متظاهر يحمل لافتة خلال تجمع لمرضى السرطان احتجاجا على نقص الأدوية في لبنان
متظاهر يحمل لافتة خلال تجمع لمرضى السرطان احتجاجا على نقص الأدوية في لبنان

فضيحة جديدة خرجت إلى العلن في لبنان، تمثلت بـ"تبخر" كمية كبيرة من دواء مرضى السرطان المناعي Obdivo المقدم هبة من منظمة  "ANERA" الأميركية إلى وزارة الصحة اللبنانية، فالكمية التي كان يفترض أن تكفي حوالى شهرين ونصف الشهر، لم يبق منها شيء بعد أسبوعين!.

يعتبر دواء Obdivo من أهم العلاجات المناعية لما له من دور كبير في شفاء مرضى السرطان حتى وإن كانوا في المرحلة الرابعة من المرض، بحسب ما يؤكده هاني نصار، رئيس جمعية "برباره نصار" لدعم مرضى السرطان، ويشدد "عندما يسرق الدواء الذي لا قدرة للمرضى على شرائه بسبب ثمنه المرتفع الذي يتجاوز الألفي دولار، يعني أن حكماً بالإعدام صدر على مرضى السرطان، لاسيما وأن خيار شرائه من تركيا بات يشكل خطراً نتيجة انتشار النسخ المزورة، عدا عن أن طريقة تبريده تحتاج إلى عناية كبيرة".

أرخت الأزمة الاقتصادية التي يمر بها لبنان بظلالها على مختلف القطاعات بما فيها قطاع الدواء، ومنذ حوالي العامين تتوالى صرخات مرضى السرطان للمطالبة بأدنى حقوقهم ألا وهي تأمين أدويتهم، لتبدأ الوعود من المسؤولين بأن الأزمة ستحل في القريب، من دون أن يترجم أي منها على أرض الواقع، لا بل حتى عند تحرك دول خارجية لمساعدة المرضى من خلال إرسال أدوية لهم، تجري "قرصنتها" في الداخل!

يذكر أن لبنان سجل 28,764 ألف إصابة بمرض السرطان خلال السنوات الخمس الأخيرة، بينهم 11600 حالة عام 2020، بحسب تقرير نشره "المرصد العالمي للسرطان" المنبثق عن منظمة الصحة العالمية، في مارس من عام 2021.

نتيجة "عكسية"

قسّمت المنظمة الأميركية هبتها كما يقول نصار لموقع "الحرة" بين مستشفى الجامعة الأميركية ووزارة الصحة، ويشرح "كان الهدف من هذه الهبة إنقاذ حياة المرضى لكن بدلاً من ذلك جرى المتاجرة بها من قبل موظفين في الوزارة هم عبارة عن مافيات تابعة لأحزاب همّها الأول جني الأرباح من دون أدنى مبالاة بأرواح الناس، فتم بيع الدواء في السوق السوداء الذي وسّع انتشاره إلى بعض الصيدليات، والجزء الآخر هرّب إلى سوريا كما جرت العادة".

لا يقتصر الأمر على عدم تحقيق الهبة لهدفها، والتي كان من المقرر أن يستفيد منها مرضى الضمان كذلك بقرار استثنائي من الوزير، بل في بلد كلبنان جاء الأمر معاكساً، إذ كما يقول نصار "لم يطلب وزير الصحة كمية كبيرة من هذا الدواء من الوكيل على اعتبار أن هناك كمية ستكفي مدة شهرين ونصف الشهر، من هنا بدلاً من أن يكون متوفراً في السوق سيعاني المرضى من صعوبة كبرى في العثور عليه".

ينخر الفساد، كما يؤكد رئيس الهيئة الوطنية الصحية الاجتماعية- الصحة حق وكرامة، النائب السابق، الدكتور اسماعيل سكرية، وزارة الصحة اللبنانية منذ حوالي الثلاثة عقود، ويقول "يجري بيع الأدوية في السوق السوداء بالتواطؤ مع موظفين في الوزارة، وهذا ليس مجرد كلام، بل مثبت في وثائق نشرتها في كتابين، فقبل 25 عاماً بدأت أتابع هذا الملف في مجلس النواب وخارجه، حيث مرّت العديد من الأحداث المشابهة والموثقة في كتابيّ، وبنتيجة ذلك، تقدمت بدعاوى لا تزال تغط نوماً في قصر العدل، من هنا لم أتفاجأ بالفضيحة الجديدة".

طرح سكرية أمثلة عن قضايا فساد سبق أن حصلت منذ سنوات منها "تهريب أدوية سرطان من الكرنتينا وبيعها في السوق السوداء، وإحراق ملفات وهمية لمرضى سرطان كان يجري بيع أدوية بأسمائهم وذلك قبل وصول التفتيش المركزي"، ويضيف "برامج عدة أخذتها الأمم المتحدة على عاتقها بمليارات الدولارات كلها تبخرت نتيجة التنفيعات والسمسرات والسرقات والفساد، كما يكفي الإشارة إلى أن استحداث طابق واحد في مستشفى بعلبك الحكومي كلّف 4 ملايين دولار من أموال قرض من البنك الدولي".

بعد الاتهامات التي تم توجيهها إلى وزارة الصحة، أشارت المسؤولة الإعلامية في الوزارة، روا الأطرش، لموقع "الحرة" إلى أنه "تم فتح تحقيق بالقضية ولا معطيات حتى اللحظة، وسيصار إلى إصدار بيان بعد الانتهاء من ذلك"، وهو ما أكده نصار، الذي شدد على أن جمعيته ستبقى العين الساهرة التي تتابع كل دواء سرطان يصل إلى لبنان لمنع حرمان المرضى منه من قبل المافيات، "لن نسمح بتطبيق المثل السائد، المال السائب يعلّم الناس على الحرام".

المشكلة الأساسية فيما يتعلق بملف الدواء، بحسب ما قاله وزير الصحة في حكومة تصريف الأعمال فراس أبيض "تكمن "في التمويل"، حيث لفت في حديث إذاعي إلى أنه "يجري العمل على زيادة التمويل والتأكد من عدم حصول أي سوء استخدام من هدر أو فساد" مشيراً إلى أنّ "المساعدات الدوائية التي تصل لبنان هي من جمعيات أميركية أو لبنانية في الاغتراب وليست هناك مساعدات حكومية أميركية".

ويوم أمس الخميس، أعلن أبيض، بعد لقائه رئيس الحكومة المكلف، نجيب ميقاتي، أنه "تم الاتفاق على إصدار التمويل للأشهر الثلاثة المقبلة، وزيادة في التمويل بمقدار خمسة ملايين دولار أميركي في الشهر، وستكون مخصصة لزيادة المبالغ لأدوية أمراض السرطان والأمراض المستعصية. ومن خلال هذه المبالغ التي أضيفت إلى التمويل وكذلك من خلال عملية المكننة، نتأمل بأن نحل بشكل كبير هذا الأمر والنواقص التي نراها والتي يعاني منها المواطن".

وأكد وزير الصحة "بدء العمل لمكننة أدوية السرطان. هناك عدة مستشفيات تدربت على الأمر، وفي بداية شهر سبتمبر، هناك أدوية ستدخل في عملية التتبع التي نقوم بها، وهذه عينة للتأكد من أن النظام الذي قمنا به لا عيوب فيه ولا خلل فيه، وسيتم توسيعه ليعمل بقية الأدوية".

هبات في مهب الريح

بعد أيام قليلة على فضيحة دواء الـxtandi الخاص بمرضى سرطان البروستات، خرجت فضيحة دواء  Obdivo إلى العلن، فالإثنان اختفيا من الوزارة من دون أن يستفيد منهما المرضى، ورغم كل الفضائح إلا أن المواطن لم يسمع بمحاسبة أحد.

وفق منظمة التجارة الدولية، "يستورد لبنان نحو 80 في المئة من منتجاته الصيدلانية، وينفق أكثر من مليار دولار سنوياً" وشرحت في تقرير صدر الشهر الماضي أن "الأدوية الحاصلة على براءات اختراع تشكل حوالي 50 في المئة من السوق، فيما تشكل الأدوية التي لا تحتاج إلى وصفة طبية (OTC) والأدوية العامة حوالي 25 في المئة لكل منهما.

وبحسب الجمارك اللبنانية، بلغ إجمالي واردات الأدوية إلى لبنان 900 مليون دولار في عام 2021، منها 106 ملايين دولار من الولايات المتحدة".

 بعد رفع الحكومة اللبنانية دعمها عن معظم الأدوية سواء جزئياً أو كلياً (من دون المسّ بأدوية السرطان التي لا تزال مدعومة بشكل كامل)، قالت منظمة العفو الدولية في ديسمبر الماضي إن "السلطات اللبنانية تتقاعس عن حماية الحق في الصحة والحياة للمواطنين في خضم أزمة مستمرة جعلت المرضى غير قادرين على تحمل تكاليف الأدوية الأساسية، أو الحصول عليها".

وقالت لين معلوف، نائبة مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية "منذ عام 2019، تتالت الأزمات على الشعب اللبناني، وها هو اليوم يتخبّط وسط أزمة صحية أحدثتها الحكومة. إن رفع الدعم عن الأدوية من دون ضمان وجود إطار للحماية الاجتماعية يضمن وصول المرضى إلى الأدوية الأساسية هو فعل من أفعال الاستهتار البالغ".

وأضافت "تقاعس الحكومة عن التعامل مع أزمة الدواء أمر لا يُغتفر.. ينبغي أن تسارع إلى اتخاذ تدابير عاجلة لمعالجة أزمة الأدوية وتأثيرها على الناس، وقد تشمل التدابير إعادة دعم الأدوية الأساسية، والعمل مع شركات الأدوية والجهات المانحة الدولية لضمان إمدادات يُعوّل عليها من الأدوية الأساسية"، ورغم مرور كل هذا الوقت لا يزال اللبنانيون يعانون من مشكلة فقدان الدواء!

منذ بدء أزمة الأدوية، تسلم لبنان هبات من دول عدة، منها الشهر الماضي، دواء Ferinject المستخدم لعلاج نقص الحديد وفقر الدم لدى مرضى السرطان جراء العلاج الكيميائي، المقدم من شركتي "حكمة" و Vifor السويسرية، حيث بلغت قيمة الهبة نحو 400 ألف دولار، وفي سبتمبر الماضي تسلم لبنان أدوية بقيمة 1.6 مليون دولار لمرضى سرطان الأطفال هبة من زوجة حاكم الشارقة، الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي.

مساعدات أميركية متواصلة

وفي سياق منفصل، ووسط أزمات لبنان الحالية، لم تنقطع المساعدات الطبية الأميركية لمساعدة مرضى السرطان والأمراض المزمنة الأخرى.

وأحدث هذه المساعدات ما أعلنت عنه السفارة الأميركية في لبنان من خلال تغريدة عبر "توتير" يوم الخميس، حيث قالت إن لبنان استلم مؤخراً "شحنة من أدوية السرطان والأمراض المزمنة والصحة النفسية تقدر قيمتها بـ 5 ملايين دولار في إطار المساعدات من مؤسسة People to People Aid Corp الأميركية، بالشراكة مع  DirectRelief و mapintl".

وفي كلمتها بالمناسبة، قالت السفيرة دوروثي شيا "تمثل هذه الأدوية الأمل لمرضاكم، بالإضافة إلى آخرين في جميع أنحاء لبنان، لكن الأدوية تمثل أيضاً الروابط بين شعبينا، هذا ليس تبرعاً من السفارة الأميركية، بل يأتي مباشرة من الشعب والمنظمات الأميركية، لكننا في السفارة الأميركية سعداء بالمساهمة في تسليط الضوء على هذه القيم المشتركة التي تقود الأميركيين إلى المساعدة بهذه الطريقة".

أضافت السفيرة الأميركية "إن انجازكم في جمع وتقديم هذه الأدوية المنقذة للحياة إلى لبنان مثير للإعجاب، هذه واحدة من الطرق العديدة التي تدعم بها الولايات المتحدة حكومة وشعباً لبنان، نحن في هذا معاً".

لكن ماذا عن الوعود المتواصلة من قبل وزير الصحة بقرب حلّ أزمة أدوية السرطان ووصول جزء منها بين الحين والآخر؟ عن ذلك علّق نصار "نعم تصل الأدوية لكن بكميات قليلة، فمثلاً يجري تأمين 5 منها من أصل 450 دواء مسجل في لبنان"، وللخروج من هذه الدوامة دعا نصار إلى "الإسراع بمشروع المكننة، وزيادة الميزانية المخصصة لوزارة الصحة في الموازنة العامة، كي لا يبقى مريض من دون دواء".

يدفع المرضى ثمن سرقة الدواء وبيعه في السوق السوداء، فالمريض الذي ينتظر جلسة علاجه ولا يتوفر دوائه لأسابيع فإن ذلك سيؤدي كما يقول سكرية إلى "تسريع موته، وهذا أبشع أوجه الإنهيار كونه يتعلق بصحة الناس، أما أسبابه فأعمال الفساد الهائلة المتراكمة منذ عقود، يقابلها غياب ثقافة المواطنة وبالتالي المحاسبة والمساءلة، نتيجة انجرار معظم المواطنين نحو العصبيات الطائفية والسياسية، التي تخطف عقولهم حتى عن حقوقهم بصحتهم"!

حزب الله

عادت "جمعية القرض الحسن"، الذراع المالي لحزب الله، إلى الواجهة مجددا مع تداول تقارير إعلامية تشير إلى جهود أميركية لإضعاف الحزب ماليا.

الجمعية، التي كانت تدير أكثر من 30 فرعا في مختلف المناطق اللبنانية قبل آخر حرب مع إسرائيل، تثير جدلا واسعا بشأن دورها في تمويل الحزب. 

وتحاصر الجمعية التي تقدم نفسها كمؤسسة خدمات مالية تشمل قروضا دون فوائد مقابل رهونات، اتهامات بتبييض الأموال لتمويل أنشطة حزب الله.

ويزداد الجدل تعقيدا في ظل غياب الرقابة الرسمية التي يفترض أن يقوم بها مصرف لبنان على أنشط "القرض الحسن" المالية.

ومع تصاعد الضغوط الدولية على لبنان لسحب سلاح حزب الله وإغلاق قنوات تمويله، ومع ربط المساعدات الدولية وإعادة الإعمار بتنفيذ إصلاحات مالية واقتصادية، يتساءل كثير من اللبنانيين حول تأثير استمرار عمل "القرض الحسن" على مسار التعافي الاقتصادي في البلاد. 

فهل تستطيع الدولة اللبنانية اتخاذ خطوات حاسمة لإغلاق هذه "المؤسسة المالية" المخالفة لقانون النقد والتسليف؟

تجاوز الترخيص

تأسست جمعية "القرض الحسن" عام 1982 بموجب ترخيص "علم وخبر" صادر عن وزارة الداخلية اللبنانية، وفقاً للخبير الاستراتيجي في المخاطر المصرفية والاقتصادية، الدكتور محمد فحيلي. 

يوضح فحيلي أن "هذا الترخيص يتيح للجمعية تقديم قروض ذات طابع اجتماعي. وفي البداية، افتتحت الجمعية مكاتبها داخل عدد من المصارف اللبنانية في مناطق نفوذ حزب الله، حيث بدأت بمنح قروض صغيرة جداً تتراوح قيمتها بين 100 و3000 دولار".

ومع مرور الوقت، وسّعت الجمعية نطاق خدماتها لتتجاوز حدود الترخيص الممنوح لها، كما يقول فحيلي لموقع "الحرة".

"أصبحت تقدم خدمات مالية مشابهة للخدمات المصرفية، مثل استقبال الودائع ومنح القروض وإصدار بطاقات الدفع البلاستيكية، إضافة إلى توفير الصرافات الآلية. هذه التجاوزات تمت نتيجة غياب الرقابة من قبل السلطة المعنية، وهي وزارة الداخلية التي منحتها الترخيص".

بدوره، يؤكد الصحفي الاقتصادي، خالد أبو شقرا، أن الجمعية تحولت تدريجياً إلى ما يشبه المصرف غير المرخص، لا سيما بعد تركيب أجهزة الصراف الآلي وتقديم قروض بمبالغ كبيرة سنوياً، بالإضافة إلى استقبال الودائع النقدية والذهبية ودفع أرباح عليها.

ويشدد أبو شقرا في حديث لموقع "الحرة" على أن نشاط "القرض الحسن يمثل مخالفة واضحة لقانون النقد والتسليف اللبناني". ويلفت إلى أن جميع المسؤولين في الجمعية منتمون إلى حزب الله ويخضعون لعقوبات أميركية مفروضة من وزارة الخزانة ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية".

ويرى الكاتب والمحلل السياسي، الدكتور مكرم رباح، في حديث لموقع "الحرة" أن "القرض الحسن لا يُعد عقبة بحد ذاته أمام مسار الإصلاح، بل يمثل اختباراً لمدى جدية الدولة اللبنانية في التعامل مع ملف سلاح حزب الله". ويشير رباح إلى أن "القرض الحسن هو سلاح مالي يُدار خارج إطار الدولة".

وتنص المادة 200 من قانون النقد والتسليف على تجريم أي شخص أو مؤسسة تمارس عمليات التسليف دون ترخيص من مصرف لبنان، فيما تلزم المادة 206 بملاحقة المخالفين أمام المحاكم الجزائية.

وفرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على "القرض الحسن" عام 2007، وأعقبتها بعقوبات إضافية في 2021 طالت ستة من موظفيه. وقد اتُهم هؤلاء باستخدام حسابات شخصية في مصارف لبنانية لتحويل أكثر من 500 مليون دولار إلى الجمعية، مما أتاح لها الوصول إلى النظام المالي الدولي.

وفي سياق متصل، سبق أن وصف المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي في تغريدة عبر منصة "إكس"، الجمعية بـ"المصرف الأسود لحزب الله"، مشيراً إلى أنها تُستخدم كقناة خلفية لتبييض الأموال الناتجة عن تجارة المخدرات التي يديرها الحزب، ويمتد نشاطها إلى أميركا اللاتينية.

وفي حديث سابق لموقع "غلوبس" الإسرائيلي، أشار خبير الحرب المالية، عوزي شايع، إلى أن "القرض الحسن" يمثل الخزينة المالية لحزب الله، حيث تُدار من خلاله الحسابات المالية للمنظمة، فضلاً عن تمويل الأنشطة التجارية والخيرية.

خطر مزدوج

يشير تقرير لمنظمة الدفاع عن الديمقراطيات إلى أن "كبار ممولي حزب الله امتلكوا حسابات في القرض الحسن، واستخدم موظفو الجمعية حسابات شخصية في المصارف اللبنانية الكبرى لتنفيذ معاملات نيابة عن الجمعية، مما أتاح لها الوصول إلى النظام المصرفي اللبناني"، 

وأوضحت المنظمة، في التقرير الذي حمل عنوان "القرض الحسن التابع لحزب الله والقطاع المصرفي في لبنان،" أن وزارة الخزانة الأميركية فرضت عام 2019 عقوبات على "بنك جمال تراست" لتورطه في تسهيل وصول "القرض الحسن" إلى القطاع المصرفي، "وهو ما كان أحد الأسباب الرئيسية وراء فرض تلك العقوبات"، وعقب ذلك تقدم المصرف بطلب إلى مصرف لبنان للحصول على الموافقة لتصفيته، وهو ما تم بالفعل.

وفي ديسمبر 2020، تمكنت مجموعة من القراصنة الإلكترونيين تدعى "Spiderz" من اختراق حسابات جمعية "القرض الحسن"، و"نشرت معلومات تتعلق بنحو 400 ألف حساب مرتبط بالجمعية، تضمّنت أسماء شخصيات بارزة في حزب الله. 

ومن بين تلك الشخصيات قائد قوة الرضوان الذي اغتالته إسرائيل وسام الطويل، وإبراهيم علي ضاهر، رئيس الوحدة المالية للحزب، وحتى المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي" وفقا لما نشره موقع "غلوبس".

وعقب هذا الاختراق، أصدرت بعض المصارف اللبنانية بيانات نفت فيها وجود حسابات رسمية باسم "القرض الحسن"، بحسب ما أشارت إليه "منظمة الدفاع عن الديمقراطيات".

وأوضحت أنه "رغم صحة هذه البيانات من الناحية القانونية، إذ لا توجد حسابات مسجلة باسم الجمعية، إلا أن الوثائق المسربة كشفت أن مسؤولي الجمعية استخدموا حساباتهم الشخصية لإجراء معاملات نيابة عنها".

وفي إطار الجهود الأميركية لمساعدة لبنان على تجاوز أزمته الاقتصادية، حملت مورغان أورتاغوس، نائبة المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط، خلال زيارتها إلى بيروت في أبريل الماضي، رسائل متعددة تضمنت التركيز على ملف الإصلاحات الاقتصادية والمالية إلى جانب الشق الأمني المتعلق بنزع سلاح حزب الله.

وفي هذا السياق، يقول فحيلي أن "الولايات المتحدة تعتبر جمعية القرض الحسن إحدى الأذرع المالية لحزب الله. لكن إذا طبّق لبنان القرار 1701 بشكل صارم، فإن الجمعية ستصبح مجرد تفصيل صغير، في حال فرضت وزارة الداخلية حدوداً واضحة على أنشطتها ضمن إطار الترخيص الممنوح لها، فلن تشكل خطراً على مستوى تبييض الأموال أو تمويل الإرهاب".

"سلاح" يجب ضبطه

خلال زيارة وفد مجموعة العمل المالي إلى لبنان، شدد الوفد، وفقاً لما يقول أبو شقرا، "على ضرورة تعزيز الرقابة على المؤسسات المالية غير المرخصة والتي لا تلتزم بالأنظمة والقوانين المعمول بها. هذه المؤسسات، سواء كانت القرض الحسن أو غيرها، قد تساهم بشكل أو بآخر في عمليات تبييض الأموال وتمويل الأنشطة العسكرية، مما يستدعي فرض إجراءات رقابية صارمة للحد من هذه الأنشطة غير القانونية".

وفي ظل تجاوز الجمعية لحدود أنشطتها المسموح بها، يؤكد فحيلي أن المسؤولية تقع على عاتق السلطة اللبنانية التي تمتلك الصلاحيات لتطبيق القانون على المخالفين. ويشدد على ضرورة أن تقوم وزارة الداخلية بإبلاغ إدارة الجمعية بوضوح بحدود الترخيص وإلزامها بالالتزام به.

وبشأن إدراج لبنان على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي، نفى فحيلي وجود علاقة مباشرة بين القرار وأنشطة "القرض الحسن". 

وأوضح أن "المشكلة الأساسية تكمن في غياب الرقابة على المعاملات النقدية، خاصة بعد فقدان الثقة بالمنظومة المصرفية وابتعاد المواطنين عن استعمال وسائل الدفع المتاحة من خلال القطاع المصرفي والإفراط في استعمال الأوراق النقدية، وقرار مصرف لبنان بتجفيف السيولة بالليرة اللبنانية، والذي سمح باستبدال مبالغ نقدية كبيرة بالدولار الأميركي". 

ويضيف أن "هذا القرار، في ظل غياب الرقابة، أعطى مساحة إضافية لمن يريد تبييض الأموال. وزاد الأمور تعقيداً ظهور عدد كبير من الجمعيات المدنية، وكان معظمها غير مرخص، عقب انفجار مرفأ بيروت".

بالنسبة لمطالب صندوق النقد الدولي، يؤكد فحيلي "رغم أنه لا يتدخل في التفاصيل، فإنه بالتأكيد يهتم بأن تكون جميع المؤسسات التي تقدم خدمات مصرفية مرخصة رسميًا وتحت إشراف الجهات الرقابية الرسمية"، وأضاف قوله: "إذا كانت الحكومة اللبنانية تسعى إلى إعادة الانتظام المالي، فإن ذلك يستوجب وجود مؤسسات مرخصة من قبل مصرف لبنان وخاضعة لرقابته".

وفي السياق ذاته، يقول أبو شقرا إن "المجتمع الدولي وصندوق النقد الدولي يطالبان بمعالجة ملفات يعتبرانها أكثر إلحاحاً من ملف القرض الحسن، تشمل إصلاح القطاع المصرفي وإعادة هيكلته، واستعادة الانتظام المالي، ومعالجة الفجوة المالية، وإصلاح قطاع الطاقة، وخاصة قطاع الكهرباء، فضلاً عن إصلاح السرية المصرفية والخروج من اللائحة الرمادية المرتبطة بتبييض الأموال".

ويشير أبو شقرا إلى أنه "رغم قدرة السلطات اللبنانية على وضع حد للنشاط المالي والمصرفي لجمعية القرض الحسن، إلا أن التوازنات السياسية التي شهدتها البلاد في الفترة الماضية حالت دون التعامل الجدي مع الجمعية".

ويعتبر أبو شقرا أن "معالجة ملف القرض الحسن ترتبط أساساً بالتسوية السياسية"، وقال إن القضية لا تقتصر على الإصلاحات المالية فقط، "بل تتطلب مقاربة شاملة تأخذ في الاعتبار الأبعاد السياسية والأمنية والعسكرية".

من جانبه يدعو رباح إلى إغلاق الجمعية فوراً ومنعها من التظاهر بأي شرعية مالية، وأوضح أن "القرض الحسن، سواء كان له ارتباط مباشر بالحرس الثوري الإيراني أم لا، يظل مؤسسة غير حكومية تمارس أنشطة مالية خارج إطار القانون".