لبنان سجل 28,764 ألف إصابة بمرض السرطان خلال السنوات الخمس الأخيرة
لبنان سجل 28,764 ألف إصابة بمرض السرطان خلال السنوات الخمس الأخيرة

تحركت وزارة الصحة اللبنانية، وفرضت إجراءات جديدة تتعلق بعملية توزيع أدوية علاج السرطان، بعد فضيحة تمثلت باختفاء كمية كبيرة من الدواء مقدمة هبة من منظمة أميركية.

وعقد وزير الصحة في حكومة تصريف الأعمال، الدكتور فراس الأبيض، اجتماعين في الوزارة، مع ممثلين عن الجمعيات التي تدعم مرضى السرطان والأطباء المتخصصين بعلاج الأورام السرطانية، بحسب الوكالة الوطنية الرسمية.

وتم خلال الاجتماع "شرح تفاصيل (...) تتبع ومراقبة حركة توزيع الدواء في لبنان، بعدما أضيفت عليه برامج (...) بدأ تنفيذها تباعا، وستتوج بمرحلة تجريبية في بداية شهر سبتمبر المقبل، من خلال التعاون مع 6 مستشفيات جامعية تقدم علاجا لمرضى السرطان".

وأبرز ما يتضمنه مسار التتبع استحداث Unique ID (رقم صحي خاص) للمرضى اللبنانيين حصرا، إضافة إلى خاصية مسح الوجه (Facial Scan) لضمان عدم التزوير.

وبناء على الإجراءات الجديدة سيترتب تسجيل المريض في برنامج إسمه "أمان"، يتيح تقديم الملف الصحي والطبي إلكترونيا إلى اللجنة المعنية في وزارة الصحة العامة، والتي يعود لها الموافقة على الملف للحصول على الدواء أو رفضه.

أما بالنسبة إلى المرضى الذين يحتاجون إلى الاستشفاء للحصول على دوائهم، فستقوم الوزارة بدور تنظيمي بين شركات استيراد الدواء والمستشفيات لتأمين الدواء مباشرة إلى المستشفى وفق آلية خاصة.

وقال وزير الصحة إن "هذا المسار المكتمل لتتبع حركة الدواء يضع حدا للانقطاع الذي يتكرر في السوق، في وقت أن الدواء الذي يدخل إلى لبنان يغطي أكثر من ثمانين في المئة من الحاجات".

فضيحة

وتأتي هذه الإجراءات بعد فضيحة جديدة خرجت إلى العلن في لبنان، تمثلت بـ"تبخر" كمية كبيرة من دواء مرضى السرطان المناعي Obdivo المقدم هبة من منظمة  "ANERA" الأميركية إلى وزارة الصحة اللبنانية، فالكمية التي كان يفترض أن تكفي حوالى شهرين ونصف الشهر، لم يبق منها شيء بعد أسبوعين، بحسب تقرير سابق لموقع الحرة.

ويعتبر دواء Obdivo من أهم العلاجات المناعية لما له من دور كبير في شفاء مرضى السرطان حتى وإن كانوا في المرحلة الرابعة من المرض، بحسب ما يؤكده هاني نصار، رئيس جمعية "برباره نصار" لدعم مرضى السرطان، ويشدد "عندما يسرق الدواء الذي لا قدرة للمرضى على شرائه بسبب ثمنه المرتفع الذي يتجاوز الألفي دولار، يعني أن حكما بالإعدام صدر على مرضى السرطان، لاسيما وأن خيار شرائه من تركيا بات يشكل خطرا نتيجة انتشار النسخ المزورة، عدا عن أن طريقة تبريده تحتاج إلى عناية كبيرة".

وأرخت الأزمة الاقتصادية التي يمر بها لبنان بظلالها على مختلف القطاعات بما فيها قطاع الدواء، ومنذ حوالي العامين تتوالى صرخات مرضى السرطان للمطالبة بأدنى حقوقهم ألا وهي تأمين أدويتهم.

ويذكر أن لبنان سجل 28,764 إصابة بمرض السرطان خلال السنوات الخمس الأخيرة، بينهم 11600 حالة عام 2020، بحسب تقرير نشره "المرصد العالمي للسرطان" المنبثق عن منظمة الصحة العالمية، في مارس عام 2021.

وبعد رفع الحكومة اللبنانية دعمها عن معظم الأدوية سواء جزئياً أو كلياً (من دون المسّ بأدوية السرطان التي لا تزال مدعومة بشكل كامل)، قالت منظمة العفو الدولية في ديسمبر الماضي إن "السلطات اللبنانية تتقاعس عن حماية الحق في الصحة والحياة للمواطنين في خضم أزمة مستمرة جعلت المرضى غير قادرين على تحمل تكاليف الأدوية الأساسية، أو الحصول عليها".

حزب الله

في أقصى الجنوب اللبناني، حيث لا يبدو أن إعادة الإعمار قادرة على إعادة عقارب الدمار إلى الوراء، يبرز السؤال مرة أخرى: من يملك القرار في لبنان فعلا؟ الدولة، أم ميليشيا تعمل بالوكالة داخل الدولة؟

عاد هذا السؤال المزمن إلى الواجهة بعد تأكيد نائب رئيس المجلس السياسي في حزب الله، محمود قماطي، في 3 مايو، مرة أخرى،  رفض الحزب التخلي عن سلاحه لصالح سيادة الدولة.

 "سلاح المقاومة باق ولن يُسلَّم مهما اشتدت الضغوط،" قال قماطي. 

العبارة مألوفة، لكنها تتردد اليوم في لبنان المنهار اقتصاديا، المتعثر سياسيا، والمثقل بتبعات حرب لم يكن حزب الله قادرا على خوضها.

بالنسبة لكثير من اللبنانيين، الجواب بات واضحا. فالحرب الأخيرة مع إسرائيل كشفت حدود قدرة حزب الله العسكرية، وفشله في حماية لبنان من التدمير الواسع النطاق، بل فشله حتى في حماية قياداته. 

ورغم قبوله باتفاق وقف إطلاق النار، الذي اعتبره مراقبون بمثابة "استسلام"، يواصل الحزب تأويل بنود الاتفاق، مصرا على حصر تسليم السلاح في جنوب نهر الليطاني، والاحتفاظ بترسانته في شماله.

الدولة في مواجهة الميليشيا

إصرار حزب الله على الاحتفاظ بسلاحه يتناقض بشكل صارخ مع خطاب القسم الرئاسي والبيان الوزاري، وقرارات دولية أبرزها القرار 1701، والتي تؤكد جميعها حصر السلاح بيد الدولة. ومع ذلك، يصر حزب الله على أن سلاحه لا يزال ضروريا لـ"الحماية والدفاع" رغم أن هذا السلاح نفسه يغرق لبنان أكثر فأكثر في صراعات إقليمية لا طاقة له بها.

"سلاح حزب الله لم يكن يوما لحماية لبنان"، يقول الكاتب والمحلل السياسي علي الأمين، رئيس تحرير موقع "جنوبية"، "الهدف الأساس كان حماية المصالح الإيرانية في المنطقة، من سوريا إلى العراق واليمن".

وفي رأيه، فإن مواجهة حزب الله لإسرائيلي في السابق، لم تكن إلا وسيلة للحفاظ على نفوذ طهران، لا على السيادة اللبنانية. "لبنان لم يكن أولوية، بل جاءت سيطرة هذا السلاح على لبنان لتضعف الدولة والاقتصاد وتساهم في الانهيار المالي والسياسي الذي يعاني منه لبنان حتى اليوم"، كما قال في حديثه لـ"الحرة".

سلاح بلا مهمة

يصف الأمين تصريح قماطي بأنه "نوع من المكابرة". ويضيف: "إذا كان المقصود بالسلاح مواجهة إسرائيل، فسلاح حزب الله فشل فشلا ذريعا في حماية لبنان، بل في حماية قيادته والبيئة الحاضنة ووفر فرصة لإسرائيل لتدمير وتهجير عشرات القرى والبلدات الحدودية".

التناقض جلي: كيف يمكن لحزب أن يشارك في المؤسسات الدستورية للدولة بينما يحتفظ بميليشيا مسلحة خارجة عن سلطتها؟

أداة بيد طهران

من جانبه، يرى المحلل السياسي إلياس الزغبي أن تمسك حزب الله بسلاحه يعكس تطورات تتجاوز حدود لبنان.

"يتبدّل خطاب الحزب تبعا لمسار المفاوضات الإيرانية-الأميركية، والوضع في اليمن، ومصير سلاح الحوثيين"، يشرح الزغبي، "حتى تصريح قماطي الأخير جاء، بعد ثلاثة أسابيع من الصمت، بطلب إيراني على الأرجح، في إطار لعبة التفاوض الأوسع".

ويشير الزغبي إلى أن طهران تسعى لضبط إيقاع أذرعها: إيقاف ضربات ضد الأميركيين، الاستمرار في الضغط على إسرائيل، والمحافظة على ورقة السلاح للتفاوض.

درع مُكلف

ينتقد كثير من اللبنانيين سلاح الحزب باعتباره درعا جلب الخراب بدلا من الحماية. المحلل السياسي خالد ممتاز كتب على منصة أكس "لو كان سلاح حزب الله رادعا، لما تجرأت إسرائيل على استهداف قياداته، ولما بلغت خسائر لبنان 14 مليار دولار، ولا تدمرت مئات القرى بالكامل".

ويضيف: "سلاح الحزب له قيمة فقط في الداخل، لذلك نطالب بتفكيك المنظومة الأمنية المرتبطة به، لأن كواتم الصوت والمتفجرات قتلت خيرة الناس وساهمت في دمار الدولة وإفلاس البنوك ووصول الفاسدين إلى السلطة".

بين البقاء والاندثار

يعتقد الأمين أن الحزب يتمسك بسلاحه لأنه لا يستطيع الاستمرار من دونه. "نزع السلاح يعني تحوّله إلى حزب سياسي عادي، ما يفقده جزءا كبيرا من النفوذ القائم على المال والسلاح والتبعية الكاملة لإيران".

لكن هذا النفوذ يأتي بثمن داخلي متزايد. "حين يتحول السلاح إلى أداة لتخويف المجتمع وفرض القرار، يُغذي الطائفية ويزيد الانقسام"، يحذر الأمين.

ويدعو الحكومة إلى الحزم إذ "لا يجوز للدولة أن تتعايش مع ميليشيا. إما أن يلتزم الحزب بشرعية الدولة، أو أن يخرج منها. لا وجود لمنطقة وسطى".

وهم المقاومة

بحسب الزغبي، فقدت ذريعة المقاومة صلاحيتها بعد الهزيمة أمام إسرائيل. ويقول: "لم يعد بإمكان الحزب الادعاء بأن سلاحه يحمي لبنان، إذليس باستطاعته حتى حماية معاقله".

ويرى أن تذرّع الحزب بخطر التكفيريين وسوريا هو محاولة جديدة لتبرير بقاء السلاح، لكنه يضيف: "الحماية الحقيقية لا تأتي إلا من الدولة وشرعيتها".

ورغم ذلك، لا يتردد حزب الله في مطالبة الدولة بالحماية من الغارات الإسرائيلية، وبالدعم في إعادة الإعمار، بينما يُصر على التفرد بالسلاح. هذا التناقض يعمّق أزمة الشرعية والحكم في لبنان.

البُعد الدولي

تتجاوز تداعيات احتفاظ حزب الله بسلاحه حدود لبنان. فالدعم الدولي مشروط بسيادة الدولة الكاملة. أما إسرائيل، فتحذر من أنها قد تتصرف بمفردها إذا عجزت الدولة اللبانية عن ضبط الميليشيات.

بالنسبة للأمين، لم تعد مسألة السلاح داخلية فقط. فالحزب وافق على اتفاق وقف إطلاق النار. "تصريحاته اليوم تهدف لإشعال أزمة داخلية، لكنها لن تغيّر الموقف الدولي".

ويحذر من أن المماطلة ستزيد من كلفة نزع السلاح على اللبنانيين.

ويذهب الزغبي في الاتجاه ذاته: "ما دام الحزب مسلحا، سيبقى لبنان غير مستقر. السلاح يمنع قيام الدولة، ويُبقي الطوائف في حالة ترقب وقلق دائم من مواجهات جديدة".

ضرورة وطنية

في الذكرى السنوية لأحداث 7 أيار، كتب العميد المتقاعد بعرب صخر، الباحث في شؤون الأمن القومي: "يوم عار كشف الستار عن الوجه القبيح لحزب إيران في لبنان، وبين أن سلاحه ليس من أجل لبنان، بل على لبنان".

وأضاف في منشور على أكس: "اليوم المجيد هو اليوم القريب الذي ننزع فيه هذا السلاح، سلاح الدمار والغدر والاغتيال، والعبثية والتبعية لأعداء لبنان".

ويخلص الزغبي إلى القول إن على الدولة اللبنانية "حصر السلاح في يدها" وذلك "كي تنجح في تحقيق وعودها بالاستقرار والسيادة والإصلاح. فنزع السلاح غير الشرعي سواء كانت هويته لبنانية أو غير لبنانية هو الشرط الأول لنجاح الإصلاح واستجرار أموال المساعدات العربية والدولية المخصصة لإعادة الإعمار، وكذلك لاستعادة ثقة العرب والعالم وتشجيع السياحة وأموال الاستثمارات" في لبنان.