لبنانيا يطلقان النار في الهواء احتفالا بنتائج الانتخابات عام 2009.
لبنانيا يطلقان النار في الهواء احتفالا بنتائج الانتخابات عام 2009.

ليس غريبا في لبنان مشهد الهروب الجماعي من وسط الشارع طلبا للاحتماء بأقرب حائط أو تحت شرفة أو داخل منزل، عند سماع أصوات رصاص، حتى لو بدا أن مصدره في مكان بعيد.

سبعة قتلى و15 جريحا سنويا، هو معدل ضحايا الرصاص الطائش في لبنان، وفق دراسة لـ "الدولية للمعلومات" نُشرت في سبتمبر 2021، وأحصت خلالها سقوط 81 قتيلا و 169 جريحا بين عامي 2010-2021. 

على مر السنوات، فجعت مئات العائلات بالقتلى والمصابين من أبنائها؛ بعضهم بأضرار دائمة وبينهم عشرات الأطفال، فضلا عن الخسائر الفادحة بالممتلكات، مع ذلك ليس هناك حل ناجع لحماية اللبنانيين من الموت عبثا لأن شخصا ما أدمن على عادة سيئة: إطلاق النار في الهواء.  

بالأمس صدرت نتائج الامتحانات الرسمية للشهادة المتوسطة، أو ما يسمى في لبنان شهادة "البروفيه"، عند منتصف الليل تماما، وكان التوقيت مدروسا من ناحية السلطات اللبنانية لتفادي المغالاة في الاحتفالات وإطلاق المفرقعات والرصاص، وبالرغم من ذلك، اشتعلت المدن والمناطق اللبنانية بالرصاص والمفرقعات بعد منتصف الليل، ليستيقظ اللبنانيون صباحا على إحصاء خسائرهم.

 

ويقدم هذا المغرد حصيلة الضحايا والخسائر بالأرقام.

وفي النتيجة، أدّى الرصاص الطائش إلى مقتل طفل وإصابة أكثر من خمسة أشخاص، بينها طفلان أيضا، وذلك في كلّ من طرابلس والمنية- الضنية وعكار وصيدا (مخيم عين الحلوة) والبقاع، بالإضافة إلى وقوع أضرار مادية كبيرة في ممتلكات الناس. ولقي الطفل السوري خالد محمد الحمد مصرعه في مخيم للجوء في بلدة مجدل عنجر، في البقاع الأوسط، بعدما أصابته رصاصة طائشة في رقبته، نقل على إثرها إلى مستشفى البقاع، حيث توفي متأثرا بإصابته.

ما جرى بالأمس في لبنان، يمثل عينة عن قصص الموت العشوائي التي يتسبب بها الرصاص الطائش في البلاد، عند كل مناسبة، من الأفراح إلى الأتراح والاحتفالات والخطابات السياسية والاشتباكات المسلحة والإشكالات الفردية فضلا عن الرصاص المجهول غير المرتبط بمناسبة معينة، ليتضح أن المشكلة الأساس في المشهد ككل، تكمن في ظاهرة تفلت السلاح وانتشاره بكثافة بين أيدي المدنيين في البلاد، وسط عجز السلطات اللبنانية عن ضبطه.

الألواح.. بعد الأرواح

إعنصر جديد دخل على المشهد اللبناني في السنتين الماضيتين، وانضم اليوم إلى لائحة الخسائر الناتجة عن الرصاص الطائش، وظهر  خلال اليومين الماضيين أن له تأثيرا كبيرا واعتبارا بالغا لدى اللبنانيين، ما قد يحمل بارقة أمل في مسار التوعية بشأن سوء عادة إطلاق النار في الهواء.

ألواح الطاقة الشمسية لتوليد الكهرباء، التي أقبل اللبنانيون عليها بكثافة لمواجهة أزمة انعدام الطاقة في البلاد وتكاليفها الباهظة، واستثمروا فيها بكل إمكاناتهم المتبقية في ظل الأزمة الاقتصادية والانهيار المالي، احتلت أمس صدارة اهتمامات اللبنانيين على مواقع التواصل الاجتماعي، متخطية نتائج الامتحانات نفسها، فكانت من المواضيع الأكثر تداولا على تويتر، بعد الأضرار الهائلة التي لحقت بها نتيجة تساقط الرصاص الطائش حيث تنتشر فوق أسطح الأبنية.

وانتشرت المناشدات والدعوات للرأفة بالناس وأملاكها وعدم إطلاق الرصاص في الهواء، بداعي الحرص على الألواح الشمسية، التي باتت تفترش الأسطح، وتجنيب المواطنين خسائر مادية باهظة هم أعجز عن تحملها، لاسيما وأن منظومات الطاقة الشمسية يجري استيرادها من خارج البلاد وتباع فيها وفق سعرها بالدولار الأميركي، الذي يسجل ارتفاعا قياسيا مقابل الليرة اللبنانية.

ونشر المتضررون صورا ومقاطع فيديو للأضرار التي لحقت بمنظومات الطاقة الشمسية على أسطح منازلهم، مهاجمين عادة إطلاق النار في الهواء، التي ألحقت بهم خسائر كبيرة، ولاقت تلك المنشورات تفاعلا وتضامنا من عدد كبير من اللبنانيين الذين شاركوها للإضاءة على مخاطر الرصاص الطائش، حيث تحول الأمر إلى أشبه بحملة توعية على وسائل التواصل الاجتماعي.

بلدية العباسية، جنوب لبنان، كانت من أوائل المتضررين بسبب إصابة الرصاص الطائش لأحد مشاريعها التنموية المعتمدة على الطاقة الشمسية، حيث لجأت البلدية إلى هذا الحل بعد استفحال أزمة الكهرباء، لتغذية المبنى البلدي بالتيار وتشغيل مشروع توزيع مياه الشرب إلى منازل المواطنين، بعدما كانت تنقطع عنهم بسبب انعدام الكهرباء.

يقول رئيس البلدية علي عز الدين "تفاجأنا قبل مدة، خلال احدى المناسبات الاحتفالية التي شهدت إطلاق نار كما هو الحال اليوم مع نتائج الامتحانات الرسمية، بإصابة الألواح الشمسية للمشروع بالرصاص الطائش ما أدى إلى تعطلها بشكل كامل، وبنتيجة هذا التصرف، انقطعت الكهرباء تماما عن البلدية وتوقف تزويد سكان البلدة بالمياه المكررة، واستمر هذا الحال إلى أن تمكنا من تأمين تكاليف إصلاحها من جديد.

ويضيف في حديثه لموقع "الحرة" أنه وبغض النظر عن القيمة المادية للخسائر، "الخسارة المعنوية أكبر، وتتمثل في انعدام حرص الناس على مصالح بعضهم البعض وسلامة بعضهم البعض."

ويشدد عز الدين على أن "الألواح ليست أغلى من الأرواح التي زهقت بسبب هذه العادة السيئة، ولكن في النهاية كل ذلك يمثل ضررا بالمواطنين، المشكلة أن الناس لا ترتدع، لا بل انها تكرس هذا التصرف الخاطئ رغم مآسيها ومعاناتها والظروف الشاقة التي يعيشونها".

تهديد للحل الأخير

ولجأ اللبنانيون إلى الطاقة الشمسية بعدما عجزت الحكومات المتعاقبة منذ عشرات السنين عن إيجاد حل لأزمة الكهرباء في البلاد. وتضاءل إنتاج الحكومة اللبنانية للتيار الكهربائي في السنتين الماضيتين إلى حد باتت لا تتجاوز التغذية الكهربائية الساعتين في اليوم، فيما عجزت المولدات الخاصة عن أن تكون بديلاً معتمداً في ظل الارتفاع الكبير في أسعار المحروقات ولاسيما مادة المازوت، ما وضع معظم سكان البلاد أمام عجز عن تحمل فواتير مولدات الكهرباء الخاصة، فكانت الشمس حلّاً أخيراً أمامهم.

وجاء الاتجاه نحو مصادر الطاقة البديلة في الطبيعة، ولاسيما الطاقة الشمسية، بتشجيع من قبل السلطات اللبنانية، من أجل التخفيف من حدة أزمة الكهرباء، وانعكاساتها على الاقتصاد والمزاج الشعبي في البلاد، حيث أطلق مصرف الإسكان بالتعاون مع المركز اللبناني لحفظ الطاقة، مبادرة تقتضي منح قروض لذوي الدخل المحدود والمتوسط لتركيب محطات شمسية. وتتراوح قيمة هذه القروض بين 75 و200 مليون ليرة للفرد، على ألا تتجاوز نسبة 80% من تكلفة المشروع، بفائدة سنوية 4.99%، وتكون مدة السداد على 5 سنوات.

ويبدو أن اللبنانيين قد وجدوا في الطاقة الشمسية استثماراً نافعاً، حيث تظهر الأرقام إقبالاً يفوق التوقعات في الاعتماد على الطاقة الشمسية. وبحسب تقارير إعلامية محلية، فإن مجموع ما صرف على الطاقة الشمسية حتى منتصف العام 2022 يناهز الـ 800 مليون دولار أميركي، هي عبارة عن استثمارات من قبل القطاع الخاص والأفراد فقط.

ويرى عز الدين في هذا السياق، أن الألواح الشمسية نالت اليوم اهتماماً خاصاً في سياق الخسائر التي يتسبب بها الرصاص الطائش، "لكون معظم من اعتمدها هم مواطنون لجأوا إليها بعدما انعدمت لديهم مصادر الطاقة، بعضهم استدان ليشتريها والبعض الآخر وضع كل مدخراته في سبيل تأمينها، فيما ذهب البعض نحو القروض المالية أو رهن ذهب وأملاك لشراء معدات الطاقة الشمسية، للصمود في هذه المرحلة في لبنان، وليس بمقدور هؤلاء تحمل تكاليف شرائها من جديد، أو إصلاحها، هذا خربان بيوت."

ويضيف "لوحي طاقة شمسية تبلغ تكلفتهم 500$، في النهاية هذا مال الناس، ندفعها من الجباية التي تقوم بها البلدية، وبالتالي من غير المعقول أن تحرم بلدة كاملة من الكهرباء والمياه والطاقة لأن أحدهم أراد الاحتفال بإطلاق النار في الهواء".

من جهة أخرى ينظر عز الدين إلى تكلفة إطلاق النار، لاسيما في هذه الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر على اللبنانيين، "فثمن الرصاصة الواحدة تبدأ من دولار وترتفع أكثر حسب نوعية السلاح، الدولار اليوم يساوي نحو ٣٠ ألف ليرة لبنانية، كافية لشراء الخبز اليومي لعائل كاملة، فكيف بمن يطلق ١٠٠ رصاصة احتفالا؟ ثمن هذا الرصاص كافٍ لتأمين غذاء لمئات العائلات المحتاجة".

بتقبل تقتل؟

طيلة السنوات العشر الماضية، ومع ارتفاع أعداد ضحايا الرصاص الطائش في لبنان، عملت جهات مختلفة ومتنوعة على محاربة عادة إطلاق النار في الهواء، إلا أن البلاد التي يقدر عدد المدنيين الذين يملكون السلاح فيها بـ 1,927,000 شخص، أي ما يساوي نحو ثلث عدد السكان، وفق عملية مسح عامة لحيازة الأسلحة الخفيفة شملت لبنان سنة 2017، أجرتها منظمة small arms survey، لم تنجح في تخطي عادة إطلاق النار في الهواء.

ومنذ سنوات، تروج القوى الأمنية لحملة توعية تحت عنوان "بتقبل تقتل؟" للإضاءة على مساوئ ومخاطر الرصاص الطائش، بموازاة حملات أمنية لملاحقة مطلقي النار وتوقيفهم، دون تحقيق النتيجة المطلوبة، إذ استمر تساقط عشرات المدنيين والأطفال سنويا بالرصاص الطائش.

تشييع الطفلة تايونا صراف في شمال لبنان، أغسطس 2021.

كذلك عملت بعض الأحزاب السياسية، ومنظمات المجتمع المدني والجمعيات الاجتماعية على إطلاق عشرات من حملات التوعية والدعاية الإعلامية دون جدوى.

وعمد مجلس النواب اللبناني عام 2016 إلى تشديد العقوبة على مطلقي النار في الهواء، من خلال القانون رقم 71/2016، الذي يجرّم إطلاق عيارات نارية في الهواء ويعاقب بالحبس من 6 أشهر إلى 3 سنوات، وتصل العقوبة إلى الأشغال الشاقة لمدة 10 سنوات ولا تتجاوز 15 سنة، وبغرامة من 20 إلى 25 ضعف الحد الأدنى للأجور (ما بين 13.5 مليون ليرة و16.8 مليون ليرة)، في حال أدّى إطلاق النار إلى الموت.

مع ذلك لم يكن القانون كافيا لوضع حد لتلك الظاهرة، إذ حمل العام 2017 العدد الأكبر من الضحايا الذين سقطوا بالرصاص العشوائي، حيث قتل وجرح نحو 41 شخصاً.

ووصل الأمر إلى حد تهديد سلامة الطيران المدني في لبنان، حيث يطال الرصاص سنوياً طائرات ومنشآت في حرم مطار بيروت، وسبق أن أصيبت 4 طائرات حديثة تابعة لشركة "طيران الشرق الأوسط" في مطار بيروت الدولي، بسبب إطلاق النار ليلة رأس السنة، حتى باتت قوى الأمن تحذّر سنوياً ودورياً من تساقط الرصاص الطائش في المطار مما يهدد سلامة الطيران وحياة المسافرين والوافدين.

ولم يفرق الرصاص الطائش، بين فئات عمرية، أو أجناس، أو قريب وصديق أو شخصية عامة أو لاعبون رياضيون؛ حتى سفراء الدول الأجنبية في لبنان نالوا نصيبهم من الرصاص الطائش، كما هو حال السفير الياباني في لبنان.

وعام 2020 قتل نجم كرة القدم اللبناني محمد عطوي، في بيروت برصاص طائش.

ما هي الرصاصة الطائشة؟

تسمى الرصاصة بالطائشة حين تطلق من سلاحٍ بلا قصد أو بهدف معيّن بطريقة عامودية في الهواء، حيث تعود القطعة المعدنية وتهبط على الأرض في غضون نحو 31 ثانية بعد أن تبلغ ارتفاعا يناهز 2743.2 متراً، ثم تعود إلى الأرض بسرعة أكبر متأثرة بالمبدأ الفيزيائي المسمى "السقوط الحر"، ويزداد ضررها وإمكانية تشظيها، ويصعب التنبّؤ بالمكان الذي يمكن أن تسقط فيه.

وفي بعض المناطق اللبنانية لم يعد يقتصر إطلاق النار على الأسلحة الخفيفة، حيث يعمد البعض إلى إطلاق القذائف الصاروخية والمضادة للدروع في الهواء، ما يرفع من مستوى خوف اللبنانيين والأضرار اللاحقة بهم من أثار الشظايا واصطدام القذائف بالأبنية والمنازل.

ولوحظ في لبنان، ارتباط عادة إطلاق النار في الهواء بالمرحلة السياسية التي تشهدها البلاد، حيث تتراجع تلك الظاهرة في مراحل الاستقرار السياسي بينما تزداد مع احتدام المواجهات والصدامات السياسية والأمنية، لاسيما في فترات الانتخابات والتظاهرات والإحتجاجات، والخلافات بين الأحزاب السياسية والطوائف، التي تتطلب شدّ العصب الشعبي، إذ يصبح استخدام السلاح إظهار قوة واستعراضا في وجه الأطراف الأخرى، كما جرى خلال العام الحالي على اثر تحقيقات مرفأ بيروت وما عرف بمواجهات الطيونة، من ثم مرحلة الانتخابات.

تقليد خطير "يجب إنهاؤه"

وكان ممثل منظمة اليونيسف في لبنان، إدوارد بيغبيدر، قد أصدر بيانا عقب إصابة 4 أطفال برصاص طائش في إطلاق نار احتفالي بعد صدور نتائج الانتخابات النيابية في مايو الماضي، لفت فيه إلى أن "الأطفال والشباب في لبنان يتعرضون بشكل متزايد للعنف المسلح الدائر بين المنازل وفي الأزقة والأحياء"، مشددا على أنه "لا ينبغي لأي طفل أن يعيش في خوف"، ووصف البيان ما يسمى بإطلاق النار الاحتفالي بأنه "تقليد خطير للغاية يجب إنهاؤه"، معتبرا أنه "لا يمكن، تحت أي ظرف أو مناسبة، تبرير إطلاق النار في الهواء، بما في ذلك استخدام الأسلحة الثقيلة، وخاصة في المناطق المأهولة بالسكان بين المجتمعات المحلية".

وناشد بيغبيدر "العائلات والمجتمعات وقادتها والسلطات المحلية للوفاء بمسؤولياتهم والحفاظ على سلامة وأمان الأطفال في لبنان أينما كانوا".

يقول عز الدين "الناس للأسف لا تفهم ان هذا الرصاص له مدى معين، بعد أن ينطلق في السماء سوف يعود ويسقط على الأرض، وهذه حقيقة حتمية لا لبس فيها. وعادة لا يسقط هذا الرصاص في مكان بعيد عن مطلقه، وبالتالي قد يصيب جاره، أو ابن منطقته أو أحد أقاربه أو أصدقائه أو حتى أفراد عائلته كما شهدنا في حالات عدة في لبنان".

يختم عز الدين "نحمد الله أن ما جرى في البلدة بعد إصابة الألواح الشمسية، والتوعية التي قمنا بها على الأضرار التي أدى إليها الرصاص الطائش، انعكست إيجابا على صعيد البلدة، ومع صدور نتائج الامتحانات بالأمس لم تطلق أي رصاصة من البلدة وأكتفى الناس بإطلاق المفرقعات احتفالاً، وبالتالي كانت الناس أكثر حرصا هذه المرة على المصلحة العامة". فهل تنجح خسائر الألواح فيما عجزت عنه الخسائر بالأرواح؟

العمالة السورية في لبنان

في بيروت والمدن اللبنانية عموما، من المعتاد رؤية عمال سوريين يتسلقون السقالات، أو يدفعون عربات خضار، أو يدخلون بوابة مصنع أو مطعم، أو يحرثون الحقول. هؤلاء ليسوا مجرد لاجئين هاربين من ويلات الحرب، إذ أصبحوا خلال السنوات القليلة الماضية العمود الفقري لقطاعات لبنانية واسعة.

لكن الآن، ومع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الأسبوع الماضي، رفع العقوبات المفروضة على سوريا قد يتغير المشهد كليا. 

الحديث عن إعادة إعمار سوريا لم يعد حلما، بل ممكنا أقرب إلى التحقق، يفتح أبواب العودة أمام آلاف العمال السوريين الذين وجدوا في لبنان لسنوات ملاذا، وعملا لتوفير لقمة العيش.

هذا التحول لا يخص السوريين وحدهم. لبنان، الذي يواجه واحدة من أسوأ أزماته الاقتصادية، يقف على حافة تغير كبير في سوق العمل: كيف سيتعامل مع احتمال فقدان آلاف العمال؟

فراغ في الأفق؟

"رغم إعلان الرئيس الأميركي، سيستغرق تنفيذ القرار بعض الوقت"، يقول الدكتور بشارة الأسمر، رئيس الاتحاد العمالي العام في لبنان، في حديث إلى قناة "الحرة". "لكن هذا القرار يفتح الباب أمام تغييرات كبيرة في وضع العمال السوريين في لبنان".

ويشير الأسمر إلى أن وتيرة عودة السوريين إلى بلادهم قد تتسارع إذا تزامن رفع العقوبات مع بدء عملية إعادة الإعمار في سوريا لا سيما إذا شاركت دول الخليج والدول الغربية في العملية.

"العمال السوريون هم اليوم ركيزة أساسية في قطاعات البناء والزراعة، وإذا رحلوا، فإن الفجوة ستكون كبيرة".

وتكبد لبنان بسبب الحرب الأخيرة بين حزب الله وإسرائيل خسائر فادحة، إذ قُدرت كلفة الأضرار في قطاع السكن وحده بنحو 3 مليارات دولار، وفقا للبنك الدولي، بعد تدمير قرابة 100 ألف وحدة سكنية، معظمها في مناطق نفوذ حزب الله.

ومع سريان اتفاق وقف إطلاق النار، تصدر ملف إعادة الإعمار في لبنان الواجهة، لكن المجتمع الدولي وضع شرطا أساسيا: لا مساعدات من دون تنفيذ القرارات التي تنص على نزع سلاح حزب الله. وكانت الرسالة من الدول الغربية والعربية واحدة: المساعدات مرهونة بفرض الدولة سلطتها الكاملة على السلاح.

تداعيات في قطاع البناء.. وأكثر

يقول جميل طالب، رئيس نقابة عمال البناء في شمال لبنان، إن العمال السوريين يهيمنون على وظائف "البيتون، والقصارة، والتركيب"، وهي أعمال لا يقبل بها كثير من اللبنانيين بسبب قلة الأجور وظروف العمل القاسية. 

"إذا غادروا جميعا، سيكون لذلك تأثير كبير على القطاع،" يضيف في حديثه مع موقع "الحرة".

المفارقة، بحسب طالب، أن إعادة الإعمار في سوريا قد تدفع بعض العمال اللبنانيين أنفسهم إلى الهجرة نحو سوريا بحثا عن فرص أفضل، ما سيُفاقم أزمة العمالة محليا.

يقول الأسمر، من جهته، إنه التقى قبل يومين وفدا من الاتحاد العام للعمال السوريين، بحضور عدد من رجال الأعمال اللبنانيين الذين يعتمدون على اليد العاملة السورية، وتطرق النقاش إلى إمكانية التعاون بين الشركات اللبنانية والسورية خلال المرحلة المقبلة.

ولكن "لا شيء ملموسا بعد، وعلينا الانتظار لمعرفة الاتجاهات،" يقول الأسمر، "لكن لا شك أن إعادة الاعمار في سوريا تسرّع عودة السوريين غير المرتبطين بأعمال دائمة وورش مستمرة في لبنان".

ويرى الخبير الاقتصادي، البروفيسور جاسم عجاقة، أن التحدي أكبر من قضية عمالة. "إذا انطلقت الاستثمارات في سوريا، لا سيما في قطاعات النفط والبنية التحتية والإسكان، فسوف تجذب رؤوس الأموال والعمال معا". 

ويضيف أن "تقديم المفوضية العليا لشؤون اللاجئين مساعدات للسوريين في بلادهم قد يشجع مزيدا منهم على العودة".

ويحذر عجاقة من أن لبنان، المعتمد بشكل كبير على العمالة السورية في قطاعات الزراعة والبناء والصناعة، قد يواجه نقصا حادا إذا ما غادر السوريون فجأة.

شمع أحمر

خلال  السنوات الماضية، شنت السلطات اللبنانية حملات صارمة على العمال السوريين غير النظاميين، بهدف الحد من وجودهم في سوق العمل، ودفعهم إلى العودة. وشملت هذه الحملات مداهمات، وتوقيفات، وحتى إقفال مؤسسات بالشمع الأحمر.

وبحسب الوكالة الوطنية للإعلام حينها، فإن الإجراءات شملت "ملاحقة مخالفات الإقامة والعمل، من خلال الكشف على المحال التي يملكها أو يديرها سوريون للتحقق من أوضاعهم القانونية، والتأكد من وجود كفيل لبناني." كما تم التحقق من تسجيلهم في المفوضية، التي تحظر عليهم العمل قانونيا.

وأثارت هذه الحملات جدلا واسعا في لبنان. فبينما رأى فيها البعض خطوة ضرورية لحماية العمال اللبنانيين، اعتبرها آخرون قاسية ومجحفة بحق اللاجئين السوريين.

الأسمر أوضح أن تلك الإجراءات جاءت نتيجة الاحتكاك الكبير بين العمال اللبنانيين والسوريين. "في كثير من الحالات، حلّ السوريون محل اللبنانيين، وحتى أصبحوا يديرون بعض المؤسسات، ما خلق توترا واضحا".

ودعا طالب، من جانبه، إلى إنهاء ما سماه "منافسة اليد العاملة الأجنبية"، وطالب بإدراج عمال البناء في الضمان الاجتماعي وتطبيق قانون العمل عليهم.

هل يخسر لبنان دوره التاريخي؟

في العمق، هناك قلق يتجاوز العمالة: هل يفقد لبنان دوره الاستراتيجي كبوابة اقتصادية إلى الخليج؟ 

يجيب عجاقة بحذر: "رفع العقوبات عن سوريا قد يعود بفائدة على لبنان على المدى الطويل، لكن في المدى القريب، قد يتراجع دوره الاقتصادي والاستراتيجي إذا لم ينفذ الإصلاحات المطلوبة منه".

وأعرب الأسمر عن أمله في أن تثمر زيارات المسؤولين اللبنانيين إلى دول الخليج والدول الغربية في الحصول على دعم مالي للبنان، لكنه أشار إلى أن "التركيز يبدو حاليا على إعادة الإعمار في سوريا".

بين رحيل العمالة وغياب الإصلاحات، يقف لبنان عند مفترق طرق اقتصادي حاسم. والسؤال هو: هل سيتكيّف مع المتغيرات أم يترك زمام الأمور للأقدار؟