أزمة في رواتب العاملين في السلك الدبلوماسي اللبناني وفي المصاريف التشغيلية للسفارات
أزمة في رواتب العاملين في السلك الدبلوماسي اللبناني وفي المصاريف التشغيلية للسفارات

لم تعد آثار الأزمة المالية التي يعيشها لبنان تقتصر على ما هو داخل حدوده فقط، بل امتدت إلى معظم دول العالم التي يحضر فيها لبنان بتمثيل ديبلوماسي، بعدما تأخر صرف رواتب السفراء والعاملين في السلك الديبلوماسي للشهر الرابع على التوالي، فيما مصاريف السفارات التشغيلية لم تصرف منذ مطلع العام 2022، ما يهدد استمرارية العمل في سفارات لبنان وقنصلياته في الخارج التي تقدم الخدمات لنحو 14 مليون لبناني مغترب ومنتشر. 

هذا الواقع دفع بالعاملين في السلك الديبلوماسي اللبناني إلى التلويح بالإضراب الشامل في مختلف سفارات البلاد الخارجية، في حال لم يتم إرسال رواتبهم، وهي المرة الثانية التي يلجؤون فيها إلى هذا الخيار، بعدما شهد شهر أبريل الماضي أيضاً تلويح بالإضراب على خلفية تأخر صرف الرواتب أيضاً. 

التصعيد الذي كان محط بحث على أعلى المستويات في لبنان، وصل في نهاية الأمر إلى تهدئة مارسها مصرف لبنان بالتنسيق مع وزارة المالية، تمثلت في صرف راتب شهر واحد من الأشهر المتأخرة، على أن يتم معالجة باقي الرواتب في الفترة المقبلة، وفق بيانات صادرة عن وزارة المالية اللبنانية ومصرف لبنان. 

وقال بيان لوزارة المالية اللبنانية صادر الإثنين، إن "مصرف لبنان بدأ بتحويل رواتب أعضاء السلك الديبلوماسي العاملين بالخارج، وذلك بعد التواصل الذي جرى في الأيام الأخيرة بين وزير المالية في حكومة تصريف الأعمال يوسف الخليل وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة لتحويل هذه الرواتب بالدولار الأميركي."

من جهته اعلن مصرف لبنان في بيان، انه "حول الى المصارف كافة الرواتب لموظفي القطاع العام والمساعدات الاجتماعية الواردة اليه من وزارة المالية، وباشر ايضا بتحويل رواتب الديبلوماسيين عن الاشهر السابقة".

وتقوم آلية صرف رواتب الديبلوماسيين على إرسال وزارة الخارجية لجداول الرواتب بالأسماء إلى وزارة المالية، التي بدورها تنقل الاعتمادات إلى مصرف لبنان الذي يحولها إلى حسابات السفارات والديبلوماسيين في الخارج بالعملة الصعبة. 

هذه الآلية تشهد عرقلة في الآونة الأخيرة من جهة مصرف لبنان، الذي يقول أنه يواجه مشاكل في تأمين سيولة مالية بالدولار تكفي لتسديد هذه الرواتب، وغيرها من نفقات الدولة اللبنانية بالدولار فيما احتياطاته من العملة الصعبة آخذة بالتآكل.

فيما المشكلة بالنسبة إلى مصرف لبنان، أنه لا اعتمادات تكفي لتغطية قيمة الرواتب للسلك الدبلوماسي بالدولار فيما وزارة المالية لا زالت تصرف وفق القاعدة الاثني عشرية من الموازنة، أي انها ترسل إليه على سعر الصرف الرسمي للدولار، 1500 ليرة لبنانية، فيما سعر الدولار يبلغ 35 ألفاً اليوم.

وتواجه الحكومة اللبنانية أزمة مالية حادة ناتجة عن الانهيار المالي غير المسبوق في لبنان والذي دفع بالليرة اللبنانية إلى الهبوط نحو مستويات قياسية، ما أدى إلى تآكل قيمة الموازنات المصروفة للوزارات والمؤسسات الحكومية، إضافة إلى رواتب الموظفين لديها التي فقدت أكثر من 90 في المئة من قدرتها الشرائية. 

أكبر من أزمة رواتب

وفي سياق الاطلاع على أحوال العاملين في السلك الديبلوماسي، تواصل موقع "الحرة" مع عدد من السفراء والديبلوماسيين اللبنانيين، الذين طلبوا عدم الكشف عن هويتهم لكونهم موظفين حكوميين يحتاجون إلى أذونات خاصة للتصريح للإعلام.

قنصل لبناني في دولة أوروبية، لفت في حديثه لموقع "الحرة" إلى أن الأزمة لا تقتصر على رواتب العاملين في السلك الديبلوماسي فحسب، وانما تكمن أيضاً في التكاليف التشغيلية للسفارات والبعثات الديبلوماسية اللبنانية، والتي لم تصرف منذ مطلع العام 2022، مع ما يعنيه ذلك من تأثير على عمل وإمكانات السفارات اللبنانية في الخارج. 

وعمدت معظم السفارات اللبنانية إلى تخفيض نفقاتها التشغيلية بمعدل 25 في المئة منذ بداية العام، وهذا التخفيض تُرجم بنقل مكاتب تابعة للسفارات من مناطق إلى أخرى أقلّ كلفة لناحية بدلات الإيجارات، إضافة إلى عدم ملء الشواغر في وظائف السفارات.  

ويؤكد القنصل أن نقص التمويل أثر بصورة كبيرة على أداء السفارات اللبنانية في الخارج، لاسيما لناحية الأمور اللوجستية والتشغيلية، خصوصاً بعدما توقفت الكثير من المخصصات المرتبطة بالسفراء كبدل التمثيل الديبلوماسي، إضافة إلى تخفيض الموازنات، وتخفيض رواتب الموظفين المحليين في السفارات، ورواتب الديبلوماسيين اللبنانيين. 

"حتى الآن لم يتأثر اللبنانيون بالخارج بهذه النواقص والأوضاع التي تعيشها السفارات، رغم صعوبة الظرف"، يقول القنصل، ويتابع "فجميع السفارات لا تزال تعمل، ولم تتخذ خطوات الإضراب التي جرى التلويح بها، حيث كان هناك شكوى وخوف وقلق من الوضع أكثر مما سجل ردود فعل في سفارات لبنان."

ويشرح في حديثه لموقع "الحرة" أنه بتسديد راتب شهر يونيو، يبقى في ذمة الدولة اللبنانية أشهر يوليو وأغسطس وسبتمبر الحالي، لكون البعثات الديبلوماسية تتقاضى رواتبها مطلع الشهر وليس في نهايته.

وخلال الأشهر الماضية اضطرت البعثات الديبلوماسية الموزعة على 75 سفارة لبنانية و15 قنصلية في الخارج، للجوء إلى المدخرات من أجل تمرير هذه المرحلة، وبذلك استطاعت أن تصمد ٤ أشهر، بحسب القنصل اللبناني، ولكن في الوقت نفسه لا إمكانية للتعويل على المدخرات في أزمة مستمرة، وفق ما يقول، لاسيما بالنسبة إلى الديبلوماسيين الذين لديهم عائلات، حيث كانوا الأكثر تأثرا في الأشهر الماضية، فتراكمت عليهم الفواتير والمدفوعات، وبعضهم تلقى إنذارات بخصوص بدل أجارات المنزل ومبنى السفارة، وهناك زملاء مديونين لبطاقاتهم المصرفية، وعليهم قروض، وبعضهم وجه كتبا لوزارة الخارجية بهذا الشأن. 

ويضيف القنصل "بالأمس سمعنا كما الجميع، ببيان وزارة المالية ومصرف لبنان بما يخص صرف راتب شهر واحد للديبلوماسيين، لكن حتى هذه اللحظة لم يصلنا أي شيء بعد إلى حساباتنا، بانتظار اليومين المقبلين"، لافتاً إلى أن الخبر "قد برد قلوبنا بعض الشيء لناحية وجود إمكانية للحل، ولكن لا شيء ملموس حتى اللحظة وما من خطة واضحة للفترة المقبلة لناحية عدم تكرار هذه التأخيرات وكيفية تأمين الرواتب والمصاريف التشغيلية بصورة مستدامة."

خطوة إرسال راتب شهر واحد، انعكست إيجابياً بالنسبة إلى الديبلوماسيين اللبنانيين، حيث منحتهم أملاً بوجود نيّة حلحلة، وخففت من ضغط الأزمة، "ولكن راتب شهر واحد لا يكفي لحل الأزمة"، وفق ما يؤكد الديبلوماسيون. 

ويطالب السلك الديبلوماسي بداية بتسديد الرواتب المتأخرة، وهو ما يمثل حقاً قانونياً، ثم البت بمصير المرحلة المقبلة خاصة ان السلطات اللبنانية لم تشر إلى مصير الأشهر المتأخرة، ولا إلى طريقة الحل المنتظرة، لاسيما وان المشكلة الأساسية في عدم توفر السيولة اللازمة بالعملة الصعبة لدى مصرف لبنان لإرسالها، وهذه المشكلة لا زالت قائمة وتتجه إلى مزيد من التأزم مع تراجع احتياطات مصرف لبنان شهرا تلو الآخر.

التقليص ضرورة

يشدد الديبلوماسيون اللبنانيون على انهم ليسوا بعيدين عن أجواء ما يجري في لبنان، ويقول القنصل "كنا نتوقع هذه الإجراءات التي لا بد أن تحصل في هذه الظروف التقشفية، خاصة أن الفترة الماضية كانت تشهد مبالغة في مصاريف السلك الديبلوماسي والسفارات، لكنها لم تكن في الماضي فوق المعدل، واليوم لنكون دقيقين، باتت المصاريف دون المعدل، فعلياً هناك سفارات ليس لديها ورق وحبر وفي مكان معين نضطر نحن كديبلوماسيين أن نؤمن لوازم العمل اليومي على نفقتنا الخاصة."

وتصل موازنة وزارة الخارجية اللبنانية إلى نحو 1680 مليار ليرة، ومن أصل هذا المبلغ فإن التكاليف التشغيلية الخارجية، وقيمة رواتب العاملين في السلك الخارجي وعددهم 260 دبلوماسي ما بين سفير وقنصل ومستشار وسكرتير ثاني، بالإضافة الى العاملين المحليين، تبلغ حوالي 93 مليون دولار، وفق ما يوضح الباحث في "الدولية للمعلومات" محمد شمس الدين.

وفي حديثه لموقع "الحرة"، يلفت شمس الدين إلى أن رواتب العاملين في السلك الخارجي تصرف بالدولار، بموجب قانون سلسلة الرتب والرواتب الصادر عام 2017 وهي تخضع للمضاعفة تحت بند "بدل الاغتراب" الذي يختلف بين دولة وأخرى، بحسب تكاليف المعيشة في الدولة المضيفة، ما يعني أن سفيراً لديه خدمة 20 عاماً في دول كبريطانيا أو الولايات المتحدة قد يصل راتبه إلى حد الـ 20 ألف دولار، معتبراً ان هذه الرواتب "باهظة الكلفة على الدولة اللبنانية مع انهيار سعر صرف الليرة اللبنانية، وتعثر تأمين الدولارات اللازمة."

انطلاقاً من ذلك يرى شمس الدين أنه يجب إعادة النظر بحجم السلك الديبلوماسي اللبناني، وحجم التوظيفات المحلية في السفارات، ودراسة مدى الحاجة الى هذه الأعداد الكبيرة خصوصاً في بعض السفارات التي لا تتواجد في دول ذات تبادل تجاري كبير مع لبنان، ولا تضم جاليات لبنانية كبيرة، وبالتالي لا تقوم السفارة بأعمال تعود بمردود مالي من رسوم قنصلية على خزينة الدولة، فيصبح أوفر وأفضل إغلاقها. 

يذكر أن الرسوم التي تؤمّنها البعثات الديبلوماسية للخزينة العامة، تكفي لتغطية نحو 50 في المئة من موازنة وزارة الخارجية، وبالتالي يكون العجز في الـ 50 في المئة الباقية، التي تسدد من الخزينة اللبنانية واحتياطات مصرف لبنان. 

وتصرف السفارات المتعثرة اليوم مما يسمى "حسابات السلفة" التي لديها، حيث أن كل سفارة تملك حسابا محليا في الدولة التي تتواجد فيها، حين تنتهي هذه الأموال عليها تقديم طلب سلفة، من وزارة الخارجية التي تتدبر أمر تأمين الأموال، عبر وارداتها او من مخصصات سفارة أخرى مثلاً، ولكن هذا تدبير يبقى مؤقتاً، قد يصلح لتمرير شهر أو شهرين، وليس اجراءً مستداماً. 

إنذارات و"بهدلة"

من جهة أخرى يحذر سفير لبناني في إحدى الدول الأفريقية، من أن هناك كثير من السفارات اللبنانية بدأت بتلقي إنذارات تتعلق ببدل الإيجارات، وهناك خطورة على بعض السفارات في الخارج التي تتفاوت أوضاعها بين دولة وأخرى. 

وأضاف في حديثه لموقع "الحرة" أن الناس "لا تعلم بالعمق وضعنا، نحن نغطي تكلفة تعليم أولادنا من جيوبنا، كذلك التأمين الصحي، والتنقلات وتذاكر السفر التي تدفع كلها من رواتبنا، وهذا كله لا يخضع لأي مخصصات، وبالتالي لسنا في وضع مريح كما يتخيل البعض، بل نعيش أزمة."

ويُخشى أن تؤثر هذه الأزمة على سمعة لبنان في الخارج، لاسيما إذا ما تخلف عن تسديد المتوجب عليه تجاه الدول المضيفة، لناحية بدلات الإيجار لمباني السفارات ومنازل الديبلوماسيين وعقود الصيانة والتأمين، مما قد يدخل لبنان بدعاوى قضائية مع أصحاب الملك. 

وكانت الخارجية اللبنانية قد طلبت من البعثات الديبلوماسية، البحث عن مانحين في صفوف الجاليات اللبنانية، من أجل تأمين التكاليف التشغيلية للسفارات، الأمر الذي وصفه الديبلوماسيون بـ "الشحادة" التي لا تليق بالسلك الديبلوماسي. 

ويصف السفير ما يجري بالـ "بهدلة" التي لا تليق بصورة لبنان الخارجية، ويضيف " هذه ليست مسؤولية المغتربين الذين خسروا هم أيضاً قسماً كبيراً من أموالهم في المصارف اللبنانية ودفعوا ثمناً كبيراً في الأزمة، ومن جهة أخرى لا يمكن لهذا الأمر أن يكون حلاً لكونه يعتمد على علاقة كل سفير أو قنصل بالجالية اللبنانية، سيكون هناك تفاوتاً كبيراً بأوضاع السفارات بحسب قدرات الجالية وعلاقات السفارة معها، وبالتالي لا يمثل أبداً حلاً عملياً موحداً للسلك.

ويتابع "من المعيب رمي المسؤولية على الجاليات بهذه الطريقة، فيما الجاليات لم تقصر يوماً، وهناك جاليات أصلا تتحمل تكاليف تشغيلية كتكاليف الإيجارات وهي متضامنة اليوم مع أوضاع السفارات." 

بقاء الوضع كما هو عليه دون تحويل النفقات التشغيلية للسفارات يعني ذهاب الأمور نحو أزمة حقيقية، تطال كافة السفارات اللبنانية التي ستكون عاجزة تماماً عن دفع مستحقات موظفيها وتكاليفها التشغيلية، وفق ما يؤكد الديبلوماسيون، فيما خطواتهم التصعيدية اليوم باتت رهن طريقة تعاطي الدولة اللبنانية مع الأزمة، لاسيما وانه لا يمكن التعامل مع البعثات الخارجية التي بمنطق شهر بشهر، بل يجب وضع استراتيجية واضحة طويلة الأمد. 

الإضراب "معلّق"

وبعدما كان الاتجاه نحو إضراب شامل، يتراجع تفكير الديبلوماسيين اللبنانيين بخطوات تصعيدية حالياً، لاسيما بعد صرف رواتب شهر، بانتظار الفترة المقبلة وما ستحمله من حلول، ويكشف ديبلوماسي لبناني يعمل في إحدى سفارات لبنان في أوروبا أن هناك وعود شفهية أعطيت لتمرير رواتب خلال شهر سبتمبر وعزز هذه الوعود بيان مصرف لبنان الذي أوحى في بيانه بوجود نية لحل هذه المشكلة، بكونه ذكر "متأخرات الديبلوماسيين". ولكن إن لم يحصل هذا الأمر خلال سبتمبر سنصل إلى شهر أكتوبر ونعود إلى ما كنا عليه من تأخر 4 أشهر في الرواتب. 

ويوضح السفراء والديبلوماسيون أن التلويح بالإضراب ليس الهدف منه الإضراب نفسه بقدر ما يهدف إلى إيصال رسالة تحذير للسلطات اللبنانية. ويقول السفير "اليوم إن توفي لبناني في الخارج هل يعقل أن لا نقوم بواجباتنا ونسوي أوراقه ونساعد أهله؟ بالتالي اضرابنا ليس بوجه الجاليات إنما رسالة كما حصل في كافة القطاعات الرسمية والقطاع العام في لبنان، هذا تسجيل موقف أمام انفسنا دفاعاً عن رواتبنا ومعيشتنا، لو صمت هذا السلك الدبلوماسي عن حقوقه سيظنون أنه ينام على حرير وهذا لا يعكس واقعنا فعلياً."

ويفتقر السلك الديبلوماسي في لبنان إلى إطار نقابي او تنظيمي يجمع العاملين فيه للدفاع عن مصالحهم، ما يفرض تحديات على الديبلوماسيين في التوحد على توجه معين، ويمثل اختلاف الظروف بين سفارة وأخرى حسب الدول الموزعة فيها، عاملاً إضافياً يصعب التقاء الديبلوماسيين على واقع واحد.

ويسجل عدم رغبة لدى عدد كبير من السفراء بالتسبب بأي ضرر ولو عن غير قصد للبنانيين في الخارج، حيث يرون أن الإضراب سيكون في وجه الجاليات وليس في وجه السلطة اللبنانية، كما أن الإضراب يحتاج لالتزام جميع الموظفين من السفراء إلى القناصل وصولاً للإداريين، وهنا يصعب جمع هذه الفئات المختلفة عمريا ووظيفياً وتراتبياً، وإلا نكون أمام حالات اضراب فردية فيما السفارات تقوم بعملها، ويفرغ الإضراب من الجدوى.

إغلاق سفارات وطروحات "مقلقة"

وبات سيناريو إغلاق سفارات للبنان في الخارج أقرب إلى الواقع من أي وقت مضى، إذ أن هذا البند أدرج ضمن الخطة التقشفية لوزارة الخارجية منذ العام الماضي، حيث يتراوح أعداد السفارات المرجح إغلاقها ما بين 17 و 20 سفارة. 

ويرى شمس الدين في هذا السياق أن "هذا القرار لم ينفذ بعد بسبب تداعياته السياسية والطائفية، لأن كل سفارة محسوبة من حصة طائفة معينة في لبنان"، ويلفت الباحث في الدولية للمعلومات إلى أن من يخرج إلى التقاعد حالياً في السلك الديبلوماسي لا يتم تعيين بديلاً له، ولكن في المقابل أستبعد أن يتم صرف أحد من الموظفين، فكل وظائف الدولة مضخمة اعدادها وتحتاج إلى إعادة هيكلة عامة لكل القطاعات."

بدوره يؤكد مصدر في وزارة الخارجية اللبنانية، فضل عدم الكشف عن هويته، أن قرار إغلاق السفارات "يأتي من ضمن العمل الذي قمنا به لتوفير نفقاتنا، ولكن هذا القرار يتخذه مجلس الوزراء بمرسوم لكون فتح السفارات يتطلب مرسوماً حكومياً، أي انه قرار سياسي لا يمكن لوزارة الخارجية أن تتخذه منفردة، لكنها تقدمت بمشروع قبل نحو 6 أشهر لتعليق العمل بـ 20 سفارة حول العالم." 

ويلفت المصدر إلى وجود خطة شاملة لدى وزارة الخارجية من أجل تخفيض النفقات، "وهنا نتحدث عن نسبة تناهز الـ 30في المئة وهذا رقم ليس صغيرا وربما هي الوزارة الوحيدة في لبنان التي وفرت هذا القدر من نفقاتها في كافة البنود لديها، من رواتب الديبلوماسيين إلى الإيجارات، ورواتب الموظفين، وصولاً إلى النفقات التشغيلية. 

ويضيف "وفرنا ملايين الدولارات في موازنتنا التي كانت تبلغ نحو 90 مليون دولار، باتت اليوم بحدود الـ 60 مليونا، ولا زلنا مستمرين في هذه الخطوات، وفي أماكن معينة نحاول الاستحصال على دعم من الجاليات اللبنانية عبر الأطر القانونية لقبول الهبات المنظمة بمرسوم من مجلس الوزراء وتنشر في الجريدة الرسمية. في أماكن معينة الجالية تبادر دون أن يطلب منها ذلك."

وفيما يخص النفقات التشغيلية، يلفت المصدر إلى أن المصاريف التشغيلية عنصرا أساسياً وشرطا ضرورياً ليستمر عمل السفارات، "في هذه المرحلة يوافق الوزير استثنائياً لتسيير الأمور على الاستدانة من الحسابات القنصلية لتشغيل السفارات وتغطية النفقات، ولكن هذا تدبير مؤقت لا يمكن أن يستمر."

ويشدد على أن حل هذه المشاكل ليس لدى وزارة الخارجية، "بل يتعلق في آلية تمويل الدولة اللبنانية بشكل عام، وما نستطيع فعله كوزارة نقوم به على أكمل وجه، فهي تقوم بارسال جداول المصاريف والرواتب إلى وزارة المالية، ولكن قرار التحويل، لدى مصرف لبنان حصراً الذي يملك وحده "زر الإرسال"، لافتاً إلى أن "هذا البند بات دائما على جدول وزير الخارجية يبحثه مع كل من يلتقي به على أعلى المستويات في الدولة اللبنانية." 

ويجري تناقل أنباء تتحدث عن وجود نوايا لتقليص المزيد من المصاريف على حساب رواتب الموظفين في السلك الديبلوماسي، حيث جرى طرح تحويل رواتبهم بالدولار وفقاً لسعر منصة صيرفة التابعة لمصرف لبنان، والتي تحتسب الدولار على سعر 28 ألف ليرة، فيما سعره في السوق 35 ألفاً، ما يعني مزيداً من الخسائر والحسومات في الرواتب أثارت قلقاً كبيراً لدى الديبلوماسيين. 

وفي هذا الإطار يؤكد المصدر أنه ليس لدى وزارة الخارجية أجوبة على هذه الأمور، وهي أيضاً تعيش هذه الهواجس بدورها، ولكن في الوقت نفسه ليس هناك حلول وأجوبة واضحة أمام الوزارة، فالقرار ليس لديها، وإنما لدى وزارة المالية ومصرف لبنان." 

يحذر الديبلوماسيون اللبنانيون من وجود اتجاه كبير داخل السلك الديبلوماسي للرحيل عنه، حيث أن عدداً كبيراً من الموظفين والعاملين في السلك الديبلوماسي، بدأوا بالتقدم لوظائف أخرى ويسعون لتأمين انفسهم خشية تدهور أوضاعهم الوظيفية الحالية، فيما يهدد كثير منهم بترك البلاد التي يعملون فيها والعودة إلى لبنان حيث أن أوضاعهم ما عادت تحتمل. 

ويخلصون إلى أن السلك الديبلوماسي يعيش اليوم حالة انتظار، وإن لم يعالج الوضع بشكل كامل ستبقى حالة القلق والترقب السائدة حالياً وقد تتطور إلى أبعد من ذلك إذا ما لم إيجاد حلاً مناسباً. 

يختم مصدر الخارجية كلامه مؤكداً أنه على السلطات اللبنانية أن تحدد "إذا ما كانت تريد الإبقاء على سفاراتها في الخارج، إذا كان الجواب نعم فهناك نفقات تشغيلية ورواتب، أما إذا كان الجواب لا، نكون بلغنا مرحلة مختلفة تماماً في تاريخ لبنان."

لبنان وسوريا

تحت أضواء ثريات ذهبية، وفي قمة حافلة باتفاقات تجارية، وبرمزية كبيرة، أدهش الرئيس الأميركي دونالد ترامب العالم من الرياض، بإعلان مفاجئ: الولايات المتحدة سترفع العقوبات عن سوريا.

تجمد الحاضرون لحظة، ثم ضجت القاعة بالتصفيق. 

لسنوات، عزلت العقوبات الأميركية نظام الأسد، ورسمت المعالم الجيوسياسية للمنطقة. لكن الآن، بإعلان واحد، بدأت الخريطة تتغير.

في بيروت، كان التأثير فوريا. إذ سارع رئيس الوزراء نواف سلام إلى إصدار بيان وصف فيه قرار ترامنب بأنه فرصة نادرة للبنان، البلد الذي ابتلعته دوامة الانهيار الاقتصادي، وحروب حزب الله. 

شكر سلام السعودية على دورها في التوسط في هذا الشأن.

في غضون ذلك، لمّح ترامب نفسه إلى رؤية أوسع.

"هناك فرصة في لبنان لتحرير نفسه من نفوذ حزب الله"، قال من على المنصة، "يمكن للرئيس جوزاف عون بناء دولة خالية من حزب الله".

كانت رسالة ترامب واضحة: تغيير واشنطن موقفها من سوريا له امتدادا تشمل لبنان أيضا.

ولكن ما الذي يعنيه هذا القرار حقا بالنسبة للبنان؟ 

رغم الأهمية البالغة لقرار الرئيس الأميركي، يشير الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، خالد أبو شقرا،أن ذلك "لا يعني بالضرورة رفع جميع العقوبات المفروضة على دمشق".

في حديث مع موقع "الحرة،" يوضح أبو شقرا أن العقوبات الأميركية تنقسم إلى نوعين "عقوبات تنفيذية يستطيع الرئيس إلغاؤها بقرار منه، وعقوبات تشريعية يفرضها الكونغرس، وأبرزها قانون قيصر الذي فرض على سوريا عام 2019".

"إلغاء قانون قيصر يتطلب تشريعا جديدا"، يضيف.

يعد قانون قيصر، وفق أبو شقرا، "من أشد القوانين تأثيرا على الاقتصاد السوري، إذ يمنع الاستيراد والتعامل بالعملة الصعبة، ويعزل سوريا عن نظام سويفت (SWIFT)، ما يعيق استيراد التقنيات المستخدمة في قطاعات حيوية مثل الطيران والصناعات العسكرية والكهرباء".

ويلفت أبو شقرا، من ناحية أخرى، إلى "معلومات تفيد بأن الرئيس الأميركي قد يتمكن من تجميد العقوبات المفروضة عبر قانون قيصر لفترة تصل إلى ستة أشهر، لكن رفعها بشكل نهائي يبقى من صلاحيات الكونغرس".

ويشير إلى أن "العقوبات الأوروبية المفروضة على النظام السوري، وشخصيات محددة، لا تزال قائمة، وتشمل أيضا شخصيات جديدة ظهرت في السلطة بعد سقوط نظام بشار الأسد".

تداعيات إيجابية

يرجح أبو شقرا أن يكون لقرار ترامب رفع رفع العقوبات عن سوريا تداعيات إيجابية على لبنان، على مستويات متعددة، أبرزها:

1-المساعدة في ما يتعلق باللاجئين السوريين في لبنان

يشير أبو شقرا إلى أن وجود حوالي مليون سوري في لبنان عبء اقتصادي كبير، تتراوحت كلفته السنوية بين مليار  و 1.3 مليار دولار سنويا، بينما كانت المساعدات الدولية أقل من ذلك بكثير. 

"عودة ولو جزء من هؤلاء اللاجئين إلى سوريا، ستخفف من الضغط على الاقتصاد اللبناني، وتسهم في تخفيف الأعباء المالية على الدولة اللبنانية.

2- تخفيف الضغط على العملة الصعبة

عاد السوريون إلى بلادهم، وتوقفت عمليات التحويل غير الرسمية، قد يتراجع الطلب على الدولار في السوق اللبنانية، ما يُسهم في استقرار سعر الصرف، ويخفف من الأعباء المالية على المواطنين اللبنانيين.

3- تسهيل استجرار الغاز المصري والكهرباء من الأردن

لطالما حالت العقوبات المفروضة على سوريا دون تفعيل مشروع استجرار الغاز المصري والكهرباء من الأردن. ومع رفع العقوبات، قد يعاد إحياء هذا المشروع الحيوي، ما سيتيح للبنان استجرار 300 ميغاوات من الكهرباء من الأردن، بالإضافة إلى تشغيل معمل دير عمار بقدرة 500 ميغاوات، ما سيرفع التغذية الكهربائية في البلاد إلى حوالي 800 ميغاوات.

4- مشروع خط النفط من العراق

ناقش الوفد الوزاري اللبناني، الذي زار دمشق حديثا، وضم وزير المالية ياسين جابر، إمكانية إعادة تفعيل مشروع خط النفط من كركوك إلى بيروت أو دير عمار. يتيح هذا المشروع للبنان في حال تنفيذه استيراد النفط الخام من العراق وتكريره في البلاد، ما سيعزز الإيرادات عبر تصدير النفط المكرر إلى الخارج، ويحقق إيرادات كبيرة لخزينة الدولة.

5- عودة الشركات اللبنانية للاستثمار في سوريا

هناك أيضأ إيجابيات تتعلق بإمكانية عودة الشركات اللبنانية للاستثمار في سوريا، إذ قد تستقطب سوريا الكفاءات اللبنانية من مهندسين ومحامين وغيرهم. العديد من هؤلاء اكتسبوا خبرات واسعة خلال فترة الأزمة السورية، ما قد يسهم في إعادة الإعمار في سوريا عند رفع العقوبات.

6- ازدهار العقارات في الشمال اللبناني

يُتوقع أن تشهد مناطق الشمال اللبناني ازدهارا بسبب زيادة الطلب على الإيجارات والعقارات. قد تختار بعض الشركات أن تتخذ لبنان مركزا لانطلاق عملياتها في سوريا، وتحديدا لاستقبال موظفيها وطواقمها التنفيذية، ما سيرتفع الطلب على العقارات والشقق الفندقية والمكاتب في هذه المناطق.

ووفقا لوزير المالية اللبناني ياسين جابر فإنّ "قرار رفع العقوبات عن سوريا يشكّل أيضاً دفعاً ايجابياً في انعكاساته على مستوى ما يقوم به لبنان من تحضيرات لتأمين عبور النفط العراقي الى مصفاة طرابلس وخط الفايبر أوبتيك وكذلك لخط الربط الكهربائي الخماسي وتأمين نقل الغاز والكهرباء من مصر والأردن إلى لبنان".

وأضاف جابر في بيان "سنستمر في اتصالاتنا مع الاشقاء العراقيين لإنجاز كل الاجراءات والاعمال للتعجيل في إتمام التجهيزات المطلوبة على هذا الصعيد، كما أننا سنعمل على تفعيل كل ما يخدم الاقتصاد اللبناني والإفادة من رفع الحصار عن سوريا من حركة نقل وترانزيت من لبنان نحو دول المشرق والخليج العربي وسواها، باعتبارها منفذاً حيوياً واساسياً مساعداً في عملية الإعمار والاستنهاض الاقتصادي ككل".

بين الإصلاح والإخفاق

قد يشكّل رفع العقوبات عن سوريا فرصة ذهبية للبنان، "لكن ذلك يتطلب إصلاحات جذرية في قطاعات حيوية ما زالت تحتكرها الدولة، مثل الاتصالات والكهرباء والمياه والنفايات، مما يعيق دخول القطاع الخاص ويحدّ من فرص الاستثمار".

ويشير أبو شقرا إلى أن "تحسين البنية التحتية في هذه المجالات يعدّ ضروريا لجذب الشركات الأجنبية، سواء للاستثمار في لبنان أو لاستخدامه كنقطة انطلاق نحو سوريا. من دون إصلاحات ملموسة، ستظل التكاليف مرتفعة والخدمات دون المستوى المطلوب، مما سيبعد المستثمرين الأجانب عن الساحة اللبنانية".

على صعيد القطاع المالي، يصف الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، الوضع بأنه شبه مشلول "بورصة بيروت، التي تعاني من غياب النشاط وتراجع عدد الشركات المدرجة فيها، باتت عاجزة عن جمع التمويل اللازم للشركات اللبنانية الراغبة في التوسع أو الاستثمار في إعادة الإعمار السوري. هذا الواقع يضعف من قدرة لبنان على المنافسة مع دول أخرى أكثر جاهزية مثل تركيا والسعودية والإمارات، التي تمتلك بنية تحتية متطورة وقدرة أعلى على جذب الاستثمارات".

في المحصلة، يرى أبو شقرا أن رفع  العقوبات عن سوريا يضع "لبنان أمام خيارين؛ إما أن يقتنص الفرصة ويبدأ بإصلاحات جذرية في قطاعاته الحيوية، أو يفوّتها ويبقى في أزمته".