لبنان/ نقل/ أزمة
ارتفاع سعر الوقود أثر على أسعار المواصلات في لبنان (تعبيرية)

حالة من التخبط يعيشها اللبنانيون، فمن مشهد الطوابير أمام محطات المحروقات قبل أشهر، إلى عدم القدرة على تأمين حاجياتهم من البنزين والمازوت، هذه المرة ليس بسبب نفاد هاتين المادتين من السوق، بل لأن أسعارهما تلهب الجيوب.

سجل سعر صفيحة البنزين عيار 95 أوكتان في لبنان، 634 ألف ليرة، أي ما يقارب الحد الأدنى للأجور البالغ 675 ألف ليرة، أما صفيحة المازوت، التي يعتمد عليها سائقو الحافلات، فوصل سعرها إلى 785 ألف ليرة، هذه الأسعار غير المسبوقة، جعلت غالبية اللبنانيين عاجزين عن تحمل كلفة التنقل، سواء بسياراتهم الخاصة أو حتى بسيارات الأجرة، في ظل غياب شبكات النقل المشترك.

فرض الواقع على اللبنانيين تخفيض استهلاكهم للبنزين، وبحسب ما أشارت "الدولية للمعلومات" وصل متوسط الإستهلاك اليومي في العام 2021 إلى 328 ألف صفحة يومياً، وانخفض في العام 2022 إلى 281 صحيفة يوميا، أي بتراجع مقداره 47 ألف صفيحة ونسبته 14.3 في المئة.

وتوقعت "الدولية للمعلومات" مزيدا من التراجع في الاستهلاك في حال ارتفاع الأسعار عالمياً، أو نتيجة رفع الدعم كلياً عن البنزين أو ارتفاع سعر صرف الدولار، وهو ما ينتظر اللبنانيين في الأيام القادمة، حيث أعلن عضو نقابة أصحاب محطات المحروقات الدكتور جورج البراكس يوم الاثنين الماضي أن "مصرف لبنان يواظب على إكمال مسيرته نحو رفع الدعم غير المباشر عن استيراد البنزين بتأمينه جزءاً من هذه الفاتورة وفقا لمنصة صيرفة، على أن تؤمن الشركات المستوردة الجزء المتبقي من أسواق الصرافة الحرة".

التنقل بسيارة أجرة أصبح مكلفا جدا بالنسبة لللبنانيين

وشرح في بيان "كانت المعادلة حتى الآن %40 صيرفة و%60 غير مدعوم، ولكن المركزي خفض في جدول تركيب أسعار المحروقات الصادر يوم الاثنين نسبة صيرفة من 40 إلى 20 في المئة وارتفعت بذلك نسبة غير المدعوم إلى 80 في المئة"، مشددا "من الواضح أن مصرف لبنان لم يتبق له إلا مرحلة أخيرة للتوقف بعدها نهائيا عن تأمين الدولار من خلال منصة صيرفة ليصل إلى معادلة صفر صيرفة و%100 سوق حرة غير مدعوم".

حصار من نوع آخر

تعبئة صفيحة كاملة من البنزين أمر بات مستحيلا كما تقول غلاديس، وتشرح "يجبرني وضعي الاقتصادي على التزود بنصف صفيحة شهريا، كون راتبي بالليرة اللبنانية وبالكاد يكفي بدل إيجار المنزل وفاتورة المولد، من هنا لم أعد أستخدم سيارتي سوى في محيط سكني، يساعدني على ذلك أنه بإمكاني إنجاز عملي من دون الحاجة للذهاب إلى المكتب".

حتى الخروج بالسيارة لشراء الحاجيات أصبح يتطلب كما تشدد غلاديس، عملية حسابية للمسافة التي ستقطعها وتكلفتها، محاولة كل ما في وسعها اختصار الأماكن التي ستقصدها، كشراء الخبز واللحوم من السوبر ماركت بدلاً من التوجه إلى الفرن والملحمة، حتى الدعوات إلى مناطق بعيدة من قبل الأقارب والأصدقاء مجبرة على رفضها، كون الأمر بات مكلفا، وتشدد "أشعر أني محاصرة في منزلي، فالمبلغ المالي الذي سأدفعه على المحروقات، يمكّنني من شراء طعام يكفي لعدة أيام، أو دواء لوالدتي".

وفيما يتعلق بالانتقال بسيارة أجرة، تقول لموقع "الحرة" "هو أمر غير وارد على الإطلاق بالنسبة لي، كونه مكلف أكثر من السيارة الخاصة، ولو أني أستطيع المشي من دون أن يتسبب ذلك بآلام في ظهري، لفضلت هذا الخيار على كل ما عداه"، وتضيف "إذا كنت أتحكم بتنقلاتي، وبمصروف المحروقات الشهري، إلا أنه ما لا يمكنني التحكم به هو عدم تعطل سيارتي، وهنا الطامة الكبرى، كون جميع قطع الغيار بالدولار الأميركي".

يعتبر الباحث في "الدولية للمعلومات"، محمد شمس الدين، أن تراجع استهلاك البنزين أمر طبيعي في ظل ارتفاع سعره بشكل خيالي، من 46 ألف ليرة، إلى 126 ألف ليرة العام الماضي، واليوم إلى ما يقارب الـ700,000 ليرة، لافتا في حديث لموقع "الحرة" إلى أن "عدم توجه الموظفين إلى أعمالهم ساهم في تراجع استهلاك المحروقات، إضافة إلى تخفيض غالبية اللبنانيين لعدد زياراتهم إلى بلداتهم، من مرة في الأسبوع إلى مرة شهرياً".

لم تواز نسبة ارتفاع مداخيل اللبنانيين، نسبة ارتفاع أسعار البنزين، ويقول شمس الدين "ارتفعت كلفة التنقل بالسيارات الخاصة، فأصبحت كلفة الكيلومتر الواحد حوالي 5000 ليرة لبنانية لسيارة متوسط استهلاكها 170 كلم/ 20 ليتر بنزين، فإذا قرر أحد المواطنين التوجه من بيروت إلى بعلبك أو إلى الجنوب أو عكار، فإن ذلك سيكلفه حوالي المليون ليرة بالحد الأدنى، أي ما يقارب ربع دخله الشهري، وذلك بين بنزين وفرامل وصيانة سيارة وعجلات وغيرها".

كما أن خيار التنقل بوسيلة نقل عمومية، ليس أفضل حالا، فارتفاع سعر المحروقات دفع السائقين إلى زيادة التعرفة على الركاب، من ألفي ليرة داخل بيروت إلى خمسين ألف ليرة، ما يعني أن على اللبناني تكبد مليوني ليرة شهريا إذا قرر التوجه إلى عمله والعودة لمنزله في سيارة أجرة.

ارتفاع تعرفة النقل انعكس سلبا، على سائقي سيارات الأجرة، حيث تراجع عملهم بشكل كبير، بحسب ما يؤكد منير، الذي يعمل في هذه المهنة منذ سنوات، ويشرح "رغم كل المعاناة التي يعيشها السائقون، من تحمل حرارة الصيف وبرودة الشتاء وهم على الطرق يبحثون عن زبون، إلا أن ذلك سهل أمام ما نعانيه بسبب الأزمة الاقتصادية".

منذ الصباح حتى ساعات ما بعد الظهر تقاضى منير كما يقول لموقع "الحرة" "370 ألف ليرة من زبائنه، فيما دفعت 220 ألف ليرة ثمن البنزين، أي أن ربحي الصافي 150 ألف ليرة، فلو افترضنا أنني سأنهي اليوم بربح مقداره 200 ألف ليرة، يعني مدخولي الشهري 6 ملايين ليرة، كيف لهذا المبلغ أن يكفي عائلة مؤلفة من أربعة أولاد، من طلاب مدارس وجامعات، عدا عن فاتورة مولد الكهرباء، وما نحتاجه من طعام وشراب وحاجيات".

التوك توك أصبح وسيلة نقل معتادة في مدن لبنان

يقتصر منير عمله ضمن بيروت، وهو يأخذ بدلا عن كل راكب 50 ألف ليرة، إلا أنها بالكاد تؤمن له ربحا قليلا، في ظل تراجع أعداد الركاب، حيث يضطر إلى الانتقال من منطقة إلى أخرى براكب واحد فقط، ويبقى الهاجس الأكبر كما يشدد أن "تصاب السيارة بعطل، فيتوقف عملي وأتكلف مبالغ باهظة لإصلاحها".

كما أن ارتفاع سعر صفيحة البنزين انعكس سلبا على شركات "التاكسي"، وهو ما أكده الرئيس التنفيذي لـ “مجموعة شارلي"، شارل أبو حرب، حيث قال "نسبة تأثرنا بهذا الارتفاع تفوق الـ 75 في المئة"، وفيما إن كان يخشى من رفع الدعم الكلي على البنزين وبالتالي رفع سعره وتراجع عمله بشكل أكبر، أجاب في حديث لموقع "الحرة"، "أي ارتفاع في سعر صفيحة البنزين سينعكس على التعرفة، أي أن المواطن هو من سيدفع الثمن، وبالتالي سيتراجع عملنا أكثر فأكثر".

وبسؤاله عن التعرفة أجاب حرب خلال حديث مع موقع "الحرة" "تتبع سعر صرف الدولار، ففي السابق كانت أدنى تعرفة ضمن بيروت عشرة آلاف ليرة، أما اليوم فأدناها 100 ألف ليرة".

ظواهر غير مألوفة

وصل سعر صفيحة البنزين عيار 95 أوكتان في يونيو الماضي إلى 691 ألف ليرة، بينما سجل في العام الذي سبقه 43,500 ليرة أي بارتفاع مقداره 647,500 ليرة ونسبة 1,488 في المئة أي 16 ضعفاً خلال سنة، وذلك بحسب "الدولية للمعلومات" التي ردت ذلك حينها إلى أسباب أساسية، وهي "ارتفاع سعر برميل النفط عالمياً. وقف دعم البنزين الذي كان يوفره مصرف لبنان. زيادة حصة المحطات وشركات النقل والتوزيع من 5,540 ليرة عن كل صفيحة إلى 28,500 ليرة. زيادة قيمة الضريبة على القيمة المضافة التي تتقاضها الدولة ونسبتها 11% من 4,310 ليرات إلى 67 ألف ليرة من كل صفيحة بنزين".

مع ارتفاع أسعار المحروقات انتشرت ظاهرة غريبة على المجتمع اللبناني، وهي "التوك توك"، الذي غزى مناطق عدة، لا سيما في البقاع وشمالي البلاد، فبعد أن كان اللبنانيون يشاهدونه عبر الشاشات، أصبح واقعاً يعيشونه ويتنقلون عبره، كون تعرفته أقل من تعرفة السيارات العمومية.

في البداية تعامل اللبنانيون مع "التوك توك" كأمر ترفيهي، كما يقول أحمد حسون الذي يمتلك عدداً من هذه المركبات، وفي حديث لموقع "الحرة" شرح "من اللبنانيين من كان يخجل من ركوبه، ومنهم من كان يستقله من باب التسلية، لكن مع ارتفاع بدلات النقل، لم يجد اللبناني أمامه خياراً غيره كبديل عن سيارات الأجرة، ورويداً رويداً فرضت هذه المركبة نفسها في حياة المواطنين، واتسعت دائرة الذين يعتمدون عليها في تنقلاتهم، حتى وصلت إلى طلاب المدارس والموظفين، وأصبح لدينا زبائن دائمين".

صورة تعبيرية عن أزمة غلاء المواصلات في لبنان

يتجول موظفو حسون على الطرق لإيصال الزبائن إلى حيث يشاؤون، ويقول "أحاول قدر المستطاع أن تراعي التعرفة التي أحددها قدرات الناس في ظل الوضع الاقتصادي الصعب، الذي يفرض علينا التكاتف ومساعدة بعضنا البعض إلى حين الخروج من الآتون المظلم الذي تمر به البلاد"، ويلفت إلى أن أدنى تعرفة للتنقل عبر الـ"التوك توك" هي 15 الف ليرة.

كما يشدد على مراعاته كافة معايير السلامة العامة، لا سيما وأن "التوك توك" لا يعدو كونه دراجة نارية بثلاث عجلات، وعلى هذا الأساس يتم تسجيله في مصلحة تسجيل السيارات في لبنان"، كما أكد كذلك أن اللبناني بات يرغب التنقل عبر المركبات التابعة لشركته كونها وموظفيه أصبحا معروفين، خشية من أن يتعرض في السيارات العمومية لأي عملية تشليح.

وبعد "التوك توك" بدأت تنتشر ظاهرة تحويل الدراجات النارية إلى "تاكسي"، وهي تشهد رواجاً يوماً بعد يوم.

هادي، واحد من الشبان الذين قرروا مواجهة الظروف الاقتصادية الصعبة من خلال دراجته النارية، كونه يرفض العمل لدى أشخاص يتحكّمون به، بحسب قوله، ويضيف "دخلت في هذا المجال قبل حوالي الثلاث سنوات من باب التجربة، وعندما لمست الطلب على التنقل عبر الدراجة النارية أكملت في هذا المشروع، حتى أصبح باب رزقي الذي أتكل عليه".

كرّس هادي دراجته النارية كـ “تاكسي" ودليفري في آن واحد، ومع تقلب أسعار المحروقات، يجد صعوبة في تحديد تعرفة ثابتة، ويشرح في حديث لموقع "الحرة" أنه "في السابق كنت أتقاضى ألفي ليرة بدل نقل الراكب داخل مدينة صور جنوب لبنان وكنت أجني ربحاً مقبولاً، أما اليوم ورغم أني أتقاضى 20 ألف ليرة إلا أنني أتكبد خسائر".

يحاول الوالد لطفل فعل كل ما في وسعه من أجل تأمين قوت عائلته، ويقول "المدخول قليل جداً في بلد المعيشة فيه من أغلى دول العالم، وفوق هذا، يومياً تظهر أزمة جديدة، من دون أن نسمع عن محاولات لإيجاد حلول من قبل المسؤولين لهذا الوضع الضاغط الذي لم يعد يحتمل".

لبنان حزب الله

يترقب اللبنانيون أول اختبار لقياس حجم التأييد الشعبي لحزب الله بعد الخسائر التي مُنّي بها، والدمار الذي لحق بالسكان، والبلد عموما، جراء الحرب مع إسرائيل.

وستعبر نتائج الانتخابات البلدية المقررة في مايو المقبل، ضمنا، عن مزاج الشارع، الشيعي خصوصا، حيال قضايا أبرزها سلاح الحزب وتقاعسه في إعادة إعمال المناطق المتضررة جراء الحرب.

يأتي ذلك على خلفية حالة تملل، متزايدة، من تداعيات الحرب، وما رافقها من دمار واسع في القرى الجنوبية، ونزوح آلاف العائلات من مناطقها، وتراجع في الخدمات الأساسية، إلى جانب أزمات اقتصادية خانقة.

وبينما يحاول حزب الله الإيحاء بتماسك قاعدته من خلال رفع شعارات بعيدة عن الواقع، فإن جزءا من جمهوره بات يبحث عن حلول ملموسة لأزماته اليومية، ولإعمار ما دمرته الحرب، بعيدا عن الخطابات الأيديولوجية.

المؤشرات كثيرة إلى أن الباب بات مشرعا أمام تغييرات مفصلية في المشهد المحلي، ولو على مستوى بعض البلديات، ويرجح مراقبون، تحدثوا موقع "الحرة"، أن يقول الشارع الشيعي كلمته بشأن حزب الله في الانتخابات النيابية  2026.

تحدي الانتخابات

رغم الدمار الهائل الذي خلفته الحرب لا سيما جنوب لبنان، ورغم استمرار عمليات الاغتيال الإسرائيلية ضد عناصر من حزب الله واستهداف ترسانته العسكرية، "تتجه السلطات اللبنانية إلى إجراء الانتخابات البلدية، بعد أن كانت قد أجلتها لعامين متتاليين دون مبرر قانوني أو مقنع، متذرعة تارةً بغياب التمويل وتارةً أخرى بأوضاع أمنية ولوجستية"، كما يقول الباحث في تطوير القوانين والأنظمة الانتخابية، عاصم شيّا.

وفي حديث لموقع "الحرة"، يرى شيا أن "المشكلة الحالية التي تواجه إجراء الانتخابات البلدية ليست تقنية بقدر ما هي تنظيمية، خاصة في البلدات الجنوبية المدمرة". 

"هناك خياران أمام الجهات المعنية: إما نصب خيام داخل البلدات المتضررة إذا أصرّ السكان على الاقتراع فيها، أو نقل مراكز الاقتراع إلى بلدات مجاورة أكثر استقرارًا، على أن تُستخدم مبانٍ عامة مثل المدارس، الحسينيات، أو الكنائس لهذا الغرض".

لكن التحدي الأبرز، بحسب شيا، يكمن في تأمين "هيئة القلم"، أي الموظفين المكلفين بإدارة العملية الانتخابية، ومعظمهم من النساء العاملات في القطاع العام، لا سيما في التعليم، واللواتي يُبدين تحفظًا على التوجه إلى مناطق غير آمنة.

وتجدر الإشارة إلى أنه بحسب تقرير التقييم السريع للأضرار والاحتياجات في لبنان لعام 2025، الصادر عن البنك الدولي في 7 مارس، تقدّر احتياجات إعادة الإعمار والتعافي في أعقاب الصراع الذي شهده لبنان بنحو 11 مليار دولار أميركي.

ويعد قطاع الإسكان الأكثر تضرراً، مع أضرار تقدَّر بنحو 4.6 مليار دولار، فيما بلغت الأضرار التي لحقت بالمقومات المادية 6.8 مليار دولار.

أما من الناحية الجغرافية، فيشير التقرير إلى أن أكثر المناطق تضرراً هي محافظتا النبطية والجنوب، تليهما محافظة جبل لبنان التي تضم الضاحية الجنوبية لبيروت.

حقل تجارب؟

يلاحظ الباحث عاصم شيا، الذي يراقب الأنماط الانتخابية منذ عام 2009، أن القوى السياسية استخدمت الانتخابات البلدية عام 2016 كـ"حقل تجارب" لقراءة المزاج الشعبي، بعدما راودها القلق من قانون الانتخاب رقم 25/2008 (قانون الستين)، الذي أصبح يشكل خطراً عليها بسبب تطور وعي الخصوم المستقلين.

يقول شيا إن "تأجيل الانتخابات النيابية عامي 2013 و2015، مقابل إجراء الانتخابات البلدية عام 2016، كان مدروساً، الهدف منه مراقبة اتجاهات الناخبين. وفعلاً، كشفت الانتخابات عن نقمة واسعة، ما دفع الأحزاب إلى اللجوء إلى تكتيكات جديدة، أبرزها الدفع بمرشحين "نظيفي الكف" وغير حزبيين ظاهرياً، ليترأسوا اللوائح، ثم إحاطتهم بأعضاء بلديين حزبيين يضمنون ولاء المجلس للحزب. هذه المقاربة ساعدت في ضمان المكاسب لاحقاً في انتخابات 2018".

كذلك، "تم اللجوء إلى توظيف آلاف في مؤسسات رسمية رغم عدم الحاجة الفعلية إليهم، كما جرى التعاقد مع أعداد كبيرة في الوزارات، خصوصاً التعليم، فيما اعتُبر رشوة انتخابية مقنّعة لتأمين الأصوات".

اليوم يتكرر المشهد نفسه، بحسب شيّا، "تُسرع القوى السياسية إلى إجراء الانتخابات البلدية لا لمعالجة أزمات المجالس، بل لرصد اتجاهات الناخبين، تمهيداً لاستخدام الوظائف العامة والعسكرية مجددًا كأداة لاستمالة الأصوات"، فهذه الانتخابات، في نظره، ليست سوى مختبر سياسي يساعد القوى التقليدية على إعادة تنظيم صفوفها استعداداً للمعركة الأهم: انتخابات 2026 النيابية.

في المناطق التي تعرف بـ"الحاضنة" لحزب الله، يعاني معظم السكان، الذين تعرضت منازلهم للتدمير جزئياً أو كلياً، من بطء الإجراءات المتعلقة بإعادة الإعمار، إضافة إلى تأخر استجابة الحزب لتقديم التعويضات اللازمة لترميم المنازل أو تعويض الأثاث المتضرر.

وقال الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، بشأن إعادة إعمار المناطق المتضررة من الحرب، في 14 ديسمبر، أن "إعادة الإعمار مسؤولية الدولة،" التي تعاني أصلا من أزمة مالية خانقة. ودعا "الأشقاء العرب والدول الصديقة في المساعدة في إعادة الاعمار".

صراع عائلي تحت رايات حزبية؟

لا تعكس الانتخابات البلدية بالضرورة موازين القوى السياسية بشكل دقيق، وفقا لشيّا، "لأنها غالباً ما تكون امتداداً لصراعات عائلية داخلية.

"قد تُطرح لوائح تبدو متنافسة لكنها في الواقع تابعة للحزب نفسه، تختلف فقط حول المواقع أو التفاصيل، في مشهد يختلط فيه النفوذ العائلي بالحسابات الحزبية"، يقول شيا.

وعند تحليل تأثير الحرب الأخيرة على توجهات الناخبين، يرى شيّا ضرورة التمييز بين فئتين "الأولى تضمّ مؤيدي حزب الله، الذين رغم تضررهم من الحرب، زاد ارتباطهم به. أما الفئة الثانية، فهي من الشيعة غير المنضوين ضمن الثنائي الشيعي، هؤلاء يبدون استياءً واضحاً من الحرب ويحملون "الثنائي" مسؤولية ما جرى. ويُتوقع أن تتخذ هذه الفئة موقفاً مغايراً في الانتخابات المقبلة".

ويرى الكاتب، الصحفي مجد بو مجاهد أن "ثمة طابعا مجتمعيّا خاصا باستحقاق الانتخابات البلدية والاختيارية في لبنان في غالبية المناطق اللبنانية بخاصّة في القرى، ولا يمكن الحديث عن طابع سياسي سوى في بعض المدن الكبرى المتنوعة طائفياً كمدينة بيروت. 

"لذلك لا يمكن اعتبار الاستحقاق البلديّ بمثابة مقياس للتوجه الشعبيّ السياسي لدى المواطنين الشيعة أو سواهم من المواطنين اللبنانيين، من دون إغفال أنّ ثمة مدناً يغيب عنها التنافس السياسي في الاستحقاق الانتخابيّ البلديّ الحاليّ رغم أنه كان ظاهراً في استحقاقات بلدية سابقة".

اللافت وفق ما يقوله بو مجاهد لموقع "الحرة" أنّ "الأجواء الشيعية المجتمعية لا تبدو مهتمّة في استحقاق الانتخابات البلديّة مقارنة مع بيئات مجتمعية مغايرة تتطلّع بحيوية نحو خوض الاستحقاق والتنافس بين اللوائح على مستوى مجتمعيّ، لا سياسي".

ويشرح: "خروج المجتمع الشيعي من حرب ألحقت به خسائر كبرى، منها ضرب البنى التحتية والأراضي، سبب لتراجع الاهتمام الشيعي بخوض تنافس مجتمعيّ على الانتخابات البلدية، ولذلك كانت لافتة ظاهرة تشكيل لائحة واحدة فحسب في كثير من البلدات بعيداً عن خوض منافسة بين اللوائح".

إذا تضاعفت النقمة على "الثنائي الشيعي" _ أي حزب الله وحركة أمل _ من المواطنين في المناطق ذات الحضور الشيعي، فإنها ستظهر، وفق بو مجاهد، "في استحقاق الانتخابات النيابية المقبلة، لا في استحقاق الانتخابات البلدية".

"حتى الآن، هناك امتعاض شيعيّ واضح من حزب الله بخاصة بسبب تأخّر إعادة الإعمار، لكنّ تطوّر ذلك الامتعاض من عدمه سيكون مرتبطاً بما ستعرفه الأشهر اللاحقة من متغيرات".

النزاهة موضع شك؟

الحديث عن انتخابات نزيهة "غير واقعي"، يشدد شيّا، "لا بسبب حزب الله فقط، بل بسبب جميع الأحزاب التي تسيطر على مناطق نفوذها بشكل كامل ومدروس، ما يقيد قدرة المعارضين على خوض المعركة بتكافؤ".

يستشهد شيا بلائحة معارضة في بعلبك "تواجه صعوبات جمّة في التواصل مع الناخبين، في وقت تُستغل فيه الحرب والخطاب السياسي في الجنوب لتأليب الرأي العام عبر العاطفة، خصوصاً من قبل حزب الله وحركة أمل".

ويؤكد أن المعركة البلدية يجب أن تبقى محلية الطابع، "هدفها تحسين الخدمات وتفعيل دور البلديات". ويذكّر شيّا أن "الثنائي الشيعي لم يحصل في انتخابات 2022 النيابية على أكثر من 47% من أصوات الناخبين الشيعة مجتمعَين"، ما يعكس تراجعاً في شعبيته.

أما بو مجاهد فيرى أنه "قد يكون لتسليم حزب الله سلاحه والتقليل من سيطرته على المناطق الشيعية إذا حصل، نتائج تسرّع الحلول في المناطق المتضرّرة من الحرب".

ويضيف "كيفية تغيّر المزاج الانتخابي داخل البيئة الشيعية ستظهر في الانتخابات النيابية السنة المقبلة، لا في الانتخابات البلدية التي ستحصل خلال أسابيع. وتالياً، لا ترجيحات في قدرة الانتخابات البلدية على التغيير، والرهان سيكون على الانتخابات النيابية".