من عمليات إطلاق الغواصة
من عمليات إطلاق الغواصة

بدأ العد العكسي للفصل الأخير من فصول مأساة غرق "قارب الموت" شمالي لبنان، مع وصول الغواصة  Spises 6 من إسبانيا، التي كان مقرراً أن تبدأ مهمتها اليوم بانزالها في مكان وقوع المأساة، لانتشال ما يمكنها العثور عليه من جثث أو أشلاء، إضافة إلى القارب أو بقاياه، إلا أن المهمة تعثرت بسبب "ارتفاع موج البحر مما قد يهدد سلامة الغواصة وطاقمها" بحسب ما أعلنه الجيش اللبناني.

زوارق عدة تابعة للجيش اللبناني، انطلقت من مرفأ طرابلس وعلى متنها أهالي الضحايا وحشد من الاعلاميين والصحفيين وممثلين عن نقابة المحامين في طرابلس، إضافة إلى النائب اللواء أشرف ريفي، في مواكبة لعملية نقل الغواصة تمهيداً لإنزالها في المياه في موقع غرق القارب، لكن بعد عدة ساعات أمضوها في البحر، جاء القرار بالعودة إلى الشاطئ قبل إتمام المهمة المحددة.

ما يزيد عن الثلاثين ضحية غالبيتهم من النساء والأطفال، ابتعلهم البحر في 23 أبريل الماضي، إثر حادث اصطدام بين القارب الذي كان يقلهم إلى حلمهم بالوصول إلى شواطئ ايطاليا، وخافرة للجيش اللبناني، ومنذ ذلك التاريخ والأهالي المفجوعون يرفعون الصوت كي تقوم الدولة اللبنانية بواجبها وتنتشل أحبتهم من قعر البحر، من دون أن يلقوا آذاناً صاغية، بحجة عدم توفر المعدات المطلوبة للوصول إلى العمق الذي استقر فيه القارب.

قبل الانطلاق في "الرحلة" التي كان يتوقع ان تستغرق حوالي الساعتين للوصول إلى موقع غرق القارب، شرح قائد القوات البحرية في لبنان، العقيد الركن هيثم ضناوي، أن طول الغواصة يبلغ 5.68 متر وعرضها 2.24 وتصل الى عمق 2180 متراً، مشيراً إلى أن "طاقمها مؤلف من 3 أشخاص، وكل فترة الغوص تبقى الغواصة على اتصال دائم مع مديرها، هي غير موصولة بأسلاك الى السطح وبالتالي تذهب لتنفذ كامل مهمتها وتعود مع التسجيلات والملاحظات".

ولفت العقيد ضناوي، خلال مؤتمر صحفي عقده في القاعدة البحرية في مرفأ طرابلس، إلى أن "القوات البحرية أمّنت كل الأمور اللوجستية والتقنية التي تحتاجها لمهمتها، وأنشأت غرفة عمليات خاصة لمتابعتها بدقة"، متوقعاً أن تستمر المهمة عدة أيام، ومتمنياً على "المواطنين أن لا يقتربوا من نقطة العمليات التي تبعد عن الشاطئ ميدان غرب جزر الركيد، كذلك عدم الاقتراب من المراكب العاملة على بعد أقله كيلومتر واحد".

ترقب وامتعاض

ساد جو من الامتعاض بين الصحفيين، بسبب عدم إيلاء الجيش اللبناني أي أهمية للأمور اللوجستية التي يحتاجها المشاركون في نقل الحدث، ففي البداية تأخر موعد الانطلاق لحوالي الساعة ونصف الساعة، من السابعة والنصف صباحاً إلى الساعة التاسعة، وفوق هذا لم يتم تأمين قارورة مياه واحدة على الرغم من وجود ما لا يقل عن 50 صحفياً، وبسبب الشمس الحارقة والساعات الطويلة التي بقي فيها الزورق في البحر، حصلت عدة حالات اغماء.

كما أبدى الصحفيون امتعاضهم لعدم تحديد الجيش مكان غرق القارب قبل انطلاقهم والغواصة في رحلة البحث، وبعد مرور خمس ساعات تم اطلاعهم بتأجيل المهمة، في وقت كانوا يتساقطون الواحد تلو الآخر نتيجة اصابتهم بالدوران والغثيان!

مرحلة من الترقب يعيشها الأهالي، والجرح الذي لم يكد يلتئم ولو قليلاً حتى فتح من جديد، كل ذلك سببه كما يقول بلال الدندشي، "أبو ابراهيم" (الذي فقد 10 من عائلته ولم يتمكن سوى من دفن اثنين منهم)، لموقع "الحرة" "تقاعس الدولة وعدم إيلائها القضية أي اهتمام، مقدما الشكر لكل من شارك في المبادرة الفردية لاستقدام الغواصة".

وأمس الأحد، أصدر شقيق "أبو ابراهيم"، "أبو تيمور" الدندشي، بياناً باسمه واسم أشقائه أعلن فيه أنه "يمنع منعاً باتاً حضور الاعلام المغرض الذي يحاول تشويه قضيتنا ومصابنا الجلل بفقدان عوائلنا وشهداء طرابلس خاصة وشهداء لبنان عامة، من خلال استغلال سياسي مقيت، ونخص بالذكر الإعلام الذي يحاول تشويه صوره السياسيين الشرفاء الذين وقفوا وقفة رجل واحد مع أبناء شعبهم وحملوا قضيتنا على أكتافهم وقاموا بكل مايلزم لانتشال قارب الموت".

 وعلى رأس الذين شكرهم "أبو تيمور" "النائب أشرف ريفي وجمال ريفي وربيع فتفت والجالية الأسترالية" مؤكداً "لن نسمح بأي إساءة، لا من قريب ولامن بعيد لهؤلاء الأشخاص، الذين قاموا بكل ما يمكن لتسكين الجراح في مصاب أهلهم في طرابلس، في حين تقاعست الدولة عن فعل أي شيء بخصوص هذه القضية، وعلى رأس المتقاعسين نجيب ميقاتي الذي سخر من قضيتنا واستهزأ بأوجاع أهله، وأيضا محمد الصفدي وسمير الجسر وفيصل كرامي وأبو العبد كبارة".

وتشير الترجيحات إلى أن الضحايا علقوا في الغرفة السفلية للقارب، وستنقسم مهمة الغواصة المزودة بتقنيات اتصال حديثة وقدرات متقدمة للعمل في أعماق البحار، إلى شقين، كما يؤكد اللواء ريفي لموقع "الحرة" "الأول تحقيقي، فبناء على تعليمات قائد الجيش سيتم تصوير المركب من كل جوانبه، لاستكمال التحقيقات، أما الشق الثاني فإنقاذي، يقوم على انتشال جثث الشهداء".

ويتألف الفريق الإنقاذي، بحسب ما يقول ريفي، "من قائد الغواصة الذي يحمل الجنسية الأميركية وعدد من المساعدين، من الجنسيات الأميركية والإسبانية وجنوب أفريقيا"، ويضيف "دور الجيش اللبناني مهم جداً، فهو الذي يشرف على الغواصة تجهزياً وحماية، حيث وضعت القوات البحرية بتصرف هذه المهمة الإنسانية الكبرى".

وقدّر المسح البحري للجيش غرق القارب بعمق يتجاوز 470 متراً، وذلك بعد ساعتين من إبحاره وعلى متنه، بحسب الأمم المتحدة "84 شخصاً على الأقل من نساء ورجال وأطفال" غالبيتهم لبنانيون إضافة إلى فلسطينيين وسوريين، وفيما تمكن الجيش من إنقاذ 45 شخصاً بعد الحادثة، وانتشال 6 جثامين، بقي نحو 33 ضحية في الأعماق.

هل يبقى "الأثر"؟

السؤال الأساسي الذي يفرض نفسه منذ وصول الغواصة إلى مرفأ بيروت، قبل أن يعمل الجيش اللبناني على نقلها إلى مرفأ طرابس، يتمحور حول ما إذا كانت الجثث استسلمت إلى ملوحة المياه فتحللت ولم يبق منها أثر، أو أنها صمدت كل هذه المدة في انتظار انتشالها، وبين الاحتمالين فإن الأهالي بانتظار استعادة "ولو حذاء أو قطعة من ملابس فلذات أكبادهم"، كما يقول "أبو ابراهيم" "فذلك سيبرّد ولو قليلاً من النيران التي تحرق قلوبنا".

ولا يبقى أثر الحمض النووي كما يؤكد رئيس الشرطة القضائية الأسبق العميد المتقاعد أنور يحيى، "إلى الأبد، فهو يتأثر بمكان وجوده، والزمن والجزء الذي تؤخذ منه العينة، فيما إن كان الأسنان أو العظام أو الكتف أو الورك وغيرها"، مؤكداً تفاؤله بعثور طاقم الغواصة على بقايا الجثث الغارقة في البحر، مشدداً في ذات الوقت على ضرورة وجود فريق تقني متخصص "مهمته تحليل العينات ومطابقتها مع الحمض النووي لعائلات الضحايا".

ويشير العميد يحيى، في حديث لموقع "الحرة"، إلى حادثة أثبتت بقاء الحمض النووي لنحو ثلاثين عاماً، ويشرح "عام 2006 وردت معلومات من أحد المخبرين عن احتمال وجود بقايا جثة الصحفي الفرنسي ميشال سورا الذي خطف عام 1986 في موقع يتم الحفر فيه لأساسات مبنى على طريق المطار، وجرى اعلام السفارة الفرنسية بالأمر، فما كان منها إلا أن استقدمت فريقاً تقنياً أخذ عينات جرى تحليلها في فرنسا، كما أن فريق الشرطة القضائية قام بالأمر نفسه، فتطابقت العينات مع الحمض النووي لعائلته، وبعد حفل التكريم الذي أجري لسورا في المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، أعيدت أشلاؤه إلى بلده".

كما لفت قائد الشرطة القضائية الأسبق إلى حادثة سقوط الطائرة الإثيوبية، يوم 25 يناير 2010 فوق شاطئ الناعمة بعد حوالي دقيقتين من إقلاعها من مطار بيروت باتجاه إثيوبيا، "حينها عمل الجيش وغطاسون على جمع الأجسام والأشلاء والحطام، للتحقق فيما إن كان هناك حادث تفجير للطائرة من الداخل أو تعرضت لصاروخ أو قذيفة بعد اقلاعها، وشكلت الشرطة القضائية فريق عمل من المباحث العلمية، من ضمنه الدكتور فؤاد أيوب، الذي شغل مركز رئيس الجامعة اللبنانية وهو مختص بالحمض النووي".

وكان على متن الطائرة 125 شخصاً من ضمنهم طاقهما، وبحسب العميد يحيى "شارك الفريق العامل في المختبرات الجنائية في الشرطة القضائية في تحديد هوية أشلاء الضحايا، وذلك بالنظر لما يتمتع به أعضاء الفريق، وعددهم 21 شخصاً من خبرة وكفاءة ولوجستية عالية، وقد استغرقت مهمتهم 45 يوماً"، ويشدد "هذان المثلان يؤكدان أن العثور على أشلاء ضحايا قارب طرابلس أمر مؤكد، وكذلك تحديد لمن تعود بعد إجراء الفحوص النووية".

وتدفع الظروف الاقتصادية اليائسة المتزايدة، كما سبق أن قال رئيس المنظمة الدولية للهجرة في لبنان، ماتيو لوتشيانو "بعدد متزايد من الأفراد في لبنان إلى المغادرة بطرق غير آمنة. هناك حاجة ماسة إلى بدائل آمنة وقانونية للهجرة غير النظامية، وإلى دعم سبل العيش وتحسين الوصول إلى الخدمات في المجتمعات المعرضة للخطر".

آمال "معلّقة"

استقدام الغواصة اصطدم بعراقيل عدة، مما أدى إلى تأخّرها عن موعدها الذي حدد، وبالتالي تشكيك بعض الأهالي بإمكانية وصولها، وبعد إنجاز الخطوة الأولى، يتضرع اللواء ريفي إلى الله كي تنجح عملية انتشال جثث الضحايا من قعر البحر "للقيام بما يليق بهم وبأهلنا في طرابلس وبوطننا لبنان".

وإضافة إلى أمل أهالي الضحايا بانتشال جثث أبنائهم من البحر، هم كذلك ينتظرون أن يساهم تصوير وتعويم القارب في إثبات تورط الضابط، الذي يتهمونه بتعمد الاصطدام بقاربهم، بعدما أمر بإيقافهم ومنعهم من استكمال رحلتهم، في ظل نفي الجيش ذلك، والتشديد على أن "قائد القارب اتخذ القرار بتنفيذ مناورات للهروب من الخافرة بشكل أدى إلى ارتطامه بها".

ويشهد لبنان، بحسب الأمم المتحدة، زيادة في عدد المغادرين بحراً منذ عام 2020، وبعد غرق القارب في طرابلس، قال ممثل مفوضية اللاجئين في لبنان، أياكي إيتو "يُسلّط هذا الحادث المأساوي الضوء على المخاطر الصادمة التي يلجأ إليها الكثيرون بدافع اليأس. تحطم القوارب وغرقها، والوفيات المأساوية والمعاناة التي تسببها أمر يمكن تفاديه، وذلك من خلال حشد الدعم الدولي المستمر لمساعدة لبنان، خاصة مع تدهور الظروف المعيشيّة للاجئين واللبنانيّين على حدّ سواء."

من جانبها، قالت المنسقة الخاصة للأمم المتحدة في لبنان، يوانّا فرونِتسكا، "هذه المأساة بمثابة إشارة أخرى إلى الحاجة الملحة لإيجاد حلول للأزمات الاجتماعية والاقتصادية والمصاعب المعيشية في لبنان، التي تدفع بالكثيرين إلى تعريض حياتهم للخطر أثناء محاولتهم الهروب عن طريق البحر".

وفي محاولة لكشف الحقيقة، وتحديد المسؤوليات، تطوع 11 محامياً لمتابعة القضية، كما عينت نقابة المحامين في طرابلس لجنة لذات الأمر، وفي حديث مع موقع "الحرة" أكد المحامي محمد صبلوح، الذي كان على متن زورق الجيش لمواكبة عملية إنزال الغواصة أن "استقدامها وتكليفها بهذه المهمة أمر مهم جداً من عدة نواحي، أولاً لانتشال جثث الضحايا وتسليمها إلى عائلاتها، ثانياً سيساعد تصوير القارب على تحديد المسؤوليات، فهو الدليل الدامغ فيما إن كان الاصطدام مقصوداً من قبل ضابط الجيش من عدمه" ويشدد "كنا نتمنى لو أن الدولة اللبنانية هي من قامت بواجبها واستقدمت الغواصة بدلاً من الاتكال على مبادرات فردية".

وفيما إن كان التقاط صور للقارب يساعد في الكشف عن كيفية وقوع حادث الاصطدام، أجاب العميد يحيى: "سواء كان لا يزال القارب متماسكاً من عدمه، فنحن لسنا أمام حادث سير بين سيارتين لتوزيع نسب المسؤولية، فالأهم من ذلك هو تحديد لمن تعود الأشلاء التي سيعثر عليها".

وعن التحقيق، قال صبلوح "أخذ الجيش افادات الشهود، ونحن نصر على ضرورة تطبيق البيان الصادر عن نقابة المحامين في طرابلس والمتضمن ضرورة إحالة الملف إلى المجلس العدلي بمرسوم صدر عن مجلس الوزراء، وذلك تحقيقاً للشفافية وتطبيقاً للعدالة، ونتمنى من رئيس حكومة تصريف الأعمال، الذي لم يعط الأولوية لهذا الملف، أن يصدر قراره بنقل التحقيق".

وأكد المحامي أنه "تم تحديد أربع نقاط يتواجد القارب من ضمنها، والعمل جار للتأكد من المكان الدقيق له، ونحن بانتظار تحديد القوات البحرية لموعد ثان لإنزال الغواصة، مع العلم أن فريق استرالي يعمل على المنصة سيعد تقريراً توثيقياً كاملاً".

بين المنازل السكنية في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، يزرع حزب الله الموت.. صواريخ وذخائر في أقبية المباني والمستودعات.
بين المنازل السكنية في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، يزرع حزب الله الموت.. صواريخ وذخائر في أقبية المباني والمستودعات.

بين المنازل السكنية في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، يزرع حزب الله الموت.. صواريخ وذخائر في أقبية المباني والمستودعات.

قبل أيام، عرض الجيش الإسرائيلي مشاهد لقصف استهدف بنية تحتية قال إنها خُصصت لتخزين صواريخ دقيقة في الضاحية الجنوبية لبيروت، مؤكداً أنه دمرها بالكامل. لم تكن هذه المرة الأولى التي تنشر فيها إسرائيل مقاطع تُظهر استهداف مستودعات أسلحة لحزب الله تتطاير منها الذخائر والصواريخ وسط أحياء سكنية.

أعادت واقعة الضاحية الجنوبية تسليط الضوء على المخاطر الجسيمة التي تتهدد حياة المدنيين في مناطق نفوذ حزب الله.

الدروع البشرية تحمي السلاح؟

بلغ حزب الله من حال الارتباك والضعف درجة الاحتماء بالمدنيين، كما يقول المحلل السياسي الياس الزغبي وهذا ما يفسّر برأيه "تخزينه الأسلحة في عمق المناطق الآهلة وفقاً لما ظهر في الهنغار الذي استهدفته إسرائيل قبل بضعة أيام في الضاحية الجنوبية لبيروت".

وهذا ما يفسّر أيضاً وفق ما يقوله الزغبي لموقع الحرة "الإنذار الذي وجهته إسرائيل إلى المدنيين القاطنين في محيط هذا الموقع كي تتفادى نقمة عالمية في حال سقوط قتلى من الأهالي. ولوحظ هذه المرة أن فترة الانذار كانت أطول من سابقاتها بهدف إتاحة الوقت الكافي لإخلاء الأبنية المحيطة بالموقع المستهدف".

عملياً، لم يعد حزب الله يقيم وزنا للمدنيين، يقول الزغبي، بل لعلّه يفضل وفق ما يشدد "سقوط قتلى كي يستثير العواطف ويؤجج مشاعر بيئته، فهو يضع أولوية الحفاظ على سلاحه قبل أي أمر آخر، حتى لو سقطت أرواح بريئة. وبذلك يكون قد استبدل شعاره "السلاح يحمي السلاح" بشعار جديد "الدروع البشرية تحمي السلاح"!.

يذكر أن للبنانيين تجارب عديدة مع استخدام حزب الله للمناطق اللبنانية في سبيل أنشطته العسكرية، لا سيما في حرب عام 2006، حيث أجرت منظمة "هيومن رايتس ووتش" تحقيقاً موسعاً حول أداء حزب الله خلال تلك الحرب، بيّن أن الميليشيا التي تصنفها الولايات المتحدة منظمة إرهابية، عرّضت في مواقف عدة موثقة بالتواريخ والأمكنة حياة المدنيين للخطر، إما بسبب نشاطها العسكري أو بسبب إخفاء مخازن أسلحة بين المدنيين.

ووثقت المنظمة حينها عدداً من الحالات التي انتهك فيها حزب الله قوانين الحرب عبر تخزين الأسلحة والذخيرة في مناطق مأهولة وعدم بذل أي جهد بغرض إبعاد المدنيين الواقعين تحت سيطرته عن تلك المناطق.

ونقل التحقيق معلومات مفادها أن حزب الله خزن أسلحةً في مناطق مدنية بضواحي بيروت الجنوبية. وقابل مدنيين في الضاحية الجنوبية نقلوا لـ"هيومن رايتس ووتش" مشاهداتهم لتخزين ونقل الأسلحة من مبان سكنية في الضاحية الجنوبية والاحتماء في ملاجئ مدنية، وهو ما اعتبره التحقيق انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني بتعريض المدنيين للخطر.

في حينها، رأت المنظمة أن الحالات التي قام بها الحزب بتخزين الأسلحة ونشر المقاتلين في أحياء كثيفة السكان، فإنه كان يرتكب انتهاكاً جسيماً لقوانين الحرب، تتضمن "اتخاذ المدنيين دروعاً".

مخاوف محلية وتحذيرات دولية

منذ سنوات، يواصل الجيش الإسرائيلي نشر صور ومقاطع مصورة تُظهر منشآت ومخازن ومصانع صواريخ تابعة لحزب الله، أقيمت وسط مناطق مدنية مأهولة، بعضها يقع قرب مدارس ومساجد ومرافق حيوية. وتتهم إسرائيل الحزب باستخدام السكان المدنيين كدروع بشرية وكساتر لتخزين سلاحه وتنفيذ مخططاته العسكرية، في حين ينفي حزب الله هذه الاتهامات بشكل متكرر.

"والمشكلة أن المدنيين لا حول لهم ولا قدرة على مواجهة ما يقرره حزب الله"، كما يقول الزغبي، "وهم مجبرون على تنفيذ مشيئته ولو على حساب استقرارهم وسلامتهم، لكنهم يتهامسون فيما بينهم عن المصيبة التي أوقعهم فيها الحزب ويناشدون الدولة لإنقاذهم ويسلّمون أمرهم لله".

وشكّل هذا الملف على الدوام محور تجاذب وخلاف داخلي في لبنان، في ظل رفض شريحة واسعة من اللبنانيين لتحويل مناطقهم إلى ساحات عسكرية، وقد برزت هذه المعارضة بشكل واضح في حادثة بلدة شويا في قضاء حاصبيا عام 2021، حين اعترض الأهالي على إطلاق صواريخ من منطقتهم، وقاموا بتوقيف راجمة تابعة لحزب الله. وتكررت مشاهد التوتر في بلدة الكحالة، حيث اندلع اشتباك بين سكان المنطقة وعناصر من الحزب، إثر سقوط شاحنة كانت تنقل أسلحة في قلب البلدة.

وشهدت السنوات الماضية تصاعداً في التحذيرات المحلية من خطورة هذه الممارسات، والتي لم يقتصر على الساحة اللبنانية فحسب، بل اتخذ أبعاداً دولية. ففي عام 2020، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، عن وجود مصنع صواريخ في منطقة الجناح في بيروت، ما أثار موجة من الجدل والقلق. ورداً على الاتهامات، نظّم الجانب اللبناني جولة ميدانية لسفراء عدد من الدول الأجنبية إلى الموقع المذكور، في مسعى لنفي صحة الاتهامات الإسرائيلية وتأكيد خلو المنطقة من أي نشاط عسكري.

وعقب الحرب الأخيرة بين حزب الله وإسرائيل، عاد الحديث عن سلاح الحزب إلى الواجهة، في ضوء اتفاق وقف إطلاق النار الذي يستند إلى القرار الدولي 1701، والذي يشدد بدوره على تنفيذ القرار 1559 القاضي بحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية ونزع سلاح الميليشيات.

خرق للقانون الإنساني

يفرض تخزين الأسلحة والصواريخ الالتزام بإجراءات دقيقة وبروتوكولات صارمة تأخذ في الحسبان مختلف الاحتمالات، بما في ذلك خطر الاستهداف، أو التعرض لخلل تقني، أو نشوب حريق، أو تلف المواد المخزنة. ويستدعي ذلك دراسة منهجية لمواقع التخزين، وضمان ابتعادها عن المناطق السكنية لتفادي أي أضرار محتملة. كما يشترط، في هذا السياق، تفكيك المقذوفات كالصواريخ وجعلها غير مفعّلة أثناء التخزين، بهدف الحد من تداعيات أي طارئ قد يؤدي إلى انفجارها أو تسرب مواد خطرة إلى محيطها.

ويلزم القانون الإنساني الأطراف المتقاتلة اتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية ما تحت سيطرتها من سكان مدنيين من الأخطار الناجمة عن العمليات العسكرية، ويشمل هذا تجنب إقامة أهداف عسكرية (كالأسلحة والذخيرة) في المناطق المكتظة بالسكان، وعند تعذر ذلك نقل السكان المدنيين بعيداً عن المناطق المجاورة للأهداف.

وتشدد اللجنة الدولية للصليب الأحمر على اتخاذ أقصى "الاحتياطات المستطاعة" خلال الحروب لتجنيب المدنيين آثار العمليات العسكرية، حيث تدعو لاتخاذ الخطوات المطلوبة للتعرف على الهدف العسكري المشروع "في الوقت المناسب وبالشكل الذي يعفي السكان المدنيين من الضرر قدر المستطاع".

ومن بين الاحتياطات، تجنب "إقامة أهداف عسكرية داخل المناطق المكتظة بالسكان أو بالقرب منها، وتدعو أطراف النزاع للسعي بجهد إلى "نقل ما تحت سيطرتهم من السكان المدنيين بعيداً عن المناطق المجاورة للأهداف العسكرية".

وتحذر من أنه لا يجوز لأطراف النزاع استخدام المدنيين لصالح "درء الهجمات عن الأهداف العسكرية" أو التذرع بوجودهم في "درء الهجوم عن الأهداف العسكرية، أو تغطية، أو تحبيذ، أو إعاقة العمليات العسكرية، وإذا استخدم أحد أطراف النزاع المدنيين كدروع يجب ألا يفعل الطرف الآخر مثله، وأن يستمر في اتباع قواعد القانون الإنساني الدولي، وتفادي الهجمات العشوائية واتخاذ الاحتياطات لحماية المدنيين".

معادلة مكشوفة

منذ توريط حزب الله للبنان بالحرب الأخيرة مع إسرائيل، تتعالى أصوات داخل لبنان وخارجه تطالب حزب الله بالالتزام الكامل بالقرارات الدولية، إلا أن الحزب لا يزال يرفض التخلي عن سلاحه في شمال الليطاني، ويضع شروطاً مسبقة للدخول في أي حوار وطني حول هذه المسألة.

من أبرز شروط الحزب، بحسب تصريحات مسؤوليه، أن أي نقاش حول تسليم سلاحه يجب أن يسبقه انسحاب إسرائيل من خمس نقاط في جنوب لبنان.

وحتى الآن لا تبدو الدولة اللبنانية وفق ما يقوله الزغبي "قادرة على حماية الناس من سطوة الحزب، وتتعامل بحذر شديد معه تخوفاً من التصادم وشبح الحرب الأهلية، لكن المجتمع الدولي لن يسمح باستمرار هذا الوضع الضاغط على الدولة، وقد بدأ يضعها أمام استحقاق نزع السلاح غير الشرعي ضمن مهلة محددة قبل أن تتمادى إسرائيل في عملياتها العسكرية".

وفي أي حال بات لبنان كما يشدد الزغبي "أمام معادلة مكشوفة: حصر السلاح فعلياً في يد الجيش أو التعرض المستمر للغارات الإسرائيلية. والمسألة ليست مفتوحة، بل تقاس بالأسابيع".