المثلية/ لبنان
ليست المرة الأولى التي تثير الحفلات الترفيهية والغنائية الجدل في صيدا

سلّطت الأضواء في لبنان على مدينة صيدا الجنوبية، نتيجة خوض معركة دينية و"إلكترونية" ضد حفل ترفيهي كان سيقام يوم السبت القادم في واجهتها البحرية، ترافق ذلك مع حملة انطلقت  تحت شعار "مش طبيعي"، استهدفت المثليين على مدى نحو أسبوعين وذلك قبل المؤتمر الذي ستعقده، الخميس، القادم في قاعة البلدية.

تراجعت بلدية صيدا عن رعايتها للحفل الذي تنظمه شركة World of Business، بعد الهجوم الذي شن عليه، لاسيما من قبل أئمة المساجد، الذين اختاروا عنوانا موحدا لخطب صلاة الجمعة الأخيرة، ألا وهو "قبل أن تغرق المدينة"، أضاؤوا خلالها "على قيم صيدا وما يخطط ضدها لإغراقها وأهلها في الفسق والفجور".

بعد الضغوط التي مورست على الحفل الذي يتضمن فقرات متنوعة بين غنائية وكوميدية وعروضا فنية وألعابا نارية ومشاركة مشاهير التيك توك، ولتجنب وقوع أي سوء، اتخذت الشركة المنظمة قرار نقل مكانه إلى قاعة خاصة مع الإبقاء على تاريخه.

ليست المرة الأولى التي تثير الحفلات الترفيهية والغنائية الجدل في صيدا، حيث قالت الصحفية والباحثة في مؤسسة سمير قصير، وداد جربوع، ، "يتم رفع الصوت والتحريض من جهات دينية عند كل حفل غنائي يقرر إقامته بحجة الإساءة إلى المناخ الإسلامي للمدينة، كما حصل سنة 2016 في "مهرجانات صيدا الدولية"، حيث تمت دعوة الأهالي إلى توقيع عريضة لمنع إحياء المهرجان الذي تضمن أمسيتين، غنائية لنانسي عجرم، وموسيقية للعازف غي مانوكيان".

وقّعت العريضة حينها باسم "الناشط الإسلامي"، ومما جاء فيها "صيدا مدينة للإنشاد تستقبل فرقا لتلاوة القرآن أما نانسي عجرم وأمثالها فلا أهلا ولا سهلاً".

بين "الإنقاذ" والقمع

أحد الأئمة الذين هاجموا الحفل، هو الشيخ عبد الكريم علّوه، حيث قال في خطبة صلاة الجمعة في مسجد الفرقان "أكرمنا الله بالعيش في مدينة مباركة تشهد لها الأيام ويشهد لها التاريخ بالتزام أهلها بالحياء والحشمة والعفة والشهامة والكرم والمروءة والمحبة فيما بينهم، تتميز بكثير من المميزات عن غيرها من المدن والمناطق، سواء من الجانب الاجتماعي أو الدعوي أو العلمي أو الخيري أو غير ذلك".

وأضاف "ما زالت هي المدينة الوحيدة في لبنان التي ليس فيها مسبح مختلط بين الرجال والنساء، ليس فيها ملاه ليلية كغيرها من المدن، لا تُباع فيها الخمور علانية، مازال أهلها أصحاب شرف وعزّة وغيرة لا يرضون بظهور المنكر، لا تكاد تسمع عن معصية معينة ظاهرة أمام العيان وأمام الجميع إلا وتجد الصغير قبل الكبير والعاميّ قبل العالِم يسارع لإنكارها وفعل ما بوسعه حيث تظهر عليه علامات الغيرة والغضب، هذا حال أغلب أهل المدينة إلا من مات قلبه".

لكن المميزات التي تنعم بها المدينة وأهلها لا ترضي كما قال الشيخ علّوه "أهل الباطل" من هنا يجري "وضع خطط واستراتيجيات، وتعقد اجتماعات ولقاءات، وتنفق أموال من أجل التفكر في تفتيت كيان واجتماعية وقوة وغيرة ودين هذه المدينة، لكن الله بالمرصاد".

عانى الناس لأشهر وسنوات وكل يوم تزداد المعاناة في أمور من أساسيات وبديهيات الحياة، كما قال الشيخ "سواء على صعيد الغلاء أو على صعيد الكهرباء والمياه وغير ذلك، الكل ينادي بتغيير الحال وإذ نتفاجأ أن التغيير يكون بالدعوة لحفلات غنائية وراقصة مختلطة، فإذا كانت المدينة في رخاء فهذا مصيبة، فكيف إذا كانت تغرق والمشاكل فوق رأسها، والكل يبحث عن لقمة عيش".

وشدد "جزى الله خيرا المشايخ والعلماء والأئمة والخطباء الذين اجتمعوا، وقاموا بعدة وسائل وخطوات عملية ومنها خطبة موحدة بعنوان قبل أن تغرق المدينة، لأنها مع كل المصائب التي هي فيها، لم تغرق حتى الآن بالفساد بفضل الله، ومازال أهل الفساد في صيدا خائفين يترقبون يمنى ويسرى، أو على صعيد آخر، لا يتركون من قبل الدعاة إلى الله".

قبل أن تغرق المدينة كما وصف الشيخ علّوه "بالفساد والخمور والفجور والعري والشذوذ والمخدرات، وقبل أن يصبح المعروف منكرا والمنكر معروفا، قبل كل ذلك كانت هذه الخطبة".

بعد خطب صلاة الجمعة، تراجعت البلدية عن رعاية الحفل مبررة خطوتها من خلال بيان مقتضب قالت فيه "بعد التنسيق بين لجنة الأنشطة في بلدية صيدا وبين إدارة شركة World of Business تم الاتفاق ولأسباب تقنية ولوجستية على عدم إقامة الحفل في الملعب البلدي للمدينة، على أن تقوم الشركة المنظمة بنقله إلى مكان آخر".

موقع "الحرة" تواصل مع رئيس البلدية محمد السعودي، فصرّح أنه في إجازة لمدة شهر، طالبا التواصل مع نائبه إبراهيم البساط، الذي أكد خلال اتصال على ما جاء في البيان، قائلا "ارتأت البلدية مع منظم الحفل نقله إلى مكان آخر لأسباب لوجستية"، وعن هذه الأسباب اللوجستية أجاب "ما شي مهم"، نافيا أن يكون هجوم أئمة المساجد في خطب الجمعة على الحفل هو السبب، حيث شدد "لم أسمعها وكل شخص حرّ بقول ما يريد".

من جانبه أكد صاحب الشركة المنظمة للحفل عبد الكريم فواز، أن أسباباً لوجستية تقف خلف نقل الحفل المحدد بليلة واحدة من الواجهة البحرية إلى قاعة Edesia Venue، قائلا "الهدف الأساسي لقرارنا تجنب أي مخاطرة، سواء تمثلت باشكال أو غيره"، لافتا إلى الهجوم الكبير الذي تعرضت له الفنانة مايا نعمة المشاركة في الحفل، بسبب صور سابقة لها بالبيكيني وذلك خلال مشاركتها في مسابقات لكمال الأجسام، "على الرغم من أنها تعي تماما خصوصية المدينة، وبالتالي ما سترتديه خلال فقرتها الفنية".

يشدد فواز في حديث لموقع "الحرة" على أنه يحترم الرأي الآخر طالما هو ضمن الحدود، ويؤكد "نحرص على أن يكون كل ما نقوم به تحت سقف التقاليد والأخلاقيات والمجتمع اللبناني بشكل عام والصيدواي بشكل خاص".

وبغض النظر عن الخسائر التي تكبدتها الشركة  نتيجة اضطرارها إلى نقل مكان الحفل، فإن هدفها كما يقول فواز "نشر الفرح مع أخذ الحيطة والحذر، كي لا يتحول الحفل إلى مأساة، والبسمة إلى بكاء، في ظل التهديدات التي سمعناها".

"مش طبيعي"

لفت تزامن رفع بلدية صيدا رعايتها للحفل الترفيهي، مع إقامة مؤتمر في قاعتها يحمل عنوان "الشذوذ طبيعي أم انحراف؟!"، عن ذلك علّق البساط في حديث لموقع "الحرة" "البلدية لا ترعى المؤتمر، هو فقط سيقام في قاعتها بعد طلب منظميه ذلك، وذلك كأي نشاط يجري فيها، وليس من رابط بين الإثنين".

قبل مدة، أطلقت صفحة "مش طبيعي" على فايسبوك، حيث بدأت بطرح علامات استفهام من خلال منشورات، منها "شو هوي المش طبيعي؟!"، قبل أن تجيب بعد أيام بمنشور "الفطرة شي طبيعي، الشذوذ مش طبيعي"، و"وين ما تروح قول عن الشذوذ مش طبيعي"، ولم تقتصر الحملة هجومها على صفحات السوشيال ميديا بل تعدت ذلك إلى شوارع المدينة من خلال رفع يافطات اعلانية تروّيجية.

محاولات عدة أجراها موقع "الحرة" للحصول على تعليق من أعضاء الحملة ومنظمي المؤتمر، لكن من تم التواصل معهم رفضوا الحديث، إلى أن أكد الشيخ فادي رنو (من المنظمين) أن الأمر لا علاقة له بالرفض بل هي "سياسة إدارية.. من حقنا"، مؤكداً "كل الأسئلة ستتم الإجابة عنها في المؤتمر".

وزوّد الشيخ رنو موقع "الحرة" بمقطع تعريفي عمن يقف خلف الحملة، جاء فيه "نحن فريق تطوعي متنوع من مؤسسات وروابط وجمعيات ومجموعات من المجتمع المدني ولجان أهلية ومسجدية وثقافية، جمعتنا الرغبة في التوعية بمخاطر آفة الشذوذ والترويج لها، وبيان أثرها على الفرد والأسرة والمجتمع".

ويضيف المقطع التعريفي "انطلقنا من واجبنا الديني والإنساني والقيمي، لنلبي نداء الفطرة السليمة ونواجه هذه الآفة من خلال عرض الحقائق العلمية والشرعية بالحوار والكلمة الطيبة والخطاب العقلي"، ومن المقرر أن يناقش المؤتمر بحسب ما ورد في الدعاية الترويجية له، العنوان الذي يحمله أي "الشذوذ طبيعي أم انحراف؟!" وذلك من النواحي الدينية والطبية والنفسية والقانونية.

الهجوم على مجتمع الميم عين، ليس جديداً في لبنان، ففي شهر يونيو الماضي صوبت المرجعيات الدينية سهامها على أفراده، منهم مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان الذي جزم أن "دار الفتوى لن تسمح بتشريع المثلية الجنسية، ولا بتمرير مشروع الزواج المدني المخالف للدين الإسلامي ولكل الشرائع، هذه ثوابت دار الفتوى والمسلمين جميعاً في لبنان".

الضغط الذي مورس على وزير الداخلية اللبناني بسام مولوي من قبل المرجعيات الدينية، دفعه إلى توجيه كتاب في 24 يونيو الماضي، إلى مديريتي الأمن الداخلي والأمن العام طالباً منهما اتخاذ الإجراءات اللازمة على الفور لمنع أي نوع من الاحتفالات أو الاجتماعات أو التجمعات التي تروج لـ"الشذوذ الجنسي" كما وصف، مشيراً إلى أن هذه الظاهرة "تتعارض مع عادات وتقاليد مجتمعنا والمبادئ الدينية "رافضاً "التذرع بالحرية الشخصية".

لا يرى المدير التنفيذي لمؤسسة حلم، طارق زيدان، أن حملة "مش طبيعي" مستقلة عن الحملات التي أطلقت في مصر والكويت ضد مجتمع الميم عين في الأسابيع الماضية، والتي جرى حذفها من مواقع التواصل الاجتماعي كونها مبنية على خطاب الكراهية والخرافات، حيث أن الهدف منها خلق ذعر أخلاقي ووهمي من الفئات الأكثر تهميشاً في المجتمعات العربية".

 ويطرح زيدان في حديث مع موقع "الحرة" علامات استفهام حول توقيت هذه الحملة في لبنان، "ففي ظل الظروف الإقتصادية الصعبة يبدو واضحاً مدى التمويل الذي تحظى به، سواء من خلال تصميم الصور الترويجية أو الإعلانات على الطرق، فهل هذا التمويل محلي"؟ كذلك يطرح علامات استفهام حول مكان انعقاد المؤتمر الذي تنظمه الحملة قائلاً "لماذا اختيرت قاعة بلدية صيدا، لاسيما بعدما ألغت رعايتها لحفل ترفيهي"؟! 

"الحريات على المحك"

تشجع حملة "مش طبيعي" كما ترى جربوع "على خطاب الكراهية والتحريض ضد المثليين، وهي تأتي في سياق ملاحقة ومهاجمة مجتمع الميم عين، حيث شهدنا في الفترة الأخيرة تصاعد تلك الحملات، وتحديداً منذ شهر يونيو أي شهر الفخر، سواء كان ذلك في لبنان أو في عدد من الدول العربية، كحملة فطرة في مصر".

في الوقت الذي يطالب فيه مجتمع الميم عين كما يقول المدير التنفيذي لمؤسسة حلم "بحقوقه في التعليم والعمل والسكن والطبابة وعدم زج أفراده في السجون، ويتهم بأنه يعمل وفق أجندات خارجية، يوجه أصبع الإتهام إلى حملة (مش طبيعي) وغيرها من الحملات التي تشن ضد المثليين، بأنها مدعومة مادياً من إحدى الدول الخليجية التي أتحفظ عن ذكر اسمها كوني لا أملك حتى الآن أي اثبات على ذلك، وإلى حينه سنصدر بياناً تفصيلياً".

وأبدى زيدان تعجبه من عدم دعوة أي ناشط من مجتمع الميم عين لجلسة النقاش في المؤتمر، قائلاً "من غير المنطقي على سبيل المثال أن يعقد مؤتمر حول حقوق المرأة من دون وجود ولا سيدة لإبداء رأيها، وفوق هذا أصدرت الحملة حكمها مسبقاً على المثليين فما الذي ستناقشه بعد"؟!

أحد أهداف الحملات التي تشن على مجتمع الميم عين في لبنان بحسب ما يقوله زيدان "صرف الأنظار عن الواقع المعيشي المزري الذي يعاني منه غالبية اللبنانيين، وذلك نتيجة القرارات الإقتصادية التي تتخذها المنظومة بشقيها الديني والسياسي" ويشدد "كل الحريات في مرمى مدافع هذه السلطة، فالتهجم على المثليين هو الضربة الأولى لقصف مطالب الزواج المدني والقانون الموحد للأحوال الشخصية، وقد بدأ ذلك من خلال التحذير من خرافة زواج المثليين وسفاح القربى، في استخفاف غير محدود بعقول المواطنين".

وكانت الأمم المتحدة عبّرت في يونيو الماضي عن قلقها "إزاء تصاعد خطاب الكراهية وتزايد حالات التمييز والعنف تجاه أفراد مجتمع الميم والمنظمات التي تُعنى بهم في لبنان"، مشجعة "الحكومة اللبنانية على احترام التزاماتها الوطنية والدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، بما في ذلك الإلتزام بصون حقوق جميع الناس في حرية التجمّع والتعبير وتكوين الجمعيات، بغض النظر عن ميولهم الجنسية أو هويتهم الجنسانية أو تعبيرهم الجنساني أو خصائصهم الجنسية".

كما حثّت السلطات اللبنانية "على الوفاء بالتزاماتها بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي وقّع عليه لبنان، ومنع ممارسة التمييز على أساس الميل الجنسي والهوية الجنسانية والتعبير الجنساني".

تشكّل الحملات التي تشن على مجتمع الميم عين كما يشدد زيدان خطراً على أفراده "هناك عدد كبير منهم يقيمون في مختلف المناطق اللبنانية، فهم جزء من نسيج المجتمع وعنصر فعّال فيه، وبعد عمليات غسل عقول المواطنين ضدهم، نخشى على حياتهم لعدم استطاعتهم الدفاع عن أنفسهم في حال تعرضهم لأي نوع من أنواع الأذى"، وهو ما أكدته جربوع.

وتأسفت الباحثة في مؤسسة سمير قصير على "ممارسة المجتمع مختلف أشكال القمع لصالح تيارات التشدد والتطرف" وما هو متوقع كما تقول "ازدياد منسوب التضييق الفني والغنائي".

الحريات في لبنان على المحك، كما تؤكد جربوع، "يوميا نتفاجأ بمحطة جديدة من محطات القمع وتكميم الأفواه، وبخسارة معركة جديدة أمام التطرف والكراهية ورفض الآخر".

لبنان حزب الله

يترقب اللبنانيون أول اختبار لقياس حجم التأييد الشعبي لحزب الله بعد الخسائر التي مُنّي بها، والدمار الذي لحق بالسكان، والبلد عموما، جراء الحرب مع إسرائيل.

وستعبر نتائج الانتخابات البلدية المقررة في مايو المقبل، ضمنا، عن مزاج الشارع، الشيعي خصوصا، حيال قضايا أبرزها سلاح الحزب وتقاعسه في إعادة إعمال المناطق المتضررة جراء الحرب.

يأتي ذلك على خلفية حالة تملل، متزايدة، من تداعيات الحرب، وما رافقها من دمار واسع في القرى الجنوبية، ونزوح آلاف العائلات من مناطقها، وتراجع في الخدمات الأساسية، إلى جانب أزمات اقتصادية خانقة.

وبينما يحاول حزب الله الإيحاء بتماسك قاعدته من خلال رفع شعارات بعيدة عن الواقع، فإن جزءا من جمهوره بات يبحث عن حلول ملموسة لأزماته اليومية، ولإعمار ما دمرته الحرب، بعيدا عن الخطابات الأيديولوجية.

المؤشرات كثيرة إلى أن الباب بات مشرعا أمام تغييرات مفصلية في المشهد المحلي، ولو على مستوى بعض البلديات، ويرجح مراقبون، تحدثوا موقع "الحرة"، أن يقول الشارع الشيعي كلمته بشأن حزب الله في الانتخابات النيابية  2026.

تحدي الانتخابات

رغم الدمار الهائل الذي خلفته الحرب لا سيما جنوب لبنان، ورغم استمرار عمليات الاغتيال الإسرائيلية ضد عناصر من حزب الله واستهداف ترسانته العسكرية، "تتجه السلطات اللبنانية إلى إجراء الانتخابات البلدية، بعد أن كانت قد أجلتها لعامين متتاليين دون مبرر قانوني أو مقنع، متذرعة تارةً بغياب التمويل وتارةً أخرى بأوضاع أمنية ولوجستية"، كما يقول الباحث في تطوير القوانين والأنظمة الانتخابية، عاصم شيّا.

وفي حديث لموقع "الحرة"، يرى شيا أن "المشكلة الحالية التي تواجه إجراء الانتخابات البلدية ليست تقنية بقدر ما هي تنظيمية، خاصة في البلدات الجنوبية المدمرة". 

"هناك خياران أمام الجهات المعنية: إما نصب خيام داخل البلدات المتضررة إذا أصرّ السكان على الاقتراع فيها، أو نقل مراكز الاقتراع إلى بلدات مجاورة أكثر استقرارًا، على أن تُستخدم مبانٍ عامة مثل المدارس، الحسينيات، أو الكنائس لهذا الغرض".

لكن التحدي الأبرز، بحسب شيا، يكمن في تأمين "هيئة القلم"، أي الموظفين المكلفين بإدارة العملية الانتخابية، ومعظمهم من النساء العاملات في القطاع العام، لا سيما في التعليم، واللواتي يُبدين تحفظًا على التوجه إلى مناطق غير آمنة.

وتجدر الإشارة إلى أنه بحسب تقرير التقييم السريع للأضرار والاحتياجات في لبنان لعام 2025، الصادر عن البنك الدولي في 7 مارس، تقدّر احتياجات إعادة الإعمار والتعافي في أعقاب الصراع الذي شهده لبنان بنحو 11 مليار دولار أميركي.

ويعد قطاع الإسكان الأكثر تضرراً، مع أضرار تقدَّر بنحو 4.6 مليار دولار، فيما بلغت الأضرار التي لحقت بالمقومات المادية 6.8 مليار دولار.

أما من الناحية الجغرافية، فيشير التقرير إلى أن أكثر المناطق تضرراً هي محافظتا النبطية والجنوب، تليهما محافظة جبل لبنان التي تضم الضاحية الجنوبية لبيروت.

حقل تجارب؟

يلاحظ الباحث عاصم شيا، الذي يراقب الأنماط الانتخابية منذ عام 2009، أن القوى السياسية استخدمت الانتخابات البلدية عام 2016 كـ"حقل تجارب" لقراءة المزاج الشعبي، بعدما راودها القلق من قانون الانتخاب رقم 25/2008 (قانون الستين)، الذي أصبح يشكل خطراً عليها بسبب تطور وعي الخصوم المستقلين.

يقول شيا إن "تأجيل الانتخابات النيابية عامي 2013 و2015، مقابل إجراء الانتخابات البلدية عام 2016، كان مدروساً، الهدف منه مراقبة اتجاهات الناخبين. وفعلاً، كشفت الانتخابات عن نقمة واسعة، ما دفع الأحزاب إلى اللجوء إلى تكتيكات جديدة، أبرزها الدفع بمرشحين "نظيفي الكف" وغير حزبيين ظاهرياً، ليترأسوا اللوائح، ثم إحاطتهم بأعضاء بلديين حزبيين يضمنون ولاء المجلس للحزب. هذه المقاربة ساعدت في ضمان المكاسب لاحقاً في انتخابات 2018".

كذلك، "تم اللجوء إلى توظيف آلاف في مؤسسات رسمية رغم عدم الحاجة الفعلية إليهم، كما جرى التعاقد مع أعداد كبيرة في الوزارات، خصوصاً التعليم، فيما اعتُبر رشوة انتخابية مقنّعة لتأمين الأصوات".

اليوم يتكرر المشهد نفسه، بحسب شيّا، "تُسرع القوى السياسية إلى إجراء الانتخابات البلدية لا لمعالجة أزمات المجالس، بل لرصد اتجاهات الناخبين، تمهيداً لاستخدام الوظائف العامة والعسكرية مجددًا كأداة لاستمالة الأصوات"، فهذه الانتخابات، في نظره، ليست سوى مختبر سياسي يساعد القوى التقليدية على إعادة تنظيم صفوفها استعداداً للمعركة الأهم: انتخابات 2026 النيابية.

في المناطق التي تعرف بـ"الحاضنة" لحزب الله، يعاني معظم السكان، الذين تعرضت منازلهم للتدمير جزئياً أو كلياً، من بطء الإجراءات المتعلقة بإعادة الإعمار، إضافة إلى تأخر استجابة الحزب لتقديم التعويضات اللازمة لترميم المنازل أو تعويض الأثاث المتضرر.

وقال الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، بشأن إعادة إعمار المناطق المتضررة من الحرب، في 14 ديسمبر، أن "إعادة الإعمار مسؤولية الدولة،" التي تعاني أصلا من أزمة مالية خانقة. ودعا "الأشقاء العرب والدول الصديقة في المساعدة في إعادة الاعمار".

صراع عائلي تحت رايات حزبية؟

لا تعكس الانتخابات البلدية بالضرورة موازين القوى السياسية بشكل دقيق، وفقا لشيّا، "لأنها غالباً ما تكون امتداداً لصراعات عائلية داخلية.

"قد تُطرح لوائح تبدو متنافسة لكنها في الواقع تابعة للحزب نفسه، تختلف فقط حول المواقع أو التفاصيل، في مشهد يختلط فيه النفوذ العائلي بالحسابات الحزبية"، يقول شيا.

وعند تحليل تأثير الحرب الأخيرة على توجهات الناخبين، يرى شيّا ضرورة التمييز بين فئتين "الأولى تضمّ مؤيدي حزب الله، الذين رغم تضررهم من الحرب، زاد ارتباطهم به. أما الفئة الثانية، فهي من الشيعة غير المنضوين ضمن الثنائي الشيعي، هؤلاء يبدون استياءً واضحاً من الحرب ويحملون "الثنائي" مسؤولية ما جرى. ويُتوقع أن تتخذ هذه الفئة موقفاً مغايراً في الانتخابات المقبلة".

ويرى الكاتب، الصحفي مجد بو مجاهد أن "ثمة طابعا مجتمعيّا خاصا باستحقاق الانتخابات البلدية والاختيارية في لبنان في غالبية المناطق اللبنانية بخاصّة في القرى، ولا يمكن الحديث عن طابع سياسي سوى في بعض المدن الكبرى المتنوعة طائفياً كمدينة بيروت. 

"لذلك لا يمكن اعتبار الاستحقاق البلديّ بمثابة مقياس للتوجه الشعبيّ السياسي لدى المواطنين الشيعة أو سواهم من المواطنين اللبنانيين، من دون إغفال أنّ ثمة مدناً يغيب عنها التنافس السياسي في الاستحقاق الانتخابيّ البلديّ الحاليّ رغم أنه كان ظاهراً في استحقاقات بلدية سابقة".

اللافت وفق ما يقوله بو مجاهد لموقع "الحرة" أنّ "الأجواء الشيعية المجتمعية لا تبدو مهتمّة في استحقاق الانتخابات البلديّة مقارنة مع بيئات مجتمعية مغايرة تتطلّع بحيوية نحو خوض الاستحقاق والتنافس بين اللوائح على مستوى مجتمعيّ، لا سياسي".

ويشرح: "خروج المجتمع الشيعي من حرب ألحقت به خسائر كبرى، منها ضرب البنى التحتية والأراضي، سبب لتراجع الاهتمام الشيعي بخوض تنافس مجتمعيّ على الانتخابات البلدية، ولذلك كانت لافتة ظاهرة تشكيل لائحة واحدة فحسب في كثير من البلدات بعيداً عن خوض منافسة بين اللوائح".

إذا تضاعفت النقمة على "الثنائي الشيعي" _ أي حزب الله وحركة أمل _ من المواطنين في المناطق ذات الحضور الشيعي، فإنها ستظهر، وفق بو مجاهد، "في استحقاق الانتخابات النيابية المقبلة، لا في استحقاق الانتخابات البلدية".

"حتى الآن، هناك امتعاض شيعيّ واضح من حزب الله بخاصة بسبب تأخّر إعادة الإعمار، لكنّ تطوّر ذلك الامتعاض من عدمه سيكون مرتبطاً بما ستعرفه الأشهر اللاحقة من متغيرات".

النزاهة موضع شك؟

الحديث عن انتخابات نزيهة "غير واقعي"، يشدد شيّا، "لا بسبب حزب الله فقط، بل بسبب جميع الأحزاب التي تسيطر على مناطق نفوذها بشكل كامل ومدروس، ما يقيد قدرة المعارضين على خوض المعركة بتكافؤ".

يستشهد شيا بلائحة معارضة في بعلبك "تواجه صعوبات جمّة في التواصل مع الناخبين، في وقت تُستغل فيه الحرب والخطاب السياسي في الجنوب لتأليب الرأي العام عبر العاطفة، خصوصاً من قبل حزب الله وحركة أمل".

ويؤكد أن المعركة البلدية يجب أن تبقى محلية الطابع، "هدفها تحسين الخدمات وتفعيل دور البلديات". ويذكّر شيّا أن "الثنائي الشيعي لم يحصل في انتخابات 2022 النيابية على أكثر من 47% من أصوات الناخبين الشيعة مجتمعَين"، ما يعكس تراجعاً في شعبيته.

أما بو مجاهد فيرى أنه "قد يكون لتسليم حزب الله سلاحه والتقليل من سيطرته على المناطق الشيعية إذا حصل، نتائج تسرّع الحلول في المناطق المتضرّرة من الحرب".

ويضيف "كيفية تغيّر المزاج الانتخابي داخل البيئة الشيعية ستظهر في الانتخابات النيابية السنة المقبلة، لا في الانتخابات البلدية التي ستحصل خلال أسابيع. وتالياً، لا ترجيحات في قدرة الانتخابات البلدية على التغيير، والرهان سيكون على الانتخابات النيابية".