طواقم الدفاع المدني اللبناني تخمد النيرات التي اشتعلت في صوامع مرفأ بيروت
طواقم الدفاع المدني اللبناني تخمد النيرات التي اشتعلت في صوامع مرفأ بيروت

"نشعر بغضب شديد جدا، ونخشى أن يولد فينا طاقة لا نعلم متى وكيف ستنفجر وتفجرنا، بسبب حجم الظلم الذي نتعرض له دون أن يكون لنا، كأهالي أو كضحايا، أي ذنب بما يجري." يقول إيلي حصروتي، نجل غسان حصروتي أحد ضحايا انفجار مرفأ بيروت، في تعليقه لموقع "الحرة" على واقعة انهيار أجزاء من إهراءات (صوامع) القمح، الأحد. 

ويضيف إيلي، الذي كان يعمل والده في إهراءات القمح نفسها "لقد خسرنا معلماً كعائلة نعرفه منذ أن عرفنا والدي، منذ 40 عاماً عشنا مع هذه الاهراءات، يومياً كان والدي يذهب إليها ويأتي منها، حتى استشهد فيها، واليوم رأيناها تتفتت أمام أعيننا، هناك حزن كبير على الخسارة، وسط حالة من العجز التام تجاه كل ما يجري، تدفعنا نحو الاكتئاب."

وكانت العاصمة اللبنانية قد استرجعت بالأمس ذكريات انفجار المرفأ، على أعتاب الذكرى السنوية الثانية في الرابع من أغسطس، بعد انهيار قسمين من صوامع تخزين الحبوب والقمح التي صمدت بعد الانفجار، في ظروف ملتبسة ناتجة عن حريق أسفلها، استمر لـ 3 أسابيع دون أن تنجح جهود إخماده، الأمر الذي طرح استفهامات حول وجود نية مبيتة للتخلص من تلك الصوامع التي يصفها لبنانيون بـ "الشاهد على الجريمة" بعدما اكتسبت رمزية خاصة تتعلق بالانفجار الذي أدى إلى مقتل 214 شخصا وإصابة أكثر من 6000 شخص بجروح، ودمر قسماً كبيراً من مدينة بيروت. 

حريق غامض

وكان حريق قد شب أسفل الإهراءات عزت السلطات اللبنانية أسبابه إلى تخمر الحبوب والقمح الذي استعصى إزالته من المكان بعد الانفجار عام 2020، حيث افترش أرض المرفأ بمحيط الصوامع، وبارتفاع نحو 9 أمتار في بعض النقاط. 

 وبحسب بيان صدر عن رئاسة مجلس الوزراء اللبناني، إثر اندلاع الحرائق، فقد بلغت كمية القمح التي بقيت عند الجهة الشرقية من الصوامع، بعد الانفجار، بنحو 3000 طن، "بينها 800 طن بدأت بالاحتراق الذاتي مؤخرًا نتيجة العوامل المناخية، إذ تصل حرارة الحبوب إلى أكثر من 95 درجة مئوية نتيجة التخمر، فيما لا تشكل الانبعاثات الناتجة عن التخمر أي خطر على الصحة العامة، كما يقدر خبراء أن النيران ستخمد فور انتهاء الكمية."

إلا أن النيران لم تخمد، خاصة وأنه في المرحلة الأولى من الحرائق لم تبذل جهود حقيقية في سبيل السيطرة عليها. ففي حينها أصدرت المديرية العامة لـ "لدفاع المدني اللبناني" بياناً أكدت فيه أنه "لا يمكن التصرف مع الحريق كما يجري التعامل مع الحرائق العادية، باعتبار أن أي تدخل لإطفاء الحريق سواء بالمياه أو مواد الإطفاء سيؤجل المشكلة لأيام قبل أن تعود النار والدخان لإنتاج آثار جديدة ربما تتسبب بأضرار جديدة أكثر خطورة." 
وشرح البيان أنه من غير الممكن السيطرة على الحريق نهائياً "لأن محاولة إطفائه بواسطة أي سائل سيؤدي إلى تخمير جديد تنتج عنه غازات أخرى لا تلبث أن تشتعل من جديد بفعل ارتفاع درجات الحرارة."

لكن الواقع سرعان ما تبدل بعدما نالت القضية اهتمام الرأي العام اللبناني ومتابعته، لاسيما وأنه حمل الحكومة مسؤولية سلامة الاهراءات، وأوعز وزير الداخلية اللبناني بسام مولوي إلى فوج اطفاء بيروت والدفاع المدني "القيام فورا بعملية تبريد إهراءات القمح بطريقة لا تهدد سلامة الاشخاص ولا تشكل خطرا على الاهراءات." 

نهاية متوقعة

وفيما شاركت طوافات الجيش اللبناني بإخماد الحريق، لم تنجح الجهود المتأخرة في حماية الإهراءات من الانهيار الذي كان محتماً في النهاية، وفق توقعات معظم الخبراء. 

وكان قد صدر قرار عن الحكومة اللبنانية في أبريل الماضي، يقضي بهدم الصوامع خشية على السلامة العامة، لكن تطبيق القرار توقف بعد موجة اعتراضات كبيرة قام بها أهالي ضحايا انفجار المرفأ وجمعيات من المجتمع المدني، حيث طالبوا بتحويل الصوامع إلى شاهد يخلد ذكرى الضحايا. 

وسبق وقوع الانهيار، طوق أمني ضربه الجيش اللبناني والقوى الأمنية مع إجراءات مشددة من أجل عزل الاهراءات عن محيطها، بقطر نحو 50 متراً، حيث منع أحد من العمل أو الاقتراب من الصوامع المهددة بالسقوط.

وانشرت غيمة كبيرة من الغبار إثر انهيار القسم الشمالي من الصوامع، الذي وثقته الكاميرات التي ثبتت في محيط المرفأ استعدادا لتسجيل اللحظة التي كان وقوعها في الأيام الماضية أمراً منتظراً، لاسيما بعد الانحناءات التي أصابتها قبل انهيارها. 


وفي تعليقه على الحادثة، أشار وزير الأشغال في الحكومة اللبنانية علي حمية، إلى أنّ "المشكلة ليست فقط في الجزء الشمالي، بل الواضح أن صومعتين من الجزء الجنوبي انفصلوا عن الإهراءات أيضاً"، لافتاً إلى أن السلطات اللبنانية أوقفت عددًا من الأرصفة في المرفأ عن العمل "لأن الامر كان متوقعًا، من أجل السلامة العامة".  

وزير الأشغال أعاد التذكير بالجدل الذي أثاره قرار هدم الإهراءات، مستغلا الواقعة للقول إنه "حين اتخذ قرار هدم الإهراءات لم يكن سياسيًا إنما كان مبنيًا على أمور فنية ومن خبراء"، الأمر الذي استفز قسما كبيراً من اللبنانيين اعتبروا أن كلام حمية مؤشر على وجود نية حكومية للتخلص من الاهراءات دون أي اعتبار لرمزيتها. 

حالة طوارئ

وعاشت العاصمة اللبنانية حالة طوارئ جديدة عقب انهيار الصوامع، حيث أخلى السكان القريبون من المرفأ منازلهم خشية إصابتهم بأضرار نتيجة الانهيار، وأغلق سكان الأحياء القريبة نوافذ منازلهم، خشيةً من الغبار المتصاعد والذي قد يحمل فطريات ومواد سامة ناتجة عن تحلل القمح وبقايا ما خلفه الانفجار من مواد كيميائية مجهولة ومنتشرة في الأرجاء. 

وصدر عن وزارتي البيئة والصحة في لبنان، بيان إرشادات وإجراءات وقائية، حفاظاً على السلامة العامة وتجنباً لأي مشاكل صحية محتملة ناتجة عن تنشّق الغبار. ونبّهت من انبعاث غبار مكون من مخلفات البناء وبعض الفطريات من الحبوب المتعفنة التي ستتشتت في الهواء.

ونقلت عن خبراء عدم توفر أدلة علمية على وجود مادة الأسبستوس أو أي مواد سامة أخرى، مرجحةً أن تتأثر المنطقة الأقرب من موقع الحادث (شعاع 500 متر) والتي تقع داخل حدود المرفأ بكميات غبار كثيفة في الهواء حيث يجب اخلاؤها فوراً. 

ولفتت الوزارتان إلى أنه من المتوقع أن تتأثر المنطقة الأبعد، بين شعاع 500 و1500 متر تقريبًا، والتي تتضمن أحياء ومناطق الكرنتينا، الجعيتاوي، مار متر، وسط بيروت، بكميات محدودة من الغبار، سيترسّب خلال فترة لا تزيد عن 24 ساعة كحد أقصى.

كما تضمن البيان نصائح للمواطنين بإغلاق النوافذ والأبواب الخارجية خصوصاً في المناطق الموجودة داخل شعاع 1500 متر من الموقع، على أن تعمل وزارة الصحة العامة على تأمين الكمامات اللازمة للإجراءات الوقائية للأشخاص المتواجدين ضمن المنطقة التي ستتأثر بالغبار.  

ونصحت الوزارتان الأشخاص المتواجدين خارج المباني أثناء تطاير الغبار بارتداء كمامة عالية الفعالية (KN95) في الخارج حتى الوصول الى أقرب مكان مغلق، وذلك لحين انقضاء أول ساعتين حتى تنخفض كمية الغبار في الهواء الخارجي. ونبهت المتواجدين في سياراتهم إلى ضرورة إغلاق النوافذ وتشغيل المكيفات على وضعية الشفط من داخل السيارة حتى الوصول الى مكان مغلق. 

أما لناحية التنظيف فقد أوصى البيان برش الماء على الأسطح والشرفات واستخدام قماش رطب، لمنع اعادة تطاير الغبار المترسب ومن ثم مسح الأسطح بمياه الجافيل مع الماء، مع التنبيه إلى عدم خلط أي مواد تنظيف أخرى مع مياه الجافيل خوفاً من التفاعلات الكيميائية، كذلك ارتداء كمامة عالية الفعالية (KN95) خلال عملية التنظيف.

وكان الصليب الأحمر اللبناني أطلق قبل أيام حملة توعية للسكان القاطنين على مسافة 1.5 كيلومتر في محيط المرفأ، وطالبهم بارتداء الكمامات وعدم الخروج من منازلهم لمدة ساعتين على الأقل منعاً لتنشق انبعاثات.

وفي ظل أزمة تقنين حادة للتيار الكهربائي، تعيشها معظم الأراضي اللبنانية، صدرت مناشدات عديدة من فعاليات ونواب المنطقة، من أجل تأمين الكهرباء لأهالي الأحياء المحيطة بالمرفأ، من أجل تسهيل الإجراءات الطارئة التي يتخذونها لاسيما لناحية إغلاق النوافذ والتزام المنازل مما يسهل عملية التهوئة وتشغيل المكيفات. 

واستجابت مؤسسة كهرباء لبنان للمطالبات، بصورة استثنائية، حيث أعلنت في بيان لها أنها ستقوم بتأمين التغذية بالتيار الكهربائي بصورة مستمرة لفترة 12 ساعة متتالية، لكافة المناطق الواقعة في نطاق مكان هذه الحادثة، وهي المرفأ - المدور - الرميل - الصيفي - الكرنتينا، وسيتم العمل، قدر المستطاع، لرفع التغذية بالتيار الكهربائي لمنطقة الأشرفية أيضا، على أن يصار إلى وضع جدول استثنائي للتغذية الكهربائية لتلك المناطق لليومين القادمين بعد التنسيق مع الجهات المعنية، على ضوء وضعية إهراءات القمح والتطورات التي قد تحصل بهذا الشأن. 

العمل مستمر

وبعد انهيار الصوامع، سرت مخاوف من توقف عمل المرفأ في ظل الصعوبات التي توجهها حركة الاستيراد والتصدير في البلاد التي تعاني من أسوأ أزمة اقتصادية في تاريخها، والتي نتج عنها إضراب عام لموظفي القطاع العام في البلاد أثرت بشكل كبير على تخليص معاملات الاستيراد والتصدير عبر المرفأ. 

وفي هذا السياق، صدر عن إدارة مرفأ بيروت، بيان نفى التوقف عن استقبال البواخر خوفاً من انهيارات إضافية في صوامع القمح، وأكد على أنّ "سير العمل لم ولن يتوقف، وأنّ الاحتياطات والاجراءات متخذة منذ مدة زمنية تحسباً لأي طارئ، فجرى عزل محيط الاهراءات بزيادة المسافة المطلوبة وهي (50 متراً) الى 150 و200 متر في بعض الأماكن، كما تمّ عزل رصيف 7 و8 و9 في حينه".

من ناحيتها أكدت نقابة الوكلاء البحريين في لبنان "استمرار العمل في مرفأ بيروت بشكل طبيعي على الرغم من الإنهيار الجزئي لصوامع القمح". وتوجهت النقابة للعاملين في المرفأ مشددة على ضرورة ارتداء الكمامات أثناء تعاملاتهم، وذلك طيلة الأسبوع القادم واتباع إرشادات وزارتي الصحة والبيئة المتصلة بتبعات جزيئات الغبار الناتجة عن الانهيار".

يذكر أن تاريخ إنشاء هذه الإهراءات يعود إلى العام 1968، وذلك بقرض مقدم من الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية، حيث لم يكن يمتلك لبنان قبلها، أي صوامع حديثة لتخزين الحبوب وتفريغها، ما دفع الحكومة اللبنانية آنذاك للعمل على مشروع إنشاء الصوامع، ضمن أعمال أخرى خاصة بتدعيم مرفأ بيروت وتوسيع إمكاناته، من أجل حماية القمح من الرطوبة ودخول القوارض إضافة إلى دورها في عملية التفريغ والتحميل والتوزيع. 

وتصل سعة الصوامع إلى 105 آلاف طن، كانت تكفي عند إنشائها لتخزين 85 في المئة من حاجة اللبنانيين. لعبت دوراً رئيسياً في حفظ الأمن الغذائي للبنانيين إبان الأحداث والحروب المتتالية التي شهدتها البلاد بعد العام 1970 وحتى يوم الانفجار عام 2020، إذ بات يواجه لبنان اليوم مخاطر كبيرة على صعيد أمنه الغذائي وقدرته على التخزين. 

وتتألف الصوامع من 3 صفوف من الخلايا المخصصة لتخزين الحبوب، والمبنية من خرسانة مسلحة، الصف الأول دمره الانفجار فيما حمى الصفان الآخران قسماً كبيراً من الجهة الغربية للعاصمة بيروت من الدمار الذي تركز في القسم الشرقي منها الذي واجه عصف الانفجار مباشرةً. 

تفادي الانهيار: "كان ممكناً"

وسبق لنقابة المهندسين في لبنان أن أصدرت تقريراً في شهر مايو الماضي عقب قرار الحكومة بهدم الإهراءات، شدد على ضرورة تدعيمها بدلا من الهدم، معتبراً أن تصرف السلطات اللبنانية مع هذا الملف "يدل على قصور في فهم حجم الكارثة، وبالتالي قصور في فهم معالجة أثارها، فالإهراءات ليست مجرد "كتلة خرسانية" كما تتعامل معها السلطة، بل هي رمز لمفاهيم عدة، هي رمز الحياة حين كانت مخازن للقمح، وهي "الحرز" (المكان المنيع) الذي حمى جزءا من المدينة من الدمار، وهي تمثل الذاكرة الجماعية للناس وللمدينة، وهي جزء مأسوي من التاريخ الحديث للبلد، ويجب أن يبقى هذا الشاهد حيا في ذاكرة الأجيال المقبلة لكي لا تتكرر المأساة."

وأوصت النقابة في حينها بالتدخل فوراً في عملية تدعيم الجزء الشمالي من الإهراءات لأنه غير مستقر ومعرض للانهيار، ولكن يمكن تدعيمه. مؤكدة على أن كل منشأ متضرر يمكن تدعيمه، كما أكدت على ثبات الجزء الجنوبي، وانه لا يحتاج إلى تدعيم، و"بالتالي انتفاء أي كلام غير علمي يوجب الهدم".
 
كذلك دعت نقابة المهندسين الحكومة "المباشرة فورا إلى اتخاذ قرار تدعيم الاهراءات المتضررة وتحميلها المسؤولية الكاملة عن أي تداعيات سلبية ناتجة من عدم القيام بواجباتها." 

"لو عملت السلطات اللبنانية بالتوصيات التي سبق أن أصدرناها ما كنا وصلنا إلى الانهيار هذا"، تقول عضو نقابة المهندسين رئيسة الفرع الثاني ديفينا أبو جودة في حديثها لموقع "الحرة"، مؤكدة أنه كان هناك فرصة لتدعيم الاهراءات، "ليس تريمها ولا إعادة استعمالها ولكن تدعيمها."

أبو جودة ذكرت بأن نقابة المهندسين كانت قد أقامت بالتعاون مع خبراء متخصصين، ندوة خاصة بهذا الشأن، "وكانت الأمور واضحة لناحية القدر على تدعيم الصوامع والمحافظة عليها كنصب تذكاري لكارثة المرفأ"، ولكن أحداً من المسؤولين لم يتواصل مع النقابة في هذا الشأن للوقوف على رأيها ، بحسب أبو جودة، " ولم يقدم لنا أي حجة أو عذر لعدم التجاوب معنا رغم أننا أعلنا ذلك في مؤتمر صحفي وعلني، كما شكلنا لجنة تنسيق وتضامن مع أهالي الضحايا."

وأجرت نقابة المهندسين أيضاً دراسة على خطوة التدعيم وتكلفتها، وقدمتها إلى جهات مانحة دولية، وفق أبو جودة، "ولولا أننا كنا على يقين بأن الاهراءات لن تسقط دون مسبب، لما كنا أجرينا كل تلك الدراسات والجهود، وبإمكاني التأكيد على أنه لولا الحريق الذي شب أسفل الإهراءات لما كانت سقطت، ولكن الحرارة المرتفعة على مدى أسابيع طويلة ناهزت الشهر، أضعفت الأساسات الحديدية في الصوامع وساهمت في انحنائها ومن ثم انهيارها، من دون أن تبذل أي جهود لإيقاف الحريق." 

وتشير أبو جودة إلى أنه لم يسمح للنقابة حتى بالاقتراب أو إرسال خبراء إلى المكان لمعاينته، "وبالتالي لا نعلم بالتحديد ما الذي جرى، لكن برأيي أن الإهراءات لم تسقط من تلقاء نفسها، وإنما بسبب إهمالها كل هذه المدة وتقاعس الجهات المسؤولة عن حمايتها." 

رجال الإطفاء أثناء مكافحة النيران في صوامع مرفأ بيروت

استخدام المياه في عملية الإطفاء كان خطأ، بحسب أبو جودة، "ساهم أيضاً بزعزعة بناء الإهراءات، ولكن كان يمكن تفاديه أيضاً من خلال الاستمرار بضخ المياه بعد إخماد الحريق الخارجي بدلا من التوقف عن ذلك، وكان هناك أيضا الكثير من الوسائل والسبل والتقنيات التي عرضها خبراء التعامل مع الحرائق من أجل إنهاء الحريق من دون أضرار ومع ذلك لم تتخذ تلك الإجراءات." 

وتلفت رئيسة الفرع الثاني في نقابة المهندسين إلى أن ذريعة تهديد السلامة العامة استخدمت منذ البداية من أجل التخلص من الإهراءات، "ولكن أحداً لم يول اهتماماً للسلامة العامة من الانبعاثات والدخان الذي استمر بالتصاعد على مدى ثلاثة أسابيع من المكان باتجاه سكان الأحياء المجاورة، والأمر نفسه بالنسبة إلى الغبار المتصاعد من الانهيار، خاصة وأن الإهراءات لم تكن فعلا تهدد أي سلامة عامة بكونها مطوقة وممنوع الاقتراب منها وتقع في باحة المرفأ بينما هناك منازل مزعزعة على بعد أمتار في الأحياء المتضررة لا زالت بلا ترميم وتدعيم فيما يسكنها الناس ويمرون بقربها يومياً وبالتالي ذريعة السلامة العامة لم تكن مقنعة." 

أما عن كلام وزير الأشغال العامة الذي حذر من انفصال خانتين في القسم الجنوبي من الإهراءات مؤخراً بعد الانهيار، تقول أبو جودة "هذا تحضير وليس تحذير، يحضرنا نفسيا لإسقاط القسم الجنوبي، كما سبق أن جرى في المرحلة الماضية."

إخفاء معالم الجريمة

يذكر أن التحقيقات المتعلقة بانفجار مرفأ بيروت لا تزال متوقفة بسبب العرقلة السياسية من ناحية المتهمين بالمسؤولية عن الإهمال المؤدي إلى الكارثة، حيث شهدت القضية تدخلات سياسية كبيرة ودعاوى ضد المحقق العدلي رفعها عدد من المدعى عليهم بينهم نواب حاليون ووزراء سابقون، وكادت القضية أن تصل بالبلاد إلى حرب أهلية بعد واقعة الطيونة التي شهدت اشتباكات مسلحة بين أهالي منطقة عين الرمانة وانصار حزب الله وحركة أمل على خلفية تظاهرة أقامها "الثنائي الشيعي" اعتراضاً على أداء المحقق العدلي طارق البيطار. 

في هذا الشأن يقول إيلي حصروتي "إن عدنا إلى تاريخ القضية نرى أن كل التعاطي الرسمي من قبل التفجير، منذ وصول النيترات إلى تسلمها وتخزينها وصولا إلى لحظة التفجير، وما لحق بالمسار العدلي للتحقيق، نرى بوضوح أن تعاطي السلطة ملتبس، كالمجرم الذي يحاول إخفاء معالم جريمته ويزرع الشك ويضيع الأمور."  

ويضيف أن الانهيار كان أمراً متوقعاً، ونتيجة واضحة لمسار الأمور، "منذ عامين حتى اليوم لم يحصل أي تدبير لحفظ هذا المعلم كمعلم تذكاري بالرغم من كل المطالبات التي صدرت، لم يتعاطوا مع المسألة بشكل إنساني، وكأنه حادث عابر وليس على مستوى ما جرى." 

وكانت قد شهدت جلسة لمجلس النواب اللبناني الأسبوع الماضي، اشكالاً وتلاسنا بين النواب على خلفية طرح قانون بصيغة المعجّل المكرر يرامي إلى حماية مبنى إهراءات القمح، لكن الجلسة رفعت في ظروف ملتبسة بعد التصويت على الصيغة القانونية مباشرة مع إحالته إلى اللجان النيابية لدراسته، وهو ما أثار حينها حفيظة عدد كبير من النواب وسط اتهامات بتزوير نتيجة التصويت والتهرب من اتخاذ القرار عبر رفع الجلسة. 

يرى حصروتي أن السلطات اللبنانية كانت على علم بكل المخاطر وتحذيراتهم المتعلقة بالسلامة العامة خير دليل على ذلك، ومع ذلك "لم تتخذ أي إجراءات لمنع حصول الحريق أو اخماده أو انهيار الصوامع"، مشدداً على ضرورة "إجراء تحقيق بالموضوع لاسيما وأنه مرتبط بقضية رأي عام بهذا الحجم كقضية انفجار المرفأ"، محملا الحكومة اللبنانية المسؤولية المباشرة عن الانهيار، "وكأنهم تركوا الأمر يحصل عن سابق إصرار وتصميم." 

"المطلوب طمس ما جرى ومحو معالم الجريمة من التاريخ"، يضيف حصروتي، الذي يرى أن تزامن الانهيار مع ذكرى الانفجار منحه رمزية خاصة، وكأن المرفأ يذكر بقضيته مجدداً. ويتابع أن "هذه الاهراءات تشبه بيروت، وتشبه البلاد، التي تنهار أمامنا دون أن يتخذ أحد أي تدبير رغم ان هناك تفاصيل صغيرة لو جرت لكنا نفادينا الكارثة والصدمة والأزمات النفسية."

النيران اشتعلت بالصوامع في مرفأ بيروت وأدت إلى انهيارات

ويعتبر أن "صورة لبنان من صورة هذه الإهراءات، أكبر رمزية للحالة التي وصلنا إليها ونعيشها في لبنان ولمستقبل البلاد، تكمن في قضية انفجار بيروت، منه نرى مستقبل لبنان المقبل"، مضيفاً "إذا انتهت القضية بالسياق الذي نراه، يعني أننا ننتهي معها، لا يظن أحد في لبنان أنه بمنأى عما تسبب بهذه الكارثة، يمكن أن يكون أي أحد في أي مكان في لبنان اليوم في موقع تفجير محتمل."

ويستغرب حصروتي من أنه حتى اليوم لم تقدم السلطات اللبنانية أي ضمانات لعدم تكرار هذه الكارثة، "حتى الآن لم نشهد صدور أي قانون يتحدث عن السلامة وعن ظروف التخزين وغيره من الإجراءات الوقائية التي يفترض أن تكرس بسبب ما جرى بالانفجار." 

ويختم حصروتي، أن حرقة أهالي الضحايا تكمن في "أنهم يقتلوننا مجدداً من دون أن يكون هناك أي أمل بانفراج أو عدالة أو أفق، وهذا لا يعني انعدام إيماننا بالعدالة وتحسن الأمور، ولكن علينا أن نعيش لنشهد هذا التحسن يوماً ما. كان أبي يقول لنا دائما أن الأمور ستنفرج في البلاد، لكنه لم يعش ليرى أي انفراج، وقتل بوضع مأساوي في النهاية." 

العمالة السورية في لبنان

في بيروت والمدن اللبنانية عموما، من المعتاد رؤية عمال سوريين يتسلقون السقالات، أو يدفعون عربات خضار، أو يدخلون بوابة مصنع أو مطعم، أو يحرثون الحقول. هؤلاء ليسوا مجرد لاجئين هاربين من ويلات الحرب، إذ أصبحوا خلال السنوات القليلة الماضية العمود الفقري لقطاعات لبنانية واسعة.

لكن الآن، ومع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الأسبوع الماضي، رفع العقوبات المفروضة على سوريا قد يتغير المشهد كليا. 

الحديث عن إعادة إعمار سوريا لم يعد حلما، بل ممكنا أقرب إلى التحقق، يفتح أبواب العودة أمام آلاف العمال السوريين الذين وجدوا في لبنان لسنوات ملاذا، وعملا لتوفير لقمة العيش.

هذا التحول لا يخص السوريين وحدهم. لبنان، الذي يواجه واحدة من أسوأ أزماته الاقتصادية، يقف على حافة تغير كبير في سوق العمل: كيف سيتعامل مع احتمال فقدان آلاف العمال؟

فراغ في الأفق؟

"رغم إعلان الرئيس الأميركي، سيستغرق تنفيذ القرار بعض الوقت"، يقول الدكتور بشارة الأسمر، رئيس الاتحاد العمالي العام في لبنان، في حديث إلى قناة "الحرة". "لكن هذا القرار يفتح الباب أمام تغييرات كبيرة في وضع العمال السوريين في لبنان".

ويشير الأسمر إلى أن وتيرة عودة السوريين إلى بلادهم قد تتسارع إذا تزامن رفع العقوبات مع بدء عملية إعادة الإعمار في سوريا لا سيما إذا شاركت دول الخليج والدول الغربية في العملية.

"العمال السوريون هم اليوم ركيزة أساسية في قطاعات البناء والزراعة، وإذا رحلوا، فإن الفجوة ستكون كبيرة".

وتكبد لبنان بسبب الحرب الأخيرة بين حزب الله وإسرائيل خسائر فادحة، إذ قُدرت كلفة الأضرار في قطاع السكن وحده بنحو 3 مليارات دولار، وفقا للبنك الدولي، بعد تدمير قرابة 100 ألف وحدة سكنية، معظمها في مناطق نفوذ حزب الله.

ومع سريان اتفاق وقف إطلاق النار، تصدر ملف إعادة الإعمار في لبنان الواجهة، لكن المجتمع الدولي وضع شرطا أساسيا: لا مساعدات من دون تنفيذ القرارات التي تنص على نزع سلاح حزب الله. وكانت الرسالة من الدول الغربية والعربية واحدة: المساعدات مرهونة بفرض الدولة سلطتها الكاملة على السلاح.

تداعيات في قطاع البناء.. وأكثر

يقول جميل طالب، رئيس نقابة عمال البناء في شمال لبنان، إن العمال السوريين يهيمنون على وظائف "البيتون، والقصارة، والتركيب"، وهي أعمال لا يقبل بها كثير من اللبنانيين بسبب قلة الأجور وظروف العمل القاسية. 

"إذا غادروا جميعا، سيكون لذلك تأثير كبير على القطاع،" يضيف في حديثه مع موقع "الحرة".

المفارقة، بحسب طالب، أن إعادة الإعمار في سوريا قد تدفع بعض العمال اللبنانيين أنفسهم إلى الهجرة نحو سوريا بحثا عن فرص أفضل، ما سيُفاقم أزمة العمالة محليا.

يقول الأسمر، من جهته، إنه التقى قبل يومين وفدا من الاتحاد العام للعمال السوريين، بحضور عدد من رجال الأعمال اللبنانيين الذين يعتمدون على اليد العاملة السورية، وتطرق النقاش إلى إمكانية التعاون بين الشركات اللبنانية والسورية خلال المرحلة المقبلة.

ولكن "لا شيء ملموسا بعد، وعلينا الانتظار لمعرفة الاتجاهات،" يقول الأسمر، "لكن لا شك أن إعادة الاعمار في سوريا تسرّع عودة السوريين غير المرتبطين بأعمال دائمة وورش مستمرة في لبنان".

ويرى الخبير الاقتصادي، البروفيسور جاسم عجاقة، أن التحدي أكبر من قضية عمالة. "إذا انطلقت الاستثمارات في سوريا، لا سيما في قطاعات النفط والبنية التحتية والإسكان، فسوف تجذب رؤوس الأموال والعمال معا". 

ويضيف أن "تقديم المفوضية العليا لشؤون اللاجئين مساعدات للسوريين في بلادهم قد يشجع مزيدا منهم على العودة".

ويحذر عجاقة من أن لبنان، المعتمد بشكل كبير على العمالة السورية في قطاعات الزراعة والبناء والصناعة، قد يواجه نقصا حادا إذا ما غادر السوريون فجأة.

شمع أحمر

خلال  السنوات الماضية، شنت السلطات اللبنانية حملات صارمة على العمال السوريين غير النظاميين، بهدف الحد من وجودهم في سوق العمل، ودفعهم إلى العودة. وشملت هذه الحملات مداهمات، وتوقيفات، وحتى إقفال مؤسسات بالشمع الأحمر.

وبحسب الوكالة الوطنية للإعلام حينها، فإن الإجراءات شملت "ملاحقة مخالفات الإقامة والعمل، من خلال الكشف على المحال التي يملكها أو يديرها سوريون للتحقق من أوضاعهم القانونية، والتأكد من وجود كفيل لبناني." كما تم التحقق من تسجيلهم في المفوضية، التي تحظر عليهم العمل قانونيا.

وأثارت هذه الحملات جدلا واسعا في لبنان. فبينما رأى فيها البعض خطوة ضرورية لحماية العمال اللبنانيين، اعتبرها آخرون قاسية ومجحفة بحق اللاجئين السوريين.

الأسمر أوضح أن تلك الإجراءات جاءت نتيجة الاحتكاك الكبير بين العمال اللبنانيين والسوريين. "في كثير من الحالات، حلّ السوريون محل اللبنانيين، وحتى أصبحوا يديرون بعض المؤسسات، ما خلق توترا واضحا".

ودعا طالب، من جانبه، إلى إنهاء ما سماه "منافسة اليد العاملة الأجنبية"، وطالب بإدراج عمال البناء في الضمان الاجتماعي وتطبيق قانون العمل عليهم.

هل يخسر لبنان دوره التاريخي؟

في العمق، هناك قلق يتجاوز العمالة: هل يفقد لبنان دوره الاستراتيجي كبوابة اقتصادية إلى الخليج؟ 

يجيب عجاقة بحذر: "رفع العقوبات عن سوريا قد يعود بفائدة على لبنان على المدى الطويل، لكن في المدى القريب، قد يتراجع دوره الاقتصادي والاستراتيجي إذا لم ينفذ الإصلاحات المطلوبة منه".

وأعرب الأسمر عن أمله في أن تثمر زيارات المسؤولين اللبنانيين إلى دول الخليج والدول الغربية في الحصول على دعم مالي للبنان، لكنه أشار إلى أن "التركيز يبدو حاليا على إعادة الإعمار في سوريا".

بين رحيل العمالة وغياب الإصلاحات، يقف لبنان عند مفترق طرق اقتصادي حاسم. والسؤال هو: هل سيتكيّف مع المتغيرات أم يترك زمام الأمور للأقدار؟