لبنان/ حكومة/ أجور
مجلس النواب اللبناني أقر الإثنين الماضي، موازنة البلاد، بعد تأخر دام ثمانية أشهر

بعد مرور ما يزيد عن الثلاثة أشهر على إضراب موظفي الإدارة العامة، أقرت السلطات اللبنانية زيادة رواتب موظفي القطاع العام، بصورة استثنائية محدودة الزمن في موازنة 2022، إلا أن هذه الخطوة التي لطالما انتظرها الموظفون سيلتهمها رفع سعر الدولار الجمركي وفوقها المزيد.

لم تكتمل فرحة موظفي القطاع العام، المدنيين والعسكريين والمتقاعدين والمتعاقدين، بالزيادة على رواتبهم التي لا تقل عن 5 ملايين ليرة لبنانية ولا تزيد عن 12 مليون ليرة، بعد إعلان رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي خلال جلسة إقرار الموازنة أن "الحكومة ستعتمد سعر 15 ألف ليرة للدولار الجمركي حتى نهاية العام الحالي".

وكان مجلس النواب اللبناني أقر الاثنين الماضي، موازنة البلاد، بعد تأخر دام ثمانية أشهر على المواعيد الدستورية، بأكثرية 63 صوتا نيابياً، ومعارضة 37، في حين امتنع ستة نواب عن التصويت، وقد بلغت النفقات فيها، 40873 مليار ليرة لبنانية، في حين بلغت الإيرادات 29986 مليار ليرة لبنانية.

ومنذ الثالث عشر من شهر يونيو الماضي، أغلقت الدوائر الرسمية اللبنانية أبوابها، مع إعلان موظفيها إضراباً مفتوحا إلى حين تحقيق مطالبهم وعلى رأسها تصحيح أجورهم وبدلات النقل والتقديمات الصحية والتعليمية، التي تراجعت بشكل كبير نتيجة الانهيار الذي بدأت ملامحه بالظهور في خريف عام 2019، لتتعقد الأزمة الاقتصادية مع الأيام إلى أن صنفها البنك الدولي بأنها من بين الأسوأ في العالم منذ عام 1950 حيث فقدت العملة المحلية أكثر من 90% من قيمتها أمام الدولار.

"جريمة" بحق اللبنانيين

في الوقت الذي اعتقدت الحكومة اللبنانية أن خطوتها ستلقى ترحيبا من قبل الموظفين، وصفت رئيسة رابطة موظفي الإدارة العامة، نوال نصر، الزيادة التي أقرّت على الرواتب بالمهزلة  والجريمة  بحق الموظفين وأصحاب الدخل المحدود على حد سواء، قائلة "هي  زيادة غير عادلة وغير كافية، كرّست  بالقانون الهيركات الجاري على رواتب الموظفين ومستحقاتهم،  إذ تم رفع  دولار الموظف إلى 4500 ليرة،  في حين أن سعر الدولار في السوق الموازية 40 ألف ليرة، وبالتزامن  تم رفع الدولار الجمركي والرسوم والضرائب والخدمات من طاقة ومياه وغيرها، وكلها  يلزم الموظف  بدفعها على أسعار جديدة  للدولار".

وتساءلت في حديث لموقع "الحرة" "من أين سيأتي الموظف بالفرق؟ وكيف له ان يجاري السوق المتفلتة من أية رقابة أو ضوابط؟ كيف سيشتري بدولاره المسخ الذي أقره له المجلس الكريم، ما يحتاج لدولار أسود لا يرحم ولا يبدو أن له حدود"؟ 

كما أن هذه الزيادة على الرواتب أدت كما تقول نصر "إلى فروقات كبيرة بين أصحاب الرواتب الصغيرة والكبيرة، خاصة بين رواتب الإدارات العامة وتلك التي في المؤسسات ذات الرواتب الفلكية، ما سيعمق الهوة بين هؤلاء بدل تضييقها". 

وشددت على رفض الموظفين ما تعتبره السلطة تصحيحا للأجور، قائلة "تم الاستخفاف بكل معاناة العاملين في القطاع العام لا سيما في الإدارة العامة الأكثر مظلومية وغبناً، وبفقدانهم لأبسط مقومات الحياة رغم أنهم القيمون على صنع الحياة في الوطن، تم تجاهل حقوقهم بالكامل، فبالإضافة إلى قصور ما أقر للرواتب وهزالته وعدم عدالته، لم يتم دعم التقديمات الصحية الطبية والاستشفائية، ولم يؤت على ذكر تصحيح بدل النقل ومنح التعليم، وكل هذا حقوق للموظفين".

واليوم الأربعاء، أكد وزير العمل في حكومة تصريف الأعمال مصطفى بيرم أن "الرواتب يجب أن تكون مطابقة لمنطق متطلبات العيش الكريم، وسيتم العمل عليها مستقبلا من خلال طريقة التدرج، فهناك قناعة ثابتة وواضحة لمستها في كل النقاشات في اللجان الوزارية بأن الرواتب يجب أن تتطور شيئا فشيئا لتصبح مطابقة لمتطلبات العيش الكريم".

وأضاف خلال اجتماعه مع الرئيس ميقاتي "يجب أنصاف كل فئات العاملين لأن الوضع الاقتصادي لم يعد يحتمل، والأصل أن تكون الدولة راعية لجميع أبنائها وان تبادر، ولكن الأمور ليست سهلة بسبب الظروف الاقتصادية ويفترض بالدولة أن تنصف الجميع بخطوات متدرجة وأن تعطي اشارة بأنها تريد أن ترعى جميع أبنائها لتبقى القطاعات مستمرة".

ما أعطته السلطة للموظفين بيد ستأخذه باليد الأخرى، لا بل ما ستأخذه منهم أكثر بكثير مما أعطتهم، بحسب ما يؤكد الباحث الاقتصادي والمحامي أديب طعمة، مشدداً في حديث لموقع "الحرة" على أن "الاقتصاد اللبناني سيشهد مزيدا من التدهور كون زيادة الرواتب تستدعي طباعة المزيد من العملة المحلية، ما سيؤدي إلى تراجع قيمتها وبالتالي تراجع القدرة الشرائية، وهذه الخطوة سبق أن اتخذتها الحكومة وهي تدخل في إطار رشوة موظفي القطاع العام، وإن كان ذلك على حساب موظفي القطاع الخاص، الذين سيدفعون ثمن ذلك".

كذلك، وصف الكاتب والصحفي نذير رضا خطوة الحكومة بالرشوة الانتخابية والسياسية، كونها لم تأت ضمن سلة متكاملة تتضمن إصلاحات وتقديمات اجتماعية، وهي تشبه إلى حد بعيد سلسلة الرتب والرواتب التي أقرتها سنة 2017، أما الهدف منها فتأمين سيرورة عمل الإدارات العامة لاسيما تلك التي تؤمن واردات الخزينة كوزارة المالية والجمارك".

 ويشدد رضا في حديث لموقع "الحرة" على أن هذه الزيادة على الرواتب وهمية "ففي الوقت الذي رفعت فيه الحكومة رواتب القطاع العام ثلاثة أضعاف رفعت الرسوم الجمركية عشرة أضعاف، وما قدمته للقطاع العام ستأخذه في المقابل من القطاع الخاص محملة إياه الثمن".

خطوة "إرضائية"

حاولت الحكومة اللبنانية إصابة عصفورين بحجر واحد في موازنتها، فإضافة إلى تقديمها رشوة إلى موظفي القطاع العام، أرادت منها كذلك كما يرى رضا وطعمه إرضاء صندوق النقد الدولي، إلا أنها كما يقول رضا "اجتزأت من شروط صندوق النقد، وذلك من باب الترقيع، على أن تطبق في موازنة العام المقبل الإصلاحات المتبقية المطلوبة منها".

ووصف طعمة الموازنة بالفلكلور، كونها وضعت لثلاثة أشهر فقط تلبية لمطالب صندوق النقد، "فمن ضمن شروطه إقرار الموازنة العامة وتخفيف ديون الدولة، وان كانت طريقة تلبية هذين المطلبين خبيثة، من خلال تخفيض القيمة الفعلية لرواتب الموظفين وودائع المودعين في المصارف".

بعد جولات تفاوض مع الجانب اللبناني، أعلن صندوق النقد الدولي في أبريل الماضي توصله إلى اتفاق مبدئي مع السلطات اللبنانية على خطة مساعدة بقيمة ثلاثة مليارات دولار على أربع سنوات، وقال راميريز ريغو الذي ترأس وفد صندوق النقد إلى لبنان، في بيان إنه في حال تمت الموافقة على الخطة من قبل إدارة الصندوق ومجلس إدارته، ستندرج المساعدة المرسلة إلى لبنان في إطار "دعم خطة السلطات الإصلاحية لإعادة النمو والاستقرار المالي".

غير أن الموافقة كما قال ريغو رهن بـ "تنفيذ جميع الإجراءات المسبقة وتأكيد الدعم المالي للشركاء الدوليين"، ومن الشروط التي وضعها صندوق النقد للإفراج عن مساعدته، إقرار مجلس النواب اللبناني ميزانية عام 2022 وقانون جديد للسرية المصرفية لمحاربة الفساد، كذلك موافقة الحكومة على برنامج لإعادة هيكلة الدين مع "مشاركة كافية من الدائنين لاستعادة القدرة على سداد الدين وسد فجوات التمويل".

إذا كان طعمة وصف الموازنة بالفلكلور، فإن رئيسة رابطة موظفي الإدارة العامة، وصفتها بالثغرة الجديدة التي تضاف إلى الثغرات التي ترتكبها الحكومة ويجاريها بها مجلس النواب، شارحة "من أجل تأمين الواردات، بحثت السلطة السياسية عن آخر قطرة دماء يمكنها امتصاصها من أصحاب الدخل المحدود ومعدوميه والموظفون أبرزهم، فوجدت ضالتها في الدولار الجمركي، والرسوم، والضرائب والخدمات، رافضة كل طروحاتنا وطروحات الإصلاحيين وهم كثر في هذا الوطن، حول تأمين الواردات الفعلية لخزينة الدولة، والتي هي أصلاً أموال للدولة".

 تضيف "أسقط اقتراح فرض ضريبة على الثروات للتضامن الوطني، حتى وإن كانت 1%، في حين أننا كموظفين ندفع حوالي 96% من راتبنا وتعويضات صرفنا نتيجة الفرق بين دولار راتبنا ودولار السوق السوداء، كما تم رفض ايقاف الإعفاءات عن الشركات الكبرى والتي تقدر بملايين الدولارات، والعائدة ملكيتها بالطبع لكبار المتحكمين باقتصاد البلد، كذلك الحال فيما يتعلق بالإعفاءات الجمركية، ووضع حد للتهرب الجمركي".

وكذلك "استرداد الأملاك العامة التي تقدر مداخيلها لو استثمرت بالمليارات، فهناك إصرار على حصر دفع الضرائب بأصحاب الدخل المحدود واستثناء أصحاب الثروات، يضاف إلى ذلك أنه لم يتم التطرق الى موضوع المحاسبة في اي من المجالات، لاسترداد المال المهدور والموهوب والمنهوب".

لهذا كله، تعتبر نصر أن موازنة 2022 "هي موازنة ضرائب ورسوم ورفع اسعار فقط على محدودي الدخل ونحن منهم، موازنة حفلت بالإعفاءات للأثرياء المتراكمة أموالنا لديهم، موازنة خلت من أي إصلاح ومن أي حل، بل راكمت المشكلات، لذلك نرفضها رفضاً قاطعاً، كما نرفض التذرع بأن الدولار الجمركي وما فرض من رسوم وضرائب ورفع اسعار هو من أجل تأمين الزيادة على رواتبنا، فنحن من سنتكبد ما يفرض، وما سندفعه منه أكبر بكثير مما سنحصل عليه من الزيادة".

مرحلة أشد قساوة

أصبح الدولار الجمركي قاب قوسين أو أدنى من دخوله حيز التنفيذ، وسط تساؤلات عن السلع التي سيشملها والأسعار التي ستصل إليها، وعن كيفية مواجهة المواطنين هذه المرحلة الجديدة التي ستزيد فقرهم فقراً.

وكان المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالفقر المدقع وحقوق الإنسان، أوليفييه دي شوتر، أشار في تقرير نشر في مايو الماضي، إلى أن "الأزمة الاقتصادية التي من صنع الإنسان في لبنان بدأت في عام 2019، واليوم يقف البلد على شفير الانهيار" مستشهداً بالتقديرات الحالية التي تضع أربعة من كل خمسة أشخاص في فقر.

واعتبر أن "سياسات البنك المركزي، على وجه الخصوص، أدت إلى دوامة هبوط العملة، وتدمير الاقتصاد، والقضاء على مدخرات الناس مدى الحياة، وإغراق السكان في براثن الفقر" لافتاً إلى أن المصرف المركزي وضع الدولة اللبنانية في مخالفة صريحة لقانون حقوق الإنسان الدولي.

المستفيد الأول من رفع الدولار الجمركي كما يقول طعمة "هم التجار الذين اشتروا بضاعتهم على سعر صرف 1500 ليرة، والآن سيبيعونها على سعر صرف 15,000 ليرة، وفي ظل تلفت الحدود اللبنانية وغياب الدولة فإن ذلك لن يؤدي إلا إلى مزيد من التضخم ورفع الأسعار، ولن تستفيد الدولة من الإيرادات كما تحاول أن توهم صندوق النقد".

ويشدد "طالما أن هناك عدة أسعار للدولار، وطالما أنه لم يتم وضع خطة لخلق اقتصاد منتج، وفي ظل غياب الرؤية المستقبلية للبلد، ستبقى المشكلة كما هي من دون حلحلة أي عقدة منها".

لم ترض خطوة الحكومة برفع الرواتب، الموظفين الذين يصرون كما تقول نصر على حماية الإدارة العامة وكل القطاع العام، إلا أن ذلك لن يكون ممكنا سوى بتصحيح أوضاع العاملين فيه، مشددة على أن "الموظف لا يستجدي مساعدات، بل يطلب حقوقاً ويصر عليها، هو يطلب راتبه الحقيقي ورفع الهيركات عنه، وحقه بالطبابة والاستشفاء والتعليم وبدل النقل الفعلي، وتعويضات الصرف بقيمتها الحقيقية، ونظاماً ضريبياً عادلاً لا إعفاءات فيه للأثرياء على حساب محدودي الدخل، توزيعاً عادلاً للرواتب والعطاءات، ولن يقبل بالعمل السخرة، فلا عمل من دون أجر عادل يكفي لحياة كريمة". 

وكشفت نصر، عن بحث يجري حول استمرار موظفي الإدارات العامة بإضرابهم، لافتة إلى أنه "ليست حقوقنا التي ستؤدي إلى الانهيار، لأنها حل لجمود السوق الاستهلاكية وإعادة مؤسسات توقفت إلى سوق العمل، بل ان السياسات الخاطئة والتفريط بحقوق الدولة هو الذي يؤدي إلى الانهيار".

لبنان وحماس

في حدث معبر وغير مسبوق، أظهرت الدولة اللبنانية صلابة في موقفها، وأجبرت حركة حماس، التي طالما استخفت بالسيادة اللبنانية، على الانصياع.

بعد تحذير حازم، من مجلس الدفاع الوطني اللبناني، سلمت حماس عددا من المطلوبين بتهمة إطلاق صواريخ من جنوب لبنان نحو إسرائيل، وهو تصعيد لم تكن الدولة اللبنانية لتواجهه بردع مباشر في السابق، إذ غالبا ما كانت تتم معالجة خروقات كهذه ضمن تفاهمات خلف الكواليس، خصوصا بوجود غطاء سياسي لحماس في لبنان من حزب الله. 

لكن هذه المرة، بدا الأمر مختلفا تماما.

الرسالة كانت واضحة: لم يعد بإمكان أي جهة أن تتصرف خارج سلطة الدولة اللبنانية.

استعادة السيادة

في أبريل الماضي، أعلن الجيش اللبناني ضبط عدة صواريخ ومنصات إطلاق واعتقل عددا من الأشخاص في جنوب لبنان، وقال إن التحقيقات جارية تحت إشراف القضاء.

حماس، التي اعتادت التلاعب بالسيادة اللبنانية مسنودة بتحالفاتها الإقليمية وصلاتها بحزب الله، وجدت نفسها الآن مجبرة على تسليم المطلوبين، في خطوة تعكس هشاشة موقفها وانحسار الدعم الذي طالما استفادت منه.

هذه الاستجابة السريعة تأتي بعد الهزيمة العسكرية التي تعرضت لها الحركة في غزة خلال الحرب الأخيرة مع إسرائيل. فبينما تكبدت حماس خسائر فادحة، أظهرت التطورات الميدانية في لبنان تراجعا واضحا في تأثيرها ونفوذها.

فهل نحن أمام إعادة صياغة لدور حماس في لبنان؟ أم أن الحركة تسعى لتجنب مواجهة جديدة قد تكون مكلفة في ظل تغير الموازين السياسية والأمنية في المنطقة؟

نقطة التحول المفصلية

أصبحت بيروت منذ عام 2019 حاضنة رئيسية لقيادات حماس ومحطة مهمة لوجودها السياسي والأمني، كما ذكر مركز "كارنيغي".

ولا شك أن اللحظة التي أُعلنت فيها استراتيجية "وحدة الساحات" 

وقبل هجوم حماس على إسرائيل في أكتوبر 2023 وتشكيل غرفة عمليات مشتركة في الضاحية الجنوبية لـ"محور الساحات،" أعلنت حماس وحزب الله استراتيجية "وحدة الساحات".

وبدت تلك اللحظة وكأنها "تمهيد لانقلاب شامل على الوضع اللبناني ومحاولة لفرض سيطرة محور الممانعة على كامل الأراضي اللبنانية وعلى جميع القوى السياسية دون استثناء مع بروز دور حركة حماس كعامل فلسطيني رديف لحزب الله في لبنان".

نشاط حماس في لبنان "يتعارض مع السياسة الرسمية الفلسطينية في التعاطي مع الشأن اللبناني"، يقول مدير مركز تطوير للدراسات الاستراتيجية والتنمية البشرية الباحث الفلسطيني، هشام دبسي لموقع "الحرة".

وتبنت حماس إطلاق صواريخ من لبنان خلال المواجهة التي بدأها حزب الله ضد إسرائيل عام 2023 على خلفية الحرب في قطاع غزة، لكن التطورات الميدانية وعمليات الاغتيال التي نفذتها إسرائيل قلبت المشهد رأساً على عقب".

وجاءت "تداعيات الضربات الإسرائيلية على حزب الله ومحور الممانعة في لبنان قاسية ليس فقط على حركة حماس بل على حزب الله ذاته"، يقول دبسي لموقع "الحرة".

وشكّلت عملية اغتيال نائب رئيس مكتب حماس السياسي، صالح العاروري في لبنان في يناير 2024، وفق ما يقوله دبسي "نقطة تحول رئيسية في مسار حركة حماس التي كانت تعيش حالة من الصعود على المستويين الفلسطيني واللبناني".

ويتابع "لكن نتائج الحرب الأخيرة وضعت الحركة في مأزق تحالفها مع حزب الله إذ لم تعد قادرة على فك ارتباطها بهذا التحالف كما لا تستطيع اتخاذ خطوة تراجع منهجية تقتضي بتسليم سلاحها للدولة اللبنانية والالتزام بالشرعية الفلسطينية ممثلة بمنظمة التحرير وسفارة فلسطين في لبنان".

يذكر أن العاروري، قتل مع اثنين من قادة الجناح العسكري للحركة، في ضربة إسرائيلية استهدفت مكتبا للحركة في الضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية بيروت، أحد معاقل جماعة حزب الله اللبنانية.

رسالة واضحة

حذّر مجلس الدفاع الوطني اللبناني حماس من استخدام الأراضي اللبنانية للقيام بأي أعمال تمس بالأمن القومي اللبناني تحت طائلة اتخاذ أقصى التدابير والإجراءات اللازمة لوضع حد نهائي لأي عمل ينتهك السيادة اللبنانية.

يتجلى في خطوة المجلس هذه بعدان أساسيان، يشرحهما دبسي "الأول هو انقلاب موازين القوى الداخلية لصالح الدولة اللبنانية في مواجهة سلاح الميليشيات حيث يعكس هذا التحرك تحولاً نوعياً نحو تعزيز سيطرة الدولة على السلاح وتقليص نفوذ الجماعات المسلحة".

الثاني "هو ترجمة خطاب القسم الرئاسي والبيان الوزاري إلى خطوات عملية تهدف إلى حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وفي هذا الإطار جاء إطلاق مجموعة من حركة حماس صواريخ من الأراضي اللبنانية نحو إسرائيل ليشكل اختباراً لمدى جدية العهد الجديد في فرض سيادة الدولة وقد كان الرد الإسرائيلي العنيف بمثابة إنذار لما قد تترتب عليه مثل هذه العمليات من تداعيات خطيرة".

وبالتالي فإن الدولة اللبنانية بسياساتها الجديدة لا يمكنها وفق ما يشدد دبسي "التغاضي عن هذه التطورات أو التعامل معها كما كان يحدث في السابق، بل على العكس جاء توجيه الإنذار لحركة حماس كرسالة واضحة بأن قرار السلاح والسيادة بات في يد الدولة اللبنانية ولن يُسمح لأي طرف بتجاوزه".

وفي ما يتعلق بتقييم استجابة حركة حماس لطلب تسليم المطلوبين، يرى دبسي أن الحركة "في البداية كانت مترددة وحاولت الاعتماد على علاقاتها التقليدية مع حزب الله وباقي قوى محور الممانعة في لبنان لكن مع إدراكها أن حزب الله لن يقدم لها الدعم ولن تستطيع الاحتماء بمظلته أو بمظلة أي من القوى اللبنانية الأخرى لم يبق أمامها سوى خيارين إما تسليم العناصر المطلوبة للدولة اللبنانية أو مواجهة الدولة دون أي غطاء لبناني داخلي ودون أي غطاء فلسطيني أيضاً".

ويشير دبسي إلى "أن منظمة التحرير الفلسطينية طالبت حماس مرارا بتسليم المطلوبين وعدم استخدام الأراضي اللبنانية لإطلاق الصواريخ حتى لا تعرض مجتمع اللاجئين الفلسطينيين لردود الفعل الإسرائيلية".

وبناء على ذلك اضطرت حركة حماس "في نهاية المطاف للاستجابة لمطلب الدولة اللبنانية كخيار إجباري لا مفر منه".

تصدّع التحالف

كشفت التطورات الأخيرة عمق الخلافات والتباينات الميدانية بين حماس وحزب الله، إذ لم يعد أي منهما قادراً على مساندة الآخر في ظل الظروف الراهنة، بحسب ما يرى دبسي.

ويشرح أن "حزب الله الذي أعلن التزامه بموقف الدولة اللبنانية لم يعد قادراً على تقديم الغطاء لحماس أو حمايتها، ما يعكس حالة من التباعد بين الطرفين، خاصة وأن حزب الله يشعر بأن حماس قد خدعته بعملية 'طوفان الأقصى'، إذ لم تنسق العملية معه ولم تُعلمه بموعدها مسبقاً".

في المقابل، "تشعر حماس بأن حزب الله لم يكن وفياً بما يكفي في دعمه للحالة الفلسطينية ولم يلتزم بتعهداته كما تتصور الحركة. وهكذا، باتت العلاقة بين الطرفين أقرب إلى تبادل الاتهامات وتحميل المسؤولية؛ فحزب الله يلقي اللوم على حماس بسبب التصعيد الميداني غير المنسق، بينما ترى حماس أن حزب الله استخدم إطلاق النار من لبنان كغطاء دون التشاور معها".

في ظل هذه التوترات، عادت قضية سحب السلاح الفلسطيني من المخيمات إلى الواجهة، وسط توقعات بإعلان الدولة اللبنانية عن خريطة طريق واضحة لتنفيذ هذه الخطوة، وفقاً لدبسي.

يُذكر أن ملف السلاح الفلسطيني في لبنان ينقسم إلى محورين: السلاح داخل المخيمات وخارجها. وقد أنجز ملف السلاح خارج المخيمات بالكامل، بينما يجري العمل حالياً لضبط السلاح داخل المخيمات.

وتندرج هذه القضية ضمن إطار القرار 1559 الصادر عام 2003، والذي ينص على نزع سلاح الميليشيات والقوى الأجنبية غير اللبنانية، بما فيها السلاح الفلسطيني.

يشير دبسي إلى أن "الشرعية الفلسطينية سبق أن أعلنت دعمها لتطبيق القرارين 1559 و1701، وأبدت استعدادها للتعاون الكامل مع الدولة اللبنانية لتنظيم الوجود المسلح داخل المخيمات وخارجها".

وكان الرئيس الفلسطيني محمود عباس قد أكد خلال زيارته السابقة إلى قصر بعبدا في عهد الرئيس ميشال سليمان على تسهيل عمل الحكومة اللبنانية في إنهاء هذا الملف، لكن التطبيق تعثر بفعل هيمنة "محور الممانعة".

وفي هذا السياق، تتجه الأنظار إلى زيارة عباس المرتقبة إلى لبنان في 21 مايو، "حيث يتوقع أن تحمل مؤشرات حول كيفية تنفيذ المبادرة السياسية والأمنية المتعلقة بسحب السلاح من المخيمات بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية"، وفقاً لدبسي.