الصحفية فاطمة فؤاد اتهمت شخصين باغتصابها. fatima.samman.357
الصحفية فاطمة فؤاد اتهمت شخصين باغتصابها. fatima.samman.357

"تحذير، محتوى حساس: اغتصاب"، بهذه الكلمات افتتحت الصحفية اللبنانية، فاطمة فؤاد، شهادتها الصادمة، والتي روت فيها عبر صفحاتها على وسائل التواصل الاجتماعي، تفاصيل تعرضها لحادثة اغتصاب خلال حفل موسيقي بمناسبة رأس السنة عام 2019 – 2020 في بيروت.

بترميز الأسماء، ب. س. (منسق أغان فلسطيني-أردني) و آ. م. (منسقة أغان ومغنية مصرية)، أشارت فاطمة إلى المتهمين بالواقعة، وهما موسيقيان قدما عروضاً خلال ذلك الحفل الذي أقيم في مكتبة "برزخ" في شارع الحمرا، بالتعاون مع فريق مجلة "معازف" المتخصصة بالأعمال الفنية والموسيقية و"Ballroom Blitz"، قام بإحيائها 12 موسيقي/ة من دول عربية، وحضرها نحو ألف شخص. وبحسب شهادة الضحية فقد أقدما على تخديرها واستدراجها للاعتداء عليها جنسياً في محيط مكان الحفل.

فاطمة التي كانت تعمل في حينها مديرة لمكتبة "برزخ"، وضعت شهادتها في إطار "إعلان خدمة عامة، برسم كل الفاعلات/ين في المشهد الموسيقي، ضمن الصحف والمجلات والراديوهات، والنوادي والملاهي والبارات والمطاعم والمقاهي والمكتبات، والمؤسسات والجمعيات والمنظمات النسوية والفنية والثقافية، والمنظِّمات/ين في المهرجانات الموسيقية، وكل من يعنيها/هُ الأمر".

روت الصحفية اللبنانية تسلسل الأحداث التي جرت تلك الليلة، والتي بدأت من إهانات منفصلة وجهها ب. س. وصفتها بـ "الذكورية والوقحة" ردت عليها في حينها فاطمة حين كانت لا تزال بوعيها، حاول من بعدها المعتدي تلطيف الأجواء دون جدوى، ليعود ويتقدم بعدها للاعتذار، إلا أنه وبحسب فاطمة، "خلال تقديمه للاعتذار حاول لمس خصري دون إذني ضاغطاً بيده، دفعتُه عني وصرخت: "جاي تعتذر ولا جاي تتحرش؟" ليبتعد بعدها، حيث قامت فاطمة بإخبار عدد من أصدقائها ممّن حضروا الحفلة عن مضايقات ب. س. المتكرّرة خلال السهرة.

عن سابق إصرار "وتخدير"

لكن الأمور لم تتوقف عند المضايقات التي قام بها المعتدي، حيث انضم إلى المشهد آ. م. التي كانت تقدم عرضها الموسيقي، وتقول فاطمة في روايتها "وقفت أتأمّلها وأرقص، أذكر جيداً أنّني لمحتُ ب. س. يحملق بي. في وقت لاحق، اقترب مني وباغتني قبل أن أتمكّن من طرده، قائلاً: "آ. م. في الخارج تريد التحدث معك".

وافقت فاطمة وخرجت لتلتقي الموسيقية المصرية، التي ما لبثت أن بدأَت بملاطفتها بالكلام المعسول حول شكلها ورقصها "بأسلوب مريب ومربك" بحسب رواية فاطمة، "ثم اقتربت مني ملتصقةً بي وطلبت تقبيلي، وافقتُ محرجةً وأنا في تردّد من أمري".

تكرّر الموقف عدّة مرّات خلال السهرة، بحسب فاطمة إلى أن "قامت آ. م. برفع رأسي بيدها اليمنى ضاغطةً على رقبتي، وبيسراها أدخلت في فمي حبّة مخدّر أبيض اللون، ومن ثم أخذت تقبّلني بعنف لتجبرني على ابتلاعها، ففعلتُ ذلك لشدّة الارتباك، ثم أبعدتُها عني قائلةً: "شو عطيتيني؟ أنا ما بدي مخدرات، شربانة ويسكي كتير". 

تقول فاطمة إنها ليست متأكّدة من نوع المخدّر الذي تلقته تلك الليلة، "لكن وبحسب زعم المعتديَين فهو mdma، دخلت إلى الصالة وهرعت إلى صديقي الشاهد وأخبرته أنها وضعت في فمي مخدّراً لا أعرف ما هو، ثم هرعت إلى شخص آخر أعرفه وأخبرته أيضاً".

بعد مضي الوقت، بدأت فاطمة بالشعور بدوخة وغثيان بفعل المخدر، حينها اقتربت منها آ. م. وبدأت بتقبيلها، لتتفاجأ بعدها باقتراب ب. س. ومحاولة لمسها وتقبيلها، "أبعدتهما عني وصرختُ بهما: "شو قصتكن إنتو التنين؟" مستفهمة عن سبب ظهور الشاب كلما اقتربت منها الفتاة، لتجيب الأخيرة "أحضر معه كوكايين من النوع الجيد، سايريه شوي، حين ننتهي من هنا نذهب إليه ونتسلى".

تقول فاطمة "أذكر جيداً أنّني رفضتُ عرضها بشكل واضح، العرض الذي تبيّن لي لاحقاً أنّه صفقة معقودة منذ بداية السهرة بين ب. س. و آ. م."، إلا أن تأثير المخدر كان قد بدأ وعجزت فاطمة عن مصارعته، " اقترب منّا ب. س. وشدّنا من ذراعينا صعوداً، ثم قاما كليهما بسحبي إلى ردهة الطابق الثالث المقفل. نامت آ. م. على الأرض، وقام ب. س. بدفعي فوقها، رفع فستاني وضربني بعنفٍ، ومزّق الكولون الذي كنتُ ألبسه. أذكر جيداً صوت الصفعات ومزقة القماش، بقيَ هذا الصوت عالياً واضحاً في ذهني، كنت أبكي فيما ب. س. يحاول ولوجي ويضربني ...، حيث بقيت الكدمات الزرقاء متورمة لأيام."

تروي فاطمة تتمة التفاصيل المؤلمة لما جرى معها خلال وبعد جريمة الاغتصاب، وكيف غادرت المكان بعدما التقت بمدير عملها الذي ساعدها على النوم في المكتبة دون أن يعلم بتفاصيل ما جرى، ليعبر فيما بعد عن ارتيابه من وقاحة آ. م. التي استكملت اعتدائها على فاطمة خلال نومها وهي في حالة بين الإغماء والإغفاءة، حيث أبعدها عنها رافضا إعطاءها رقم هاتف فاطمة وفق طلبها. 

تهرب ونكران

حاولت فاطمة في اليوم التالي مواجهة الجناة بما جرى، حيث تواصلت مع آ. م. التي حاولت التملّص من مسؤوليتها فيما جرى "عبر تحوير موقعها من مُعتدية إلى ضحيةٍ ثانية للمغتصب ب. س.، ومن ثم التلاعب بي نفسياً بلطفٍ منافقٍ، فقطعتُ التواصل معها." 

بعد بضعة أيام، شهدت مكتبة "برزخ" اجتماع على أثر الواقعة، جمع فاطمة مع مدير المكتبة وشخصين من فريق "معازف" بحضور آ. م. التي تنكرت لما جرى "واستعرضت مظلوميتها وتأزمها النفسي نتيجة تداول ما جرى في الأوساط المحيطة بها في بيروت، وجاهدَت للتنصّل من ذنبها في تدبير الاغتصاب عبر إلقاء اللّوم على المغتصب ب. س. وحده، مكذبة رواية التخدير عبر القول "لو لم تريدي الحبة لكنت بصقتيها"، وفق شهادة فاطمة.

ووفقاً لفاطمة عادت آ. م. في الخامس من يناير 2020، لتزورها في منزلها، دون إذنٍ مسبق. حينها أدركت فاطمة أن الموسيقية المصرية كانت صديقة مقرّبة من المعتدي ب. س. في ذلك الوقت، بناء على الحديث الذي تعرضت فيه فاطمة لما وصفته "ابتزازاً عاطفي – سياسي" من قبل آ. م. انطلاقاً من كون المعتدي ب. س. فلسطيني الجنسية. 

في اليوم التالي، وصل لفاطمة رسالة عبر الإيميل، من ب. س. يحاول فيها الاعتذار عما اختبرته عن "بشاعة" ليلة رأس السنة، وأن "يوضّح" تفاصيلها انطلاقا من اعتباره أن فاطمة "كانت سكرانة" وهو الذي كان صاحياً وعالما بما جرى. 

وحاول بحسب فاطمة التحوير والتلاعب بكل التفاصيل التي جرت، لإقناعها أنها هي من ألحت عليه لتقبيلها وممارسة الجنس معها، مقدما لها شهود مفترضين تقول فاطمة انه "اخترعهم"، وتضيف "حتى أنّه برّر الكدمات وتمزيق ملابسي بأنّني سقطت على الدرج".

محاولات "لفلفة" وشهادات داعمة

بعد أسبوع من الحادثة، قررت فاطمة تأجيل المواجهة مع المعتدين عليها، "لإدراكي أنّني لا زلت تحت تأثير الصدمة، عاجزة عن صياغة سردية واضحة للعيان". عادت إلى عملها وتوالت الأحداث حينها بالتزامن مع "انتفاضة 17 أكتوبر" إبّان بدء الأزمة المالية والاقتصادية في لبنان.

تقول الصحفية اللبنانية في شهادتها "لا مجال أو حاجة أو رغبة لديّ في تبرير تأجيلي المواجهة إلى اللحظة، فإنّني على قناعة أنّ للناجية الثائرة، صاحبة الحق، أن تعلن ساعة الصفر متى شاءت، كيفما شاءت."

أما فيما يخص موقف إدارة مجلة "معازف" التي نظمت الحفل حينها، تقول فاطمة "علمت مؤخراً أن الأستاذ م. أ. ط.، مدير "معازف"، أصرّ على الفريق بالتوجه نحو لفلفة الموضوع وعدم نشر بيان يدين المغتصب ب. س.، متجاهلاً شهادة عضوة في الفريق قد سبق أن اعتدى عليها ب. س. بالضرب خلال فحص الصوت في الحفلة نفسها، ومتغاضياً عن عدّة روايات متداولة ومسموعة لناجياتٍ من مصر والأردن تعرضنَ لمضايقات واعتداءات من قبل ب. س.، بحجّة أنّه يعرفه جيداً".

وتضيف "ما هي إلا بضعة شهور حتى بات يفرض على فريق العمل مزاولة النشر عن ب. س.، فتحولت المسألة إلى محط انقسام كبير بين أعضاء الفريق، وصلت إلى طرد إحداهن واستقالة ٣ أشخاص، لأسباب متعددة، لعلّ أبرزها قضية المغتصب ب. س.، ليعود وينشر عنه بعد يوم واحد من استقالة الأخيرة."

إلى جانب فاطمة، قدم عدد من المنظمين والعاملين بين مكتبة "برزخ" ومجلة "معازف" شهاداتهم لما جرى تلك الليلة، بما يدعم رواية فاطمة للأحداث. ومن بينهم اللبنانية نور عز الدين، التي نشرت عبر صفحتها على إنستغرام، روايتها لما شهدته تلك الليلة، حيث كانت تعمل منظمة في الحفل. 

كذلك فعل المصري عمار منلا حسن، الذين كان مشاركاً في التنظيم أيضاً من ناحية مجلة "معازف"، ونقل بدوره مشاهداته، لاسيما لناحية سلوك ب. س. المتهم بالاعتداء على فاطمة، حيث خاض إشكالات عديدة وتصرف بطريقة عنيفة خلال مراحل مختلفة من الحفل، معتدياً على أكثر من شخص حينها، وعن تدخل إدارة مجلة "معازف" في حماية المتهمين والضغط على فاطمة لعدم الإعلان عما تعرضت له.

ردود فعل 

القضية سرعان ما لاقت انتشاراً واسعاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لاسيما في الأوساط الفنية والموسيقية في لبنان ودول أخرى في المنطقة، كما لاقت تضامناً كبيراً من قبل الرأي العام مع فاطمة وإدانة لما تعرضت له.

وجاءت شهادة فاطمة في وقت كانت تتحضر فيه مؤسسة "آفاق" الداعمة للمبادرات الثقافية والفنية، بالتعاون مع مجلة "معازف" لإقامة حفل فني كبير في ميدان سبق الخيل – بيروت، في الذكرى الـ15 لتأسيسها وذلك في السادس عشر من شهر يوليو المقبل.

إلا أن شهادة فاطمة وما تبعه من ضغط على وسائل التواصل الاجتماعي، دفع مؤسسة "آفاق" إلى إصدار بيان أعلنت فيه عن فض الشراكة مع "معازف" فوراً، وإنهاء أي دور لها في تنظيم الحفل المقبل في بيروت، وذلك لصمتها وتسترها عن الاعتداء وعدم اتخاذها موقفاً من الفنانين المذكورين. 

وأضاف البيان "نتضامن كلياً مع فاطمة فؤاد فيما تعرّضت له، ونصدّق الناجيات دوماً ونرفض أي شكل من أشكال التعدي والانتهاك، دون مساومة، إن آفاق لم يكن لديها أية معرفة مسبقة بالحادث الذي شاركته الناجية، لا جملة ولا تفصيلاً، قبل نشر الشهادة ليل أمس".

وتابع البيان "إن حفل ميدان المقرّر إقامته يوم 16 تموز/ يوليو في بيروت هو حفل آفاق، فكرة وتنظيماً، احتفالاً بعيدها الخامس عشر وليس حفلاً تنظّمه معازف بدعم من آفاق، إنّ الشراكة مع مؤسسة معازف على حفل "ميدان" هي شراكة فنية، شاركت معازف من خلالها مع آفاق بوضع البرنامج الفني للحفل." 

وختمت "آفاق" معتبرة أن موقفها "يتماشى مع مبادئنا الراسخة برفض وإدانة أية اعتداءات، ومع إيماننا بضرورة أن تكون المؤسسات الثقافية والفنية مساحات آمنة للعاملات والعاملين فيها ولمرتاديها، محصّنة بآليات واضحة تضمن المحاسبة وتحمّل المسؤولية".

كذلك أبدت من جهتها إدارة مكتبة "برزخ" والعاملات والعاملين فيها، الدعم الكامل وغير المشروط لزميلتهم السابقة فاطمة فؤاد، وجددت في بيان "استعدادها لاتخاذ كل الإجراءات التي تطالب بها فاطمة"، معلنة "قطع علاقتها مع "معازف" طالما "لم تحاسب الضالعين في هذه الجريمة والمتسترين على مرتكبيها، مضيفة أنها ستقوم من جانبها "بمراجعة شاملة بهدف تشديد معايير الأمان كشرط أساسي من شروط التعاون مع أي جهة في تنظيم أي نشاط يقام في برزخ."

أما مجلة "معازف" التي اتهمت فاطمة إدارتها بالتواطؤ ومحاولة حماية المعتدين من المحاسبة، فقد أصرت بياناً أولياً قالت فيه انها "تأسف لسماع ما جرى"، مشددة على وجود سياسة لديها ترفض كل أنواع التحرش والتعدي الجنسي والتصرفات غير اللائقة، معترفة بأنها "فشلت في صون هذه المعايير" تلك الليلة.  

ووضعت المجلة الموسيقية نفسها أمام المحاسبة أمام الضرر الذي وقع، معلنة انها ستخضع لتحقيق مستقل في دورها ودور مديرها بما جرى، تنشر تفاصيله بالتوالي، على أن توقف العمل مع كل من (ب. س. و آ. م.) ومسح المحتوى المتعلق بهما من المجلة، خاتمة ان أي تواطؤ أو تضليل من داخل فريق معازف ستتم محاسبته بما يضمن حق فاطمة. 

الحدود اللبنانية الإسرائيلية

للوهلة الأولى، تبدو الحدود اللبنانية - الإسرائيلية وكأنها قد استسلمت تماما لحالة هدوء غريب، منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في نوفمبر الماضي. لا دوي انفجارات، ولا صواريخ متبادلة، ولا تصعيد علني يوحي بعودة وشيكة إلى المواجهة. 

لكن هذا الهدوء، يؤكد مسؤولون عسكريون ومحللون أمنيون، هو مجرد غطاء هش لواقع يوشك على الانفجار في أي لحظة.

خلف خطوط التماس، تنفذ إسرائيل ضربات جوية "استباقية"، تستهدف ما تعتبره تهديدات مصدرها حزب الله أو مجموعات متحالفة. في الوقت ذاته، يتحدث الجيش الإسرائيلي عن دروس وعبر استخلصها من هجوم 7 أكتوبر، ويعكف على إعادة تشكيل عقيدته الدفاعية على الجبهة الشمالية، حيث تتزايد المخاوف من الطائرات المسيّرة، والخلايا المسلحة، والقدرات العسكرية التي يسعى حزب الله لإعادة ترميمها.

ووفقا لمسؤول عسكري في قيادة المنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي، فإن إسرائيل تعتبر السيادة "خطا أحمر"، وتؤكد أن عملياتها العسكرية في الوقت الراهن تأتي ضمن استراتيجية أوسع لاحباط التهديدات قبل وقوعها.

لكن المسؤول، الذي رفض الكشف عن اسمه، أعرب في تصريحات لـ"الحرة" عن ارتياح بلاده لآلية المراقبة الدولية لاتفاق وقف إطلاق النار:

"تطور إيجابي ملحوظ يتمثل في نشاط متزايد للجيش اللبناني في متابعة الشكاوى بشأن خروقات من قبل حزب الله أو أي تنظيمات فلسطينية أخرى بحيث يتم التواصل من خلال آلية تنسيق مع ضباط أميركيين وشركاء آخرين، يتم بموجبها نقل المعلومات إلى الجانب اللبناني للتحقق منها أو معالجتها".

مقاتلات إسرائيلية

تعاون محسوب وضربات دقيقة

من أبرز التغيّرات التي طرأت خلال الأشهر الماضية، ازدياد تجاوب الجيش اللبناني مع التحذيرات الإسرائيلية، وذلك من خلال آلية تنسيق يقودها الجانب الأميركي.

وبيّن المصدر الإسرائيلي أن تجاوب الجيش اللبناني مع التحذيرات الإسرائيلية بات أكثر جدية، في تحول لافت مقارنة بالماضي، وأشار إلى أن الوضع على الأرض اليوم يختلف تماما عما كان عليه حين كان يُنظر إلى حزب الله كـ"دولة داخل دولة".

لكنه أشار، في المقابل، إلى وجود حالات تستدعي تحركا إسرائيليا مباشرا دون إبلاغ الشركاء، لا سيما عند رصد تهديدات آنية، مستشهدا باستهداف مسلحين لا يتبعون الجيش اللبناني.

ووصف ذلك بأنه رد مشروع على "خروقات اتفاق وقف إطلاق النار".

رقابة دولية وواقع ميداني معقد

من جهته، أوضح المحلل العسكري إيال عليما لـ"الحرة" أن هناك آلية تنسيق دولية تضم ممثلين عن قوات اليونيفيل، والولايات المتحدة، وفرنسا، ولبنان وإسرائيل. وتُعقد اجتماعات منتظمة في الناقورة، مع تواصل مباشر أحيانا بين إسرائيل وقوات اليونيفيل.

""هذه آلية لعبت دوررا ملموسا في بعض الحالات، مثلا عندما أبلغ الجيش الإسرائيلي بوجود قذائف موجهة ضد إسرائيل، نقلت هذه المعلومات وتم التعامل معها بصورة ناجعة، بينما لم يجرِ التعامل في حالات أخرى"، يقول عليما.

ويعتقد عليما أن السياسة الأمنية الإسرائيلية باتت أكثر حزما منذ فشل الجيش في منع هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023. وأشار إلى أن إسرائيل تستفيد من الدروس المستخلصة للحيلولة دون تكرار ذلك السيناريو على جبهات أخرى.

دبابة إسرائيلية في المنطقة

140 قتيلا منذ بدء الهدنة

منذ سريان وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024، نفذت إسرائيل عشرات الضربات الجوية الدقيقة، استهدفت ما تعتبره عناصر مسلحة، خاصة في القطاع الغربي من الحدود.

وبحسب المصدر العسكري، فقد قُتل نحو 20 شخصا في هذا القطاع فقط، ليرتفع عدد القتلى إلى حوالي 140 عنصرا في عموم لبنان منذ توقيع الاتفاق.

وقد امتدت بعض العمليات إلى مناطق شمال نهر الليطاني، وهي منطقة تخضع لإشراف قيادة العمق الاستراتيجي في الجيش الإسرائيلي، المختصة بتنفيذ عمليات طويلة المدى في عمق أراضي الخصوم.

تهديد االمسيرات

من أبرز التحديات الجديدة التي تواجه إسرائيل بعد الهدنة هو تصاعد استخدام حزب الله للطائرات المسيّرة، "التي شكلت في السابق نقطة ضعف أمنية بالغة،" وفقا للمسؤول الإسرائيلي.

وقد بلغ التهديد ذروته في 1 فبراير 2024، عندما استهدفت طائرة مسيرة منزل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في بلدة قيساريا، وتسببت بأضرار مادية جسيمة دون وقوع إصابات بشرية.

واخترقت طائرات مسيرة أخرى المجال الجوي الإسرائيلي، واستهدفت قواعد عسكرية، ما أسفر عن مقتل جنود إسرائيليين.

ودفعت هذه الهجمات قيادة الجيش إلى إعادة صياغة عقيدة الدفاع الجوي، وتوسيع نطاق التدريب على اعتراض هذا النوع من الطائرات.

وقد رفعت إسرائيل، وفقا للمسؤول العسكري، عدد قواتها المنتشرة على الحدود الشمالية مقارنة بالسابق. "إن عدد القوات المنتشرة هناك أكثر بنحو مرتين ونصف، مقارنة بما كان عليه الوضع قبل الاتفاق".

وأعاد الجيش الإسرائيلي تفعيل ثكنات عسكرية قديمة على الحدود مع لبنان، إضافة إلى المواقع الخمسة التي أنشأها داخل الأراضي اللبنانية.

ويشير المسؤول إلى بناء ثكنات عسكرية ومواقع أخرى بغية تعزيز الردع ومنع التسلل إلى البلدات الشمالية من إسرائيل.

تحركات حزب الله

تراقب إسرائيل عن كثب محاولات حزب الله إعادة التمركز وإعادة التسلّح، خصوصا بعد انهيار نظام الأسد في سوريا، والذي أدى إلى تقليص قدرة الحزب على تهريب الأسلحة عبر الأراضي السورية.

وشدد المسؤول الإسرائيلي على أن بلاده مصممة على منع الحزب من بناء بنية تحتية عسكرية جديدة.

مقاتلات إسرائيلية

ديناميكيات إقليمية

أدى الانهيار الفعلي للنظام السوري إلى فراغ إقليمي تتابعه إسرائيل عن كثب. ومع تراجع النفوذ الإيراني في سوريا، بدأت بعض الأصوات داخل إسرائيل من الأوساط السياسية والأمنية تطالب باستغلال هذا التحول لإطلاق ضربة استباقية ضد المنشآت النووية الإيرانية.

رغم تزايد الحديث عن احتمال تنفيذ الهجوم في عام 2025، يرى المحلل إيال عليما أن تنفيذ هذا السيناريو غير مرجّح في الوقت الراهن.

"الساحة السياسية الدولية شديدة التعقيد حاليا"، يقول عليما. "الولايات المتحدة منخرطة في مفاوضات نووية مباشرة مع طهران، وهناك معارضة قوية من الاتحاد الأوروبي وداخل الولايات المتحدة نفسها لأي تصعيد".

وأشار إلى تزايد الانتقادات الغربية للحكومة الإسرائيلية الحالية، والتي تُوصف بأنها الأكثر تطرفًا في تاريخ البلاد الحديث، ما قد يُضعف الدعم الدولي لأي تحرك عسكري كبير.

هدنة هشة

تعكس سلسلة العمليات الإسرائيلية الأخيرة، سواء تلك التي استهدفت مواقع لحزب الله في جنوب لبنان أو بنى تحتية لحلفائه الحوثيين، مدى هشاشة وقف إطلاق النار القائم حالييا.

وعلى الرغم من أن الطرفين، إسرائيل وحزب الله، لا يبدوان راغبين في الانزلاق إلى مواجهة شاملة، لا يزال الوضع متقلبا. فكل طائرة مسيرة، وكل ضربة جوية، وكل تحرك عسكري يُعتبر رسالة استراتيجية موجهة إلى حزب الله، وإلى إيران.

وقف إطلاق النار ليس اتفاق سلام، كما هو معروف، ولكن في حالة حزب الله وإسرائيل، يبدو أقرب إلى هدنة متوترة، رغم استمرارها تبقى على حافة الانهيار.