمقراطي" كان بدوره من أبرز العاملين على قضية التزويج المبكر، والساعين إلى إقرار قوانين تجرمه وتحدد سن الزواج بـ 18 عاماً، حيث تقدم التجمع باقتراح قانون إلى مجلس النواب اللبناني، وتواصل مع عدد كبير من الكتل النيابية، وأفضت الجهود إلى مناقشة القانون من قبل لجنة الإدارة والعدل النيابية، لكن دون أن يسلك طريقه التشريعي نحو الإقرار، بحسب ما تؤكد رئيسة التجمع كارولين صليبي، في حين لم يعاد طرح القانون مرة جديدة او مناقشته بعد انتهاء ولاية المجلس النيابي القديم وبدء ولاية الجديد. 

صليبي ترى في حديثها لموقع "الحرة" أن انتحار الطفلة مرتبط دون أدنى شك بتزويجها مبكراً وهي بعمر الـ14، "فالتزويج المبكر هو نوع من الاغتصاب بالقوة، حتى ولو كانت القاصر موافقة على الزواج، ليس لديها النضج العقلي الكافي ولا الوعي اللازم لاتخاذ قرار الزواج عن سابق إدراك وفهم. 

وتضيف "ولكونهم أطفالاً، ويعيشون في زمن تزداد فيه المشاكل النفسية في ظل ظروف قاهرة يعيشها لبنان على مختلف المستويات، فإنهم غير مؤهلين لكل هذا الضغط."

الاعتماد على وعي الأهل والأطفال لمخاطر التزويج المبكر، ليس كافياً بالنسبة إلى صليبي، "نحن بحاجة في ظل هذه الأوضاع إلى روادع قانونية للتزويج المبكر، يجب معاقبة كل من يزوج طفلة في لبنان كي تلتزم الناس، وإلا فإن المجتمع برمته مهدد بالنتائج الكارثية لهذه الزيجات، إن لناحية الطفلة المزوجة مبكراً أو لناحية أطفالها وأسرتها في مرحلة متقدمة."

وتحذر صليبي من المخاطر الصحية التي تهدد النساء في الزيجات المبكرة، "عمر الحمل يجب على الأقل أن يكون ٢٢ سنة لتكون قادرة جسدياً عليه، لناحية نموها ونمو أعضائها، وإلا فسنكون أمام مخاطر تشوهات ومخاطر صحية على حياة الحامل.

وكان قد أجرى "التجمع النسائي الديمقراطي" دراسة توضح مدى خطورة تزويج القاصرات على صحتهن بالدرجة الأولى، حيث يتسبب في كثير من حالات "الاجهاض، الولادات غير الطبيعية، النزيف، أمراض الحمل المبكر، وأحيانا الموت". عدا عن حرمان الأطفال من اللعب والتعليم واكتساب مهنة ومؤهلات للعمل. كذلك أجرى التجمع استطلاع رأي في لبنان أظهر أن غالبية اللبنانيين لا يشجعون الزواج المبكر.

قانون لكل طائفة

ويعتبر قانون تحديد سن الزواج وتجريم الزواج المبكر، واحد من القوانين الإصلاحية المطلوبة في سياق توحيد قوانين الأحوال الشخصية في لبنان وفصلها عن اجتهادات واعتقادات الطوائف والمذاهب الدينية. إذ لا يملك لبنان قانوناً موحداً للأحوال الشخصية بصيغة مدنية تنظم علاقة المواطنين بدولتهم وتوحد نظرتها إليهم، وتستأثر كل طائفة ومذهب بسن قوانين خاصة للأحوال الشخصية تناسب اعتقاداتهم، وفي ظل التعدد الكبير في طوائف اللبنانيين، بات لكل فئة من اللبنانيين قانونها الخاص. 

على سبيل المثال، يسمح للفتاة لدى الطائفة السنية في لبنان، بالزواج عند بلوغها الـ 18 عاماً ويمكن إعطاء الإذن بالزواج لمن بلغت الـ 15 من عمرها، في حين تسمح طائفة الدروز للفتاة بالزواج عندما تبلغ الـ 16 عاماً. أما الطائفة الشيعية فتسمح للفتاة بالزواج عندما تبلغ الـ 9 أعوام، وسن زواج الفتاة لدى الأرمن الأرثوذوكس 15 عاماً، الطائفة الكاثوليكية 14 عاماً، و18 عاماً لدى طائفة الروم الأرثوذوكس، التي تسمح أيضاً بإعطاء الاذن لمن بلغت الـ 15 عاماً. 

وفي هذا السياق ترى صليبي أن قوانين الأحوال الشخصية الطائفية السائدة في لبنان، تمثل عنفاً قائما بحد ذاته ضد النساء والفئات المهمشة في المجتمع، حيث أن النساء اللبنانيات لسن سواسية أمام القانون، "وهذه أول ضربة لمفهوم العدالة والمساواة بين اللبنانيين، كذلك فإن تلك القوانين تفتقد إلى الحداثة والمواكبة اللازمة لتطور المجتمع ومفاهيمه والعلاقات الأسرية فيه، كما أن القضاء الطائفي والمحاكم المذهبية لا تراعي الاختصاص في النظر بالقضايا الأسرية ولاسيما التي تمس بحقوق الأطفال والنساء وأوضاعهم الاجتماعية والنفسية." 

المطلب "الأكثر إلحاحاً"

رئيسة التجمع النسائي تصف إقرار قانون مدني وعصري وموحد للأحوال الشخصية بأنه "المطلب الأكثر إلحاحاً اليوم، لكونه سيشكل ضمانة لكل لبناني يريد حقوقه والعيش بظروف حياة كريمة وحماية قانونية وأمن اجتماعي، بعيداً عن الحسابات المذهبية والطائفية، لتتساوى وتستوي علاقات الناس."

وصف تتفق فيه مع النائبة اللبنانية سينتيا زرازير، الواصلة حديثاً إلى البرلمان ضمن تكتل النواب التغييريين، من خارج الأحزاب الطائفية التقليدية في البلاد. إذ كان لها تعليق عبر صفحتها على تويتر على الانتهاكات والجرائم التي طالت النساء في الأيام الماضية، رأت فيه أن "لا شيء يحمي الضحايا إلا قانون موحد للأحوال الشخصية، يحرر النساء من عنف المجتمع الذكوري."

زرازير تلفت في حديثها لموقع "الحرة" أن الحالات التي شهدها هذا الأسبوع، هي الحالات التي نالت اهتماماً إعلامياً، "لكن هناك عشرات الحالات يومياً في الشوارع والمناطق، لا تصل إلى الإعلام او تنتهي في المخافر، وهناك النسبة الأكبر من الحالات التي لا تبلغ عما تتعرض له، وهناك حتى حالات قتل يصرح عنها لأسباب أخرى غير العنف، كالإصابة بكورونا أو تسجل قضاءً وقدرا، وبالتالي المشكلة على أرض الواقع لا تزال أكبر بكثير مما يظهر في الإعلام وعلى مواقع التواصل."

"بمعزل عن الموقع النيابي، انطلاقا من كوني امرأة لبنانية، أشعر طيلة الوقت بالخوف"، تقول النائبة اللبنانية، وتضيف "هناك كثير من الخطوات التي أخشى الاقدام عليها في حياتي، لأننا نعتبر كنساء أننا إن وقعنا ما من قانون يحمينا، أنا وغيري، نفكر بالزواج مثلاً، ولكن نخاف، أخاف مستقبلا أن يكون لدي ولد ويحصل خلاف مع شريكي فيحرمني منه، وانا لست مستعدة لتجربة هذا الأمر، نحن كنساء لبنانيات غير قادرات على العيش بسلام واتخاذ خياراتنا الشخصية بأريحية، لأسباب كثيرة أبرزها الخلل القانوني في النظرة إلى النساء."

وتختلف أيضاً قوانين الأحوال الشخصية في لبنان بين الطوائف، حول سن الحضانة للأولاد في حالات الطلاق أو الوفاة، والحق بالميراث بين الذكور والإناث، وعقود الزواج، وحقوق النساء فيها، وغيرها من التفاصيل التي تنظم العلاقات الاجتماعية بين المواطنين. 

معوقات طائفية

زرازير تكشف أن المشكلة في مجلس النواب اللبناني، هو اعتبار أي طرح قانون مدني موحد للأحوال الشخصية عبارة عن محاربة للمؤسسات الدينية، في حين انها حق من حقوق المواطن، "لكنهم يرونها من هذا المنظور لكون الوضع الحالي لقوانين الأحوال الشخصية بيد الطوائف ومؤسساتها يؤمن لهم مدخولاً وأرباحاً طائلة، لن يتخلوا عنها بسهولة، ومثال على ذلك رفضهم لقانون مدني للزواج رغم أنه لا يمنع أحد من إجراء الزواج الديني إذا أراد."

ويعتبر رفض المراجع الروحية والطائفية في لبنان، لإقرار قوانين مدنية موحدة، من أبرز المعوقات على هذا الصعيد، لاسيما في ظل انسجام الأحزاب الطائفية الحاكمة مع تلك المراجع، وبالتالي تحقيقها لرغبتها من خلال الامتناع عن إقرار هذه القوانين أو حتى طرحها على النقاش العام. 

وتضيف زرازير "يختبئون خلف اتهامات كالفجور ومحاربة الدين ودفع الناس إلى الالحاد، وغيرها من الاتهامات التي تمثل حججاً واهية، لكون قوانين الأحوال الشخصية المدنية لا تتعارض مع إيمان الناس وحريتهم بالاعتقاد.

إلا أن الأمور اليوم تتجه نحو إيجابية أكبر مع وصول كتلة وازنة من النواب التغييريين بعد الانتخابات النيابية الأخيرة، الأمر الذي سيمكن هؤلاء النواب من تقديم قوانين تحقق طموحات اللبنانيين ومطالبهم، وفق زرازير، التي تشير إلى أن المزاج العام في البلاد بات مناصراً وداعماً بشكل أكبر لقانون موحد ومدني للأحوال الشخصية، وبالتأكيد هناك كبير من النواب من كتل مختلفة يناصرون ويدعمون هذه القوانين." 

وتؤكد النائبة اللبنانية أن كافة أعضاء كتلة النواب التغييريين، سيكونون على استعداد للتعاون مع أي طروحات قانونية إصلاحية وتغييرية تصب في مصلحة المجتمع والمواطنين، "أياً تكن الجهة السياسية التي تطرحها"، مشددة على التزامهم بالعمل في المقابل داخل المجلس النيابي "على الاستقطاب والضغط والتوعية لصالح إقرار قوانين تحمي المجتمع وتلبي طموحاته وتسترد حقوقه."

من ناحيتها ترى المحامية في منظمة "كفى"، فاطمة الحاج، أن "الكتل النيابية متقاعسة عن القيام بدورها التشريعي، لاسيما في ظل ربطهم لهذا النوع من القوانين المتعلقة بالأحوال الشخصية بآراء الطوائف وموقفها، وذلك خلافا للاتفاقات الدولية والقوانين والدستور اللبناني التي تؤكد جميعها أن المولج بتحديد سن الزواج هو المجلس التشريعي، الذي لا يزال خاضعاً للأعراف ومراعاة الطوائف دون أي مادة قانونية تنص على ذلك." 

انفصام قانوني

الحاج تشرح أن هناك التباس يجب على اللبنانيين فهمه جيداً، "القانون الموحد للأحوال الشخصية ليس نفسه قانون الزواج المدني، الذي ينظم حصرا علاقات الأزواج وحقوقهم، في حين أن قانون الأحوال الشخصية ينظم علاقة كل مواطن على حدى مع الدولة منذ ولادته وحتى وفاته، مرورا بكل مراحل حياته، والزواج واحدة منها."

وتضيف "حين نطلب قانوناً موحداً للأحوال الشخصية، فإننا نطالب بتعامل موحد ونظرة موحدة من الدولة اللبنانية تجاه مواطنيها في مختلف أوضاعهم العائلية ومراحلهم العمرية، انطلاقا من كونهم مواطنين متساوين بالحقوق والواجبات، وليس انطلاقا من معتقداتهم وطوائفهم."

تعتبر الحاج أنه وفي ظل غياب قانون موحد وملزم للأحوال الشخصية في لبنان، فإن الواقع اللبناني الحالي يشجع على تعميم الثقافة الذكورية السائدة في المجتمع، على مختلف الصعد. "فعلى سبيل المثال، عدم تحديد سن قانوني للزواج يشرع في المقابل ظاهرة اغتصاب الأطفال والقاصرات، في حين أن هؤلاء الأطفال لا يتمتعون أمام السلطات اللبنانية بالأهلية القانونية المحددة بالقانون اللبناني عند سن الـ 18 عاماً، وهذا انفصام بكل ما للكلمة من معنى في نظرة الدولة لمواطنيها."

"على المجلس النيابي أن يفهم أن هذا القانون هدفه وغايته حماية المجتمع، وليس تغيير المجتمع، فالمجتمع سبق أن تغير وهو في مرحلة متقدمة عن المشرعين في لبنان"، تقول الحاج. وتتابع "لو سألنا أغلبية اللبنانيين في الشوارع سيقولون لك أنهم بالتأكيد ضد التزويج المبكر، وبالتالي الحاجة للقانون هنا هي لمواكبة تطور المجتمع وتضبطه وتديره، ولكن للأسف، في لبنان يراعي المشرعون أشخاص غير ملمين بحجم هذه المشكلة وتأثيراتها الاجتماعية والنفسية، ولا مولجين البت في هذه القضايا."

وتؤكد المحامية اللبنانية على أن الأحداث التي حصلت هذا الأسبوع، هي أكبر دليل على حاجة المجتمع إلى إقرار هذه القوانين بأسرع وقت ممكن، "فالمجتمع اللبناني ينفجع ويصدم بهذه الأحداث ولا يتقبلها، ويتضح ذلك من تفاعله معها ورفضه لها، في حين أن القانون يبيحها، أو بالحد الأدنى لا يمنعها، وهنا دور المشرعين في المواكبة، إذ لا يجب أن تنتظر القوانين جميع الناس لتغير آراءها ونظرتها، إنما يجب أن يسير سن القوانين وفقاً للمصلحة العامة وما تحتاجه البلاد وأمن المجتمع."

"بلا تطبيق" 

إلا أنه ليس بالتشريع وحده تنتظم الأمور، فسن القوانين دون تطبيقها لا يحل المشكلة، بل يفاقمها أحياناً، ويفقد الضحايا الأمل في اللجوء إلى القانون والتبليغ وطلب الحماية، وهو حال قوانين العنف الأسري والعنف ضد المرأة التي أقرها لبنان منذ العام 2014، ولا تزال تواجه تحديات في تطبيقها. 

في هذا السياق تأسف الحاج للتراجع الكبير في تطبيق قانون العنف الأسري، "لاسيما من ناحية القضاء الذي ما عاد يفعل تطبيق القانون، فضلاً عن تقاعس القوى الأمنية، التي وإن خصصت خطاً ساخن من أجل تلقي شكاوى العنف الأسري، المخافر والعناصر المولجين التحقق من تلك الشكاوى، لا يقومون في حالات كثيرة بواجبهم في المتابعة والتحقق وفتح المحاضر، في المقابل هناك خلل لدى النيابات العامة في إصدار إشارات لفتح المحاضر وتوقيف المعتدين، مثلاً هناك حالات عنف كثيرة تتسبب للضحايا بضرر يقدره الطبيب الشرعي بأقل من ١٠ أيام تعطيل، في هذا الحالة مثلا النائب العام لا يصدر أمرا بتوقيف المعتدي." 

وتشير المحامية إلى أن هناك قضايا أيضاً تصل إلى حد تقديم طلبات حماية لدى قضاء العجلة، "ورغم ذلك لا يتم البت في تلك الطلبات في ظل النقص وغياب القضاة، وتحول الطلبات إلى دعاوى مدنية، ولا يقام أي اعتبار لأولوية حماية الضحايا ولاسيما النساء. وبالتالي لدينا تلكؤ من القوى الأمنية وتقصير من القضاء، في ظل ظروف الانهيار التي يعيشها لبنان."

جهتها زرازير، ترى أن المشكلة تكمن في انعدام الرقابة على تطبيق القوانين من جهة، وانعدام القدرة اللوجستية لدى مؤسسات الدولة اللبنانية على تطبيق القوانين، إضافة إلى انعدام التوعية إلى وجودها ودورها وأهميتها. 

وتختم النائبة اللبنانية "لكن اليوم وفي هذه المرحلة، من غير المقبول أن تدخل امرأة إلى المخفر مكسرة العظام، فيقال لها نحن لا نتدخل بين رجل وزوجته، ومن غير المقبول ان يتم التحرش بطفل من أحد أفراد أسرته، فيتم التوقيع على تعهد بعدم التكرار ويعاد الطفل إلى المنزل الذي يعيش فيه مع المتحرش، من غير المقبول انتحار طفلة بسبب تزويجها عنوة، ومن غير المقبول ألا يتم حماية النساء بحجة عدم وجود ملاذات آمنة لهن في لبنان، ما نسمعه يومياً من حالات تدمي القلب، لا يمكن القبول بوجودها بالمنطق والعقل والقانون".

حزب الله والسلاح الفلسطيني

لبنان يتغير.

سقط النظام السوري. خسر حزب الله حربا جديدة مع إسرائيل. والدولة تبدو جادة في سحب سلاح الحزب.

لكن يظل سلاح آخر، سلاح التنظيمات الفلسطينية في لبنان، وهو أقدم من سلاح حزب الله، وربما يكون ورقة يستخدمها الحزب في مستقبل صراعاته داخل الحدود، وخارجها، وفق محللين.

نظام سقط وجيش تحرك

بعد سقوط نظام بشار الأسد وراء الحدود، في سوريا الجارة، شن الجيش اللبناني ما سماها عملية "إجهاز" على كل المراكز المسلحة خارج المخيمات الفلسطينية، في قوسايا والسلطان يعقوب وحشمش في البقاع شرق لبنان، وهي مراكز كان يدعمها نظام الأسد.

وأعلن الرئيس اللبناني جوزاف عون أن الجيش تسلم ستة مواقع فلسطينية وضبط ما فيها من أسلحة ومعدات.

لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني أعلنت، من جانبها، خلو لبنان من أي سلاح فلسطيني خارج المخيمات.

لكن، ماذا عن السلاح داخل المخيمات؟

موقف الحكومة واضح. البيان الوزاري الصادر في السابع عشر من أبريل أكد التزامها ببسط سيادة الدولة على جميع أراضيها "بقواها الذاتية حصراً".

لكن المحلل السياسي اللبناني علي الأمين يقول لـ"الحرة" إن السلاح وإن كان سحب بالفعل من قوات فلسطينية في المناطق اللبنانية كلها، لكن تظل هناك أسلحة في مراكز لحركتي حماس والجهاد الإسلامي في مناطق تابعة لنفوذ حزب الله خصوصاً في ضاحية بيروت الجنوبية.

ويتحدث الأمين عن خلايا لحماس والجهاد الإسلامي "تحت حصانة وإدارة حزب الله ولا تزال موجودة حتى اليوم وتعمل بغطاء من الحزب وتحت إدراته". لكن الأسلحة الموجودة في هذه المراكز من النوعية المتوسطة مثل صواريخ 107 وصواريخ كاتيوشا وبعض المسيرات.

تاريخ إشكالي

منذ عقود، وملف السلاح الفلسطيني له دور محوري في توازنات لبنان، داخليا بين أقطابه السياسية، وخارجيا في علاقاته مع الإقليم.

اتفاق القاهرة الموقع عام 1969 سمح للفلسطينين بالتسلح ضمن المخيمات، والعمل عسكريا ضد إسرائيل انطلاقاً من الأراضي اللبنانية.

بعد سنوات قليلة، عام 1975، كان الاتفاق فتيلة أخرى أدت لانفجار الحرب الأهلية.

وفي يونيو 1987، وقع الرئيس اللبناني أمين الجميل، قانوناً يلغي اتفاق القاهرة مع منظمة التحرير، بعدما صوت البرلمان اللبناني على إلغائه.

لكن ظل السلاح الفلسطيني موجوداً. وخاض فلسطينيون معارك ضد جهات لبنانية وغير لبنانية. لكن دوره في المعارك مع إسرائيل ظل محدودا بعد ما استأثر بها حزب الله منذ بداية الثمانينات.

يعيش في لبنان، حسب تقرير للدولية للمعلومات، حوالي 300 ألف لاجئ فلسطيني، يتوزعون على 12 مخيما، أكبرها مخيم عين الحلوة (50 ألف نسمة) قرب صيدا، جنوب لبنان.

وتنشط عسكريا في لبنان حركة "فتح"، أقدم الحركات الفلسطينية، ولرئيسها محمود عباس موقف معلن يؤيد تسليم السلاح الموجود داخل المخيمات للدولة اللبنانية ضمن خطة أمنية واضحة وضمانات لحماية المخيمات.

تنشط كذلك حركة "حماس"، وهي حليفة لحزب الله، وتعرض عدد من قياداتها لاستهداف إسرائيلي في لبنان منذ اندلاع حرب غزة، أبرزهم صالح العاروري، الذي اغتالته إسرائيل في ضربة بالضاحية الجنوبية لبيروت في الثاني من يناير عام 2024، وحسن فرحات الذي اغتيل في الرابع من أبريل 2025 في صيدا.

وفي لبنان أيضا، نشطت "الجبهة الشعبية– القيادة العامة"، وهو فصيل احتفظ بمواقع عسكرية في البقاع بدعم سوري.

وينشط أيضا تنظيمان سلفيان هما "عصبة الأنصار" و"جند الشام"، ويتركزان في مخيم عين الحلوة ويُعدان من بين الأكثر تطرفاً.

كذلك، في السنوات الأخيرة، ظهرت تنظيمات عصابية مسلحة في غير مخيم تنشط في تجارة المخدرات وغيرها من الأنشطة الإجرامية.

"خرطوشة أخيرة"

تقدر مصادر أن 90 في المئة من السلاح في المخيمات هو سلاح فردي، لكن بعض المخازن تحتوي على ذخيرة من الصواريخ.

وتتولى لجان فلسطينية أمن المخيمات.

وتؤكد مصادر فلسطينية أن الجيش يسيطر بشكل كامل على مداخل هذه المخيمات ومخارجها في المناطق اللبنانية كافة، لكن لا سيطرة فعلية له بعد داخل هذه المخيمات.

يقول المحلل السياسي علي الأمين إن السلاح الموجود داخل المخيمات أو المراكز الأمنية القليلة المتبقية خارجه مرتبط بشكل كبير بسلاح حزب الله.

يضيف "الفصائل الفلسطينية الأساسية والرئيس الفلسطيني محمود عباس لا مانع لديهم من تسليم السلاح الموجود داخل المخيمات"، لكن حزب الله والأحزاب الموالية له ترفض تسليم هذه الأسلحة للتمسك بورقة ضغط على الحكومة اللبنانية واستعمالها كـ"خرطوشة أخيرة قبل الاستسلام".

ويرى الأمين أن سحب السلاح من المخيمات مرتبط بشكل وثيق بسلاح حزب الله وأن الأخير يقوم بإدارة ومراقبة هذا السلاح خصوصاً التابع لحركتي حماس والجهاد الإسلامي الموجود داخل المخيمات وخارجها كون الحزب كان المصدر الأساسي لهذه الأسلحة في مرحلة سابقة.

شمال الليطاني

حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية لم يعد مطلبا دوليا فقط.

على وقع قرارات دولية (1701 و1559)، وبالتزامن مع إعادة طرح قانون بايجر 6 في الكونغرس مرة ثانية في مارس 2025، أعلن الجيش اللبناني أنه ضبط منطقة جنوب الليطاني، وسيطر على أكثر من 500 هدف ونقطة كانت تابعة لـ "حزب الله".

واليوم تتجه الأنظار إلى شمال الليطاني والخطوة التالية التي ستتخذ لضبط السلاح، كل السلاح، في لبنان.