المثلية/ لبنان
ليست المرة الأولى التي تثير الحفلات الترفيهية والغنائية الجدل في صيدا

سلّطت الأضواء في لبنان على مدينة صيدا الجنوبية، نتيجة خوض معركة دينية و"إلكترونية" ضد حفل ترفيهي كان سيقام يوم السبت القادم في واجهتها البحرية، ترافق ذلك مع حملة انطلقت  تحت شعار "مش طبيعي"، استهدفت المثليين على مدى نحو أسبوعين وذلك قبل المؤتمر الذي ستعقده، الخميس، القادم في قاعة البلدية.

تراجعت بلدية صيدا عن رعايتها للحفل الذي تنظمه شركة World of Business، بعد الهجوم الذي شن عليه، لاسيما من قبل أئمة المساجد، الذين اختاروا عنوانا موحدا لخطب صلاة الجمعة الأخيرة، ألا وهو "قبل أن تغرق المدينة"، أضاؤوا خلالها "على قيم صيدا وما يخطط ضدها لإغراقها وأهلها في الفسق والفجور".

بعد الضغوط التي مورست على الحفل الذي يتضمن فقرات متنوعة بين غنائية وكوميدية وعروضا فنية وألعابا نارية ومشاركة مشاهير التيك توك، ولتجنب وقوع أي سوء، اتخذت الشركة المنظمة قرار نقل مكانه إلى قاعة خاصة مع الإبقاء على تاريخه.

ليست المرة الأولى التي تثير الحفلات الترفيهية والغنائية الجدل في صيدا، حيث قالت الصحفية والباحثة في مؤسسة سمير قصير، وداد جربوع، ، "يتم رفع الصوت والتحريض من جهات دينية عند كل حفل غنائي يقرر إقامته بحجة الإساءة إلى المناخ الإسلامي للمدينة، كما حصل سنة 2016 في "مهرجانات صيدا الدولية"، حيث تمت دعوة الأهالي إلى توقيع عريضة لمنع إحياء المهرجان الذي تضمن أمسيتين، غنائية لنانسي عجرم، وموسيقية للعازف غي مانوكيان".

وقّعت العريضة حينها باسم "الناشط الإسلامي"، ومما جاء فيها "صيدا مدينة للإنشاد تستقبل فرقا لتلاوة القرآن أما نانسي عجرم وأمثالها فلا أهلا ولا سهلاً".

بين "الإنقاذ" والقمع

أحد الأئمة الذين هاجموا الحفل، هو الشيخ عبد الكريم علّوه، حيث قال في خطبة صلاة الجمعة في مسجد الفرقان "أكرمنا الله بالعيش في مدينة مباركة تشهد لها الأيام ويشهد لها التاريخ بالتزام أهلها بالحياء والحشمة والعفة والشهامة والكرم والمروءة والمحبة فيما بينهم، تتميز بكثير من المميزات عن غيرها من المدن والمناطق، سواء من الجانب الاجتماعي أو الدعوي أو العلمي أو الخيري أو غير ذلك".

وأضاف "ما زالت هي المدينة الوحيدة في لبنان التي ليس فيها مسبح مختلط بين الرجال والنساء، ليس فيها ملاه ليلية كغيرها من المدن، لا تُباع فيها الخمور علانية، مازال أهلها أصحاب شرف وعزّة وغيرة لا يرضون بظهور المنكر، لا تكاد تسمع عن معصية معينة ظاهرة أمام العيان وأمام الجميع إلا وتجد الصغير قبل الكبير والعاميّ قبل العالِم يسارع لإنكارها وفعل ما بوسعه حيث تظهر عليه علامات الغيرة والغضب، هذا حال أغلب أهل المدينة إلا من مات قلبه".

لكن المميزات التي تنعم بها المدينة وأهلها لا ترضي كما قال الشيخ علّوه "أهل الباطل" من هنا يجري "وضع خطط واستراتيجيات، وتعقد اجتماعات ولقاءات، وتنفق أموال من أجل التفكر في تفتيت كيان واجتماعية وقوة وغيرة ودين هذه المدينة، لكن الله بالمرصاد".

عانى الناس لأشهر وسنوات وكل يوم تزداد المعاناة في أمور من أساسيات وبديهيات الحياة، كما قال الشيخ "سواء على صعيد الغلاء أو على صعيد الكهرباء والمياه وغير ذلك، الكل ينادي بتغيير الحال وإذ نتفاجأ أن التغيير يكون بالدعوة لحفلات غنائية وراقصة مختلطة، فإذا كانت المدينة في رخاء فهذا مصيبة، فكيف إذا كانت تغرق والمشاكل فوق رأسها، والكل يبحث عن لقمة عيش".

وشدد "جزى الله خيرا المشايخ والعلماء والأئمة والخطباء الذين اجتمعوا، وقاموا بعدة وسائل وخطوات عملية ومنها خطبة موحدة بعنوان قبل أن تغرق المدينة، لأنها مع كل المصائب التي هي فيها، لم تغرق حتى الآن بالفساد بفضل الله، ومازال أهل الفساد في صيدا خائفين يترقبون يمنى ويسرى، أو على صعيد آخر، لا يتركون من قبل الدعاة إلى الله".

قبل أن تغرق المدينة كما وصف الشيخ علّوه "بالفساد والخمور والفجور والعري والشذوذ والمخدرات، وقبل أن يصبح المعروف منكرا والمنكر معروفا، قبل كل ذلك كانت هذه الخطبة".

بعد خطب صلاة الجمعة، تراجعت البلدية عن رعاية الحفل مبررة خطوتها من خلال بيان مقتضب قالت فيه "بعد التنسيق بين لجنة الأنشطة في بلدية صيدا وبين إدارة شركة World of Business تم الاتفاق ولأسباب تقنية ولوجستية على عدم إقامة الحفل في الملعب البلدي للمدينة، على أن تقوم الشركة المنظمة بنقله إلى مكان آخر".

موقع "الحرة" تواصل مع رئيس البلدية محمد السعودي، فصرّح أنه في إجازة لمدة شهر، طالبا التواصل مع نائبه إبراهيم البساط، الذي أكد خلال اتصال على ما جاء في البيان، قائلا "ارتأت البلدية مع منظم الحفل نقله إلى مكان آخر لأسباب لوجستية"، وعن هذه الأسباب اللوجستية أجاب "ما شي مهم"، نافيا أن يكون هجوم أئمة المساجد في خطب الجمعة على الحفل هو السبب، حيث شدد "لم أسمعها وكل شخص حرّ بقول ما يريد".

من جانبه أكد صاحب الشركة المنظمة للحفل عبد الكريم فواز، أن أسباباً لوجستية تقف خلف نقل الحفل المحدد بليلة واحدة من الواجهة البحرية إلى قاعة Edesia Venue، قائلا "الهدف الأساسي لقرارنا تجنب أي مخاطرة، سواء تمثلت باشكال أو غيره"، لافتا إلى الهجوم الكبير الذي تعرضت له الفنانة مايا نعمة المشاركة في الحفل، بسبب صور سابقة لها بالبيكيني وذلك خلال مشاركتها في مسابقات لكمال الأجسام، "على الرغم من أنها تعي تماما خصوصية المدينة، وبالتالي ما سترتديه خلال فقرتها الفنية".

يشدد فواز في حديث لموقع "الحرة" على أنه يحترم الرأي الآخر طالما هو ضمن الحدود، ويؤكد "نحرص على أن يكون كل ما نقوم به تحت سقف التقاليد والأخلاقيات والمجتمع اللبناني بشكل عام والصيدواي بشكل خاص".

وبغض النظر عن الخسائر التي تكبدتها الشركة  نتيجة اضطرارها إلى نقل مكان الحفل، فإن هدفها كما يقول فواز "نشر الفرح مع أخذ الحيطة والحذر، كي لا يتحول الحفل إلى مأساة، والبسمة إلى بكاء، في ظل التهديدات التي سمعناها".

"مش طبيعي"

لفت تزامن رفع بلدية صيدا رعايتها للحفل الترفيهي، مع إقامة مؤتمر في قاعتها يحمل عنوان "الشذوذ طبيعي أم انحراف؟!"، عن ذلك علّق البساط في حديث لموقع "الحرة" "البلدية لا ترعى المؤتمر، هو فقط سيقام في قاعتها بعد طلب منظميه ذلك، وذلك كأي نشاط يجري فيها، وليس من رابط بين الإثنين".

قبل مدة، أطلقت صفحة "مش طبيعي" على فايسبوك، حيث بدأت بطرح علامات استفهام من خلال منشورات، منها "شو هوي المش طبيعي؟!"، قبل أن تجيب بعد أيام بمنشور "الفطرة شي طبيعي، الشذوذ مش طبيعي"، و"وين ما تروح قول عن الشذوذ مش طبيعي"، ولم تقتصر الحملة هجومها على صفحات السوشيال ميديا بل تعدت ذلك إلى شوارع المدينة من خلال رفع يافطات اعلانية تروّيجية.

محاولات عدة أجراها موقع "الحرة" للحصول على تعليق من أعضاء الحملة ومنظمي المؤتمر، لكن من تم التواصل معهم رفضوا الحديث، إلى أن أكد الشيخ فادي رنو (من المنظمين) أن الأمر لا علاقة له بالرفض بل هي "سياسة إدارية.. من حقنا"، مؤكداً "كل الأسئلة ستتم الإجابة عنها في المؤتمر".

وزوّد الشيخ رنو موقع "الحرة" بمقطع تعريفي عمن يقف خلف الحملة، جاء فيه "نحن فريق تطوعي متنوع من مؤسسات وروابط وجمعيات ومجموعات من المجتمع المدني ولجان أهلية ومسجدية وثقافية، جمعتنا الرغبة في التوعية بمخاطر آفة الشذوذ والترويج لها، وبيان أثرها على الفرد والأسرة والمجتمع".

ويضيف المقطع التعريفي "انطلقنا من واجبنا الديني والإنساني والقيمي، لنلبي نداء الفطرة السليمة ونواجه هذه الآفة من خلال عرض الحقائق العلمية والشرعية بالحوار والكلمة الطيبة والخطاب العقلي"، ومن المقرر أن يناقش المؤتمر بحسب ما ورد في الدعاية الترويجية له، العنوان الذي يحمله أي "الشذوذ طبيعي أم انحراف؟!" وذلك من النواحي الدينية والطبية والنفسية والقانونية.

الهجوم على مجتمع الميم عين، ليس جديداً في لبنان، ففي شهر يونيو الماضي صوبت المرجعيات الدينية سهامها على أفراده، منهم مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان الذي جزم أن "دار الفتوى لن تسمح بتشريع المثلية الجنسية، ولا بتمرير مشروع الزواج المدني المخالف للدين الإسلامي ولكل الشرائع، هذه ثوابت دار الفتوى والمسلمين جميعاً في لبنان".

الضغط الذي مورس على وزير الداخلية اللبناني بسام مولوي من قبل المرجعيات الدينية، دفعه إلى توجيه كتاب في 24 يونيو الماضي، إلى مديريتي الأمن الداخلي والأمن العام طالباً منهما اتخاذ الإجراءات اللازمة على الفور لمنع أي نوع من الاحتفالات أو الاجتماعات أو التجمعات التي تروج لـ"الشذوذ الجنسي" كما وصف، مشيراً إلى أن هذه الظاهرة "تتعارض مع عادات وتقاليد مجتمعنا والمبادئ الدينية "رافضاً "التذرع بالحرية الشخصية".

لا يرى المدير التنفيذي لمؤسسة حلم، طارق زيدان، أن حملة "مش طبيعي" مستقلة عن الحملات التي أطلقت في مصر والكويت ضد مجتمع الميم عين في الأسابيع الماضية، والتي جرى حذفها من مواقع التواصل الاجتماعي كونها مبنية على خطاب الكراهية والخرافات، حيث أن الهدف منها خلق ذعر أخلاقي ووهمي من الفئات الأكثر تهميشاً في المجتمعات العربية".

 ويطرح زيدان في حديث مع موقع "الحرة" علامات استفهام حول توقيت هذه الحملة في لبنان، "ففي ظل الظروف الإقتصادية الصعبة يبدو واضحاً مدى التمويل الذي تحظى به، سواء من خلال تصميم الصور الترويجية أو الإعلانات على الطرق، فهل هذا التمويل محلي"؟ كذلك يطرح علامات استفهام حول مكان انعقاد المؤتمر الذي تنظمه الحملة قائلاً "لماذا اختيرت قاعة بلدية صيدا، لاسيما بعدما ألغت رعايتها لحفل ترفيهي"؟! 

"الحريات على المحك"

تشجع حملة "مش طبيعي" كما ترى جربوع "على خطاب الكراهية والتحريض ضد المثليين، وهي تأتي في سياق ملاحقة ومهاجمة مجتمع الميم عين، حيث شهدنا في الفترة الأخيرة تصاعد تلك الحملات، وتحديداً منذ شهر يونيو أي شهر الفخر، سواء كان ذلك في لبنان أو في عدد من الدول العربية، كحملة فطرة في مصر".

في الوقت الذي يطالب فيه مجتمع الميم عين كما يقول المدير التنفيذي لمؤسسة حلم "بحقوقه في التعليم والعمل والسكن والطبابة وعدم زج أفراده في السجون، ويتهم بأنه يعمل وفق أجندات خارجية، يوجه أصبع الإتهام إلى حملة (مش طبيعي) وغيرها من الحملات التي تشن ضد المثليين، بأنها مدعومة مادياً من إحدى الدول الخليجية التي أتحفظ عن ذكر اسمها كوني لا أملك حتى الآن أي اثبات على ذلك، وإلى حينه سنصدر بياناً تفصيلياً".

وأبدى زيدان تعجبه من عدم دعوة أي ناشط من مجتمع الميم عين لجلسة النقاش في المؤتمر، قائلاً "من غير المنطقي على سبيل المثال أن يعقد مؤتمر حول حقوق المرأة من دون وجود ولا سيدة لإبداء رأيها، وفوق هذا أصدرت الحملة حكمها مسبقاً على المثليين فما الذي ستناقشه بعد"؟!

أحد أهداف الحملات التي تشن على مجتمع الميم عين في لبنان بحسب ما يقوله زيدان "صرف الأنظار عن الواقع المعيشي المزري الذي يعاني منه غالبية اللبنانيين، وذلك نتيجة القرارات الإقتصادية التي تتخذها المنظومة بشقيها الديني والسياسي" ويشدد "كل الحريات في مرمى مدافع هذه السلطة، فالتهجم على المثليين هو الضربة الأولى لقصف مطالب الزواج المدني والقانون الموحد للأحوال الشخصية، وقد بدأ ذلك من خلال التحذير من خرافة زواج المثليين وسفاح القربى، في استخفاف غير محدود بعقول المواطنين".

وكانت الأمم المتحدة عبّرت في يونيو الماضي عن قلقها "إزاء تصاعد خطاب الكراهية وتزايد حالات التمييز والعنف تجاه أفراد مجتمع الميم والمنظمات التي تُعنى بهم في لبنان"، مشجعة "الحكومة اللبنانية على احترام التزاماتها الوطنية والدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، بما في ذلك الإلتزام بصون حقوق جميع الناس في حرية التجمّع والتعبير وتكوين الجمعيات، بغض النظر عن ميولهم الجنسية أو هويتهم الجنسانية أو تعبيرهم الجنساني أو خصائصهم الجنسية".

كما حثّت السلطات اللبنانية "على الوفاء بالتزاماتها بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي وقّع عليه لبنان، ومنع ممارسة التمييز على أساس الميل الجنسي والهوية الجنسانية والتعبير الجنساني".

تشكّل الحملات التي تشن على مجتمع الميم عين كما يشدد زيدان خطراً على أفراده "هناك عدد كبير منهم يقيمون في مختلف المناطق اللبنانية، فهم جزء من نسيج المجتمع وعنصر فعّال فيه، وبعد عمليات غسل عقول المواطنين ضدهم، نخشى على حياتهم لعدم استطاعتهم الدفاع عن أنفسهم في حال تعرضهم لأي نوع من أنواع الأذى"، وهو ما أكدته جربوع.

وتأسفت الباحثة في مؤسسة سمير قصير على "ممارسة المجتمع مختلف أشكال القمع لصالح تيارات التشدد والتطرف" وما هو متوقع كما تقول "ازدياد منسوب التضييق الفني والغنائي".

الحريات في لبنان على المحك، كما تؤكد جربوع، "يوميا نتفاجأ بمحطة جديدة من محطات القمع وتكميم الأفواه، وبخسارة معركة جديدة أمام التطرف والكراهية ورفض الآخر".

لبنان وسوريا

تحت أضواء ثريات ذهبية، وفي قمة حافلة باتفاقات تجارية، وبرمزية كبيرة، أدهش الرئيس الأميركي دونالد ترامب العالم من الرياض، بإعلان مفاجئ: الولايات المتحدة سترفع العقوبات عن سوريا.

تجمد الحاضرون لحظة، ثم ضجت القاعة بالتصفيق. 

لسنوات، عزلت العقوبات الأميركية نظام الأسد، ورسمت المعالم الجيوسياسية للمنطقة. لكن الآن، بإعلان واحد، بدأت الخريطة تتغير.

في بيروت، كان التأثير فوريا. إذ سارع رئيس الوزراء نواف سلام إلى إصدار بيان وصف فيه قرار ترامنب بأنه فرصة نادرة للبنان، البلد الذي ابتلعته دوامة الانهيار الاقتصادي، وحروب حزب الله. 

شكر سلام السعودية على دورها في التوسط في هذا الشأن.

في غضون ذلك، لمّح ترامب نفسه إلى رؤية أوسع.

"هناك فرصة في لبنان لتحرير نفسه من نفوذ حزب الله"، قال من على المنصة، "يمكن للرئيس جوزاف عون بناء دولة خالية من حزب الله".

كانت رسالة ترامب واضحة: تغيير واشنطن موقفها من سوريا له امتدادا تشمل لبنان أيضا.

ولكن ما الذي يعنيه هذا القرار حقا بالنسبة للبنان؟ 

رغم الأهمية البالغة لقرار الرئيس الأميركي، يشير الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، خالد أبو شقرا،أن ذلك "لا يعني بالضرورة رفع جميع العقوبات المفروضة على دمشق".

في حديث مع موقع "الحرة،" يوضح أبو شقرا أن العقوبات الأميركية تنقسم إلى نوعين "عقوبات تنفيذية يستطيع الرئيس إلغاؤها بقرار منه، وعقوبات تشريعية يفرضها الكونغرس، وأبرزها قانون قيصر الذي فرض على سوريا عام 2019".

"إلغاء قانون قيصر يتطلب تشريعا جديدا"، يضيف.

يعد قانون قيصر، وفق أبو شقرا، "من أشد القوانين تأثيرا على الاقتصاد السوري، إذ يمنع الاستيراد والتعامل بالعملة الصعبة، ويعزل سوريا عن نظام سويفت (SWIFT)، ما يعيق استيراد التقنيات المستخدمة في قطاعات حيوية مثل الطيران والصناعات العسكرية والكهرباء".

ويلفت أبو شقرا، من ناحية أخرى، إلى "معلومات تفيد بأن الرئيس الأميركي قد يتمكن من تجميد العقوبات المفروضة عبر قانون قيصر لفترة تصل إلى ستة أشهر، لكن رفعها بشكل نهائي يبقى من صلاحيات الكونغرس".

ويشير إلى أن "العقوبات الأوروبية المفروضة على النظام السوري، وشخصيات محددة، لا تزال قائمة، وتشمل أيضا شخصيات جديدة ظهرت في السلطة بعد سقوط نظام بشار الأسد".

تداعيات إيجابية

يرجح أبو شقرا أن يكون لقرار ترامب رفع رفع العقوبات عن سوريا تداعيات إيجابية على لبنان، على مستويات متعددة، أبرزها:

1-المساعدة في ما يتعلق باللاجئين السوريين في لبنان

يشير أبو شقرا إلى أن وجود حوالي مليون سوري في لبنان عبء اقتصادي كبير، تتراوحت كلفته السنوية بين مليار  و 1.3 مليار دولار سنويا، بينما كانت المساعدات الدولية أقل من ذلك بكثير. 

"عودة ولو جزء من هؤلاء اللاجئين إلى سوريا، ستخفف من الضغط على الاقتصاد اللبناني، وتسهم في تخفيف الأعباء المالية على الدولة اللبنانية.

2- تخفيف الضغط على العملة الصعبة

عاد السوريون إلى بلادهم، وتوقفت عمليات التحويل غير الرسمية، قد يتراجع الطلب على الدولار في السوق اللبنانية، ما يُسهم في استقرار سعر الصرف، ويخفف من الأعباء المالية على المواطنين اللبنانيين.

3- تسهيل استجرار الغاز المصري والكهرباء من الأردن

لطالما حالت العقوبات المفروضة على سوريا دون تفعيل مشروع استجرار الغاز المصري والكهرباء من الأردن. ومع رفع العقوبات، قد يعاد إحياء هذا المشروع الحيوي، ما سيتيح للبنان استجرار 300 ميغاوات من الكهرباء من الأردن، بالإضافة إلى تشغيل معمل دير عمار بقدرة 500 ميغاوات، ما سيرفع التغذية الكهربائية في البلاد إلى حوالي 800 ميغاوات.

4- مشروع خط النفط من العراق

ناقش الوفد الوزاري اللبناني، الذي زار دمشق حديثا، وضم وزير المالية ياسين جابر، إمكانية إعادة تفعيل مشروع خط النفط من كركوك إلى بيروت أو دير عمار. يتيح هذا المشروع للبنان في حال تنفيذه استيراد النفط الخام من العراق وتكريره في البلاد، ما سيعزز الإيرادات عبر تصدير النفط المكرر إلى الخارج، ويحقق إيرادات كبيرة لخزينة الدولة.

5- عودة الشركات اللبنانية للاستثمار في سوريا

هناك أيضأ إيجابيات تتعلق بإمكانية عودة الشركات اللبنانية للاستثمار في سوريا، إذ قد تستقطب سوريا الكفاءات اللبنانية من مهندسين ومحامين وغيرهم. العديد من هؤلاء اكتسبوا خبرات واسعة خلال فترة الأزمة السورية، ما قد يسهم في إعادة الإعمار في سوريا عند رفع العقوبات.

6- ازدهار العقارات في الشمال اللبناني

يُتوقع أن تشهد مناطق الشمال اللبناني ازدهارا بسبب زيادة الطلب على الإيجارات والعقارات. قد تختار بعض الشركات أن تتخذ لبنان مركزا لانطلاق عملياتها في سوريا، وتحديدا لاستقبال موظفيها وطواقمها التنفيذية، ما سيرتفع الطلب على العقارات والشقق الفندقية والمكاتب في هذه المناطق.

ووفقا لوزير المالية اللبناني ياسين جابر فإنّ "قرار رفع العقوبات عن سوريا يشكّل أيضاً دفعاً ايجابياً في انعكاساته على مستوى ما يقوم به لبنان من تحضيرات لتأمين عبور النفط العراقي الى مصفاة طرابلس وخط الفايبر أوبتيك وكذلك لخط الربط الكهربائي الخماسي وتأمين نقل الغاز والكهرباء من مصر والأردن إلى لبنان".

وأضاف جابر في بيان "سنستمر في اتصالاتنا مع الاشقاء العراقيين لإنجاز كل الاجراءات والاعمال للتعجيل في إتمام التجهيزات المطلوبة على هذا الصعيد، كما أننا سنعمل على تفعيل كل ما يخدم الاقتصاد اللبناني والإفادة من رفع الحصار عن سوريا من حركة نقل وترانزيت من لبنان نحو دول المشرق والخليج العربي وسواها، باعتبارها منفذاً حيوياً واساسياً مساعداً في عملية الإعمار والاستنهاض الاقتصادي ككل".

بين الإصلاح والإخفاق

قد يشكّل رفع العقوبات عن سوريا فرصة ذهبية للبنان، "لكن ذلك يتطلب إصلاحات جذرية في قطاعات حيوية ما زالت تحتكرها الدولة، مثل الاتصالات والكهرباء والمياه والنفايات، مما يعيق دخول القطاع الخاص ويحدّ من فرص الاستثمار".

ويشير أبو شقرا إلى أن "تحسين البنية التحتية في هذه المجالات يعدّ ضروريا لجذب الشركات الأجنبية، سواء للاستثمار في لبنان أو لاستخدامه كنقطة انطلاق نحو سوريا. من دون إصلاحات ملموسة، ستظل التكاليف مرتفعة والخدمات دون المستوى المطلوب، مما سيبعد المستثمرين الأجانب عن الساحة اللبنانية".

على صعيد القطاع المالي، يصف الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، الوضع بأنه شبه مشلول "بورصة بيروت، التي تعاني من غياب النشاط وتراجع عدد الشركات المدرجة فيها، باتت عاجزة عن جمع التمويل اللازم للشركات اللبنانية الراغبة في التوسع أو الاستثمار في إعادة الإعمار السوري. هذا الواقع يضعف من قدرة لبنان على المنافسة مع دول أخرى أكثر جاهزية مثل تركيا والسعودية والإمارات، التي تمتلك بنية تحتية متطورة وقدرة أعلى على جذب الاستثمارات".

في المحصلة، يرى أبو شقرا أن رفع  العقوبات عن سوريا يضع "لبنان أمام خيارين؛ إما أن يقتنص الفرصة ويبدأ بإصلاحات جذرية في قطاعاته الحيوية، أو يفوّتها ويبقى في أزمته".