رايات حزب الله في بيروت
رايات حزب الله في بيروت

تمر الذكرى السادسة عشر لـ"حرب تموز"، (يوليو 2006)، بين لبنان وإسرائيل، فيما يقف البلدان عند أعلى مستوى تصعيد عسكري بينهما منذ ذلك الحين.

غاز البحر المتوسط أشعل نيران الخلاف الحدودي بين الطرفين، ووضعهما في سباق مع الوقت، باتت حدوده "أسابيع معدودة"، لحل النزاع بالمفاوضات، التي ترعاها الولايات المتحدة، قبل الدخول في مواجهة عسكرية.

كان ذلك، فحوى تهديدات "حزب الله"، التي أطلقها زعيمه حسن نصر الله قبل أيام، مطالباً بحسم المفاوضات وبدء عمل شركات التنقيب قبل شهر سبتمبر المقبل، وهو الموعد الذي قدمته إسرائيل للبدء باستخراج الغاز من منطقتها الاقتصادية البحرية، بغض النظر عن حسم النزاع الحدودي مع لبنان.

كما هدد نصر الله بمنع استخراج الغاز أو بيعه من كل إسرائيل "في حال مُنع لبنان من الاستفادة من ثروته النفطية".

جاء ذلك بعد تصعيد عسكري لافت من "حزب الله"، تمثل في إرسال 3 طائرات استطلاع مسيرة، فوق ما يسمى بـ "حقل كاريش" للغاز، الذي تؤكد إسرائيل أنه يقع ضمن منطقتها الاقتصادية البحرية، فيما يعتبر لبنان أن جزءاً منه يقع ضمن حدوده البحرية، ويطالب مقابل التخلي عنه، تخلي إسرائيل عن حقل آخر متنازع عليه يسمى "حقل قانا".

أسقطت إسرائيل مسيرات "حزب الله"، ورفعت من نبرة تهديداتها في وجهه معلنة الجاهزيو للرد على أي تصعيد، فيما بات إطلاق واسقاط الطائرات المسيرة حدثاً شبه يومي في المنطقة الحدودية الفاصلة بينهما، مما ينذر بتدحرج للأمور، قد يفتح حرباً شاملة، لم يخفِ نصر الله نيته بشنها في الفترة المقبلة، إن لم تحسم القضية.

وعلى ما يبدو أن إسرائيل تطالب بالحسم أيضاً، لاسيما رئيس وزرائها الجديد يائير لابيد، الذي نقل الإعلام المحلي الإسرائيلي مطالبته الوسيط الأميركي في الملف، آموس هوكستين، السعي للتوصل إلى اتفاق "في أقرب وقت ممكن" تفادياً لمواجهة شاملة مع "حزب الله"، وذلك خلال زيارة الرئيس الأميركي جو بايدن إلى إسرائيل، حيث كان هوكستين ضمن الوفد المرافق.

لكن، وفي المقابل، حافظ الطرفان على وتيرة تصاعدية في التهديدات، مترافقة مع مواجهات غير تقليدية، تخاض إما إلكترونياً عبر الهجمات المتبادلة، وإما عن بعد على شكل المسيرات والأنفاق، أو في ساحات أبعد كالأراضي السورية، مما يزيد من أخطار انتقال المواجهة إلى أراضي الطرفين.

الطلقة الأولى

يرى رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات والأبحاث، العميد الركن هشام جابر، أن احتمالات نشوب الحرب مستبعدة جداً، "إنما تبقى احتمالا وارداً دائما، لأن أحداً لا يعرف كيف تنطلق الشرارة"، لكن بيت القصيد في الحرب المحتملة بين حزب الله وإسرائيل، بحسب جابر، هو "من سيقوم بالضربة الأولى؟"

يري الخبير العسكري، في حديثه لموقع "الحرة"، أن حرباً محتملة من هذا النوع سيكون لها تداعيات خطيرة على الطرفين في الداخل والخارج، ومن سيقوم بالضربة الأولى، سيتحمّل كل تداعياتها الداخلية في بلده.

"نتحدث عن دمار كبير لا يشبه أي ما شهدناه في المرات السابقة"، يضيف جابر، "لذلك فإن كل طرف لديه هاجس من تحمل هذه المسؤولية، تجاه الداخل وتجاه المجتمع الدولي وأمام القانون الدولي، إذ أنه دائما ما يصنف من يقوم بالضربة الأولى على أنه المعتدي، في حين أن من يقوم بالرد على الضربة الأولى يكون في موقع الدفاع عن النفس."

ليس من مصلحة "حزب الله" أبدا إطلاق الصاروخ الأول، بحسب جابر، "إلا إذا أرادت إيران ذلك، وهذا برأيي أيضا مستبعد، فالشعب اللبناني لن يكون معه وسيخسر تأييد فئة كبيرة من اللبنانيين لا يزالون يناصرونه، لكنه إذا رد على اعتداء إسرائيلي، سيخرج حينها بصورة المدافع عن لبنان وبنيته التحتية وثرواته."

وفي المقابل لا يبدو أن هناك نية لدى إسرائيل في ابتداء حرب، وهو ما يظهر في طبيعة تصريحات قادته العسكريين والسياسيين، ففي جولة لرئيس الوزراء الإسرائيلي على الحدود الشمالية مع لبنان، بعد واقعة المسيرات، أشار في تصريح له إلى أن "إسرائيل مستعدة وجاهزة للتصرف ضد أي تهديد"، لافتا إلى أن بلاده "لا تسعى لمواجهة، لكن من يحاول المساس بسيادتنا أو بمواطني إسرائيل سيكتشف بسرعة أنه ارتكب خطأ فادحا".

من جهته، وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس، وفي تصريح له على مواقع التواصل الاجتماعي، قال إن "دولة لبنان وقادتها، يدركون جيدا أنهم إذا اختاروا طريق النار، فسيحترقون بشدة ويتضررون"، مؤكداً أن "إسرائيل مستعدة لبذل الكثير لجعل جيرانها يزدهرون ومستعدة للعمل طوال الوقت لحماية مواطنيها"، مضيفاً: "نحن جاهزون بكل الأبعاد - في الجو، والبحر، والبر، وفي الحرب الإلكترونية"، مشدداً على أن "عدوان حزب الله غير مقبول ويمكن أن يقود المنطقة بأسرها إلى تصعيد غير ضروري."

ينقل جابر عن الصحافة الإسرائيلية، حديث بشأن استبعاد قيام حرب تقليدية، ولكن الخشية، بحسب الخبير العسكري، "من حرب مسيرات مضبوطة القواعد، لضرب أهداف حساسة لدى الطرفين، وهنا يصبح احتمال التدحرج إلى حرب واسعة أكبر بكثير."

"التفافة حزب الله"

وكانت السلطات اللبنانية قد دعت في يونيو الماضي الوسيط الأميركي، آموس هوكستين، للمجيء الى بيروت، غداة إرسال إسرائيل سفينة إنتاج وتخزين ستعمل على استخراج الغاز من حقل كاريش، وذلك بهدف البحث في استكمال مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، التي كانت قد انطلقت عام 2020 وتوقفت في مايو 2021، إثر تمدد الخلاف على المناطق المتنازع عليها.

ومثلت تصعيدات حزب الله الأخيرة، وتهديدات نصر الله بمواجهة عسكرية، التفافاً في موقفه الذي كان قد سبق اتخذه في الفترة الماضية، معلنا "وقوفه خلف الدولة اللبنانية" في موقفها من المفاوضات الجارية، حيث عاد نصر الله واعتبر أنه "أسيء فهم كلامه" ، معتبراً أن حزبه لن يتردد في فعل ما يرى أنه يحقق مصلحة لبنان "ويدعم موقف المفاوض اللبناني".

في هذا السياق يقول الكاتب والباحث السياسي، غسان جواد، أن "حزب الله" لا يزال في موضوع الترسيم خلف الدولة اللبنانية، فإذا ما قررت الدولة اللبنانية تبني أي خط للترسيم سيكون خلفها، "ولكن الطائرات المسيرة جاءت في سياق دعم المفاوضات وإعطاءها الزخم المطلوب وليست متعلق بملف الترسيم نفسه، ومن أجل إيجاد توازن حقيقي مقابل الوساطة الأميركي التي تتبنى انحيازاً واضحاً إلى جانب إسرائيل"، بحسب جواد.

من جهة أخرى، يرى النائب اللبناني أشرف ريفي أن التحول الذي حصل "هو في الموقف الإيراني، بعد فشل مفاوضات فيينا، وفشل لقاء الدوحة، وبالتالي أراد الإيراني إيصال رسالة للجانب الأميركي مفادها أنه قادر على المشاغبة عليه في المنطقة، لأخذ مصالحه بعين الاعتبار، في حين أن حزب الله مجرد منفذ للأجندة الإيرانية مع الأسف، غير مقرر، وفي آخر اعتباراته المصلحة اللبنانية."

ويصف ريفي في حديثه لموقع "الحرة" دعاية "حزب الله" بأنها " مجرد تبرير"، معتبرا أن "الناس ليست غبية لتصدق، كان يكفي أن يلتزم بوقوفه خلف الدولة اللبنانية، وهو بالفعل مشارك بالاتفاق، وكلنا نعرف أن أحدا لا يتجرأ على تقديم أي موافقة في ملف ترسيم الحدود دون العودة إلى حزب الله، لكن تغيير موقفه ناتج عن خدمته للأجندة الإيرانية."

بدوره، يذهب العميد اللبناني المتقاعد يعرب صخر إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن التجارب والممارسات أثبتت منذ العام 2000 حتى الآن، وتجلت عام 2006، "ان ممارسات حزب الله لم تكن يوماً لخدمة الشأن اللبناني، بل كانت دائما تنفيذا لأجندة إيرانية ورغبات إيرانية، وبالتالي عندما يتأزم وضع إيران، يكلف حزب الله في لبنان، كما يكلف غيره في اليمن والعراق وسوريا، من القوى العابرة لأوطانها، أن يشعلوا جبهات معينة لتوفر لإيران أوراق تفاوضية إن كان في اتفاق فيينا أو إن كان في القمم المختلفة أو في توجهها نحو الغرب لفرض نفسها لاعب أساسي في مجمل الشرق الأوسط."

ويلفت في حديث لموقع "الحرة"، إلى أن إسرائيل أنهت الاستكشاف ودخلت مرحلة الاستخراج، فيما لبنان لم ينهِ الاستكشاف ويلزمه نحو 10 سنوات على الأقل، للبدء باستخراج النفط والغاز، "وبالتالي هذه التهديدات شعبوية وتهويليه ودعائية فقط، لخدمة موقف إيران، وتثبيت سيطرة حزب الله في لبنان، لاسيما على قرارات السلم والحرب والسياسة الخارجية للدولة."

ما علاقة روسيا؟

وخلق تبدل موقف حزب الله واتجاهه نحو التصعيد، تساؤلات بشأن الهدف الحقيقي حلف هذا التصعيد وتوقيته، لاسيما وأنه أتى بالتزامن مع زيارة الرئيس الأميركي إلى الشرق الأوسط، وقمتي جدة وطهران، الأمر الذي أوحى بأبعاد إقليمية للتصعيد، تتخطى الاعتبارات اللبنانية الداخلية ومصلحة البلاد.

يشرح صخر أنه، وبعد الحرب في أوكرانيا، عاد الشرق الأوسط ليشكل الاهتمام العالمي، "وهو متمثل بهاجس الطاقة لأنه يؤمن للغرب بديلاً عن انقطاع الطاقة من روسيا، خصوصاً أن روسيا ماضية حتى النهاية في حربها، والغرب في المقابل ماض في المقاطعة والعقوبات إلى النهاية، ليصبح الشرق الأوسط هو الحاضر الأساسي في كل الجيو-استراتيجيا العالمية."

ويرى أنه فيما عقد مؤتمر جدة "للتكتل بشأن تأمين امدادات الطاقة إلى أوروبا، ولتشكيل حلف شرق أوسطي عربي غربي، ليس فقط في وجه إيران، بل أيضا في وجه التوسع الروسي وامتداداته وتحالفاته"، أتت قمة طهران، لتشكل حلفاً مقابلاً، "ومن هنا يفهم تصعيد حزب الله، الذي جاء بإشارة إيرانية لخلق أجواء متوترة بهدف إيصال رسالتين، أولاً للقول أن إيران لا زالت هنا، ثانيا إن لم يكن هناك غاز ونفط من إيران، فلا غاز ولا نفط لا من لبنان ولا من إسرائيل."

من ناحيته، لا يغفل جواد صورة قمة طهران وقمة جدة من المشهد، "وقبلهما صورة الناتو، العالم ينقسم مجدداً بين شرق وغرب، وهناك فرز جدي، الروسي بالتأكيد يستفيد من موقف حزب الله اليوم، ولكن هل هذا يعني أن الموقف منسق؟ بالتأكيد لا، لأن حزب الله بالعمق يخوض معركة وطنية لتحصيل مكتسبات للبنان."

ويضيف أن "حزب الله يرى بموضوع الثروة النفطية لاسيما مع التحولات الإقليمية والعالمية وبعد الحرب في أوكرانيا، وفيما أوروبا على أبواب الشتاء، أن لبنان أمام فرصة تاريخية، لذا فإنه يطرح أوراق قوته، للضغط على الأميركيين لتخفيف الحصار، غير المعلن بشكل مباشر، على لبنان وتقديم تنازلات جوهرية."

 هل يحتمل لبنان؟

كان نصر الله واضحاً بكلامه الأخير أنه "لا ينتظر إجماعاً وطنياً" بشأن تصعيده وخطواته، على الرغم من أن هاجس الحرب يؤرق سكان البلاد التي تعاني من أسوأ أزمة اقتصادية في تاريخها تركت تداعيات كبيرة على الجانب الاجتماعي، في ظل انقسام سياسي حاد بين المكونات اللبنانية، وجعلت نحو 80% من الشعب اللبناني في فقر متعدد الأوجه، وسط انهيار دراماتيكي لمؤسسات الدولة اللبنانية وحضورها.

وفي هذا السياق يشير ريفي، الذي كان مديراً عاماً لقوى الأمن الداخلي اللبناني برتبة لواء، إلى أنه ما من حرب تخاض بالقواعد العسكرية، دون أن يؤمن كل طرف لنفسه الإخلاء الصحي وجاهزية المستشفيات أو تموين غذاء كاف، وكمية كافية من الذخيرة والسلاح والوقود.

ويضيف "بالجزء الأول ليس هناك أمان صحي في البلاد ولا مستشفيات قادرة على تحمل ضغط حرب، وعلى المستوى الغذائي والتمويني مهما بلغ احتياط لبنان، ليس لديه خطوط تدفق استراتيجي، كذلك الأمر بالنسبة إلى الوقود الذي تعاني البلاد في تأمين حاجتها منه."

ويتابع ريفي أن "بيئة حزب الله قبل غيرها، لن تقبل معه وليست قادرة على تحمل أي نوع من الحروب في ظل هذه الأوضاع، وهو يعرف ذلك أكثر من أي أحد آخر." ليتفق كل من جابر وصخر على أن الجبهة الداخلية في لبنان غير قادرة على احتمال حرب "أو حتى مواجهة عسكرية محدودة".

من جهته، يشدد جواد على أن "أحداً لا يريد الحرب، إلا إذا كان المقابل يريد قتلك على البطيء حينها تصبح المواجهة أقل كلفة." ويشير الباحث السياسي إلى أن "حزب الله يرى الولايات المتحدة مسؤولة عن جزء كبير من الأزمة ومقررة فيها، صحيح أن أسباب الأزمة داخلية، ولكن يتم استثمارها لتفجيرها بوجه حزب الله، وعليه يحاول اليوم تغيير هذه الاستراتيجية مستفيدا من التحولات الدولية ومن قدرته على تنفيذ ما يهدد به."

ويلفت جواد إلى أن "حزب الله يرى أن الحرب ستكون أقل تكلفة عليه وعلى البلاد، من تركها تحت الضغط والحصار ومنعه حتى من استجرار الغاز والكهرباء من الأردن ومصر، وبدلاً من الموت بحروب داخلية وتحريض طائفي وفوضى على الخبز والدواء والمعيشة، يصبح التركيز على الحرب الخارجية التي من شأنها أن تشد عصب المجتمع."

"لو كنت أعلم"؟

لا مجال للمقارنة بين قوة "حزب الله" العسكرية وقوة إسرائيل، وفق ما يؤكد جابر، "إسرائيل الدولة الأولى عسكرياً في المنطقة، لكن حزب الله يملك وسائل للرد والردع، وإسرائيل تعرف هذا الأمر، ومنذ عام 2006 وحتى اليوم، تقول مراكز الدراسات الإسرائيلية أن قوة حزب الله العسكرية تضاعفت عشرات المرات، وبات يملك مئات آلاف الصواريخ بينها صواريخ دقيقة، قادرة على ضرب أهداف حساسة في إسرائيل، كما أنه يملك سلاح دفاع بحري متطورا قادرا على إلحاق الأذى بالبحرية الإسرائيلية ومنصات النفط والغاز، مما قد يعيد إسرائيل سنوات إلى الوراء."

في المقابل، يرى حزب الله نفسه "رابحاً سلفاً" في أي مواجهة عسكرية مع إسرائيل، وفق جواد، وعلى هذا الأساس يرى أن الحرب "قد تفتح أفقاً للحل، فإن تمكن حزب الله هذه المرة من إيلام إسرائيل، عبر ضربات قاسية، يصبح هناك إمكانية لإقامة تفاهم كبير على وضع لبنان، وفرض تسوية واستقرار."

وبعد "حرب تموز" 2006، خرج زعيم حزب الله في مقابلة إعلامية شهيرة، قال فيها أنه "لو كان يعلم" بحجم الدمار والخسائر التي تسببت بها الحرب في حينها، لما أقدم على عملية اختطاف الجنود الإسرائيليين، وباتت عبارة "لو كنت أعلم" مثال يضرب لدى الرأي العام اللبناني في إشارة إلى القرارات المتهورة وغير المحسوبة التي قد يتخذها "حزب الله"، وقد استحضر رواد مواقع التواصل الاجتماعي هذه الجملة خلال تهديدات نصر الله الأخيرة.

وتعليقاً على ذلك، يقول جواد "هذه المرة من واضح ان الذهاب نحو المواجهة يأتي بكامل الإرادة والوعي لها، لأنه يبقى خيارا أسهل من انفجار البلد بعد شهرين في وجه حزب الله، المؤشرات تقول ان احتياط مصرف لبنان يتراجع، ذهاب المغتربين بعد فترة سيخفف من العملة الصعبة في البلاد، وبالتالي سيعود ارتفاع سعر الدولار، ومزيد من الضعف للعملة الوطنية وعجز أكبر عن استيراد الحاجات الأساسية إلا بسعر عالي، وبالتالي هناك عائلات فعلاً لن تتمكن من شراء ربطة خبز في الفترة المقبلة حين تصل إلى 200 ألف ليرة وأكثر."

ويضيف "رأي حزب الله في هذا المكان أن هناك شهر مقبل فقط، إما أن يشهد تفاهم واسع مع الأميركيين والمجتمع الدولي بشأن تخفيف الضغط عن لبنان واعطاؤه حقوقه تمهيدا للنهوض التدريجي بهوية اقتصادية جديدة، وإلا فإن ملف وطني بحجم النفط والغاز يستحق الذهاب في معركة من أجله، من يريد فعلا حلا سريعا وجذريا، يدعو للتكامل بين اللبنانيين، وتحسين شروط لبنان في التفاوض وقد يصل لتحقيق المكتسبات بلا حرب."

ثقافة الحرب

لكن في المقابل، لم تكن الدولة اللبنانية ممنونة من تصعيد حزب الله، وتعقيداً على إرساله للطائرات المسيرة، اعتبرت الحكومة اللبنانية أن أي عمل خارج إطار المفاوضات الجارية بوساطة أميركية يعد "غير مقبول".

وقال وزير الخارجية اللبناني عبدالله بو حبيب إن "أي عمل خارج اطار مسؤولية الدولة والسياق الدبلوماسي الذي تجري المفاوضات في إطاره، غير مقبول ويعرّضه لمخاطر هو في غنى عنها"، مشدداً على أن المفاوضات الجارية بمساعي الوسيط الأميركي "قد بلغت مراحل متقدمة"، داعياً الأطراف كافة إلى "التحلي بروح المسؤولية الوطنية العالية والالتزام بما سبق وأعلن بأن الجميع من دون استثناء هم وراء الدولة في عملية التفاوض".

في هذا السياق يرى صخر أن "حزب الله لا يقوم إلا على ثقافة الحرب والموت، وليس في قاموسه ثقافة الحياة والسلام، هذه هي علة وجوده، وهذا هو سبب وجوده على أرض الواقع، خصوصا أنه يشت عن كل الهموم اللبنانية ويتصل بالهم الإيراني الذي لا يتماهى ولا يتطابق مع لبنان، فكل الاستراتيجيات الإيرانية لا تخدم غرض لبنان، لكونها تنزعه من عمقه العربي ومحيطه وتريد ان تجعله موطئ قدم لها، بلداً شمولياً، راديكالياً بعيداً عن الديمقراطية والحداثة والانفتاح، وهذا ما يرفضه كل اللبنانيين."

بينما يؤكد جواد في المقابل أنه "ليس المطلوب الذهاب نحو الحرب، المطلوب مصلحة لبنان، بات عمر هذا الملف 15 عاما شهد ما يكفي من مماطلة ومفاوضات واقتراحات وأخذ ورد، بينما يمر العالم اليوم بمرحلة مصيرية ومستجد دولي كبير، متزامن مع ذروة الضغوطات على لبنان، إذا وقف الأميركي في نقطة وسط ورفع الفيتو عن لبنان، قد لا نصل إلى الحرب، أما إن أداروا ظهرهم للبنان وتركوا شعبه يموت تصبح المواجهة العسكرية محتملة جداً."

من جهته يرى جابر أن حزب الله "يهول ويستعرض قوته فقط لا أكثر، لأننا نعلم جميعاً، أن لبنان في مرحلة مفاوضات تستلزم أن يكون في موقع قوة، وأميركا برأيي أيضا لا تريد حربا في المنطقة قد تورطها وتدفعها للانخراط، لأنها منشغلة بالحرب في أوكرانيا وفي التركيز على الصين، إضافة إلى ملفاتها الداخلية."

ويختم "بالتالي إدارة الرئيس بايدن لن توافق على اندلاع هذه الحرب، التي قد تتوسع رقعتها، وتنخرط فيها إيران وقد تمتد إلى سوريا حيث روسيا، مما يعني توسع أكبر لرقعة الحرب، التي ستكون قاسية جداً وتعود بدمار كبير جداً على الطرفين."

العمالة السورية في لبنان

في بيروت والمدن اللبنانية عموما، من المعتاد رؤية عمال سوريين يتسلقون السقالات، أو يدفعون عربات خضار، أو يدخلون بوابة مصنع أو مطعم، أو يحرثون الحقول. هؤلاء ليسوا مجرد لاجئين هاربين من ويلات الحرب، إذ أصبحوا خلال السنوات القليلة الماضية العمود الفقري لقطاعات لبنانية واسعة.

لكن الآن، ومع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الأسبوع الماضي، رفع العقوبات المفروضة على سوريا قد يتغير المشهد كليا. 

الحديث عن إعادة إعمار سوريا لم يعد حلما، بل ممكنا أقرب إلى التحقق، يفتح أبواب العودة أمام آلاف العمال السوريين الذين وجدوا في لبنان لسنوات ملاذا، وعملا لتوفير لقمة العيش.

هذا التحول لا يخص السوريين وحدهم. لبنان، الذي يواجه واحدة من أسوأ أزماته الاقتصادية، يقف على حافة تغير كبير في سوق العمل: كيف سيتعامل مع احتمال فقدان آلاف العمال؟

فراغ في الأفق؟

"رغم إعلان الرئيس الأميركي، سيستغرق تنفيذ القرار بعض الوقت"، يقول الدكتور بشارة الأسمر، رئيس الاتحاد العمالي العام في لبنان، في حديث إلى قناة "الحرة". "لكن هذا القرار يفتح الباب أمام تغييرات كبيرة في وضع العمال السوريين في لبنان".

ويشير الأسمر إلى أن وتيرة عودة السوريين إلى بلادهم قد تتسارع إذا تزامن رفع العقوبات مع بدء عملية إعادة الإعمار في سوريا لا سيما إذا شاركت دول الخليج والدول الغربية في العملية.

"العمال السوريون هم اليوم ركيزة أساسية في قطاعات البناء والزراعة، وإذا رحلوا، فإن الفجوة ستكون كبيرة".

وتكبد لبنان بسبب الحرب الأخيرة بين حزب الله وإسرائيل خسائر فادحة، إذ قُدرت كلفة الأضرار في قطاع السكن وحده بنحو 3 مليارات دولار، وفقا للبنك الدولي، بعد تدمير قرابة 100 ألف وحدة سكنية، معظمها في مناطق نفوذ حزب الله.

ومع سريان اتفاق وقف إطلاق النار، تصدر ملف إعادة الإعمار في لبنان الواجهة، لكن المجتمع الدولي وضع شرطا أساسيا: لا مساعدات من دون تنفيذ القرارات التي تنص على نزع سلاح حزب الله. وكانت الرسالة من الدول الغربية والعربية واحدة: المساعدات مرهونة بفرض الدولة سلطتها الكاملة على السلاح.

تداعيات في قطاع البناء.. وأكثر

يقول جميل طالب، رئيس نقابة عمال البناء في شمال لبنان، إن العمال السوريين يهيمنون على وظائف "البيتون، والقصارة، والتركيب"، وهي أعمال لا يقبل بها كثير من اللبنانيين بسبب قلة الأجور وظروف العمل القاسية. 

"إذا غادروا جميعا، سيكون لذلك تأثير كبير على القطاع،" يضيف في حديثه مع موقع "الحرة".

المفارقة، بحسب طالب، أن إعادة الإعمار في سوريا قد تدفع بعض العمال اللبنانيين أنفسهم إلى الهجرة نحو سوريا بحثا عن فرص أفضل، ما سيُفاقم أزمة العمالة محليا.

يقول الأسمر، من جهته، إنه التقى قبل يومين وفدا من الاتحاد العام للعمال السوريين، بحضور عدد من رجال الأعمال اللبنانيين الذين يعتمدون على اليد العاملة السورية، وتطرق النقاش إلى إمكانية التعاون بين الشركات اللبنانية والسورية خلال المرحلة المقبلة.

ولكن "لا شيء ملموسا بعد، وعلينا الانتظار لمعرفة الاتجاهات،" يقول الأسمر، "لكن لا شك أن إعادة الاعمار في سوريا تسرّع عودة السوريين غير المرتبطين بأعمال دائمة وورش مستمرة في لبنان".

ويرى الخبير الاقتصادي، البروفيسور جاسم عجاقة، أن التحدي أكبر من قضية عمالة. "إذا انطلقت الاستثمارات في سوريا، لا سيما في قطاعات النفط والبنية التحتية والإسكان، فسوف تجذب رؤوس الأموال والعمال معا". 

ويضيف أن "تقديم المفوضية العليا لشؤون اللاجئين مساعدات للسوريين في بلادهم قد يشجع مزيدا منهم على العودة".

ويحذر عجاقة من أن لبنان، المعتمد بشكل كبير على العمالة السورية في قطاعات الزراعة والبناء والصناعة، قد يواجه نقصا حادا إذا ما غادر السوريون فجأة.

شمع أحمر

خلال  السنوات الماضية، شنت السلطات اللبنانية حملات صارمة على العمال السوريين غير النظاميين، بهدف الحد من وجودهم في سوق العمل، ودفعهم إلى العودة. وشملت هذه الحملات مداهمات، وتوقيفات، وحتى إقفال مؤسسات بالشمع الأحمر.

وبحسب الوكالة الوطنية للإعلام حينها، فإن الإجراءات شملت "ملاحقة مخالفات الإقامة والعمل، من خلال الكشف على المحال التي يملكها أو يديرها سوريون للتحقق من أوضاعهم القانونية، والتأكد من وجود كفيل لبناني." كما تم التحقق من تسجيلهم في المفوضية، التي تحظر عليهم العمل قانونيا.

وأثارت هذه الحملات جدلا واسعا في لبنان. فبينما رأى فيها البعض خطوة ضرورية لحماية العمال اللبنانيين، اعتبرها آخرون قاسية ومجحفة بحق اللاجئين السوريين.

الأسمر أوضح أن تلك الإجراءات جاءت نتيجة الاحتكاك الكبير بين العمال اللبنانيين والسوريين. "في كثير من الحالات، حلّ السوريون محل اللبنانيين، وحتى أصبحوا يديرون بعض المؤسسات، ما خلق توترا واضحا".

ودعا طالب، من جانبه، إلى إنهاء ما سماه "منافسة اليد العاملة الأجنبية"، وطالب بإدراج عمال البناء في الضمان الاجتماعي وتطبيق قانون العمل عليهم.

هل يخسر لبنان دوره التاريخي؟

في العمق، هناك قلق يتجاوز العمالة: هل يفقد لبنان دوره الاستراتيجي كبوابة اقتصادية إلى الخليج؟ 

يجيب عجاقة بحذر: "رفع العقوبات عن سوريا قد يعود بفائدة على لبنان على المدى الطويل، لكن في المدى القريب، قد يتراجع دوره الاقتصادي والاستراتيجي إذا لم ينفذ الإصلاحات المطلوبة منه".

وأعرب الأسمر عن أمله في أن تثمر زيارات المسؤولين اللبنانيين إلى دول الخليج والدول الغربية في الحصول على دعم مالي للبنان، لكنه أشار إلى أن "التركيز يبدو حاليا على إعادة الإعمار في سوريا".

بين رحيل العمالة وغياب الإصلاحات، يقف لبنان عند مفترق طرق اقتصادي حاسم. والسؤال هو: هل سيتكيّف مع المتغيرات أم يترك زمام الأمور للأقدار؟