مساكن في بيروت
مساكن في بيروت

حذّر تقرير جديد لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف" من أن صحة ملايين الأشخاص في لبنان، ولاسيما الأطفال، معرضة للخطر، وذلك بسبب شبكات إمدادات المياه التي لا تزال تتأرجح على حافة الهاوية.

وقبل عام، حذرت المنظمة الأممية من أن نظام المياه وصل إلى نقطة الانهيار، لكن كما يقول إدوارد بيجبيدر، ممثل اليونيسف في لبنان "تم تفادي الإنهيار الشامل لشبكات إمدادات المياه العامة حتى الآن، إلا أنه لم يتم حلّ الأزمة بعد، حيث يتأثر حالياً ملايين الأشخاص في البلاد من محدودية توافر المياه النظيفة والآمنة".

وشدد على أن "معالجة هذه القضية في غاية الأهمية من أجل ضمان صحة الأطفال والعائلات في لبنان".

ولم يتمكن مقدمو الخدمات في القطاع العام للمياه من توفير ما يكفي من المياه لزبائنهم، ويرجع ذلك بحسب "اليونيسف" "إلى حد كبير إلى أزمة عدم توفر مصادر الطاقة اللازمة لضخ المياه، ولكن أيضاً إلى عدم قدرتهم على تحمل تكاليف قطع الغيار والإصلاحات الضرورية وأسعار الديزل، وسط التضخم المتصاعد".

وأشارت إلى أنه "منذ بداية الأزمة، انخفضت إمدادات المياه من مؤسسات المياه الأربع انخفاضاً كبيراً، إلى أقل من 35 لتراً للفرد الواحد في اليوم، وهي نسبة تعتبر الحد الأدنى للكمية المقبولة لاستهلاك الفرد من المياه".

وتشكل عدم كفاية إمدادات المياه المأمونة خطراً كبيراً، كما أشارت المنظمة "على الرضع وصغار الأطفال، المعرضين بشكل خاص للإصابة بالأمراض المرتبطة بالمياه والصرف الصحي، وهي أحد الأسباب الرئيسية لوفيات الأطفال دون سنّ الخامسة".

والشهر الماضي تفشى "اليرقان" أو "التهاب الكبد الفيروسي A"، في مدينة طرابلس اللبنانية وعدد من المناطق، ما دفع نقيب الصيادلة جو سلوم إلى الدعوة لاعلان حالة طوارئ صحية.

تكلفة باهظة

المشكلة الأساسية التي يعاني منها قطاع المياه، التي تحول دون امداد المواطنين بالكمية الكافية التي يحتاجونها، تكمن كما قال وزير الطاقة والمياه في حكومة تصريف الأعمال الدكتور وليد فياض، في عدم توفر الأموال لدى مؤسسات المياه لتأمين الطاقة من أجل ضخ المياه بذات الوتيرة التي كانت عليها قبل الأزمة الاقتصادية.

وتراجعت ساعات التغذية التي تؤمنها مؤسسة كهرباء لبنان 73 في المئة منذ سنة 2019، ويشرح الوزير فياض لموقع "الحرة" أنه "قبل الأزمة كانت التعرفة التي تفرضها مؤسسات المياه على مشتركيها، المقدرة بـ320 ألف ليرة للمشترك الواحد، تؤمن لها اكتفاء ذاتياً، إذ لم تكن مضطرة لشراء المحروقات، فالكهرباء كانت متوفرة وبرسوم رمزية، لكن مع زيادة ساعات التقنين التي وصلت إلى نحو 22 ساعة في اليوم بات على هذه المؤسسات الاعتماد على المولدات، وبالتالي تكبد مبالغ ضخمة لتشغيلها".

وقبل أيام تناولت وسائل الاعلام اللبنانية خبر تأمين الهيئة العليا للاغاثة 21 ألف لتر من المازوت لبعض مولدات مؤسسة مياه لبنان الشمالي، لتزويد مدينة طرابلس والجوار بمياه الشفة، وذلك بناء على توجيهات رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، حيث تم استلام الكمية على دفعتين.

وعلى عكس ما قد يظن البعض فإن هذه الكمية تغطي تشغيل مولدات مدينة طرابلس لثلاثة أيام فقط، كون الكمية التي تحتاجها من المحروقات هائلة.

وتوضيحاً للرأي العام والمسؤولين على حد سواء، شرح رئيس مجلس ادارة – مدير عام مؤسسة مياه لبنان الشمالي خالد بركات عبيد أن "عدم توفر كهرباء الدولة أدى إلى تكبدنا يومياً مبالغ طائلة ثمن المازوت لتشغيل المولدات التي يحتاج البعض منها إلى 200 لتر في الساعة".

وأضاف في حديث لموقع "الحرة" "لدينا 22 محطة تتزود بالكهرباء من قبل مؤسسة كهرباء لبنان وقاديشا من خلال خطوط مباشرة، حيث يفترض أن تؤمن التيار على مدى 24 ساعة، على أن نشغل المولدات التي نمتلكها في الحالات الطارئة، أي عندما تتوقف معامل كهرباء الدولة عن الانتاج لفترة قصيرة ومحدودة، لكن ما يحصل منذ الأزمة أن ازداد الاعتماد على المولدات".

ولدى مؤسسة مياه لبنان الشمالي 135 مولدا، يتم تشغيلها يومياً لساعات طويلة، ويقول عبيد "نحاول الاستمرار بتزويد المشتركين بالمياه، لكن الوضع على حافة الهاوية، وما ورد في تقرير اليونيسف وصّف الواقع بدقة، ولولا مساعدة هذه المنظمة لنا بقطع الغيار وتكاليف صيانة وتصليح الأعطال وتأمين كميات من المازوت أحياناً، إضافة إلى منظمات أخرى تقوم بالمساعدة كالاتحاد الأوروبي والصليب الأحمر الدولي والـ USAIDوغيرها، لتوقفت المؤسسة عن العمل منذ سنتين تقريبا"، وفيما يتعلق بجودة المياه الموزعة من مؤسسة مياه لبنان الشمالي، يؤكد عبيد أنها "صالحة للشرب والاستعمال المنزلي".

وكانت "مؤسسة مياه بيروت وجبل لبنان"، أوضحت في بيان، أن "محطات الضخ التابعة للمؤسسة تشهد تقنيناً قاسياً في التغذية بالتيار الكهربائي، لا سيما المحطات التي تتغذى بخط خدمة من مؤسسة كهرباء لبنان، حيث يصل انقطاع التيار منذ 15 يوليو الحالي إلى حدود 12 ساعة يومياً، الأمر الّذي ينعكس سلباً على تأمين استدامة تزويد المناطق بالمياه".

وأكدت أن التقنين القاسي بالتغذية بالمياه خارج عن إرادتها ومرتبط بالتيار الكهربائي، مكرّرة مناشدة المسؤولين المعنيين والحريصين على الخدمة العامة "التعاون لاجتراح الحل، من خلال البحث عن سبل ممكنة وسريعة لتأمين الكهرباء لمحطات الضخ، من دون انقطاع وتأمين حاجة المواطنين وحقهم بالمياه".

وتشير أرقام وزارة الطاقة إلى أن "المبلغ الذي تكبدته محطات المياه بين شهري يناير ومايو الماضي هو 12.9 مليون دولار وذلك لشراء 16.2 مليون لتر ديزل، إذا ما تم احتساب معدل طن الديزل بـ800 دولار، في حين أن الكلفة التشغيلية المقدرة بين شهري يونيو وديسمبر المقبل، إذا ما تم ضخ المياه على مدى خمس ساعات، هي 40.7 مليون دولار وذلك لشراء 33.9 مليون لتر ديزيل، إذا احتسب معدل سعر الطن منه بـ1200 دولار".

 ولفت فياض إلى أنه "علينا ألا ننسى أننا نحمل وزر كل النازحين الذين يحتاجون إلى مياه، إذ كما يعلم الجميع ثلث سكان لبنان لا يحملون الجنسية اللبنانية".

ولا يمكن، كما يؤكد وزير الطاقة والمياه "رفع التعرفة مرة واحدة لتعادل كلفة ما تنفقه مؤسسات المياه، من هنا اتخذت هذه المؤسسات قراراً برفعها ثلاث أضعاف وقد وافقت على ذلك، حيث وصلت إلى 970 ألف ليرة، إلا أن هذه الزيادة لا تغطي أكثر من 20 في المئة من الكلفة التي تتكبدها هذه المؤسسات، ما يعني أن هناك فجوة كبيرة يجب سدها بتأمين المال".

آثار التلوث

اعتمد العديد من المنازل على النقل المكلف للمياه بالصهاريج، أو من قبل مقدمي الخدمات من القطاع الخاص دون أي ضمانات بشأن جودة تلك المياه، بحسب "اليونيسف"، التي أشارت كذلك إلى أن "متوسط تكلفة 1000 لتر من المياه المنقولة بالصهاريج وصل إلى 145 ألف ليرة لبنانية أبريل 2022، أي بزيادة قدرها خمسون في المئة تقريباً مقارنة بشهر أبريل 2021، وبزيادة تعادل ستة أضعاف عما كانت عليه في العام 2019".

وبالإضافة إلى ذلك، تعتمد معظم الأسر اللبنانية على المياه المعبأة لتلبية احتياجاتها من مياه الشفة، ويرجع ذلك جزئياً كما تشير المنظمة الأممية "إلى مخاوف أفرادها بشأن جودة المياه التي تصل إلى صنابير بيوتهم، وفي شهر أبريل الماضي، أصبح يتوجب على العائلات التي تعتمد على المياه المعبأة لتلبية إحتياجاتها من مياه الشفة، أن تدفع بين ثلاثة الى خمسة أضعاف ما كانت تسدده قبل عام واحد فقط".

وتضيف "تحتاج الأسرة المكونة من خمسة أفراد، يتناولون ما مجموعه 10 لترات يوميا من المياه المعبأة، الى إنفاق نحو 6,5 مليون ليرة سنوياً، أي ما يعادل 261 دولارا أميركياً، بالإضافة إلى كلفة المياه المستخدمة لتلبية إحتياجات الطهي والنظافة العامة، كما تؤثر أزمة المياه بشكل حاسم وخطير على القطاع الإستشفائي في البلاد وعلى المراكز الصحية الأخرى، بالإضافة إلى مياه الشفة في المدارس".

"لا يمكن فصل مشكلة المياه في لبنان عن باقي المشكلات المتراكمة من الكهرباء إلى الفساد في الشراء العام إلى تحلل مظاهر الدولة وعدم تطبيق سلطة القانون"، بحسب ما يؤكد المدير العام للمصلحة الوطنية لنهر الليطاني الدكتور سامي علوية.

ويشدد "منذ صدور قانون تنظيم قطاع المياه سنة 2001 قسمت مؤسسات المياه المسؤولة عن مياه الشفة جغرافياً على أساس سياسي وطائفي بغض النظر عن مصادر المياه وقطاع الصرف الصحي، مما أدى إلى حالة الفلتان التي نشهدها".

ويضيف في حديث لموقع "الحرة": "بحسب المعايير الدولية كلما انخفض مستوى النزاهة بإدارة قطاع المياه ارتفعت مستويات التلوث ووزعت المياه بطريقة غير عادلة، من هنا أؤكد أنه لو أتوا بكل مازوت الكرة الأرضية ولو وظفوا كل مياه العالم في مؤسسات المياه الاربع لن تعالج المشكلة طالما أن الذهنية هي نفسها في ادارة هذا القطاع".

ويشدد علوية على أن التلوث يسيطر على معظم مصادر المياه في مؤسسات المياه الأربع، "كما أننا نعاني من مشكلة تلوث في نهر الليطاني، حيث لدينا حوالي 500 مليون متر مكعب من المياه غير قابلة للاستخدام نتيجة تلوثها ما يحول دون امكانية استثمارها من قبل مصلحة مياه البقاع".

وتحتوي المياه الملوثة على عدد كبير من الفيروسات والبكتيريات، التي تشكل خطراً كبيراً على صحة الأطفال بحسب ما أكدته اختصاصية التغذية والصحة العامة ميرنا الفتى.

وشرحت الفتى لموقع "الحرة" "يعتبر شرب المياه الملوثة أو غسل الخضار والفاكهة بها ومن ثم تناولها السبب الرئيسي لأمراض السلمونيلا والتيفؤيد والكوليرا والوباء الكبدي، وكذلك اهتراء جدار المعدة، مما يستوجب علاجاً بمضادات الالتهاب حيث يستغرق الشفاء فترة طويلة، كما قد تؤدي المياه الملوثة إلى انخفاض مستوى المناعة في جسم الانسان ورفع معدل الكالسيوم وظهور الحصوات في الكلى".

أما الاستحمام بالمياه الملوثة فيعرض الشخص، كما تقول اختصاصية الصحة "إلى احتمال الاصابة بأمراض جلدية، كالفطريات والأكزيما"، وبعض ظهور اصابات بالتهاب الكبد الوبائي في عدد من المناطق اللبنانية، أعلن رئيس لجنة الصحة النيابية النائب بلال عبد الله الشهر الماضي أنه تواصل مع المعنيين وبعد البحث تبين ان هناك تلوث في المياه، لاحظه الناس عبر تغير لونها ورائحتها.

وقال "للأسف قد يكون الصرف الصحي اختلط مع مياه الشفة، وهنا لا بد من التوجه إلى مصالح المياه في المناطق سيما أننا على أبواب الصيف لكي يولوا أهمية لهذا الموضوع"، كذلك طلب من اللبنانيين التنبه "أعلم أنه في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة، ربما لا قدرة لدى المواطنين لشراء المياه، لكن أقله أن يتم تعريضها لأشعة الشمس لفترة تتراوح بين 3 إلى 4 ساعات من أجل تعقيمها".

وعن مشكلة التلوث التي أشارت إليها اليونيسف، شرح الوزير فياض"سببها مادي كذلك، إذ يجب ربط روافد المياه الملوثة بمحطات المعالجة وتشغيل هذه المحطات، فنحن نحتاج أولاً إلى المال لربط الروافد غير الموصولة بالمحطات، وثانياً نحتاج إلى المال لتشغيل المحطات، من هنا نجد أن معالجة المياه ليست على القدر المطلوب، حيث تختلف نسبة التلوث من منطقة إلى أخرى".

هدر بلا حدود

وخلال الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء، تم عرض "خطة النهوض بقطاع المياه" بقيمة 9 مليارات دولار، تتضمن ملياري دولار للدراسات، بحسب علوية الذي أضاف "لو أردنا اكتشاف المياه على كوكب المريخ لما كلف الأمر هذا المبلغ، من هنا أؤكد أن النهب هو في قطاع المياه، لكن الصيت لقطاع الكهرباء".

وعن هذه الخطة علّق الوزير فياض "لا أعلم الرقم بالتحديد، إلا أنها خطة استراتيجية طويلة الأمد لنحو عشرين سنة، وقد تم وضعها قبل الأزمة، لذلك يجب ترشيدها، وقبل الحديث عن استثمارات ضخمة في ظل عدم توفر المال، فإن الواقع يفرض تأمين استدامة القطاع وهو ما يحتاج إلى نحو 105 مليون دولار فحتى هذا المبلغ غير متوفر".

علوية تمنى لو أن "اليونيسف" عرضت في تقريرها المبالغ التي دفعتها على قطاع المياه منذ سنة 2019، والمقدرة بملايين الدولارات، وكيفية استهلاك هذه الأموال على المحروقات في ظل التوزيع غير العادل للمياه.

العجز المائي المتوقع من سنة 2020 إلى سنة 2030 هو 200 مليون متر مكعب، وذلك كما يقول علوية "نتيجة غياب الاستثمار الصحيح في هذا القطاع إضافة إلى اهتراء الشبكات الفرعية المتعلقة بالتوزيع جميعها لعدم صيانتها.

وشددت اليونيسف على أن توفير المياه من خلال مرافق التشغيل العامة يظل الحل الأفضل والأقل كلفة، وأنه "يجب اتخاذ خطوات فورية لحل أزمة الطاقة ودعم توفير الخدمات، في الموازاة هناك حاجة ماسة إلى القيام باستثمارات كبيرة كي تستعيد شبكات المياه العامة فعاليتها".

وبينما تعمل الحكومة، كما تؤكد المنظمة الأممية على إيجاد حلول للأزمة، تلفت إلى أهمية أن "تضمن قدرة كل العائلات، لا سيما الأكثر ضعفاً، على تحمل تكاليف المياه، وأشار بيجبيدر إلى أن "الحصول على المياه ليس حاجة ضرورية فحسب، بل حق أساسي، إن الحصول على  مياه كافية ومأمونة وبأسعار معقولة ينقذ الأرواح ويحافظ على صحة الأطفال".

وطلب الوزير فياض من الحكومة اللبنانية زيادة المبلغ المخصص لمؤسسات المياه في الموازنة، كما طلب من الجهات المانحة أن لا تقتصر مساعدتها على صيانة محطات المياه، وقال "من الحلول التي قدمناها أن يتم الاعتماد على الطاقة الشمسية بشكل أكبر لتكرير المياه وضخها، وذلك بمساعدة التمويل الأجنبي والجهات المانحة والمساعدة دولياً، كذلك عرضنا مدّ محطات ضخ المياه الأساسية والمحطات المختلفة للتكرير وضخ المياه بخطوط خدمة مباشرة من المحولات أو البدائل لدى مؤسسة كهرباء لبنان لتأمين أكبر قدر من الاستدامة بالتغذية الكهربائية".

كذلك كما قال فياض "تم طرح الحل التقليد المتمثل بتأمين دعم مالي لشراء مازوت للمولدات التي تغذي محطات المياه حين لا تتوفر كهرباء الدولة، ولا زال الوزير فياض ينتظر الاجابة".

أما علوية فيرى أن الواقع الذي وصلنا إليه "يفرض أن نبدأ بخطوات صحيحة، لترجمة التعبير الدولي الذي يشير إلى أن المياه ليست سلعة بل حق" لافتاً إلى أن قانون المياه الصادر سنة 2018 والمعدل سنة 2020 بضغط من الجهات المانحة وبالتحديد من البنك الدولي، هو الخيار الصحيح لتصويب المسار.

ويشرح "أولى الخطوات لحل المشكلة تكمن في تقسيم المناطق اللبنانية من حيث المياه على مستوى الأحواض وتعزيز دور القطاع الخاص من أجل تأمين جباية صحيحة وعدالة في التوزيع وبالتالي حسن نوعية المياه وكمياتها، إضافة إلى تعزيز التعاون بين مؤسسات المياه الأربع والبلديات والبحث عن مصادر للطاقة المتجددة بدلاً من شراء المحروقات، ووضع حد للتدخل العشوائي من قبل جهات غير رسمية اتخذت مهمة الجهات الرسمية".

كما أن المطلوب كما يقول "حوكمة ادارة مؤسسات المياه من خلال تعزيز سلطة القانون ورفع التعديات عن الشبكات وتعزيز عدالة التوزيع بعيداً عن السياسة والطائفية، مع وقف مد المؤسسات السياحية المحظية بمياه الشفة المخصصة للمنازل السكنية، واعادة هيكلة ادارة مؤسسات المياه والاهتمام بقطاع الصرف الصحي".

وضاعفت اليونيسف "بشكل كبير دعمها لخدمات المياه في لبنان منذ بداية الأزمة، بما في ذلك توفير الإمدادات والإحتياجات الإستهلاكية الضرورية وتنفيذ التصليحات السريعة، للمساعدة في ضمان حصول الجميع على المياه الآمنة الصالحة للشرب".

وتحتاج المنظمة الأممية اليوم "إلى 75 مليون دولار أميركي سنوياً للحفاظ على استمرارية تشغيل الأنظمة الحيوية وتدفق المياه إلى أكثر من أربعة ملايين شخص في جميع أنحاء البلاد وحماية الوصول إلى أنظمة المياه العامة وتشغيلها".

لبنان حزب الله

يترقب اللبنانيون أول اختبار لقياس حجم التأييد الشعبي لحزب الله بعد الخسائر التي مُنّي بها، والدمار الذي لحق بالسكان، والبلد عموما، جراء الحرب مع إسرائيل.

وستعبر نتائج الانتخابات البلدية المقررة في مايو المقبل، ضمنا، عن مزاج الشارع، الشيعي خصوصا، حيال قضايا أبرزها سلاح الحزب وتقاعسه في إعادة إعمال المناطق المتضررة جراء الحرب.

يأتي ذلك على خلفية حالة تملل، متزايدة، من تداعيات الحرب، وما رافقها من دمار واسع في القرى الجنوبية، ونزوح آلاف العائلات من مناطقها، وتراجع في الخدمات الأساسية، إلى جانب أزمات اقتصادية خانقة.

وبينما يحاول حزب الله الإيحاء بتماسك قاعدته من خلال رفع شعارات بعيدة عن الواقع، فإن جزءا من جمهوره بات يبحث عن حلول ملموسة لأزماته اليومية، ولإعمار ما دمرته الحرب، بعيدا عن الخطابات الأيديولوجية.

المؤشرات كثيرة إلى أن الباب بات مشرعا أمام تغييرات مفصلية في المشهد المحلي، ولو على مستوى بعض البلديات، ويرجح مراقبون، تحدثوا موقع "الحرة"، أن يقول الشارع الشيعي كلمته بشأن حزب الله في الانتخابات النيابية  2026.

تحدي الانتخابات

رغم الدمار الهائل الذي خلفته الحرب لا سيما جنوب لبنان، ورغم استمرار عمليات الاغتيال الإسرائيلية ضد عناصر من حزب الله واستهداف ترسانته العسكرية، "تتجه السلطات اللبنانية إلى إجراء الانتخابات البلدية، بعد أن كانت قد أجلتها لعامين متتاليين دون مبرر قانوني أو مقنع، متذرعة تارةً بغياب التمويل وتارةً أخرى بأوضاع أمنية ولوجستية"، كما يقول الباحث في تطوير القوانين والأنظمة الانتخابية، عاصم شيّا.

وفي حديث لموقع "الحرة"، يرى شيا أن "المشكلة الحالية التي تواجه إجراء الانتخابات البلدية ليست تقنية بقدر ما هي تنظيمية، خاصة في البلدات الجنوبية المدمرة". 

"هناك خياران أمام الجهات المعنية: إما نصب خيام داخل البلدات المتضررة إذا أصرّ السكان على الاقتراع فيها، أو نقل مراكز الاقتراع إلى بلدات مجاورة أكثر استقرارًا، على أن تُستخدم مبانٍ عامة مثل المدارس، الحسينيات، أو الكنائس لهذا الغرض".

لكن التحدي الأبرز، بحسب شيا، يكمن في تأمين "هيئة القلم"، أي الموظفين المكلفين بإدارة العملية الانتخابية، ومعظمهم من النساء العاملات في القطاع العام، لا سيما في التعليم، واللواتي يُبدين تحفظًا على التوجه إلى مناطق غير آمنة.

وتجدر الإشارة إلى أنه بحسب تقرير التقييم السريع للأضرار والاحتياجات في لبنان لعام 2025، الصادر عن البنك الدولي في 7 مارس، تقدّر احتياجات إعادة الإعمار والتعافي في أعقاب الصراع الذي شهده لبنان بنحو 11 مليار دولار أميركي.

ويعد قطاع الإسكان الأكثر تضرراً، مع أضرار تقدَّر بنحو 4.6 مليار دولار، فيما بلغت الأضرار التي لحقت بالمقومات المادية 6.8 مليار دولار.

أما من الناحية الجغرافية، فيشير التقرير إلى أن أكثر المناطق تضرراً هي محافظتا النبطية والجنوب، تليهما محافظة جبل لبنان التي تضم الضاحية الجنوبية لبيروت.

حقل تجارب؟

يلاحظ الباحث عاصم شيا، الذي يراقب الأنماط الانتخابية منذ عام 2009، أن القوى السياسية استخدمت الانتخابات البلدية عام 2016 كـ"حقل تجارب" لقراءة المزاج الشعبي، بعدما راودها القلق من قانون الانتخاب رقم 25/2008 (قانون الستين)، الذي أصبح يشكل خطراً عليها بسبب تطور وعي الخصوم المستقلين.

يقول شيا إن "تأجيل الانتخابات النيابية عامي 2013 و2015، مقابل إجراء الانتخابات البلدية عام 2016، كان مدروساً، الهدف منه مراقبة اتجاهات الناخبين. وفعلاً، كشفت الانتخابات عن نقمة واسعة، ما دفع الأحزاب إلى اللجوء إلى تكتيكات جديدة، أبرزها الدفع بمرشحين "نظيفي الكف" وغير حزبيين ظاهرياً، ليترأسوا اللوائح، ثم إحاطتهم بأعضاء بلديين حزبيين يضمنون ولاء المجلس للحزب. هذه المقاربة ساعدت في ضمان المكاسب لاحقاً في انتخابات 2018".

كذلك، "تم اللجوء إلى توظيف آلاف في مؤسسات رسمية رغم عدم الحاجة الفعلية إليهم، كما جرى التعاقد مع أعداد كبيرة في الوزارات، خصوصاً التعليم، فيما اعتُبر رشوة انتخابية مقنّعة لتأمين الأصوات".

اليوم يتكرر المشهد نفسه، بحسب شيّا، "تُسرع القوى السياسية إلى إجراء الانتخابات البلدية لا لمعالجة أزمات المجالس، بل لرصد اتجاهات الناخبين، تمهيداً لاستخدام الوظائف العامة والعسكرية مجددًا كأداة لاستمالة الأصوات"، فهذه الانتخابات، في نظره، ليست سوى مختبر سياسي يساعد القوى التقليدية على إعادة تنظيم صفوفها استعداداً للمعركة الأهم: انتخابات 2026 النيابية.

في المناطق التي تعرف بـ"الحاضنة" لحزب الله، يعاني معظم السكان، الذين تعرضت منازلهم للتدمير جزئياً أو كلياً، من بطء الإجراءات المتعلقة بإعادة الإعمار، إضافة إلى تأخر استجابة الحزب لتقديم التعويضات اللازمة لترميم المنازل أو تعويض الأثاث المتضرر.

وقال الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، بشأن إعادة إعمار المناطق المتضررة من الحرب، في 14 ديسمبر، أن "إعادة الإعمار مسؤولية الدولة،" التي تعاني أصلا من أزمة مالية خانقة. ودعا "الأشقاء العرب والدول الصديقة في المساعدة في إعادة الاعمار".

صراع عائلي تحت رايات حزبية؟

لا تعكس الانتخابات البلدية بالضرورة موازين القوى السياسية بشكل دقيق، وفقا لشيّا، "لأنها غالباً ما تكون امتداداً لصراعات عائلية داخلية.

"قد تُطرح لوائح تبدو متنافسة لكنها في الواقع تابعة للحزب نفسه، تختلف فقط حول المواقع أو التفاصيل، في مشهد يختلط فيه النفوذ العائلي بالحسابات الحزبية"، يقول شيا.

وعند تحليل تأثير الحرب الأخيرة على توجهات الناخبين، يرى شيّا ضرورة التمييز بين فئتين "الأولى تضمّ مؤيدي حزب الله، الذين رغم تضررهم من الحرب، زاد ارتباطهم به. أما الفئة الثانية، فهي من الشيعة غير المنضوين ضمن الثنائي الشيعي، هؤلاء يبدون استياءً واضحاً من الحرب ويحملون "الثنائي" مسؤولية ما جرى. ويُتوقع أن تتخذ هذه الفئة موقفاً مغايراً في الانتخابات المقبلة".

ويرى الكاتب، الصحفي مجد بو مجاهد أن "ثمة طابعا مجتمعيّا خاصا باستحقاق الانتخابات البلدية والاختيارية في لبنان في غالبية المناطق اللبنانية بخاصّة في القرى، ولا يمكن الحديث عن طابع سياسي سوى في بعض المدن الكبرى المتنوعة طائفياً كمدينة بيروت. 

"لذلك لا يمكن اعتبار الاستحقاق البلديّ بمثابة مقياس للتوجه الشعبيّ السياسي لدى المواطنين الشيعة أو سواهم من المواطنين اللبنانيين، من دون إغفال أنّ ثمة مدناً يغيب عنها التنافس السياسي في الاستحقاق الانتخابيّ البلديّ الحاليّ رغم أنه كان ظاهراً في استحقاقات بلدية سابقة".

اللافت وفق ما يقوله بو مجاهد لموقع "الحرة" أنّ "الأجواء الشيعية المجتمعية لا تبدو مهتمّة في استحقاق الانتخابات البلديّة مقارنة مع بيئات مجتمعية مغايرة تتطلّع بحيوية نحو خوض الاستحقاق والتنافس بين اللوائح على مستوى مجتمعيّ، لا سياسي".

ويشرح: "خروج المجتمع الشيعي من حرب ألحقت به خسائر كبرى، منها ضرب البنى التحتية والأراضي، سبب لتراجع الاهتمام الشيعي بخوض تنافس مجتمعيّ على الانتخابات البلدية، ولذلك كانت لافتة ظاهرة تشكيل لائحة واحدة فحسب في كثير من البلدات بعيداً عن خوض منافسة بين اللوائح".

إذا تضاعفت النقمة على "الثنائي الشيعي" _ أي حزب الله وحركة أمل _ من المواطنين في المناطق ذات الحضور الشيعي، فإنها ستظهر، وفق بو مجاهد، "في استحقاق الانتخابات النيابية المقبلة، لا في استحقاق الانتخابات البلدية".

"حتى الآن، هناك امتعاض شيعيّ واضح من حزب الله بخاصة بسبب تأخّر إعادة الإعمار، لكنّ تطوّر ذلك الامتعاض من عدمه سيكون مرتبطاً بما ستعرفه الأشهر اللاحقة من متغيرات".

النزاهة موضع شك؟

الحديث عن انتخابات نزيهة "غير واقعي"، يشدد شيّا، "لا بسبب حزب الله فقط، بل بسبب جميع الأحزاب التي تسيطر على مناطق نفوذها بشكل كامل ومدروس، ما يقيد قدرة المعارضين على خوض المعركة بتكافؤ".

يستشهد شيا بلائحة معارضة في بعلبك "تواجه صعوبات جمّة في التواصل مع الناخبين، في وقت تُستغل فيه الحرب والخطاب السياسي في الجنوب لتأليب الرأي العام عبر العاطفة، خصوصاً من قبل حزب الله وحركة أمل".

ويؤكد أن المعركة البلدية يجب أن تبقى محلية الطابع، "هدفها تحسين الخدمات وتفعيل دور البلديات". ويذكّر شيّا أن "الثنائي الشيعي لم يحصل في انتخابات 2022 النيابية على أكثر من 47% من أصوات الناخبين الشيعة مجتمعَين"، ما يعكس تراجعاً في شعبيته.

أما بو مجاهد فيرى أنه "قد يكون لتسليم حزب الله سلاحه والتقليل من سيطرته على المناطق الشيعية إذا حصل، نتائج تسرّع الحلول في المناطق المتضرّرة من الحرب".

ويضيف "كيفية تغيّر المزاج الانتخابي داخل البيئة الشيعية ستظهر في الانتخابات النيابية السنة المقبلة، لا في الانتخابات البلدية التي ستحصل خلال أسابيع. وتالياً، لا ترجيحات في قدرة الانتخابات البلدية على التغيير، والرهان سيكون على الانتخابات النيابية".