لبنان/ قمح/ أزمة/ أوكرانيا/ روسيا/ سرقة
يطرح رسو "لاودسيا" في لبنان إشكاليات قانونية

خطفت السفينة السورية الخاضعة لعقوبات أميركية، والراسية في ميناء طرابلس شمال لبنان، الأضواء ولو قليلاً من المآسي التي يعيشها الشعب اللبناني، حيث تتجه الأنظار لمعرفة كافة ملابسات وصولها إلى البلد المثقل بالأزمات والذي لا يتحمل مزيداً من التعقيدات أو التعرض لعقوبات.

إضافة إلى خضوع السفينة "لاودسيا" لعقوبات، فإنها تحمل على "متنها 5 آلاف طن من الشعير و 5 آلاف أخرى من الدقيق الذي نهبته روسيا من أوكرانيا" بحسب ما أعلنته السفارة الأوكرانية في لبنان، وهي أول شحنة تصل إلى لبنان، حيث رفض هذا البلد سابقاً "استقبال شحنات حبوب منهوبة بفضل جهود الدبلوماسيين الأوكرانيين" كما قال وزير الخارجية الأوكراني ديميترو كوليبا في شهر مايو الماضي.

يوم الخميس استقبل رئيس الجمهورية اللبناني ميشال عون السفير الأوكراني إيهور أوطاش، وبينما أعلن حساب رئاسة الجمهورية على "تويتر" أن الطرفين بحثا "في العلاقات الثنائية بين البلدين، والتعاون في مجال تأمين القمح والحبوب، إضافة إلى آخر التطورات المتعلقة بالحرب الأوكرانية الروسية" قالت السفارة الأوكرانية لـ"رويترز" أنه تم مناقشة موضوع الشحنة، حيث أكد أوطاش لعون أن شراء بضائع أوكرانية مسروقة من شأنه أن "يضر بعلاقات كييف وبيروت".

من جانبها، نفت السفارة الروسية في لبنان الجمعة أن يكون لديها "أي معلومات بشأن السفينة السورية أو الشحنة التي جلبتها شركة خاصة إلى لبنان"، وذلك بحسب ما أكدته لـ"رويترز"، في حين نبّه وزير الخارجية والمغتربين في حكومة تصريف الأعمال عبد الله بو حبيب من تلقي لبنان عدد من الاحتجاجات والإنذارات من عدد من الدول الغربية عقب وصول السفينة.

وأكد، بو حبيب في مقابلة مع "بي بي سي" أن الجهات المعنية في لبنان تقوم حالياً بفحص الباخرة، مشيراً إلى أنه "لم يتم تحديد مصدر المواد التي تحملها بعد، على أن يُتخذ القرار المناسب لاحقاً".

إلا أن أسوشيتدبرس نقلت عن مسؤول في الجمارك اللبنانية، أنه "لا خطأ" في شحنة السفينة لاودسيا التي رست في ميناء طرابلس اللبناني الخميس، كما أن أوراقها سليمة، وقالت الوكالة إن المسؤول تحدث شريطة كتمان هويته لأنه غير مخول بالحديث للإعلام.

مأزقان.. قانوني ودبلوماسي

بعد إعلان السفارة الأوكرانية في لبنان عن رسو السفينة "لاودسيا" في ميناء طرابلس، نفى مسؤول في شركة " لويال أغرو" لتجارة الحبوب، ومقرها تركيا، أن تكون شحنات الشعير والطحين على متن السفينة قد سُرقت من أوكرانيا، قائلاً لـ"رويترز" إن مصدر الدقيق هو روسيا.

وأضاف "الشركة سعت لاستيراد 5 آلاف طن من الطحين لبيعها لمشترين من القطاع الخاص في لبنان وليس للحكومة اللبنانية" مؤكداً أنه "لم يتم تفريغ الشحنة ولم تمنحها الجمارك اللبنانية بعد رخصة استيراد لأنها تحقق في ما تؤكده أوكرانيا، كما ذكر أن الشركة قدمت وثائق للجمارك اللبنانية توضح أن مصدر الشحنة مشروع"، وقد رفضت الشركة تقديم هذه الوثائق للوكالة الاخبارية.

لكن السفارة الأوكرانية في لبنان أوضحت في بيان أنه أثناء "الاحتلال الروسي"، تمت سرقة أكثر من 500.000 طن من الحبوب من مناطق خيرسون وزابورجيا وميكولايف المحتلة، وكانت هناك محاولات لنقل معظم هذه الحبوب إلى دول الشرق الأوسط، ومنها مصر وتركيا وسوريا، وسجلت محاولات نقلها إلى لبنان.
 
وأكدت السفارة أن "وكالات إنفاذ القانون في أوكرانيا أثبتت تورط 78 سفينة في النقل غير المشروع للحبوب الأوكرانية المسروقة، مشيرة في نفس الوقت، إلى أن هذه القائمة غير مكتملة ويتم تحديثها باستمرار، وظهرت السفينة "لاودسيا" في هذه القائمة".
 
وأضافت "تم تأكيد حقائق التصدير غير القانوني للحبوب من أوكرانيا ليس فقط من قبل وكالات إنفاذ القانون، ولكن أيضا في إطار التحقيقات الصحفية، وكذلك من خلال مبادرة دراسة القرصنة الروسية، وهي مجموعة من المسؤولين الحكوميين الأمريكيين السابقين وخبراء التجارة الدولية في مجال الأمن القومي".
 
كما لفتت إلى التقرير الذي يشير في الصفحة 18 إلى سفينة "لاودسيا" التي تم تسجيلها في مدينة فيوديسيا في 4 تموز. واليوم الجمعة، "أصدر قاضي المحكمة الأوكرانية قراراً بشأن حجز هذه السفينة مع البضاعة المحمولة على متنها، كما أن هذه السفينة تخضع لعقوبات الولايات المتحدة الأمريكية وتخضع لقانون سيزار، إضافة إلى أن الصحفيين في موقع myrotvorets، حققوا في مسار السفينة من فيودوسيا إلى طرابلس".

يطرح رسو "لاودسيا" على الشاطئ اللبناني لتفريغ حمولتها إشكاليتين قانونيتين، شرحهما رئيس مؤسسة JUSTICIA المحامي الدكتور بول مرقص، "الأولى تكمن في أنه تم وضع هذه السفينة عام 2015 على لائحة العقوبات الأميركية SDN List  بموجب الأمر التنفيذي /13582/، الذي نصّ في البند الرابع منه على أنه يحظر استلام أي مساهمة أو توفير أموال، سلع أو خدمات من أي شخص مصنّف على لائحة العقوبات بموجب هذا الأمر التنفيذي أي أن في عدادهم لاودسيا".

بالتالي فإن مخالفة لبنان لهذا الشرط واستقباله طوعاً هذه السفينة والتعامل معها قد يعرّضه كما يقول الدكتور مرقص "لخطر العقوبات الأميركية بغض النظر عن الحمولة، وإن زعم لبنان بجهله أن السفينة كانت قادمة إلى ميناء طرابلس في حال لم يصحح الوضع ويعيد السفينة من حيث ما جاءت من شأنه أيضاً أن يعرّضه للعقوبات".

أما فيما يتعلّق بحمولة السفينة والتي تشير أوكرانيا بأنها مسروقة منها، علّق  رئيس مؤسسة JUSTICIA ""يجب بداية التثبّت من صحة الادعاء الأوكراني لجهة ملكية الحمولة" لافتاً إلى أن "تفريغ لبنان للشحنة رغم حاجته الماسّة لها، من شأنه أن يؤدي إلى زعزعة العلاقات بينه وبين أوكرانيا".

جاء الإعلان عن "لاودسيا" في ذروة أزمة "الرغيف" التي يعاني منها لبنان، نتيجة عدم توفر القمح بالكميات الكافية، ما أدى إلى اغلاق عدد من المطاحن والأفران، وبالتالي عودة الطوابير لا بل والإشكالات المتنقلة من منطقة إلى أخرى من أجل تأمين ربطة خبز ولو واحدة.

وأشار الدكتور مرقص إلى أن "كلفة استيراد القمح من أوكرانيا منخفضة نسبياً مقارنة بروسيا، كما أنه في العام 2020، استورد لبنان حوالي 650 ألف طن من القمح من أوكرانيا، أي حوالي 80 في المئة من حاجته الاستهلاكية، وفي المقابل يمتلك لبنان علاقة تجارية ركيزة مع روسيا محورها النفط والغاز، إذ شكّلت المشتقات النفطية 89% من إجمالي السلع التي استوردها لبنان من روسيا عام 2019،  مما يعني أن لبنان في مأزق دبلوماسي تجاه كل من روسيا وأوكرانيا في حال قبوله أو رفضه الحمولة وهذا ما يجب أن يعالج بدراية وحكمة على أمل أن تتوافرا".

وكان وزير الخارجية الأوكراني هدد سابقاً في بيان "جميع المشاركين في نقل وبيع الحبوب التي استولت عليها روسيا في المناطق المحتلة من البلاد بمواجهة عواقب قانونية".

وفي تعليق قانوني آخر على أزمة "لاودسيا" قال الخبير في القانون الدولي المحامي الدكتور انطوان سعد "إذا كانت الشحنة التي تحملها السفينة تعود إلى القطاع الخاص الأوكراني يعني أن هناك ادعاء تم تحويله من وزارة العدل الأوكرانية إلى لبنان، بالتالي يتوجب على الدولة اللبنانية  المباشرة بالاجراءات القضائية وفقاً لطبيعة الادعاء الوارد، والتعاون مع الدولة الأوكرانية في اطار ضبط المواد المسروقة، حيث يتعين على الدولة اللبنانية مصادرتها وتسليمها إلى مالكيها، لاسيما إن كان هناك اتفاقية تعاون قضائي بين الدولتين".

وأضاف الدكتور سعد في حديث لموقع "الحرة" "يجب تحديد من يتحمل المسؤولية واعادة السفينة إلى أوكرانيا كي لا تتم قرصنتها في البحر، ويمكن تجنب هذه المجازفة من خلال عدم تمكينها من الابحار أو التصرف بالمواد المسروقة، مع اتخاذ كافة التدابير القضائية".

وعن رسو سفينة تخضع لعقوبات أميركية في مرفأ لبناني، علّق الدكتور سعد "على الدولة اللبنانية عدم تمكين أي سفينة تخضع للعقوبات من عبور مياهها الاقليمية كي لا تصبح متعاونة مع الدول والافراد والأشخاص الخاضعين لعقوبات، وبعد رسو لاوديسا في مرفأ طرابلس، يقع على عاتق لبنان عدم تمكينها من الابحار أو المتاجرة بالمواد المسروقة، إذ لا مصلحة لديه للتعرض لعقوبات، لاسيما وأن نظامه المالي مرتبط بالحركة المالية وقيود وأحكام الدولار ".

طلائع القمح الأوكراني

سبق أن اتهمت مديرية المخابرات في وزارة الدفاع الأوكرانية القوات الروسية بسرقة الحبوب من المناطق التي تحتلها في أوكرانيا، وتهريبها خارج البلاد بهدف بيعها، معتبرة أن سوريا هي الوجهة الأكثر احتمالاً للشحنات المهربة إضافة إلى دول أخرى في الشرق الأوسط.

كما أعلنت السفارة الأوكرانية في بيروت الشهر الماضي أن "روسيا أرسلت لحليفتها سوريا ما يزيد عن المئة ألف طن من القمح المسروق، منذ بدء الغزو، تقدر قيمتها بأكثر من 40 مليون دولار" واصفة تلك الشحنات بأنها "أنشطة إجرامية".

وقبل أيام تداولت وسائل اعلام لبنانية أن السفير الأوكراني أطلع وزير الخارجية والمغتربين في حكومة تصريف الأعمال عبدالله بو حبيب عن استحداث بلاده مرفأ لإستمرارية تسليم القمح إلى لبنان بسبب موقفه من الحرب الروسية – الأوكرانية، إلا أن أوطاش أكد في حديث مع موقع "الحرة" أن لدى أوكرانيا "ثلاث محطات تصدير تعمل في نهر الدانوب، وهي ميناء إزميل (1.5 مليون طن في السنة) ، ميناء ريني (4 مليون طن في السنة) وميناء وكيليا (0.4 مليون طن في السنة)، هذه الموانئ سعتها محدودة للغاية، مقارنة بمينائي أوديسا وميكولايف".

 وأضاف السفير الأوكراني "بدأ وصول القمح من تلك الموانئ إلى لبنان، وخلال الأسبوعين الماضيين وصلت أربع سفن، ويمكنني القول أن الطرف اللبناني قد بدأ بالاستفادة من ذلك".

 تشكل الحرب في أوكرانيا تهديداً للأمن الغذائي العالمي، وهو تهديد حاد يطال بشكل خاص كما يشير السفير "بعض دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (مصر واليمن ولبنان وإسرائيل وليبيا ولبنان وتونس والمغرب والعراق والمملكة العربية السعودية) والدول الآسيوية ( إندونيسيا وبنغلاديش وباكستان)، المستورد الرئيسي للقمح والذرة في الأسواق العالمية".

تهدف أوكرانيا بحسب أوطاش إلى "مواصلة التصدير وفقاً لالتزاماتها الدولية. قبل الحرب، كانت تصدر ما بين  5 ملايين إلى 6 ملايين طن من المنتجات الزراعية شهرياً، وقد تم تصدير 90 في المئة من هذه الكمية من الموانئ البحرية في البحر الأسود وبحر آزوف" لافتاً إلى أن دولته تعمل على  مساعدة كل البلدان المحتاجة، مؤكداً أنه سيبذل قصارى جهده لتزويد لبنان بالكمية اللازمة من القمح (وذلك قبل أن تظهر قضية السفينة لاودسيا).

وتعدّ أوكرانيا إحدى البلدان المصدرة الرئيسية الخمسة في العالم للحبوب، حيث أنها توفر أكثر من 45 مليون طن من الحبوب سنوياً للأسواق العالمية، بحسب تقرير لـ"الفاو" نشرته الشهر الحالي، جاء فيه كذلك أن أوكرانيا تتوقع أن يصل حصادها هذا العام  إلى 60 مليون طنّ من الحبوب.

أدى الغزو الروسي إلى توقف عمليات الشحن من الموانئ الأوكرانية، ما تسبب بارتفاع أسعار الغذاء في العالم، ولاستئناف عمليات التصدير عبر البحر الأسود وتأمين عبور ملايين الأطنان من الحبوب، رعت الأمم المتحدة توقيع اتفاقية بين الطرفين يوم الجمعة الماضي في تركيا.
 
تعتمد الخطوات التي ستتخذها أوكرانيا كما يقول أوطاش لموقع "الحرة" على ما إذا كانت روسيا ستلتزم بما تعهدت به في اسطنبول، "أي حماية مرافق الموانئ المستخدمة في عملياتها من الأعمال العدائية، ومن المتوقع خروج أولى الشحنات من أوديسا ومينائي تشورنومورسك ويوجني في غضون أسابيع".

وتعمل أوكرانيا كما يشدد السفير على التخلص من مخزون ما يقرب من 20 مليون طن في غضون ثلاثة إلى أربعة أشهر، مؤكداً على أن بلاده تهتم ببيعها من أجل توفير مساحة في مرافق التخزين للحصاد الجديد، كما أكد أن الأسعار ستنخفض "لكن السعر النهائي سيعتمد على الوضع في السوق العالمية".

لبنان حزب الله

يترقب اللبنانيون أول اختبار لقياس حجم التأييد الشعبي لحزب الله بعد الخسائر التي مُنّي بها، والدمار الذي لحق بالسكان، والبلد عموما، جراء الحرب مع إسرائيل.

وستعبر نتائج الانتخابات البلدية المقررة في مايو المقبل، ضمنا، عن مزاج الشارع، الشيعي خصوصا، حيال قضايا أبرزها سلاح الحزب وتقاعسه في إعادة إعمال المناطق المتضررة جراء الحرب.

يأتي ذلك على خلفية حالة تملل، متزايدة، من تداعيات الحرب، وما رافقها من دمار واسع في القرى الجنوبية، ونزوح آلاف العائلات من مناطقها، وتراجع في الخدمات الأساسية، إلى جانب أزمات اقتصادية خانقة.

وبينما يحاول حزب الله الإيحاء بتماسك قاعدته من خلال رفع شعارات بعيدة عن الواقع، فإن جزءا من جمهوره بات يبحث عن حلول ملموسة لأزماته اليومية، ولإعمار ما دمرته الحرب، بعيدا عن الخطابات الأيديولوجية.

المؤشرات كثيرة إلى أن الباب بات مشرعا أمام تغييرات مفصلية في المشهد المحلي، ولو على مستوى بعض البلديات، ويرجح مراقبون، تحدثوا موقع "الحرة"، أن يقول الشارع الشيعي كلمته بشأن حزب الله في الانتخابات النيابية  2026.

تحدي الانتخابات

رغم الدمار الهائل الذي خلفته الحرب لا سيما جنوب لبنان، ورغم استمرار عمليات الاغتيال الإسرائيلية ضد عناصر من حزب الله واستهداف ترسانته العسكرية، "تتجه السلطات اللبنانية إلى إجراء الانتخابات البلدية، بعد أن كانت قد أجلتها لعامين متتاليين دون مبرر قانوني أو مقنع، متذرعة تارةً بغياب التمويل وتارةً أخرى بأوضاع أمنية ولوجستية"، كما يقول الباحث في تطوير القوانين والأنظمة الانتخابية، عاصم شيّا.

وفي حديث لموقع "الحرة"، يرى شيا أن "المشكلة الحالية التي تواجه إجراء الانتخابات البلدية ليست تقنية بقدر ما هي تنظيمية، خاصة في البلدات الجنوبية المدمرة". 

"هناك خياران أمام الجهات المعنية: إما نصب خيام داخل البلدات المتضررة إذا أصرّ السكان على الاقتراع فيها، أو نقل مراكز الاقتراع إلى بلدات مجاورة أكثر استقرارًا، على أن تُستخدم مبانٍ عامة مثل المدارس، الحسينيات، أو الكنائس لهذا الغرض".

لكن التحدي الأبرز، بحسب شيا، يكمن في تأمين "هيئة القلم"، أي الموظفين المكلفين بإدارة العملية الانتخابية، ومعظمهم من النساء العاملات في القطاع العام، لا سيما في التعليم، واللواتي يُبدين تحفظًا على التوجه إلى مناطق غير آمنة.

وتجدر الإشارة إلى أنه بحسب تقرير التقييم السريع للأضرار والاحتياجات في لبنان لعام 2025، الصادر عن البنك الدولي في 7 مارس، تقدّر احتياجات إعادة الإعمار والتعافي في أعقاب الصراع الذي شهده لبنان بنحو 11 مليار دولار أميركي.

ويعد قطاع الإسكان الأكثر تضرراً، مع أضرار تقدَّر بنحو 4.6 مليار دولار، فيما بلغت الأضرار التي لحقت بالمقومات المادية 6.8 مليار دولار.

أما من الناحية الجغرافية، فيشير التقرير إلى أن أكثر المناطق تضرراً هي محافظتا النبطية والجنوب، تليهما محافظة جبل لبنان التي تضم الضاحية الجنوبية لبيروت.

حقل تجارب؟

يلاحظ الباحث عاصم شيا، الذي يراقب الأنماط الانتخابية منذ عام 2009، أن القوى السياسية استخدمت الانتخابات البلدية عام 2016 كـ"حقل تجارب" لقراءة المزاج الشعبي، بعدما راودها القلق من قانون الانتخاب رقم 25/2008 (قانون الستين)، الذي أصبح يشكل خطراً عليها بسبب تطور وعي الخصوم المستقلين.

يقول شيا إن "تأجيل الانتخابات النيابية عامي 2013 و2015، مقابل إجراء الانتخابات البلدية عام 2016، كان مدروساً، الهدف منه مراقبة اتجاهات الناخبين. وفعلاً، كشفت الانتخابات عن نقمة واسعة، ما دفع الأحزاب إلى اللجوء إلى تكتيكات جديدة، أبرزها الدفع بمرشحين "نظيفي الكف" وغير حزبيين ظاهرياً، ليترأسوا اللوائح، ثم إحاطتهم بأعضاء بلديين حزبيين يضمنون ولاء المجلس للحزب. هذه المقاربة ساعدت في ضمان المكاسب لاحقاً في انتخابات 2018".

كذلك، "تم اللجوء إلى توظيف آلاف في مؤسسات رسمية رغم عدم الحاجة الفعلية إليهم، كما جرى التعاقد مع أعداد كبيرة في الوزارات، خصوصاً التعليم، فيما اعتُبر رشوة انتخابية مقنّعة لتأمين الأصوات".

اليوم يتكرر المشهد نفسه، بحسب شيّا، "تُسرع القوى السياسية إلى إجراء الانتخابات البلدية لا لمعالجة أزمات المجالس، بل لرصد اتجاهات الناخبين، تمهيداً لاستخدام الوظائف العامة والعسكرية مجددًا كأداة لاستمالة الأصوات"، فهذه الانتخابات، في نظره، ليست سوى مختبر سياسي يساعد القوى التقليدية على إعادة تنظيم صفوفها استعداداً للمعركة الأهم: انتخابات 2026 النيابية.

في المناطق التي تعرف بـ"الحاضنة" لحزب الله، يعاني معظم السكان، الذين تعرضت منازلهم للتدمير جزئياً أو كلياً، من بطء الإجراءات المتعلقة بإعادة الإعمار، إضافة إلى تأخر استجابة الحزب لتقديم التعويضات اللازمة لترميم المنازل أو تعويض الأثاث المتضرر.

وقال الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، بشأن إعادة إعمار المناطق المتضررة من الحرب، في 14 ديسمبر، أن "إعادة الإعمار مسؤولية الدولة،" التي تعاني أصلا من أزمة مالية خانقة. ودعا "الأشقاء العرب والدول الصديقة في المساعدة في إعادة الاعمار".

صراع عائلي تحت رايات حزبية؟

لا تعكس الانتخابات البلدية بالضرورة موازين القوى السياسية بشكل دقيق، وفقا لشيّا، "لأنها غالباً ما تكون امتداداً لصراعات عائلية داخلية.

"قد تُطرح لوائح تبدو متنافسة لكنها في الواقع تابعة للحزب نفسه، تختلف فقط حول المواقع أو التفاصيل، في مشهد يختلط فيه النفوذ العائلي بالحسابات الحزبية"، يقول شيا.

وعند تحليل تأثير الحرب الأخيرة على توجهات الناخبين، يرى شيّا ضرورة التمييز بين فئتين "الأولى تضمّ مؤيدي حزب الله، الذين رغم تضررهم من الحرب، زاد ارتباطهم به. أما الفئة الثانية، فهي من الشيعة غير المنضوين ضمن الثنائي الشيعي، هؤلاء يبدون استياءً واضحاً من الحرب ويحملون "الثنائي" مسؤولية ما جرى. ويُتوقع أن تتخذ هذه الفئة موقفاً مغايراً في الانتخابات المقبلة".

ويرى الكاتب، الصحفي مجد بو مجاهد أن "ثمة طابعا مجتمعيّا خاصا باستحقاق الانتخابات البلدية والاختيارية في لبنان في غالبية المناطق اللبنانية بخاصّة في القرى، ولا يمكن الحديث عن طابع سياسي سوى في بعض المدن الكبرى المتنوعة طائفياً كمدينة بيروت. 

"لذلك لا يمكن اعتبار الاستحقاق البلديّ بمثابة مقياس للتوجه الشعبيّ السياسي لدى المواطنين الشيعة أو سواهم من المواطنين اللبنانيين، من دون إغفال أنّ ثمة مدناً يغيب عنها التنافس السياسي في الاستحقاق الانتخابيّ البلديّ الحاليّ رغم أنه كان ظاهراً في استحقاقات بلدية سابقة".

اللافت وفق ما يقوله بو مجاهد لموقع "الحرة" أنّ "الأجواء الشيعية المجتمعية لا تبدو مهتمّة في استحقاق الانتخابات البلديّة مقارنة مع بيئات مجتمعية مغايرة تتطلّع بحيوية نحو خوض الاستحقاق والتنافس بين اللوائح على مستوى مجتمعيّ، لا سياسي".

ويشرح: "خروج المجتمع الشيعي من حرب ألحقت به خسائر كبرى، منها ضرب البنى التحتية والأراضي، سبب لتراجع الاهتمام الشيعي بخوض تنافس مجتمعيّ على الانتخابات البلدية، ولذلك كانت لافتة ظاهرة تشكيل لائحة واحدة فحسب في كثير من البلدات بعيداً عن خوض منافسة بين اللوائح".

إذا تضاعفت النقمة على "الثنائي الشيعي" _ أي حزب الله وحركة أمل _ من المواطنين في المناطق ذات الحضور الشيعي، فإنها ستظهر، وفق بو مجاهد، "في استحقاق الانتخابات النيابية المقبلة، لا في استحقاق الانتخابات البلدية".

"حتى الآن، هناك امتعاض شيعيّ واضح من حزب الله بخاصة بسبب تأخّر إعادة الإعمار، لكنّ تطوّر ذلك الامتعاض من عدمه سيكون مرتبطاً بما ستعرفه الأشهر اللاحقة من متغيرات".

النزاهة موضع شك؟

الحديث عن انتخابات نزيهة "غير واقعي"، يشدد شيّا، "لا بسبب حزب الله فقط، بل بسبب جميع الأحزاب التي تسيطر على مناطق نفوذها بشكل كامل ومدروس، ما يقيد قدرة المعارضين على خوض المعركة بتكافؤ".

يستشهد شيا بلائحة معارضة في بعلبك "تواجه صعوبات جمّة في التواصل مع الناخبين، في وقت تُستغل فيه الحرب والخطاب السياسي في الجنوب لتأليب الرأي العام عبر العاطفة، خصوصاً من قبل حزب الله وحركة أمل".

ويؤكد أن المعركة البلدية يجب أن تبقى محلية الطابع، "هدفها تحسين الخدمات وتفعيل دور البلديات". ويذكّر شيّا أن "الثنائي الشيعي لم يحصل في انتخابات 2022 النيابية على أكثر من 47% من أصوات الناخبين الشيعة مجتمعَين"، ما يعكس تراجعاً في شعبيته.

أما بو مجاهد فيرى أنه "قد يكون لتسليم حزب الله سلاحه والتقليل من سيطرته على المناطق الشيعية إذا حصل، نتائج تسرّع الحلول في المناطق المتضرّرة من الحرب".

ويضيف "كيفية تغيّر المزاج الانتخابي داخل البيئة الشيعية ستظهر في الانتخابات النيابية السنة المقبلة، لا في الانتخابات البلدية التي ستحصل خلال أسابيع. وتالياً، لا ترجيحات في قدرة الانتخابات البلدية على التغيير، والرهان سيكون على الانتخابات النيابية".