حوادث السير قتلت أشخاصا أكثر من انفجار مرفأ بيروت في العام ذاته
حوادث السير قتلت أشخاصا أكثر من انفجار مرفأ بيروت في العام ذاته

بينما تسبب انفجار مرفأ بيروت عام 2020 بمقتل نحو 220 شخصاً وإصابة أكثر من 7 آلاف بجروح، سجل العام نفسه مقتل 412 شخصاً وجرح 4173 شخصاً في لبنان، على يد قاتل صامت، لم يُصدر الضجيج نفسه لأكبر انفجار غير نووي في التاريخ، لكنه قتل أكثر منه، ولا يزال يفتك باللبنانيين بوتيرة مستمرة حتى اليوم. 

حوادث السير تسببت، في شهر يوليو الفائت لوحده، بمقتل أكثر من 40 شخصاً وإصابة نحو 210 بجروح مختلفة، فيما سجل شهر أغسطس الجاري، في نصفه الأول فقط، سقوط 10 قتلى، ليتجاوز عدد ضحايا، عام 2022، 180 قتيلاً ونحو 300 جريح، وفق الأرقام التي تنشرها غرفة التحكم المروري، التابعة لقوى الأمن الداخلي في لبنان. 

عكست هذه الأرقام واقعاً كارثياً تعيشه السلامة المرورية في لبنان، ودفعت الجمعيات والجهات المعنية في لبنان لرفع الصوت عالياً في سبيل التحذير من "المأساة"، المرجح استمرارها وتدهورها، في ظل الظروف التي يشهدها لبنان، حيث يقاسي منذ ثلاث سنوات إحدى أسوأ الأزمات الاقتصادية والمالية المسجلة في تاريخ العالم، والتي تنعكس على كافة الأصعدة في البلاد، بما فيها السلامة المرورية. 

القاتل الأول

في كل المراحل التي مرت على لبنان، بقيت حوادث السير تمثل القاتل الأول للبنانيين، بحسب ما يؤكد رئيس الأكاديمية اللبنانية الدولية للسلامة المرورية، كامل إبراهيم، حيث "لا الجرائم ولا المخدرات ولا الأحداث التي شهدت قتلاً في لبنان، كان ضحاياها أكبر من عدد ضحايا حوادث السير، التي دائما ما تسجل أرقاماً مضاعفة عن كل ما سواها من حوادث، لاسيما لدى الفئات الشابة في لبنان، التي تقتل بالحوادث أكثر مما تموت بالأمراض والسرطانات والعوارض الصحية".

وفي هذا السياق، تشير البيانات والإحصائيات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية، أن حوادث السير تتسبب سنوياً في مقتل أكثر من 1.3 مليون شخص وتلحق إصابات بليغة يتراوح عددها ما بين 20 و50 مليون شخص حول العالم، وتبقى حوادث الطرق السبب الأول للوفيات بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاماً.

وتُقدَّر التكلفة المادية لحوادث الطرق بثلاثة إلى خمسة في المئة من الناتج الإجمالي المحلي، وتؤدي إلى وقوع الكثير من الأسر في هاوية الفقر، وفق المنظمة الأممية. 

من جهته، يرى نائب رئيس منظمة "yasa" المعنية بالسلامة المرورية على الطرقات، جو دكاش، أن الأعداد المسجلة لضحايا حوادث السير في لبنان، لا تسجل في المقابل إلا خلال الحروب والهجمات الإرهابية والكوارث، "حتى فيروس كورونا، الذي أدى إلى مقتل نحو ستة ملايين شخص حول العالم في ثلاث سنوات، بقي عداده منخفضا عن عداد ضحايا حوادث السير".

ويضيف في حديثه لموقع "الحرة" أنه "إذا ما جمعنا عدد ضحايا جرائم القتل والانتحار والمخدرات التي يشهدها لبنان في رقم واحد، لا يتجاوز عدد ضحايا حوادث السير في لبنان خلال الشهر، خاصة أن هذه الحوادث مستمرة بالحصول بشكل دائم على مدى الأيام والأشهر والسنوات".

وبناءً على مساحة طرقات لبنان الصغيرة وعدد سكانه، يقول دكاش: "إذا ما احتسبنا عدد القتلى بالنسبة إلى عدد الكيلومترات المقطوعة، يمكن القول إن لبنان يسجل واحداً من أعلى معدلات ضحايا حوادث السير في الشرق الأوسط، وقد يكون من بين أعلى الدول عالمياً".

تأثيرات الأزمة 

وكان لبنان قد حقق خلال السنوات السابقة لاندلاع أزمته، تقدماً ملحوظاً على صعيد السلامة المرورية، بدءا من إقرار قانون سير جديد (2012) إضافة إلى أداء السلطات اللبنانية في تطبيقه، والوعي الاجتماعي بقوانين السير ومعايير السلامة. 

إلا أن الأزمة التي اندلعت عام 2019، أطاحت بكل الجهود المتراكمة وعادت بواقع السلامة المرورية في لبنان إلى الفوضى التي كانت سائدة خلال حقبة التسعينيات، وفق ما يشير دكاش، لا سيما وأنها قضت على أركان أساسية من معايير السلامة المرورية. 

أبرز تلك المعايير يتمثل في أهلية الطرقات واستيفائها لشروط السلامة، ويشرح دكاش أن الأزمة الاقتصادية أدت إلى تراجع عمليات صيانة الطرقات وتجهيزها، لا سيما لناحية غياب الإشارات الضوئية والمرورية والإنارة ليلاً، "ما أدى إلى حوادث خطرة ومميتة". 

وقد توقفت عشرات الإشارات المرورية عن العمل في شوارع وتقاطعات العاصمة اللبنانية وباقي مدن البلاد، فيما تنعدم الإنارة بشكل شبه كلي على الطرقات الرئيسية والفرعية والطرقات الدولية السريعة، الأمر الذي ضاعف من مخاطر الحوادث. 

يلفت دكاش إلى أن منظمة "yasa" "بذلت مجهوداً ضخماً على صعيد إقرار القوانين وحضور القوى الأمنية وحملات التوعية للمواطنين بهدف الالتزام بإشارات السير، اليوم تغيب إشارات السير نهائياً بعدما قطعنا شوطا كبيراً وحققنا نتائج متقدمة جداً، عدنا إلى نقطة الصفر، مما فرض وضع عناصر لقوى الأمن مكان هذه الإشارات المتعطلة، إلا أن عديد قوى الأمن لا يكفي لوضع شرطي على كل إشارة، لذلك نشهد حوادث سير خطرة ومميتة على التقاطعات والإشارات".

هذه المشكلة ترتبط بشكل مباشر بأزمة الطاقة الكهربائية التي يعاني منها لبنان، وفق ما يؤكد إبراهيم في حديثه لموقع "الحرة"، مشيراً إلى أن هذه المشكلة "للأسف ستستمر لمدة أطول طالما ان أزمة انقطاع الكهرباء في البلاد مستمرة بلا حل".

ويضيف أن الأزمة أثرت بشكل كبير على صيانة الطرقات وتعهداتها، التي تعاني من مشاكل منذ ما قبل الأزمة أصلاً، "حيث كانت الصيانة في لبنان تنطلق من مبدأ خدماتي زبائني يتعلق بحسابات سياسية وانتخابية وليس انطلاقاً من حاجات السلامة المرورية فكانت النتيجة تزفيت بلا تخطيط أو تأهيل كما يلزم". 

ويلفت الخبير بالسلامة المرورية إلى أن "أي طريق يخضع اليوم للإصلاح يجب أن يراعي السلامة المرورية من ناحية الإضاءة وعدم وجود الحفر والإشارات المرورية وسهولة القراءة، ومخططة كما يجب، بوجود العاكسات الضوئية، وبالتالي طالما أن الدولة عاجزة عن تأمين كل هذه المستلزمات ستبقى الطرق غير مطابقة لمواصفات السلامة وستبقى المخاطر وسترتفع خلال فصل الشتاء بسبب تأثير الأحوال الجوية". 

تأثير آخر للأزمة، ينعكس بشكل واضح على سلامة التنقل، يتمثل في ارتفاع كلفة صيانة المركبات والسيارات بالنسبة إلى المواطنين اللبنانيين، وبرأي إبراهيم "لم يظهر بعد التأثير الكامل للأزمة الاقتصادية على السلامة المرورية، فتداعيات الأزمة ستبدأ بالظهور مع الشتاء القادم، لكوننا نعيش في بلد الناس فيه باتت عاجزة عن تحمل تكلفة صيانة سياراتها المرتفعة بالدولار، مثلا المكابح والميزانية والزيت، هذه الأمور كانت تخضع لصيانات دورية، لم يعد ذلك بمقدور معظم اللبنانيين".

مركبات غير مؤهلة 

وما زاد الطين بلة، وفق إبراهيم، كان توقف المعاينة الميكانيكية التي كانت تجري فحصا شاملا للسيارة وتقدم لصاحبها تقريراً بأولويات الصيانة وقطع غيار لتكون صالحة للسير ومطابقة للمعايير، "هذا الأمر لم يعد يحصل الآن ليصبح إهمال الصيانة أكبر". 

وكان وزير الداخلية والبلديات اللبناني، بسام المولوي، قد أصدر قرارا بوقف نهائي لعمل المعاينة الميكانيكية منذ 20 مايو الماضي، وذلك بسبب استمرار الشركة المتعهدة بالعمل في المعاينة خلافاً للقانون، على الرغم من انتهاء عقدها منذ عام 2015. 

توقف المعاينة التي كانت رادعاً في مكان ما، أدى إلى وجود سيارات غير مؤهلة للسير على الطرقات، وفق دكاش، الذي يرى أن الانعكاس الأكبر للأزمة سيبدأ بالظهور "حينما يبدأ الناس بشراء واستخدام مركبات غير مطابقة لشروط السلامة، أو اللجوء أكثر نحو الدراجات النارية لتوفير المحروقات، وهو ما يشكل خطراً أكبر في بلد يفتقد إلى البنية التحتية الآمنة لهذه المركبات".

ويضيف دكاش أن "الناس باتوا يلجؤون إلى أساليب تنقل أكثر خطورة بدافع التوفير أيضاً، كركوب عائلة كاملة من أربعة أو خمسة أشخاص على دراجة نارية مخصصة لشخصين، والأخطر أن ينتقل هذا الأسلوب إلى وسائل النقل من فانات (باصات صغيرة) وسيارات أجرة ومركبات نقل الطلاب والموظفين وغيرها مما يزيد من المخاطر والتأثير على السلامة المرورية". 

يقول دكاش: "كنا نرى في السابق هذه الظاهرة لا سيما على الدراجات النارية، لكنها كانت ظاهرة، اليوم تكاد تصبح القاعدة بعدما بات العدد أكبر بكثير".

ويضيف "كذلك الأمر بالنسبة للتوك توك، وهي وسيلة نقل لم تكن موجودة في لبنان وباتت اليوم رائجة وتستخدم أيضاً بطريقة خاطئة في ظل عدم أهلية الطرقات اللبنانية لها، وهذا يعود لثقافة الشخص الذي يقود والذي يركب معه، وإلى غياب الرقابة والمحاسبة من ناحية أجهزة الدولة اللبنانية، وهذا الأمر هو نتيجة مباشرة للأزمة".

الشاحنات.. قنابل موقوتة

وينسحب غياب الصيانة والرقابة على شاحنات النقل الكبيرة، التي تحولت خلال الأشهر الماضية إلى قنابل موقوتة تتنقل على طرقات لبنان، متسببة بمجازر بكل ما للكلمة من معنى كان أبرزها في منطقة عرسال التي شهدت، الشهر الماضي، مقتل ثمانية أشخاص من عائلة واحدة إضافة إلى وقوع أضرار كبيرة بعدما فقد السائق سيطرته على الشاحنة نتيجة الحمولة الزائدة. 

ويشهد لبنان فوضى في حركة الشاحنات على الطرقات، تتمثل في الحمولة الزائدة وعدم الصيانة وعدم الالتزام بأوقات السير على الطرقات، وسلوك الطرقات المؤهلة للشاحنات الكبيرة.

في الماضي، كان سائق الشاحنة يقوم برحلتين في اليوم الواحد ويتسبب بحوادث، بحسب دكاش، "لكن المشكلة اليوم باتت أن سائق الشاحنة يحاول نقل بضاعة رحلتين في رحلة واحدة بحمولة زائدة، في ظل عدم صيانة للشاحنة، مما رفع من أخطار وأضرار الحوادث المسجلة للشاحنات على الطرقات، فيما لا يلتزم أحد بأوقات سير الشاحنات، تجدها تسير في أيام عطلة الأسبوع وفي الليل والنهار وعلى طرق دولية وفرعية". 

ويضيف دكاش "كل ذلك وسط انعدام للرقابة ناتج بدوره عن نوع من المراعاة لأوضاع اللبنانيين وأصحاب المصالح والشاحنات، وقوى الأمن اليوم في حيرة من أمرها وفي موقف لا تحسد عليه، ففي النهاية العناصر هم من الشعب ويعرفون الأوضاع التي تمر على الناس في لبنان، لذا يتساهلون ويسعون لعدم قطع أرزاق الناس، ولكن في الوقت ذاته هناك خطورة وهناك أرواح تزهق بسبب ما يجري".

لا حسيب ولا رقيب

"غياب الدولة" الذي بات شعاراً عاماً في لبنان، ينسحب أيضاً على ملف السير والسلامة المرورية، ووفقاً لإبراهيم، "هناك تراجع لناحية تطبيق القانون، وهذه مسؤولية القوى الأمنية التي تعاني اليوم من تأثيرات الأزمة الاقتصادية بدورها، فعناصرها يتقاضون رواتب باتت رمزية، فيما يعانون من نقص فادح في التجهيزات واللوجستيات اللازمة لتطبيق القانون على الأرض".

من جهته، يشرح دكاش أن "الإنسان بطبعه يميل إلى الفوضى والالتفاف على القوانين، ما يفرض وجود المعنيين بتطبيق القانون، ولكن انعكاس الأزمة الاقتصادية على هذه الجهات قلل من عديدها من جهة، ومن جهة الناس يفقد القانون والسلطات هيبتهم، فيما عدد المحاضر والمخالفات آخذ بالانخفاض، وبالتالي هناك غياب واضح للمحاسبة".

ويلفت إلى أن "قانون السير المحدَّث والذي يعتبر جيداً جداً من حيث مواده، لم يطبق منه إلا ما يتعلق بالغرامات، وما أجريناه من تحديثات على قانون السير بقي دون تطبيق جدي، مدرسة تعليم القيادة مثلاً، بدأ تطبيقها في فترة معينة ثم توقفت نهائياً اليوم، ورغم أننا حققنا تقدماً كبيراً على صعيد المؤهلات والمعرفة المطلوبة لإصدار رخص القيادة، عدنا وتراجعنا منذ ثلاث سنوات، وبات هناك من يقود بلا رخص وبلا نمر حتى، فإذا ما فقدت سيارة رقمها لم يعد هناك مجال لإصدار لوحة جديدة بفعل إقفال مراكز النافعة نتيجة الإضرابات، السيارات ما عادت تسجل ولم يعد هناك مرجعية لها، كل ذلك زاد من المشكلة".

في المقابل، يشدد مصدر في قوى الأمن الداخلي، فضل عدم الكشف عن هويته، أن قوى الأمن لا تزال تقوم بمهماتها فيما يتعلق بالسلامة المرورية، رغم العوائق والتحديات التي تواجهها المؤسسة نتيجة الأزمة المالية للدولة اللبنانية. 

"رادارات السرعة التابعة لقوى الأمن لا تزال تعمل بشكل طبيعي، وكل يوم يسجل مخالفات بالجملة، وبالتالي القوى الأمنية لا تزال تقوم بواجباتها"، بحسب ما يقول المصدر، ويضيف "لكن في الوقت نفسه هناك مراعاة للوضع الاقتصادي للمواطنين، ولبعض الحالات في بعض المراحل الزمنية، مثلا إبان الاحتجاجات وإقفال الطرقات والإضرابات وإغلاق الإدارات الرسمية".

ورغم النقص في الميزانيات، يشير المصدر إلى أن قوى الأمن لا تزال تسير دورياتها بوتيرة مقبولة، وتطبيق قانون السير لا يتطلب آليات كبيرة أو تجهيزات، إذ يكفي وضع دراجة في نقطة ما ليقوم بمهمته، لكن المشكلة الكبيرة في واقع السلامة المرورية تكمن في تأثير الأزمة على الإدارات المعنية بصيانة الطرقات وتجهيزها وإنارتها وهذا ليس من مسؤولية القوى الأمنية".

حوادث قاتلة

تشير الأرقام التي حصل عليها موقع "الحرة" من قوى الأمن الداخلي إلى أن أعداد الحوادث المسجلة، منذ مطلع هذا العام حتى الشهر الخامس منه، تراجعت عن الفترة نفسها من العام الماضي بنسبة 37 في المئة، حيث سجل 740 حادثاً، مقابل 1177 العام الماضي.

ويشرح إبراهيم في حديثه لموقع الحرة أن الأزمة الاقتصادية حملت نتيجة إيجابية تمثلت في تراجع حركة التنقل، نتيجة التكلفة المرتفعة التي بلغتها، وقبلها أزمة انقطاع المحروقات، وسبقتهما جائحة كورونا، ما انعكس انخفاضاً في أعداد حوادث السير، لكون المخاطر دائماً ما ترتبط بالتنقل، وصحيح أن أرقام قوى الأمن الداخلي ترصد انخفاضاً بأعداد الحوادث، ولكن علميا لا تجوز المقارنة المطلقة دون الأخذ بعين الاعتبار أنها انخفضت للأسباب المذكورة سابقاً.

لكن كان لافتاً تسجيل نسبة أعلى من الحوادث المميتة في المقابل، فبحسب دكاش، "مشكلتنا اليوم لا تتعلق فقط بعدد الحوادث، بل بالمستويات الخطيرة التي باتت تبلغها الحوادث ونتائجها المفجعة، فراغ الطرقات زاد من معدلات السرعة عليها، خاصة بالنسبة لمن يحبون السرعة حيث وجدوا في الطرقات الأقل ازدحاما فرصة لزيادة سرعاتهم أثناء التنقل".

يوافق المصدر الأمني على أن انخفاض أعداد الحوادث المسجلة ناجم عن تراجع حركة التنقل بسبب ارتفاع التكاليف، وأن تراجع التنقل أدى إلى فسح المجال أمام السرعة الزائدة، مشيراً إلى أن "السلامة المرورية هي عبارة عن حزمة من العوامل من شأن وجود خلل في أي عنصر من عناصرها أن ينعكس على مجمل واقع السلامة على الطرقات، وبالتالي كل تأثيرات الأزمة تنعكس بشكل واضح وجلي".

مسؤولية مشتركة

وإلى جانب مسؤولية السلطات، يشدد الخبراء على أن الوعي الفردي لدى المواطن يمثل جزءاً بالغ الأهمية من عناصر السلامة المرورية، لكن المشكلة في هذا المكان تكمن في "الثقافة العامة" للبنانيين. 

وبحسب إبراهيم، الأهل أول نموذج أمام الأبناء، "وكلنا نعلم أن آباءنا لم يكونوا بشكل عام ملتزمين بحزام الأمان ولا بإشارات السير ولا بعدم التحدث على الهاتف أثناء القيادة، ثم ينتقل الفرد إلى المدرسة حيث ما من مادة توعوية يدرسها الطالب اللبناني في كل المراحل التعليمية تتعلق بالسلامة المرورية وقوانين السير وإشاراته، ثم لا يحصل على التثقيف اللازم قبل الحصول على رخصة السوق، وبالتالي المشكلة مرتبطة بانعدام الاستراتيجية الوطنية المتعلقة بالتربية والتثقيف على السلامة المرورية، وهذا الأمر ضروري بقدر ما هو إصلاح الطرق وتأهيلها". 

"المشكلة أننا كلنا نعيش وضع البلد ونعرف إمكانياته، الدولة عاجزة عن تأمين المحروقات والقمح وأبرز الحاجات الرئيسية بالتالي لا نعول كثيراً على معالجات وإصلاحات كبيرة وجذرية لواقع السلامة المرورية وحال الطرقات في لبنان"، بسحب ما يقول إبراهيم. 

ويختم محذراً من أن "الأولويات المعيشية الداهمة على اللبنانيين، جعلت السلامة المرورية متأخرة جداً على سلم الأولويات أيضاً، ما يشير إلى تعمق للمشكلة ومخاطر أكبر قد نكون مقبلين عليها".

مطار بيروت

لأعوام طويلة، حول حزب الله مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت إلى معبر تهريب لحقائب العملة الصعبة والذهب والسلاح، في تجاوز صارخ لسلطة الدولة اللبنانية. 

اليوم، ومع تصاعد الضغوط الداخلية والدولية، تعمل السلطات اللبنانية على إعادة فرض هيبتها على هذا المرفق الحيوي، في مسعى لضبط الوضع الأمني وفرض السيادة على أحد أبرز منافذ البلاد.

وفي هذا السياق، أطلقت الحكومة اللبنانية سلسلة إجراءات أمنية وإدارية، شملت منع هبوط شركات الطيران الإيرانية، وإجراء تغييرات أمنية داخل المطار، إضافة إلى فصل عشرات الموظفين للاشتباه بانتمائهم إلى حزب الله، وفقا لتقارير. 

وكثّفت السلطات عمليات التفتيش ووسّعت دائرة المراقبة على الشحنات الواردة والصادرة، سعيا لكبح أي نشاطات مشبوهة.

وترافق ذلك مع حملة دبلوماسية قادها لبنان لطمأنة المجتمع الدولي بالتزامه بمكافحة التهريب وتجفيف منابع التمويل غير المشروع، في مسعى لاستعادة الثقة الدولية بلبنان.

إجراءات صارمة؟

وأسفرت سلسلة عمليات أمنية في المطار عن إحباط تهريب أموال وذهب في الآونة الأخيرة، يشتبه في ارتباطها بحزب الله، وكان أحدثها قبل أيام عندما ضبطت السلطات شحنة ذهب، نفى النائب في البرلمان اللبناني عن حزب الله حسن فضل الله، أن تكون مرتبطة بالحزب.

وفي فبراير الماضي، أعلنت وزارة المالية اللبنانية عن ضبط مليونين ونصف مليون دولار مع أحد المسافرين القادمين من تركيا.

وفي هذا السياق، أجرى رئيس الحكومة نواف سلام في 13 مايو جولة تفقدية في المطار برفقة وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني، واجتمع مع قائد جهاز أمن المطار العميد فادي كفوري وعدد من المسؤولين. 

واطلع سلام على سبل تعزيز الأمن وتسهيل حركة المسافرين.

"الإجراءات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية في مطار بيروت الدولي ماثلة للعيان ويلاحظها جميع رواده من لبنانيين وأجانب، مغادرين أو واصلين"، يقول المحلل السياسي الياس الزغبي.

ويضيف أن تلك الإجراءات "أمنيّة وإدارية وتنظيمية وسياحية مشددة، ولكنها خاضعة لمزيد من الاختبار والمتابعة لئلّا تكون ظرفية أو طارئة تعود بعدها الفوضى ويستشري الفلتان كما كانت عليه الأمور سابقا".

ولاقت الإجراءات المتخذة في المطار "ارتياحا خارجيا وداخليا"، وفق ما يقوله الزغبي لموقع "الحرة"، "وهذا ما شجع بعض الدول الخليجية على السماح لمواطنيها بالمجيء إلى لبنان بعد احتجاب سنوات، ما يؤدي إلى صيف سياحي واعد في حال استمرار الهدوء في الربوع اللبنانية".

ويرجح الزغبي انزعاج حزب من هذه التدابير "لأنها أقفلت في وجهه باباً أساسياً من أبواب تهريب الأموال والمخدرات وحتى الأسلحة، خصوصاً بسبب منع الطائرات الإيرانية من الهبوط".

ورغم الضغوط التي يمارسها حزب الله على الدولة وأجهزتها لوقف هذه الإجراءات "تتابع السلطات السياسية والأمنية مهمتها لأن المسألة بالغة الجدية للعرب والعالم ولا تستطيع هذه السلطات التهاون فيها".

تحديات قائمة

تواجه مطار بيروت ثلاث مشكلات رئيسية، وفقا للخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد ناجي ملاعب، وهي تتراوح بين التحديات الأمنية والثغرات اللوجستية والإدارية، قد تنعكس على الأمن العمليات وسيرها.

يشير ملاعب في حديث لموقع "الحرة" إلى أن الموقع الجغرافي للمطار يشكل تهديداً أمنياً بالغ الأهمية.

"يقع المطار في الضاحية الجنوبية لبيروت، وهي منطقة ذات نفوذ شيعي، مما يجعل السيطرة الأمنية خاضعة لتأثير مباشر من قوى الثنائي الشيعي".

ويضيف "رغم إزالة الإعلانات التابعة لحزب الله على الطرق المؤدية إلى المطار، فإن ذلك لا يعني خروج المنطقة من نطاق السيطرة الفعلية".

ويشير ملاعب إلى أن "الجيش اللبناني اضطر في فترة معينة إلى فتح مسار بديل عبر منطقة الشويفات لتسهيل دخول الموظفين، بعد تعذّر استخدام الطريق الرئيسي نتيجة إغلاقها على أيدي مسلحين، وتم تمرير الموظفين بمحاذاة المدرج تحت حماية عسكرية لضمان وصولهم".

وأشار ملاعب إلى أن "الإرث الذي خلفه التعاون بين الرئيس السابق ميشال عون وحزب الله أتاح للأخير نفوذا في المطار، تجلى في التعيينات وآلية سير العمل".

في ما يتعلق بالثغرات اللوجستية، انتقد ملاعب ضعف تقنيات المراقبة في المطار، مشيرا إلى أن "تطوير الأنظمة الأمنية يمكن أن يحد بشكل كبير من عمليات التهريب".

واتهم "بعض الموظفين الذين يعطلون الأجهزة بالتواطؤ لتسهيل مرور البضائع المهربة".

وعن التحديات الإدارية،يشدد على أن جهاز الجمارك يمثل "نقطة ضعف خطيرة"لأن "أي خلل في إدارة الجمارك يفتح الباب أمام عمليات التهريب، خاصة في ظل ضعف الإجراءات التقنية واللوجستية".

ويرى ملاعب أن هناك فجوة مالية صادمة في إيرادات المطار  إذ أن "قيمة الواردات اللبنانية في عام 2024 بلغت نحو 17 مليار دولار، بينما لم تتجاوز إيرادات الضرائب والجمارك 500 مليون دولار، رغم أنه كان من المفترض أن تصل إلى ملياري دولار".

يعتقد ملاعب أن "هذه الفجوة تكشف عن مافيات منظمة تستفيد من التهرب الضريبي بشكل ممنهج".

وفي سياق آخر، يشير ملاعب إلى أن إضرابات مراقبي الملاحة الجوية باتت تشكل تهديدا مباشرا لحركة الطيران وسلامة العمليات.

تحذير من التخريب

في تصريحات أدلى بها لقناة "الحرة" في مارس الماضي، شدد وزير الأشغال العامة والنقل في الحكومة اللبنانية، فايز رسامني، على أن حماية مطار رفيق الحريري الدولي تتصدر أولويات الحكومة، خاصة في ظل التحديات الأمنية الراهنة.

وأكد رسامني أن الحكومة اتخذت "كل الإجراءات الصارمة لضمان أمن المطار وسلامة المسافرين"، وأشار إلى أن الجهود الحالية تركز على تعزيز البنية التحتية الأمنية "بكل الإمكانيات المطلوبة".

وكشف الوزير عن خطة لاستبدال المعدات اليدوية في المطار بتقنيات حديثة لتعزيز الأمن، وقال إن المرافئ اللبنانية، بما فيها مرفأ بيروت، ستُزود قريباً بأجهزة ماسح ضوئي متقدمة. ولفت إلى أن هذه الأجهزة "لن تقتصر مهمتها على مكافحة التهريب، بل ستسهم أيضاً في زيادة إيرادات الدولة".

ومن المتوقع، وفقا للزغبي، "أن ينسحب النجاح في ضبط المطار على سائر المرافق البحرية والبرية ولاسيما مرفأ بيروت. كما أن الحدود مع سوريا هي موضع عناية مشتركة بين بيروت ودمشق تحت الرعاية الدولية، لكنها تحتاج إلى إجراءات أكثر صعوبة بسبب اتساعها والخروق المتعددة والمنتشرة عليها شرقاً وشمالاً. وتنتظر استكمال الاتفاقات المشتركة برعاية مباشرة من المملكة العربية السعودية التي جمعت الطرفين اللبناني والسوري في لقاءات تنسيقية مباشرة".

ويحذر الزغبي من أن حزب الله "قد يلجأ إلى محاولة تخريب هذه الإجراءات الجوية والبحرية والبرية كي يعيد إحياء مسالك التهريب التي كانت تدرّ عليه أموالاً هائلة، لكنه في الحقيقة بات مكشوفاً أمام الداخل والخارج وتراجعت قدرته كثيراً عسكرياً ولوجستياً، مع أنه لا يزال يسعى إلى تأمين سكك للتهريب عبر البر والبحر". 

ومع استمرار الرقابة المتشددة سيتكبد حزب الله مزيدا من الضعف والانكشاف. لكن العلاج التام للتهريب يتطلب كثيرا من الجهود الإضافية، لأن هذا التهريب قديم ومتجذر ولا يتم استئصاله بين ليلة وضحاها، يقول الزغبي.