عناصر في جهاز أمن الدولة اللبناني
عناصر في جهاز أمن الدولة اللبناني. الصورة إرشيفية من حساب الجهاز على تويتر.

من جديد، تسقط أجهزة الأمن اللبنانية في مرمى شبهات واتهامات بممارسة التعذيب الوحشي في السجون ومراكز التوقيف، بعد وفاة معتقل بتهمة الانتماء لتنظيم داعش، أثناء التحقيق.

كان جهاز أمن الدولة اللبناني قد ألقى القبض على بشار عبد السعود، سوري الجنسية، ضمن حملة توقيفات لمن قيل إنهم أعضاء في "خلية تابعة لتنظيم داعش" تنشط ما بين جنوب لبنان وبيروت، وفق الرواية التي قدمها الجهاز الأمني في الـ29 من أغسطس. و"سبق للخلية،" بحسب زعم البيان، "أن قاتلت في سوريا، وانتقلت إلى لبنان بطريقة غير شرعيّة". 

وأضاف البيان أن أفراد الخلية "كانوا يقيمون أثناء توقيفهم في إحدى القرى الحدوديّة جنوبي البلاد"، وأن هذه المجموعة "سبق وأن أدارت شبكة لترويج العملات الأجنبية المزيّفة والمخدّرات، بهدف تمويل عملها ومهامّها". وقال جهاز الأمن اللبناني إن التحقيقات لا تزال جارية لكشف خيوط وأهداف الخلية. 

موت تحت التعذيب 

وفجأة، في الـ 31 من أغسطس، أُعلنت وفاة أحد الموقوفين إثر نوبة قلبية استدعت نقله إلى المستشفى، حيث توفي، لتتكشف أمس عبر صحيفة "الأخبار" اللبنانية، تفاصيل عملية تعذيب أقدم عليها ضابط ومجموعة من عناصر مكتب جهاز أمن الدولة، جنوب لبنان، كانت السبب الرئيسي في وفاة الموقوف السوري. 

وبحسب الصحيفة، "حاول المتورطون لفلفة الجريمة بالزعم تارة أنّ الموقوف، بشار عبد السعود، توفّي جراء إصابته بذبحة قلبية بعد تناوله حبّة كبتاغون، وتارة أخرى بسبب تعاطيه جرعة زائدة من المخدرات، فيما بيّنت معاينة الجثة أن الموقوف تعرّض لتعذيب وحشي أسفر عن إصابته بذبحة قلبية أدّت إلى وفاته".

وتحدث التقرير عن آثار ضرب وحشي وجلد "لم يترك مكانا في الجثة من دون جروح وكدمات"، لافتا إلى محاولات للتستر على ما جرى، عبر تسريب معلومات عن "إنجاز أمني حقّقه جهاز أمن الدولة بتوقيفه خلية لتنظيم داعش"، وأنّ الضحية الذي أطلق عليه صفة "القيادي" في داعش، كان تحت تأثير المخدرات، وحاول مهاجمة المحقق وأن العناصر أمسكوا به لتهدئته، قبل أن يصاب بنوبة قلبية استدعت نقله إلى المستشفى حيث توفي". 

وانتشرت صور تتضمن مشاهد قاسية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتظهر جثة الضحية ويبدو عليها آثار تعذيب وحروق وكدمات وجلد، مما أثار حالة رعب لدى الرأي العام اللبناني من هول المشهد، عبر عنها ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، مطالبين بمحاسبة جميع المسؤولين عن هذه الحادثة.

أمن الدولة يرد: "المرحلة صعبة" 

وتعقيباً على ذلك، أصدر جهاز أمن الدولة بياناً قال فيه إن المديريّة العامّة لأمن الدّولة، الحريصة دائماً على المصداقيّة والموضوعيّة والشفافيّة، توضح أنّه بنتيجة التحقيقات التي أجرتها مع أفراد الخليّة، اعترفوا بمعلوماتٍ أدّت إلى توقيف شريك لهم. وأثناء التحقيق معه، اعترف بدوره بأنّه ينتمي إلى تنظيم داعش الإرهابيّ، وأنّه كان من عِداد مقاتليه، ويدين بالولاء لهم". 

وأضافت "إن المديريّة العامّة لأمن الدّولة، التي سارعت إلى وضع هذه الحادثة بيد القضاء المختصّ، والذي كانت تُجرى التحقيقات بإشرافه، يعود إليه حصرا جلاء كامل ملابسات ما حصل، وإجراء المقتضى القانونيّ بإشرافه، تحرص دائما على المصداقيّة وعدم خلق ظروف متوتّرة، في هذه المرحلة الصّعبة والخطرة من تاريخ لبنان، بسبب الأوضاع الأمنيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، في حين يجب تضافر الجهود من كل القطاعات والتصرف بمسؤوليّة وطنيّة للوصول إلى مرحلة الاستقرار في المنطقة، بعد السّير بالحلّ العادل للجميع". 

وقد توجه مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية بالإنابة، القاضي فادي عقيقي، إلى مدينة بنت جبيل صباح الجمعة، حيث عاين جثة الضحية وأجرى تحقيقاته بالواقعة، معطياً إشارة بتوقيف عدد من الضباط والعناصر المعنيين بالقضية في جهاز أمن الدولة.  

موقع "الحرة" تواصل مع المستشار الإعلامي لرئيس جهاز أمن الدولة، جورج حرب، للوقوف على تفاصيل التوقيفات وأسبابها، إلا أن الأخير أكد أن توقيف أي ضابط أو عنصر في جهاز أمن الدولة "هو أمر خاضع للسرية، لا يسمح الحديث عنه بتوجيهات من رئيس الجهاز اللواء طوني صليبا". 

"أمر غير مقبول" 

وفي تعليقه على الحادثة، يصف النائب في البرلمان اللبناني، ونقيب المحامين السابق، ملحم خلف، ما جرى بأنه "أمر غير مقبول مطلقاً، ويظهر لنا إلى أي مدى تتجه دولتنا نحو التحلل، مع اعتكاف القضاة من جهة وانعدام الرقابة الجدية، وعدم احترام القوانين، ثم أن نصل إلى حد التعذيب، والموت تحت التعذيب، هذا لا يمكن أن يمر بهذه البساطة بعد اليوم في لبنان". 

ويضيف خلف "لن نقبل أن يتحول البلد إلى دولة بوليسية، لن نسكت عن هذا الموضوع وسيلاحق إلى نهايته"، كاشفاً عن أنه تواصل مع رئيس لجنة حقوق الإنسان النيابية النائب ميشال موسى، "وغداً سيخرج بيان حول هذا الموضوع، وسيكون هناك اجتماع في هذا الشأن، يجب أن نعلم أن المسؤول عن هذا الفعل سيكون تحت المساءلة، وهذه المساءلة مطروحة اليوم على أعلى سلطة، وعلى أعلى مسؤول فيها أن يتقدم باستقالته". 

من جهته يرى المحامي المتابع لقضايا التعذيب في السجون اللبنانية، عضو لجنة الدفاع عن المتظاهرين، مازن حطيط، أن التعاطي في هذه القضية يتم "مع جهاز أمني فاشي وفاشل بالمطلق، يعيش على انتزاع انتصارات وهمية، وكلنا نذكر ما جرى في قضية الممثل زياد عيتاني مع هذا الجهاز، ولو جرى محاسبة المسؤولين منذ ذلك الحين، لما كنا وصلنا إلى هنا بالتأكيد". 

وكان جهاز أمن الدولة قد اتُهم بفبركة ملف تعامل مع إسرائيل للممثل المسرحي اللبناني زياد عيتاني، قام على أثرها باعتقاله حيث تعرض بدوره للتعذيب والضرب، وانتزاع اعترافات بالقوة، ليتبين بعد احتجاز طويل، وعلى أثر تحقيق من قبل فرع المعلومات بالقضية، أن عيتاني بريء من التهمة الملفقة له لأسباب شخصية وبتورط عدد من الضباط الأمنيين. 

ويضيف حطيط "ثانيا وضع رئيس هذا الجهاز الأمني ليس سوياً، وإنما مدعى عليه بانفجار مرفأ بيروت، وهذا الرجل ثبت أنه يتجسس على القضاة وتحركاتهم، وهناك كثير من علامات الاستفهام حوله".  

ويكشف المحامي اللبناني أن المسؤولين "دائما ما يتعاطون مع مفهوم التعذيب في لبنان وكأنه نكتة وليس موضوعاً جدياً، ونلاحظ ذلك كلما توجهنا إلى مجلس النواب وأجرينا لقاءات وتحدثنا في ملفات التعذيب، نواجه من أركان السلطة، إن كان قادة أجهزة أو ممثلين عنهم أو وزراء داخلية، بأننا نبالغ وأنه ما من تعذيب في لبنان، ودائما ما كان حديثنا أن التعذيب ليس بالكمية وإنما بنوعية الفعل المرتكب والمحاسبة عليه، وليس بالضرورة أن يعذب مئة شخص دفعة واحدة ليكون هناك تعذيب، يكفي تسجيل حالة واحدة دون محاسبة المرتكب يصبح هناك تعذيب". 

ليست المرة الأولى 

ويذكر حطيط بأنها ليست المرة الأولى التي يموت فيها موقوفون تحت التعذيب لدى الأجهزة الأمنية في لبنان، "قبل ذلك كلنا نذكر قضية حسان الضيقة الذي مات تحت التعذيب لدى فرع المعلومات، حيث فتح التحقيق ثم أغلق بعد الضغط على والده".  

كذلك سبق أن انتشرت فيديوهات للقوة الضاربة في قوى الأمن الداخلي، وهي تعذب سجناء وموقوفين في سجن رومية، وهناك أشخاص تعرضوا للتعذيب خلال المظاهرات عامي 2019 و2020 لدى مخابرات الجيش وكسر ظهرهم بسبب التعذيب، ولدينا ملفات أيضا حول مخابرات منطقة القبة في الشمال حيث جرى إطفاء سجائر في أجساد الموقوفين، وهناك تعذيب بالكهرباء لدى مخابرات صيدا، وبالتالي ما جرى ليس جديدا على الواقع اللبناني".

في المقابل، يتم التعاطي مع هذه الملفات بحالة من الإنكار أو تبريرها كـ"حادثة فردية"، بحسب حطيط الذي يضرب مثالاً على ذلك "بيان أمن الدولة الصادر حول قضية اليوم، هل هناك أسخف من الكلام الوارد فيه عن أوضاع اقتصادية وسياسية وتظافر جهود للوصول إلى استقرار في المنطقة والحل الشامل، هل هناك أوقح من ذلك؟ ما علاقة كل ذلك بقضية تعذيب موقوف حتى الموت؟ حتى أنه لم يرد على الاتهامات الواردة بحقه، كأنه يقول فقط إن الموقوف سوري وينتمي إلى داعش وبالتالي بات لديه المبرر للتعذيب". 

ويلفت حطيط إلى أن الأجهزة الأمنية في لبنان "دائما ما تعمد إلي تبرير تعذيبها للموقوفين تحت تصنيفات التهم الموجهة إليهم، حيث يعمدون إلى تشويه وتسويد صورة الموقوف، كي يدخلوها في الأبعاد الاجتماعية تبريرا لأفعالهم وومارساتهم أمام الرأي العام".  

ويأسف المحامي المتابع لقضايا التعذيب، لكون كافة القضايا المكتشفة والتي توجهت إلى القضاء لم يفض أي منها إلى تحقيق العدالة للضحايا أو محاسبة للمسؤولين، "ونحن في مرحلة بتنا نقاتل من أجل تطبيق الأصول القانونية وهو ما لا يحصل، رغم أن قانون مناهضة التعذيب في لبنان يعاقب ويشدد العقوبة على هذه الممارسات". 

مخالفات بالجملة 

وتخضع قضايا التعذيب لإجراءات قضائية خاصة، "لا علاقة فيها للمحكمة العسكرية بتاتاً"، وفق حطيط الذي يؤكد أيضا أنه "وفق القانون، لا يحق للضابطة العدلية نفسها أن تحقق في قضية التعذيب. قاضي التحقيق هو المسؤول الوحيد".  

ويثير تدخل القاضي العسكري، فادي عقيقي، بشخصه في هذه القضية الريبة بالنسبة إلى حطيط، "ما حصل ليس مطمئنا، لأن تجاربنا مع هذا القاضي تقول أن كل ما يمكن أن يمس بالنظام وزبائنيته وأزلامه، هو أفضل من أغلق ملفاته، ولنا تاريخ معه في كل ما مررنا به منذ انتفاضة 17 أكتوبر حتى اليوم، وضمنا إصابات المتظاهرين واقتلاع العيون والأطراف والتعذيب، كل هذه الملفات وصلت إلى فادي عقيقي واختفت".  

ويشرح المحامي أن هناك غيابا لتطبيق القانون 65/2017، قانون التعذيب، "الذي بموجبه يجب تلقائيا أن تحول القضية إلى القضاء العدلي وليس العسكري، وفتح تحقيق من قبل قاضي التحقيق، فيما تنحصر مهام النيابة العامة بجمع الأدلة فقط". 

وينص قانون مناهضة التعذيب في المادة الخامسة منه، على أنه "عند ورود شكوى أو إخبار لدى النيابة العامة بشأن جرائم التعذيب، على النيابة العامة ضمن مهلة 48 ساعة أن تقرر إما حفظ الشكوى، وإما الادعاء أمام قاضي التحقيق، دون إجراء أي استقصاء أو تحقيق أولي في هذا الصدد، إلا من قبلها شخصياً والمحافظة على الأدلة وضبطها وإحضار طبيب شرعي للكشف على الضحية". 

وتضيف "على قاضي التحقيق الناظر في الدعوى أن يتولى بنفسه القيام بجميع إجراءات التحقيق، دون الإسناد إلى الضابطة العدلية أو أي جهاز أمني آخر القيام بأي اجراء باستثناء المهمات الفنية".  

وبالتالي، يشدد حطيط "القاضي عقيقي ملزم بإحالة القضية إلى قاضي تحقيق غير عسكري، لأن الأسباب الموجبة للقانون واضحة وتنص على أنه أمام قاضي عادي وليس استثنائيا، وبالتالي بدأ الخلل من النيابة العامة التمييزية التي يجب أن تتولى هي القضية وليس النيابة العامة العسكرية". 

ويشرح المحامي اللبناني أنه في الوضع الحالي ولكون القضية أمام النيابة العامة العسكرية، وبالتالي المحكمة العسكرية، "فإن الوكيل القانوني للضحية لا دور له أمام المحكمة العسكرية، أما لو كانت أمام القضاء العدلي في النبطية، باستطاعة الوكيل أن يذهب ويتابع ويتقدم بدعوى وطلب تعيين طبيب شرعي آخر وحضور الكشف على الجثة لضم كل تلك الأمور إلى محضر التحقيقات، أما أمام المحكمة العسكرية فليس هناك ادعاء شخصي، هناك فقط مدعى عليه وبالتالي أهل الضحية يمكن أن يكونوا فقط شهودا أمام المحكمة العسكرية، ولا دور لهم ولا يستطيعون أن يعلموا شيئاً عن مجريات التحقيقات".  

ويفند النائب خلف المخالفات القانونية الظاهرة حتى الآن في الواقعة، "أولها أن الشخص موقوف ويخضع للاستجواب والتعذيب، من دون وجود محام، وفقاً لما تفرضه المادة 47 من أصول المحاكمات الجزائية".  

ثانياً، يضيف نقيب المحامين السابق، "الضرب المبرح الذي شاهدناه في الصور المنتشرة، والتقرير الصادر عن الطبيب الشرعي المعاين، يظهر ويثبت الطريقة غير الإنسانية التي تم التعامل بها مع هذا الموقوف وهذا أمر غير مقبول".  

أما الأمر الثالث بحسب خلف، فهو أن "التحقيق يجب أن يكون تحقيقا شفافا عبر وضع كل الأمور بنصابها القانوني والواقعي بدون أي مواربة وهذا أمر يقضي بأن يضع المدعي العام الاستئنافي في منطقة النبطية، يده على هذه القضية، وتطبيق ما ينص عليه قانون مناهضة التعذيب الذي جاء بعد توقيع لبنان على المعاهدة الدولية لمناهضة التعذيب".  

ويؤكد خلف "سنحاول بكل الوسائل التي يسمح لنا بها القانون أن نتدخل في هذا الأمر، وعلى صعيد المجلس النيابي تواصلت مع رئيس لجنة حقوق الإنسان النيابية ميشال موسى واعتقد سيدعي لاجتماع في هذا الموضوع، لأن الحادث غير مقبول تحت أي ظرف أو مبرر، والمطالبة بالمحاسبة هو الأمر الأول الذي لا يمكن أن نتغاضى عنه، أما المسؤوليات والمساءلة اعتقد أنه اليوم يجب على رأس هذا الجهاز الأمني ومن أعلى تراتبيته أن يحث نفسه على الاستقالة".  

ويختم "أن يحصل هذا الأمر في العام 2022، وأن نخفي هكذا أساليب، يجب علينا أن نخجل من أنفسنا". 

حزب الله

عادت "جمعية القرض الحسن"، الذراع المالي لحزب الله، إلى الواجهة مجددا مع تداول تقارير إعلامية تشير إلى جهود أميركية لإضعاف الحزب ماليا.

الجمعية، التي كانت تدير أكثر من 30 فرعا في مختلف المناطق اللبنانية قبل آخر حرب مع إسرائيل، تثير جدلا واسعا بشأن دورها في تمويل الحزب. 

وتحاصر الجمعية التي تقدم نفسها كمؤسسة خدمات مالية تشمل قروضا دون فوائد مقابل رهونات، اتهامات بتبييض الأموال لتمويل أنشطة حزب الله.

ويزداد الجدل تعقيدا في ظل غياب الرقابة الرسمية التي يفترض أن يقوم بها مصرف لبنان على أنشط "القرض الحسن" المالية.

ومع تصاعد الضغوط الدولية على لبنان لسحب سلاح حزب الله وإغلاق قنوات تمويله، ومع ربط المساعدات الدولية وإعادة الإعمار بتنفيذ إصلاحات مالية واقتصادية، يتساءل كثير من اللبنانيين حول تأثير استمرار عمل "القرض الحسن" على مسار التعافي الاقتصادي في البلاد. 

فهل تستطيع الدولة اللبنانية اتخاذ خطوات حاسمة لإغلاق هذه "المؤسسة المالية" المخالفة لقانون النقد والتسليف؟

تجاوز الترخيص

تأسست جمعية "القرض الحسن" عام 1982 بموجب ترخيص "علم وخبر" صادر عن وزارة الداخلية اللبنانية، وفقاً للخبير الاستراتيجي في المخاطر المصرفية والاقتصادية، الدكتور محمد فحيلي. 

يوضح فحيلي أن "هذا الترخيص يتيح للجمعية تقديم قروض ذات طابع اجتماعي. وفي البداية، افتتحت الجمعية مكاتبها داخل عدد من المصارف اللبنانية في مناطق نفوذ حزب الله، حيث بدأت بمنح قروض صغيرة جداً تتراوح قيمتها بين 100 و3000 دولار".

ومع مرور الوقت، وسّعت الجمعية نطاق خدماتها لتتجاوز حدود الترخيص الممنوح لها، كما يقول فحيلي لموقع "الحرة".

"أصبحت تقدم خدمات مالية مشابهة للخدمات المصرفية، مثل استقبال الودائع ومنح القروض وإصدار بطاقات الدفع البلاستيكية، إضافة إلى توفير الصرافات الآلية. هذه التجاوزات تمت نتيجة غياب الرقابة من قبل السلطة المعنية، وهي وزارة الداخلية التي منحتها الترخيص".

بدوره، يؤكد الصحفي الاقتصادي، خالد أبو شقرا، أن الجمعية تحولت تدريجياً إلى ما يشبه المصرف غير المرخص، لا سيما بعد تركيب أجهزة الصراف الآلي وتقديم قروض بمبالغ كبيرة سنوياً، بالإضافة إلى استقبال الودائع النقدية والذهبية ودفع أرباح عليها.

ويشدد أبو شقرا في حديث لموقع "الحرة" على أن نشاط "القرض الحسن يمثل مخالفة واضحة لقانون النقد والتسليف اللبناني". ويلفت إلى أن جميع المسؤولين في الجمعية منتمون إلى حزب الله ويخضعون لعقوبات أميركية مفروضة من وزارة الخزانة ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية".

ويرى الكاتب والمحلل السياسي، الدكتور مكرم رباح، في حديث لموقع "الحرة" أن "القرض الحسن لا يُعد عقبة بحد ذاته أمام مسار الإصلاح، بل يمثل اختباراً لمدى جدية الدولة اللبنانية في التعامل مع ملف سلاح حزب الله". ويشير رباح إلى أن "القرض الحسن هو سلاح مالي يُدار خارج إطار الدولة".

وتنص المادة 200 من قانون النقد والتسليف على تجريم أي شخص أو مؤسسة تمارس عمليات التسليف دون ترخيص من مصرف لبنان، فيما تلزم المادة 206 بملاحقة المخالفين أمام المحاكم الجزائية.

وفرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على "القرض الحسن" عام 2007، وأعقبتها بعقوبات إضافية في 2021 طالت ستة من موظفيه. وقد اتُهم هؤلاء باستخدام حسابات شخصية في مصارف لبنانية لتحويل أكثر من 500 مليون دولار إلى الجمعية، مما أتاح لها الوصول إلى النظام المالي الدولي.

وفي سياق متصل، سبق أن وصف المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي في تغريدة عبر منصة "إكس"، الجمعية بـ"المصرف الأسود لحزب الله"، مشيراً إلى أنها تُستخدم كقناة خلفية لتبييض الأموال الناتجة عن تجارة المخدرات التي يديرها الحزب، ويمتد نشاطها إلى أميركا اللاتينية.

وفي حديث سابق لموقع "غلوبس" الإسرائيلي، أشار خبير الحرب المالية، عوزي شايع، إلى أن "القرض الحسن" يمثل الخزينة المالية لحزب الله، حيث تُدار من خلاله الحسابات المالية للمنظمة، فضلاً عن تمويل الأنشطة التجارية والخيرية.

خطر مزدوج

يشير تقرير لمنظمة الدفاع عن الديمقراطيات إلى أن "كبار ممولي حزب الله امتلكوا حسابات في القرض الحسن، واستخدم موظفو الجمعية حسابات شخصية في المصارف اللبنانية الكبرى لتنفيذ معاملات نيابة عن الجمعية، مما أتاح لها الوصول إلى النظام المصرفي اللبناني"، 

وأوضحت المنظمة، في التقرير الذي حمل عنوان "القرض الحسن التابع لحزب الله والقطاع المصرفي في لبنان،" أن وزارة الخزانة الأميركية فرضت عام 2019 عقوبات على "بنك جمال تراست" لتورطه في تسهيل وصول "القرض الحسن" إلى القطاع المصرفي، "وهو ما كان أحد الأسباب الرئيسية وراء فرض تلك العقوبات"، وعقب ذلك تقدم المصرف بطلب إلى مصرف لبنان للحصول على الموافقة لتصفيته، وهو ما تم بالفعل.

وفي ديسمبر 2020، تمكنت مجموعة من القراصنة الإلكترونيين تدعى "Spiderz" من اختراق حسابات جمعية "القرض الحسن"، و"نشرت معلومات تتعلق بنحو 400 ألف حساب مرتبط بالجمعية، تضمّنت أسماء شخصيات بارزة في حزب الله. 

ومن بين تلك الشخصيات قائد قوة الرضوان الذي اغتالته إسرائيل وسام الطويل، وإبراهيم علي ضاهر، رئيس الوحدة المالية للحزب، وحتى المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي" وفقا لما نشره موقع "غلوبس".

وعقب هذا الاختراق، أصدرت بعض المصارف اللبنانية بيانات نفت فيها وجود حسابات رسمية باسم "القرض الحسن"، بحسب ما أشارت إليه "منظمة الدفاع عن الديمقراطيات".

وأوضحت أنه "رغم صحة هذه البيانات من الناحية القانونية، إذ لا توجد حسابات مسجلة باسم الجمعية، إلا أن الوثائق المسربة كشفت أن مسؤولي الجمعية استخدموا حساباتهم الشخصية لإجراء معاملات نيابة عنها".

وفي إطار الجهود الأميركية لمساعدة لبنان على تجاوز أزمته الاقتصادية، حملت مورغان أورتاغوس، نائبة المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط، خلال زيارتها إلى بيروت في أبريل الماضي، رسائل متعددة تضمنت التركيز على ملف الإصلاحات الاقتصادية والمالية إلى جانب الشق الأمني المتعلق بنزع سلاح حزب الله.

وفي هذا السياق، يقول فحيلي أن "الولايات المتحدة تعتبر جمعية القرض الحسن إحدى الأذرع المالية لحزب الله. لكن إذا طبّق لبنان القرار 1701 بشكل صارم، فإن الجمعية ستصبح مجرد تفصيل صغير، في حال فرضت وزارة الداخلية حدوداً واضحة على أنشطتها ضمن إطار الترخيص الممنوح لها، فلن تشكل خطراً على مستوى تبييض الأموال أو تمويل الإرهاب".

"سلاح" يجب ضبطه

خلال زيارة وفد مجموعة العمل المالي إلى لبنان، شدد الوفد، وفقاً لما يقول أبو شقرا، "على ضرورة تعزيز الرقابة على المؤسسات المالية غير المرخصة والتي لا تلتزم بالأنظمة والقوانين المعمول بها. هذه المؤسسات، سواء كانت القرض الحسن أو غيرها، قد تساهم بشكل أو بآخر في عمليات تبييض الأموال وتمويل الأنشطة العسكرية، مما يستدعي فرض إجراءات رقابية صارمة للحد من هذه الأنشطة غير القانونية".

وفي ظل تجاوز الجمعية لحدود أنشطتها المسموح بها، يؤكد فحيلي أن المسؤولية تقع على عاتق السلطة اللبنانية التي تمتلك الصلاحيات لتطبيق القانون على المخالفين. ويشدد على ضرورة أن تقوم وزارة الداخلية بإبلاغ إدارة الجمعية بوضوح بحدود الترخيص وإلزامها بالالتزام به.

وبشأن إدراج لبنان على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي، نفى فحيلي وجود علاقة مباشرة بين القرار وأنشطة "القرض الحسن". 

وأوضح أن "المشكلة الأساسية تكمن في غياب الرقابة على المعاملات النقدية، خاصة بعد فقدان الثقة بالمنظومة المصرفية وابتعاد المواطنين عن استعمال وسائل الدفع المتاحة من خلال القطاع المصرفي والإفراط في استعمال الأوراق النقدية، وقرار مصرف لبنان بتجفيف السيولة بالليرة اللبنانية، والذي سمح باستبدال مبالغ نقدية كبيرة بالدولار الأميركي". 

ويضيف أن "هذا القرار، في ظل غياب الرقابة، أعطى مساحة إضافية لمن يريد تبييض الأموال. وزاد الأمور تعقيداً ظهور عدد كبير من الجمعيات المدنية، وكان معظمها غير مرخص، عقب انفجار مرفأ بيروت".

بالنسبة لمطالب صندوق النقد الدولي، يؤكد فحيلي "رغم أنه لا يتدخل في التفاصيل، فإنه بالتأكيد يهتم بأن تكون جميع المؤسسات التي تقدم خدمات مصرفية مرخصة رسميًا وتحت إشراف الجهات الرقابية الرسمية"، وأضاف قوله: "إذا كانت الحكومة اللبنانية تسعى إلى إعادة الانتظام المالي، فإن ذلك يستوجب وجود مؤسسات مرخصة من قبل مصرف لبنان وخاضعة لرقابته".

وفي السياق ذاته، يقول أبو شقرا إن "المجتمع الدولي وصندوق النقد الدولي يطالبان بمعالجة ملفات يعتبرانها أكثر إلحاحاً من ملف القرض الحسن، تشمل إصلاح القطاع المصرفي وإعادة هيكلته، واستعادة الانتظام المالي، ومعالجة الفجوة المالية، وإصلاح قطاع الطاقة، وخاصة قطاع الكهرباء، فضلاً عن إصلاح السرية المصرفية والخروج من اللائحة الرمادية المرتبطة بتبييض الأموال".

ويشير أبو شقرا إلى أنه "رغم قدرة السلطات اللبنانية على وضع حد للنشاط المالي والمصرفي لجمعية القرض الحسن، إلا أن التوازنات السياسية التي شهدتها البلاد في الفترة الماضية حالت دون التعامل الجدي مع الجمعية".

ويعتبر أبو شقرا أن "معالجة ملف القرض الحسن ترتبط أساساً بالتسوية السياسية"، وقال إن القضية لا تقتصر على الإصلاحات المالية فقط، "بل تتطلب مقاربة شاملة تأخذ في الاعتبار الأبعاد السياسية والأمنية والعسكرية".

من جانبه يدعو رباح إلى إغلاق الجمعية فوراً ومنعها من التظاهر بأي شرعية مالية، وأوضح أن "القرض الحسن، سواء كان له ارتباط مباشر بالحرس الثوري الإيراني أم لا، يظل مؤسسة غير حكومية تمارس أنشطة مالية خارج إطار القانون".