القارب غادر المياه اللبنانية وفقد الاتصال به بعد ذلك
القارب غادر المياه اللبنانية وفقد الاتصال به بعد ذلك

قارب هجرة لبناني جديد غدره الحظ، انقطعت به السبل في عرض البحر، ما يزيد عن الـ 50 راكباً على متنه مصيرهم مجهول حتى الساعة، بالدموع والأنين حاولت عائلاتهم إيصال صرختها إلى المسؤولين، علّهم يتحركون وينقذون أبناءهم قبل أن ينقض عليهم الموت.

منتصف ليل الأربعاء من الأسبوع الماضي، كانت نقطة الصفر لانطلاق القارب من على شاطئ العبدة، دار المحرك معلنا بداية الإبحار نحو الحلم الكبير لمن على متنه، والمتمثل بالوصول إلى إيطاليا وبناء مستقبل لطالما خططوا له في مخيلتهم، بعدما عجزوا في وطنهم عن تأمين لقمة عيشهم نتيجة أسوأ أزمة اقتصادية يمر بها بلدهم.

قطع القارب المياه الإقليمية اللبنانية، اقترب الركاب من تحقيق حلمهم أكثر فأكثر، وإذ فجأة يتعطّل المحرك، "هو احتمال لم يكن مستبعداً، لذلك كان يوجد ميكانيكي بين الركاب للتدخل في مثل هذه الحالة"، بحسب ما يقوله رئيس اتحاد روابط مخاتير عكار، مختار ببنين، زاهر الكسار، شارحاً في حديث لموقع "الحرة" أنه "تم إصلاح العطل ومعاودة الانطلاق، إلا أنه للأسف فرحة الركاب لم تكتمل، إذ عاد المحرك للتعطّل من جديد، وهذه المرة فشل الميكانيكي في إصلاحه، ليبدأ الكابوس المرعب، لهم ولعائلاتهم التي فقدت الاتصال بهم".

تتصدر قوارب الهجرة غير الشرعية الأخبار في لبنان في الآونة الأخيرة، سواء من خلال البيانات التي تصدرها السلطات اللبنانية أو من خلال تداول صور عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لمهاجرين خلال رحلة إبحارهم، منهم من وصلوا إلى وجهتهم، ومنهم من غادروا المياه الإقليمية وواجهوا صعوبات حالت دون تمكنهم من الوصول إلى الشواطئ الأوروبية، ومنهم من لم يتمكن حتى من مغادرة المياه الإقليمية بعد توقيف الجيش اللبناني لمركبهم.

أعلنت السلطات اللبنانية في الأسبوعين الماضيين عن إحباط عدة محاولات هجرة عبر البحر، آخرها كان في الأمس حيث ذكر الجيش اللبناني أنه "نتيجة عملية رصد ومتابعة لمحاولة تهريب أشخاص عبر البحر بطريقة غير شرعية مقابل بلدة العريضة- عكار، تمكنت القوات البحرية من الوصول إلى المركب المستعمَل للتهريب على بُعد ٦ أميال بحرية عن الشاطئ".

وأضاف بيان الجيش "تبين أن المركب أصيب بعطل في وقت سابق، وعلى متنه 55 شخصاً بينهم امرأتان حاملان وطفلان. كما أن ربانه غادره على متن زورق قبل وصول الجيش، وقامت القوات البحرية بسحب المركب نحو الشاطئ، وبوشر التحقيق بإشراف القضاء المختص".

الأمل الوحيد

يوم الاثنين الماضي كان آخر اتصال تلقاه أهالي ركاب القارب من أبنائهم، حيث أطلعوهم بتعطل المحرك وبأنهم على مقربة من جزيرة كريت اليونانية، وبعدها كما يقول خالد جوهر فقد الاتصال بهم، من دون أن يتمكن حتى الآن من الاطمئنان على ابنه القاصر محمد، الذي أصر على الهجرة هرباً من بلد يعجز فيه المواطن عن تأمين أبسط مقومات الحياة.

حاول خالد كثيراً إقناع ابنه بالعدول عن فكرته، وإكمال دراسته بعد رسوبه في صف الثاني ثانوي، إلا أن جوابه كان دائماً "أي مستقبل في هذا البلد، فحتى لو حصلت على شهادة لن أتمكن من العثور على وظيفة" كما كان يتوجه إلى والده بالقول "لماذا لا تريدني أن أهاجر في وقت لا تستطيع أن تؤمن الطعام لنا، وتعجز عن إعطائي 50 ألف ليرة"، عندها أجبر خالد كما يشير إلى السكوت والقبول بالأمر الواقع.

أصبحت "قوارب الموت" الأمل الوحيد للنجاة في ظل ظروف اجتماعية واقتصادية مأساوية، ويقول خالد لموقع "الحرة" "بات كل همّ محمد ابن الـ 17عاماً، أن يتمكن من حجز مقعد له على قارب هجرة، في وقت لا يملك ليرة واحدة لدفع ثمن الرحلة، حاول كثيراً الوصول إلى هدفه ونجح في ذلك، وقبل أن يودعنا عملت كل ما في وسعي لكي يبقى إلى جانبي وجانب شقيقه ذات الثماني سنوات الذي يعاني من مشكلة سمعية، أطلعني أن ما يقوم به هو من أجل انتشالنا جميعاً من الواقع المذري الذي نحن فيه".

معاناة المهاجرين غير الشرعيين تتواصل، وقبل أيام أعلنت قيادة خفر السواحل التركية العثور على ست جثث لمهاجرين غير نظاميين (رضيعان، امرأة، ثلاثة أطفال) قضوا جراء غرق قاربهم في بحر إيجه، فيما تمكنت من إنقاذ 73 مهاجرا كانوا ضمن المجموعة على متن أربع طوافات نجاة، وفي بيان لها شرحت أن فرقها "هرعت لإنقاذ مهاجرين بعدما تلقت بلاغا، بوجود مجموعة منهم قبالة شواطئ مرمريس بولاية موغلا، جنوب غربي البلاد". 

على متن القارب المفقود الاتصال به الآن 55 شخصاً كما يقول خالد "بينهم أطفال ورضع، ورقيب أول في قوى الأمن الداخلي، هرب من موطنه بعدما كان أحد حماته، وذلك نتيجة تدني قيمة راتبه الذي لا يصل إلى 50 دولار شهرياً اثر تدهور سعر صرف الليرة اللبنانية أمام العملة الخضراء، فكيف سيتمكن من تأمين حاجيات عائلته المؤلفة من ثلاثة أولاد مرضى، من هنا بدلاً من أن يموت في اليوم آلاف المرات نتيجة عجزه أمامهم، قرر منازلة الموت دفعة واحدة، فإما أن ينتصر عليه ويصل إلى ضفة الأمان، أو يعلن هزيمته".

يتابع رئيس الهيئة العليا للإغاثة اللواء محمد خير قضية القارب المفقود، إلا أنه كما يقول "لا يوجد أي اتصال مع من هم على متنه، في العادة نتواصل مع من يواجهون مثل هذه الحالة عبر جهاز الثريا الذي يعمل خارج المياه الإقليمية، لكن حتى اللحظة لم نتمكن من التأكد فيما إن كان هناك قارب تائه في عرض البحر ومكانه" مضيفاً في حديث لموقع "الحرة" "تواصلنا مع وزارة الخارجية اللبنانية إلا أن لا معطيات لديها، مع العلم أنه يفترض أن يتواصل وزير خارجية لبنان مع وزيري خارجية اليونان وإيطاليا لإنهاء الموضوع".

من جانبه أكد خالد أنه "يوجد جهاز ثريا على متن القارب، لكن بعد فقدان الاتصال بالركاب لا نعلم ماذا حصل به، فيما إن تعطل أم تم توقيف أبنائنا من قبل خفر سواحل الدولة القريبين منها، في وقت لم يتواصل معنا أي من المسؤولين اللبنانيين وحتى الجيش اللبناني للاستفسار عن القضية، رغم أننا اعتصمنا ليل أمس وقطعنا أوتوستراد العبدة، ما يشعرنا أننا نعيش في غابة وليس في دولة".

أما وزارة الخارجية اللبنانية فأكدت لموقع "الحرة" أنها تتابع القضية، وقد كلفت سفيرة لبنان لدى قبرص كلود حجل بالمهمة.

يعمل خالد في إحدى المكتبات في مدينة طرابلس، في حين يسكن في مسقط رأسه بلدة ببنين العكارية، ويشدد "جزء كبير من راتبي يذهب بدل نقل، وما تبقى منه بالكاد يكفي لتلبية بعض احتياجات عائلتي، كما أني ملزم بتأمين 100 دولار شهريا بدل نقل ابني المريض من وإلى مدرسته التي تعنى بحالته، و50 دولار ثمن بطاريات لجهاز السمع الخاص به، ويساعدني في ذلك بعض من أصحاب الأيادي البيضاء".

أحلام خلف القضبان

"أمور عدة تجمع المهاجرين على متن "قوارب الموت"، على رأسها المعاناة وإغلاق كل الأبواب أمامهم، ليبقى البحر هو الوسيلة الأخيرة أمامهم لتغيير ظروف حياتهم" بحسب ما يقوله المختار الكسار مشيراً إلى أن "عدداً كبيراً من الذين على متن القارب هم من بلدة ببنين العكارية، معظمهم يعاني أبناؤهم أو أحد والديهم أو كليهما من ظروف صحية تتطلب مبالغ كبيرة لعلاجهم، في بلد يقتصر فيه الاستشفاء على الطبقة الغنية التي تبقت بعد الأزمة الاقتصادية".

يناشد ركاب القارب كما يقول المختار "الدول الأوروبية والأمم المتحدة لإنقاذهم، ولا يناشدون أي من المسؤولين اللبنانيين كونهم السبب بما هم فيه الآن"، لافتا إلى أنه "تم التواصل مع مدير عام الأمن العام اللواء عباس إبراهيم، أما وزارة الخارجية اللبنانية والتي يقع على عاتقها بشكل أساسي متابعة القضية، فتتحجج كل مرة بأن هجرة الركاب غير شرعية، وذلك للتهرب من مسؤوليتها، في وقت يعجز فيه اللبناني عن الحصول على جواز سفر لمغادرة وطنه بطريقة شرعية".

الأمر لا يقتصر كما يقول المختارعلى من يواجهون الموت في عرض البحر، بل كذلك على قضية مهمة جدا تتعلق باللبنانيين الذين تم توقيفهم وسجنهم في اليونان، متسائلاً "لماذا يجري تعزيز وتكريم اللاجئ السوري والفلسطيني هناك على عكس اللبناني الذي يواجه عقوبات قاسية لاسيما إن تم اتهامه بالإتجار بالبشر، من دون أن نسمع تصريحاً واحداً من وزير الخارجية اللبناني تعليقاً على هذه الكارثة"؟

خالد برغل واحد من اللبنانيين، الذين غدرهم البحر رامياً بهم خلف قضبان سجون اليونان، هو الذي اتخذ قرار الهجرة، من أجل تأمين مصاريف علاج والده المصاب بالسرطان، وإذ به كما تقول والدته عايدة يجد نفسه متهماً بمعاونة قبطان القارب من خلال مساعدة الركاب بتقديم الطعام والشراب لهم، وذلك نتيجة إفادات ركاب سوريين كانوا معه في الرحلة.

في 27 أغسطس الماضي صعد برغل إلى القارب، وكله أمل أن تكون الخطوة الأولى في طريق تحقيق أحلامه، من دون أن يتوقع أنه سيندم على اللحظة التي اتخذ فيها قراره بالابتعاد عن والديه ووطنه، تقول والدته والألم يعتصر قلبها "وكأنه لا يكفيني ما عاشته من رعب على وحيدي على ابنتين، بعدما تعطل بهم القارب وتاهوا في البحر لنحو 11 يوماً، لنبدأ بمناشدة المسؤولين اللبنانيين التحرك لإنقاذهم، وبعد أن وصلوا إلى اليونان أوقفته السلطات في السابع من سبتمبر في جزيرة كريت مع ستة أشخاص آخرين، قبل أن تنقله في الثاني عشر منه إلى سجن في أثينا".

تواصل برغل مع والدته عبر الهاتف خلال توقيفه في جزيرة كريت، كان في حالة انهيار، لم يكف عن البكاء، هو الذي لم يبتعد يوما عن والديه، وإذ به يجد نفسه سجيناً خلف البحار، تقول عايدة لموقع "الحرة"، "كان يعمل في قطف الزيتون وجمع الحديد، كي لا نموت جوعاً، سافر كي لا يضطر يوما ما إلى السرقة أو أن يجد نفسه من حيث لا يدري إرهابياً".

ترقب وخشية

يوم الجمعة الماضي انطلق قارب من شاطئ المنية شمال لبنان، فتعطل قرب قبرص، وبعد استغاثة ركابه تم نقلهم على متن سفينة إلى تركيا على الرغم من إصرارهم على إكمال رحلتهم إلى أوروبا، هم الآن يواجهون مصيرا مجهولا، لا يعلمون إن كانوا سيتمكنون من تحقيق حلمهم بالوصول إلى الشواطئ الإيطالية، أم أن المبالغ المالية التي دفعوها لحجز مقعد لهم على متن القارب والتي تصل إلى 7 آلاف دولار على الشخص، (حيث باع بعضهم كل ما يملك في سبيل تأمين المبلغ)، ستذهب سداً.

إذا كان المختار الكسار ضد الهجرة غير الشرعية، إلا أنه في ذات الوقت كما يقول "يهرب هؤلاء من الحرب الاقتصادية التي يشنها المسؤولون علينا، من وزير الاقتصاد الذي حرم الناس رغيف الخبز المفقود من الأفران رغم رفع سعره، إلى وزير الكهرباء الذي لم نر النور منذ توليه منصبه، إلى وزير التربية الذي يغض النظر عن المدارس التي تفرض الأقساط بالدولار الفريش، في حين يعجز الآباء عن تأمين ليس قسط المدرسة فحسب، بل حتى تسجيل أولادهم في باص للنقل، إلى بقية من هم في السلطة المشاركون بطريقة أو بأخرى بإفقار الشعب".

ويشدد "كفى، طفح الكيل من المسؤولين اللبنانيين غير المبالين بكل ما يدور حولهم، وإذا استمروا على هذا النحو لن يجدوا قريباً من يحكمونه".

مرّ عيد ميلاد برغل الـ 19 وهو على متن القارب تتقاذفه الأمواج، لم تتمكن والدته من معايدته، وما تخشاه الآن أن تطول أيام فراقهما عن بعضهما البعض، لا سيما وأنها لا تملك المال لتوكيل محام للدفاع عنه، وتشدد "من أين لي آلاف الدولار لذلك، ولو كان لدينا مال لما اضطر وحيدي إلى رمي نفسه للمجهول عندما سنحت له الفرصة بالصعود مجاناً على متن القارب".

"لا أحد يمكنه أن يشعر بمدى الألم الذي يعانيه أهالي الركاب العالقون في وسط البحر" كما يشدد خالد جوهر، لافتا إلى أنه "هو أصعب موقف واجهته في حياتي، منذ مغادرة ابني المنزل لم يطرق النوم بابي، أترقب أي خبر يطمئنني عنه، وسط الخشية من وقوع أي مكروه له ولمن معه على متن القارب، وكل ما أتمناه الآن معرفة مصير فلذة كبدي، فيما إن كان لا يزال المركب عالق في البحر أم تم إنقاذه".

لبنان حزب الله

يترقب اللبنانيون أول اختبار لقياس حجم التأييد الشعبي لحزب الله بعد الخسائر التي مُنّي بها، والدمار الذي لحق بالسكان، والبلد عموما، جراء الحرب مع إسرائيل.

وستعبر نتائج الانتخابات البلدية المقررة في مايو المقبل، ضمنا، عن مزاج الشارع، الشيعي خصوصا، حيال قضايا أبرزها سلاح الحزب وتقاعسه في إعادة إعمال المناطق المتضررة جراء الحرب.

يأتي ذلك على خلفية حالة تملل، متزايدة، من تداعيات الحرب، وما رافقها من دمار واسع في القرى الجنوبية، ونزوح آلاف العائلات من مناطقها، وتراجع في الخدمات الأساسية، إلى جانب أزمات اقتصادية خانقة.

وبينما يحاول حزب الله الإيحاء بتماسك قاعدته من خلال رفع شعارات بعيدة عن الواقع، فإن جزءا من جمهوره بات يبحث عن حلول ملموسة لأزماته اليومية، ولإعمار ما دمرته الحرب، بعيدا عن الخطابات الأيديولوجية.

المؤشرات كثيرة إلى أن الباب بات مشرعا أمام تغييرات مفصلية في المشهد المحلي، ولو على مستوى بعض البلديات، ويرجح مراقبون، تحدثوا موقع "الحرة"، أن يقول الشارع الشيعي كلمته بشأن حزب الله في الانتخابات النيابية  2026.

تحدي الانتخابات

رغم الدمار الهائل الذي خلفته الحرب لا سيما جنوب لبنان، ورغم استمرار عمليات الاغتيال الإسرائيلية ضد عناصر من حزب الله واستهداف ترسانته العسكرية، "تتجه السلطات اللبنانية إلى إجراء الانتخابات البلدية، بعد أن كانت قد أجلتها لعامين متتاليين دون مبرر قانوني أو مقنع، متذرعة تارةً بغياب التمويل وتارةً أخرى بأوضاع أمنية ولوجستية"، كما يقول الباحث في تطوير القوانين والأنظمة الانتخابية، عاصم شيّا.

وفي حديث لموقع "الحرة"، يرى شيا أن "المشكلة الحالية التي تواجه إجراء الانتخابات البلدية ليست تقنية بقدر ما هي تنظيمية، خاصة في البلدات الجنوبية المدمرة". 

"هناك خياران أمام الجهات المعنية: إما نصب خيام داخل البلدات المتضررة إذا أصرّ السكان على الاقتراع فيها، أو نقل مراكز الاقتراع إلى بلدات مجاورة أكثر استقرارًا، على أن تُستخدم مبانٍ عامة مثل المدارس، الحسينيات، أو الكنائس لهذا الغرض".

لكن التحدي الأبرز، بحسب شيا، يكمن في تأمين "هيئة القلم"، أي الموظفين المكلفين بإدارة العملية الانتخابية، ومعظمهم من النساء العاملات في القطاع العام، لا سيما في التعليم، واللواتي يُبدين تحفظًا على التوجه إلى مناطق غير آمنة.

وتجدر الإشارة إلى أنه بحسب تقرير التقييم السريع للأضرار والاحتياجات في لبنان لعام 2025، الصادر عن البنك الدولي في 7 مارس، تقدّر احتياجات إعادة الإعمار والتعافي في أعقاب الصراع الذي شهده لبنان بنحو 11 مليار دولار أميركي.

ويعد قطاع الإسكان الأكثر تضرراً، مع أضرار تقدَّر بنحو 4.6 مليار دولار، فيما بلغت الأضرار التي لحقت بالمقومات المادية 6.8 مليار دولار.

أما من الناحية الجغرافية، فيشير التقرير إلى أن أكثر المناطق تضرراً هي محافظتا النبطية والجنوب، تليهما محافظة جبل لبنان التي تضم الضاحية الجنوبية لبيروت.

حقل تجارب؟

يلاحظ الباحث عاصم شيا، الذي يراقب الأنماط الانتخابية منذ عام 2009، أن القوى السياسية استخدمت الانتخابات البلدية عام 2016 كـ"حقل تجارب" لقراءة المزاج الشعبي، بعدما راودها القلق من قانون الانتخاب رقم 25/2008 (قانون الستين)، الذي أصبح يشكل خطراً عليها بسبب تطور وعي الخصوم المستقلين.

يقول شيا إن "تأجيل الانتخابات النيابية عامي 2013 و2015، مقابل إجراء الانتخابات البلدية عام 2016، كان مدروساً، الهدف منه مراقبة اتجاهات الناخبين. وفعلاً، كشفت الانتخابات عن نقمة واسعة، ما دفع الأحزاب إلى اللجوء إلى تكتيكات جديدة، أبرزها الدفع بمرشحين "نظيفي الكف" وغير حزبيين ظاهرياً، ليترأسوا اللوائح، ثم إحاطتهم بأعضاء بلديين حزبيين يضمنون ولاء المجلس للحزب. هذه المقاربة ساعدت في ضمان المكاسب لاحقاً في انتخابات 2018".

كذلك، "تم اللجوء إلى توظيف آلاف في مؤسسات رسمية رغم عدم الحاجة الفعلية إليهم، كما جرى التعاقد مع أعداد كبيرة في الوزارات، خصوصاً التعليم، فيما اعتُبر رشوة انتخابية مقنّعة لتأمين الأصوات".

اليوم يتكرر المشهد نفسه، بحسب شيّا، "تُسرع القوى السياسية إلى إجراء الانتخابات البلدية لا لمعالجة أزمات المجالس، بل لرصد اتجاهات الناخبين، تمهيداً لاستخدام الوظائف العامة والعسكرية مجددًا كأداة لاستمالة الأصوات"، فهذه الانتخابات، في نظره، ليست سوى مختبر سياسي يساعد القوى التقليدية على إعادة تنظيم صفوفها استعداداً للمعركة الأهم: انتخابات 2026 النيابية.

في المناطق التي تعرف بـ"الحاضنة" لحزب الله، يعاني معظم السكان، الذين تعرضت منازلهم للتدمير جزئياً أو كلياً، من بطء الإجراءات المتعلقة بإعادة الإعمار، إضافة إلى تأخر استجابة الحزب لتقديم التعويضات اللازمة لترميم المنازل أو تعويض الأثاث المتضرر.

وقال الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، بشأن إعادة إعمار المناطق المتضررة من الحرب، في 14 ديسمبر، أن "إعادة الإعمار مسؤولية الدولة،" التي تعاني أصلا من أزمة مالية خانقة. ودعا "الأشقاء العرب والدول الصديقة في المساعدة في إعادة الاعمار".

صراع عائلي تحت رايات حزبية؟

لا تعكس الانتخابات البلدية بالضرورة موازين القوى السياسية بشكل دقيق، وفقا لشيّا، "لأنها غالباً ما تكون امتداداً لصراعات عائلية داخلية.

"قد تُطرح لوائح تبدو متنافسة لكنها في الواقع تابعة للحزب نفسه، تختلف فقط حول المواقع أو التفاصيل، في مشهد يختلط فيه النفوذ العائلي بالحسابات الحزبية"، يقول شيا.

وعند تحليل تأثير الحرب الأخيرة على توجهات الناخبين، يرى شيّا ضرورة التمييز بين فئتين "الأولى تضمّ مؤيدي حزب الله، الذين رغم تضررهم من الحرب، زاد ارتباطهم به. أما الفئة الثانية، فهي من الشيعة غير المنضوين ضمن الثنائي الشيعي، هؤلاء يبدون استياءً واضحاً من الحرب ويحملون "الثنائي" مسؤولية ما جرى. ويُتوقع أن تتخذ هذه الفئة موقفاً مغايراً في الانتخابات المقبلة".

ويرى الكاتب، الصحفي مجد بو مجاهد أن "ثمة طابعا مجتمعيّا خاصا باستحقاق الانتخابات البلدية والاختيارية في لبنان في غالبية المناطق اللبنانية بخاصّة في القرى، ولا يمكن الحديث عن طابع سياسي سوى في بعض المدن الكبرى المتنوعة طائفياً كمدينة بيروت. 

"لذلك لا يمكن اعتبار الاستحقاق البلديّ بمثابة مقياس للتوجه الشعبيّ السياسي لدى المواطنين الشيعة أو سواهم من المواطنين اللبنانيين، من دون إغفال أنّ ثمة مدناً يغيب عنها التنافس السياسي في الاستحقاق الانتخابيّ البلديّ الحاليّ رغم أنه كان ظاهراً في استحقاقات بلدية سابقة".

اللافت وفق ما يقوله بو مجاهد لموقع "الحرة" أنّ "الأجواء الشيعية المجتمعية لا تبدو مهتمّة في استحقاق الانتخابات البلديّة مقارنة مع بيئات مجتمعية مغايرة تتطلّع بحيوية نحو خوض الاستحقاق والتنافس بين اللوائح على مستوى مجتمعيّ، لا سياسي".

ويشرح: "خروج المجتمع الشيعي من حرب ألحقت به خسائر كبرى، منها ضرب البنى التحتية والأراضي، سبب لتراجع الاهتمام الشيعي بخوض تنافس مجتمعيّ على الانتخابات البلدية، ولذلك كانت لافتة ظاهرة تشكيل لائحة واحدة فحسب في كثير من البلدات بعيداً عن خوض منافسة بين اللوائح".

إذا تضاعفت النقمة على "الثنائي الشيعي" _ أي حزب الله وحركة أمل _ من المواطنين في المناطق ذات الحضور الشيعي، فإنها ستظهر، وفق بو مجاهد، "في استحقاق الانتخابات النيابية المقبلة، لا في استحقاق الانتخابات البلدية".

"حتى الآن، هناك امتعاض شيعيّ واضح من حزب الله بخاصة بسبب تأخّر إعادة الإعمار، لكنّ تطوّر ذلك الامتعاض من عدمه سيكون مرتبطاً بما ستعرفه الأشهر اللاحقة من متغيرات".

النزاهة موضع شك؟

الحديث عن انتخابات نزيهة "غير واقعي"، يشدد شيّا، "لا بسبب حزب الله فقط، بل بسبب جميع الأحزاب التي تسيطر على مناطق نفوذها بشكل كامل ومدروس، ما يقيد قدرة المعارضين على خوض المعركة بتكافؤ".

يستشهد شيا بلائحة معارضة في بعلبك "تواجه صعوبات جمّة في التواصل مع الناخبين، في وقت تُستغل فيه الحرب والخطاب السياسي في الجنوب لتأليب الرأي العام عبر العاطفة، خصوصاً من قبل حزب الله وحركة أمل".

ويؤكد أن المعركة البلدية يجب أن تبقى محلية الطابع، "هدفها تحسين الخدمات وتفعيل دور البلديات". ويذكّر شيّا أن "الثنائي الشيعي لم يحصل في انتخابات 2022 النيابية على أكثر من 47% من أصوات الناخبين الشيعة مجتمعَين"، ما يعكس تراجعاً في شعبيته.

أما بو مجاهد فيرى أنه "قد يكون لتسليم حزب الله سلاحه والتقليل من سيطرته على المناطق الشيعية إذا حصل، نتائج تسرّع الحلول في المناطق المتضرّرة من الحرب".

ويضيف "كيفية تغيّر المزاج الانتخابي داخل البيئة الشيعية ستظهر في الانتخابات النيابية السنة المقبلة، لا في الانتخابات البلدية التي ستحصل خلال أسابيع. وتالياً، لا ترجيحات في قدرة الانتخابات البلدية على التغيير، والرهان سيكون على الانتخابات النيابية".