النائبة كشفت للحرة حجم التجاوزات التي واجهتها
النائبة كشفت للحرة حجم التجاوزات التي واجهتها

أثارت النائبة اللبنانية، سينتيا زرازير، ضجة على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما كشفت من خلال منشور عبر صفحتها على "فيسبوك"، عن تعرضها للتحرش تحت قبة البرلمان، وعن اكتشافها واقيات ذكرية مستخدمة ومجلات "بلاي بوي" في المكتب الذي تم تسليمها إياه.

ومنذ دخول زرازير إلى مجلس النواب، لم تلق كما كتبت أي احترام يدل على أن من تتواجد معهم لـ4 سنوات "هم بشر أولًا وأناس محترمين ثانياً"، وفي حديث مع موقع "الحرة" قالت "لا يتم الاعتراف في أكثر الأحيان بأن هناك نائبة تدعى سينتيا زرازير، مما يدفعني إلى عرض أوراقي الثبوتية عند مدخل المجلس، وأحياناً ينتظر الحرس قدوم الضابط كي يسمحوا لي بالدخول، وحتى الآن يرفض تخصيص موقف سيارات لي، على الرغم من طلبي لذلك عدة مرات".

وعن المجلات الإباحية، والواقيات الذكرية، التي عثرت عليها في مكتب المجلس، علّقت زرازير "يتم اتهامي بأني أوجه اللوم إلى النائب الذي كان يشغل المكتب سابقاً، وهو أمر غير صحيح كوني لم أستلمه منه بل من مجلس النواب" مشددة "عندما دخلته تفاجأت بمدى القذارة والعفن، الواقيات الذكرية مستعملة ومرمية أرضاً، لا أعلم من وضعها وما هو السبب، لكن المؤكد أنه لا يعقل أن يسلم المجلس النيابي نائبة جديدة هكذا مكتب".

كما شرحت كيفية التحرش بها من قبل النواب بالقول "كلما مررت من أمامهم أسمع (تلطيشاً) من قبل زعران الحي الذين لم يتخلصوا من هذه العقلية، كما تحصل الكثير من الممارسات السيئة، والتنمر على اسم عائلتي بمنادتي صراصير وزرزور، وهو ما يثبت أنه ليس لديهم أي أمر مبدئي يتنمرون عليّ به، وأنا أفهم موقعهم الضعيف".

ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها لبنانيات في الأوساط السياسية إلى هذا النوع من التعنيف المعنوي والاعتداء اللفظي الذي يصل إلى حد التحرش، إضافة إلى التنمر وغيرها، فأرشيف الحياة السياسية زاخر بهذا النوع من التعديات.

سجال وتنمر

الأمر لا يقتصر على ما "فجّرته" زرازير، فخلال جلسة لمجلس النواب، عقدت الثلاثاء، حصل سجال بين النائبة حليمة قعقور ورئيس مجلس النواب نبيه بري، فما كان من الأخير إلا أن توجه لها بالقول "اقعدي وانطري للآخر واسكتي" فأجابته "هذه طريقة بطريركية بالردّ"، الأمر الذي استفز عدداً من النواب، من بينهم النائب فريد الخازن الذي اعترض على استخدام عبارة بطريركية طالباً شطبها من المحضر.

وتدخلت النائبة بولا يعقوبيان في السجال، شارحة أن "طريقة بطريركية تعني طريقة سلطوية"، كما ساندت النائبة سينتيا زرازير زميلتها قعقور، فما كان من النائب قبلان قبلان إلا أن توجه إليها بالقول "سينتيا صراصير".

وكانت زرازير كشفت أنها تعرضت اليوم لمضايقات من قبل نواب "حركة أمل" إذ بعد مرورها من أمامهم توجهوا إليها بالقول "أتت زرزور.. صراصير" فأجابتهم "هل من مشكلة لديكم، تهذبوا نحن في مجلس نيابي".

 ما حصل في مجلس النواب وضعه نائب "كتلة التنمية والتحرير" قاسم هاشم، في خانة النقاش والسجال، معتبراً اياه أمراً طبيعياً، وقال "في الأنظمة البرلمانية يحصل أكثر مما حصل اليوم، نسمع عن مشادات وأكثر في كل برلمانات العالم والشواهد كثيرة".

وأضاف في حديث لموقع "الحرة" "يرى كل نائب وفئة وكتلة، الأمر من زوايته ورؤيته بعيداً عن المناخ العام، هذا الموضوع له بعض الاعتبارات التي يجب التوقف عندها، ولا يستطيع أحد أن ينظر إلى الأمر فقط من زاويته وكأنه هو الصائب وما يحصل هو الخطأ، هذه طبعاً مقاربات خاطئة، فالمقاربة الطبيعية هي التي تقارب بين الجميع".

وعن مجلات الـ"بلاي بوي" والواقيات الذكرية التي عثرت عليه زرازير، أجاب هاشم "لانستطيع التعليق عن ذلك، كيف ولماذا ولمن، فأكثرية المكاتب كانت عرضة بعد انفجار الرابع من آب لدخول وخروج الكثيرين، ومنذ ذلك التاريخ إلى اليوم لم يدخل النواب إلى مكاتبهم"، ويشدد "من الأفضل أن نبحث عن مسافة الحكمة والعقل والرؤية، لأن ما يفيد بلدنا اليوم هو التفتيش على ضرورة المساهمة بإنقاذه من الأزمات التي يمر بها، وهذا أهم من بعض الأمور الصغيرة".

الموضوع، كما تنظر إليه الناشطة النسوية علياء عواضة، أخطر من واقي ذكري تم العثور عليه داخل مكتب في المجلس النيابي، وتشرح "التحرش الذي تعرضت إليه زرازير وإسكات قعقور تحت قبة البرلمان أظهر وجود مشرعيّن يتعاطون بهذه الذكورية والخفية لا بل جاهلين بأتفه المصطلحات التي تتعلق بحقوق النساء، هؤلاء هم من يقرّون قوانين تنظم حياة المواطنين والمواطنات في البلد، فأي نوعية من القوانين ننتظر منهم"!

وأكدت عواضة: "عندما يدخل النواب إلى قبة البرلمان لا يخلعون عباءة منطقتهم وطائفتهم بل على العكس يستقوون بها، وهذه هي المشكلة الكبرى، مع العلم أن نظرة النواب لزرازير وقعقور هي نظرتهم لجميع النساء في مجتمعنا، ولذلك نجد قوانين تمييزية، فحتى اليوم لا يمكن للمرأة اللبنانية إعطاء جنسيتها لأبنائها، وإلى الآن لم يقر قانون موحد للأحد الشخصية، وطالما القانون الانتخابي في لبنان طائفي سيبقى هكذا نماذج في البرلمان".

تمادٍ غير مستغرب

تاريخياً تعتبر مشاركة اللبنانيات في الحياة النيابية خجولة، حيث حصدن ثلاث مقاعد فقط في دورات الأعوام 1992 و1996 و2000، وبحسب أرقام الاتحاد البرلماني الدولي، يحتل لبنان المرتبة 18 بين الدول العربية لناحية عدد النساء في المجالس النيابية.

في دورة 2022 النيابية، وصلت 8 نساء فقط إلى الندوة البرلمانية، حيث سيشاركن 120 نائباً في مهمتهم التي تمتد على مدى أربع سنوات، خمس سيدات دخلن المجلس النيابي للمرة الأولى، 3 منهنّ ترشحن على لوائح التغيير من بينهن الدكتورة حليمة قعقور، وسينتيا زرازير.

ولم تستغرب مديرة جمعيّة Fe-Male حياة مرشاد ما كشفته زرازير، وقالت "العقلية الذكورية متجذرة في الحياة السياسية، لكن لم تتجرأ النائبات ويفصحن عما يتعرضن له، لكن بعد سنوات من العمل على التوعية على العنف الممارس ضد النساء في السياسة، بدأن يشعرن بالأمان وبالتالي يضئن على ما يواجهنه".

ولفتت مرشاد لموقع "الحرة" إلى أن ما تطرقت إليه زرازير "أمور متوقعة من قبل الطبقة السياسية، وهناك تجارب سابقة سواء تعلق الأمر بالنائبة بولا يعقوبيان وقبلها الكثيرات، وذلك كون السياسيين لم يعتادوا أن تواجههم امرأة بالسياسية من الند إلى الند، من هنا عندما تتحدث امرأة في السياسة يردون عليها من خلال الحديث عن جسدها وماضيها وعائلتها"، وعن الواقي الذكري علّقت "الشعب انتخب النائب من أجل القيام بواجبه القانوني والوطني والتشريعي وليس لممارسة الجنس في مكتب المجلس".

كما أن طريقة التعاطي مع حليمة قعقور خلال جلسة مجلس النواب، أظهرت بحسب مرشاد "حجم الجهل لدى النواب، فعندما استخدمت عبارة الطريقة البطريركية طلب نائب شطب العبارة من المحضر اعتقاداً منه أنها تتعرض للبطريرك، فالمشكلة كذلك أنه لا يتم اعطاء قيمة لخبرات النساء وكفاءتهن".

وطلبت مرشاد التضامن مع النائبات، كونها تتوقع أن تزداد الهجمة عليهن في الفترة المقبلة، "حيث سيسببن إزعاجاً للنواب الذكور"، أما زرازير فأكدت أنها ستواجه حتى النهاية، قبل أن تختم متسائلة "إذا كان النواب يتعاملون معي وأنا نائبة منتخبة بهذا الشكل، فكيف سيعاملون الناس الذين لا صوت لهم"!

العمالة السورية في لبنان

في بيروت والمدن اللبنانية عموما، من المعتاد رؤية عمال سوريين يتسلقون السقالات، أو يدفعون عربات خضار، أو يدخلون بوابة مصنع أو مطعم، أو يحرثون الحقول. هؤلاء ليسوا مجرد لاجئين هاربين من ويلات الحرب، إذ أصبحوا خلال السنوات القليلة الماضية العمود الفقري لقطاعات لبنانية واسعة.

لكن الآن، ومع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الأسبوع الماضي، رفع العقوبات المفروضة على سوريا قد يتغير المشهد كليا. 

الحديث عن إعادة إعمار سوريا لم يعد حلما، بل ممكنا أقرب إلى التحقق، يفتح أبواب العودة أمام آلاف العمال السوريين الذين وجدوا في لبنان لسنوات ملاذا، وعملا لتوفير لقمة العيش.

هذا التحول لا يخص السوريين وحدهم. لبنان، الذي يواجه واحدة من أسوأ أزماته الاقتصادية، يقف على حافة تغير كبير في سوق العمل: كيف سيتعامل مع احتمال فقدان آلاف العمال؟

فراغ في الأفق؟

"رغم إعلان الرئيس الأميركي، سيستغرق تنفيذ القرار بعض الوقت"، يقول الدكتور بشارة الأسمر، رئيس الاتحاد العمالي العام في لبنان، في حديث إلى قناة "الحرة". "لكن هذا القرار يفتح الباب أمام تغييرات كبيرة في وضع العمال السوريين في لبنان".

ويشير الأسمر إلى أن وتيرة عودة السوريين إلى بلادهم قد تتسارع إذا تزامن رفع العقوبات مع بدء عملية إعادة الإعمار في سوريا لا سيما إذا شاركت دول الخليج والدول الغربية في العملية.

"العمال السوريون هم اليوم ركيزة أساسية في قطاعات البناء والزراعة، وإذا رحلوا، فإن الفجوة ستكون كبيرة".

وتكبد لبنان بسبب الحرب الأخيرة بين حزب الله وإسرائيل خسائر فادحة، إذ قُدرت كلفة الأضرار في قطاع السكن وحده بنحو 3 مليارات دولار، وفقا للبنك الدولي، بعد تدمير قرابة 100 ألف وحدة سكنية، معظمها في مناطق نفوذ حزب الله.

ومع سريان اتفاق وقف إطلاق النار، تصدر ملف إعادة الإعمار في لبنان الواجهة، لكن المجتمع الدولي وضع شرطا أساسيا: لا مساعدات من دون تنفيذ القرارات التي تنص على نزع سلاح حزب الله. وكانت الرسالة من الدول الغربية والعربية واحدة: المساعدات مرهونة بفرض الدولة سلطتها الكاملة على السلاح.

تداعيات في قطاع البناء.. وأكثر

يقول جميل طالب، رئيس نقابة عمال البناء في شمال لبنان، إن العمال السوريين يهيمنون على وظائف "البيتون، والقصارة، والتركيب"، وهي أعمال لا يقبل بها كثير من اللبنانيين بسبب قلة الأجور وظروف العمل القاسية. 

"إذا غادروا جميعا، سيكون لذلك تأثير كبير على القطاع،" يضيف في حديثه مع موقع "الحرة".

المفارقة، بحسب طالب، أن إعادة الإعمار في سوريا قد تدفع بعض العمال اللبنانيين أنفسهم إلى الهجرة نحو سوريا بحثا عن فرص أفضل، ما سيُفاقم أزمة العمالة محليا.

يقول الأسمر، من جهته، إنه التقى قبل يومين وفدا من الاتحاد العام للعمال السوريين، بحضور عدد من رجال الأعمال اللبنانيين الذين يعتمدون على اليد العاملة السورية، وتطرق النقاش إلى إمكانية التعاون بين الشركات اللبنانية والسورية خلال المرحلة المقبلة.

ولكن "لا شيء ملموسا بعد، وعلينا الانتظار لمعرفة الاتجاهات،" يقول الأسمر، "لكن لا شك أن إعادة الاعمار في سوريا تسرّع عودة السوريين غير المرتبطين بأعمال دائمة وورش مستمرة في لبنان".

ويرى الخبير الاقتصادي، البروفيسور جاسم عجاقة، أن التحدي أكبر من قضية عمالة. "إذا انطلقت الاستثمارات في سوريا، لا سيما في قطاعات النفط والبنية التحتية والإسكان، فسوف تجذب رؤوس الأموال والعمال معا". 

ويضيف أن "تقديم المفوضية العليا لشؤون اللاجئين مساعدات للسوريين في بلادهم قد يشجع مزيدا منهم على العودة".

ويحذر عجاقة من أن لبنان، المعتمد بشكل كبير على العمالة السورية في قطاعات الزراعة والبناء والصناعة، قد يواجه نقصا حادا إذا ما غادر السوريون فجأة.

شمع أحمر

خلال  السنوات الماضية، شنت السلطات اللبنانية حملات صارمة على العمال السوريين غير النظاميين، بهدف الحد من وجودهم في سوق العمل، ودفعهم إلى العودة. وشملت هذه الحملات مداهمات، وتوقيفات، وحتى إقفال مؤسسات بالشمع الأحمر.

وبحسب الوكالة الوطنية للإعلام حينها، فإن الإجراءات شملت "ملاحقة مخالفات الإقامة والعمل، من خلال الكشف على المحال التي يملكها أو يديرها سوريون للتحقق من أوضاعهم القانونية، والتأكد من وجود كفيل لبناني." كما تم التحقق من تسجيلهم في المفوضية، التي تحظر عليهم العمل قانونيا.

وأثارت هذه الحملات جدلا واسعا في لبنان. فبينما رأى فيها البعض خطوة ضرورية لحماية العمال اللبنانيين، اعتبرها آخرون قاسية ومجحفة بحق اللاجئين السوريين.

الأسمر أوضح أن تلك الإجراءات جاءت نتيجة الاحتكاك الكبير بين العمال اللبنانيين والسوريين. "في كثير من الحالات، حلّ السوريون محل اللبنانيين، وحتى أصبحوا يديرون بعض المؤسسات، ما خلق توترا واضحا".

ودعا طالب، من جانبه، إلى إنهاء ما سماه "منافسة اليد العاملة الأجنبية"، وطالب بإدراج عمال البناء في الضمان الاجتماعي وتطبيق قانون العمل عليهم.

هل يخسر لبنان دوره التاريخي؟

في العمق، هناك قلق يتجاوز العمالة: هل يفقد لبنان دوره الاستراتيجي كبوابة اقتصادية إلى الخليج؟ 

يجيب عجاقة بحذر: "رفع العقوبات عن سوريا قد يعود بفائدة على لبنان على المدى الطويل، لكن في المدى القريب، قد يتراجع دوره الاقتصادي والاستراتيجي إذا لم ينفذ الإصلاحات المطلوبة منه".

وأعرب الأسمر عن أمله في أن تثمر زيارات المسؤولين اللبنانيين إلى دول الخليج والدول الغربية في الحصول على دعم مالي للبنان، لكنه أشار إلى أن "التركيز يبدو حاليا على إعادة الإعمار في سوريا".

بين رحيل العمالة وغياب الإصلاحات، يقف لبنان عند مفترق طرق اقتصادي حاسم. والسؤال هو: هل سيتكيّف مع المتغيرات أم يترك زمام الأمور للأقدار؟