لبنان/ حكومة/ أجور
مجلس النواب اللبناني أقر الإثنين الماضي، موازنة البلاد، بعد تأخر دام ثمانية أشهر

بعد مرور ما يزيد عن الثلاثة أشهر على إضراب موظفي الإدارة العامة، أقرت السلطات اللبنانية زيادة رواتب موظفي القطاع العام، بصورة استثنائية محدودة الزمن في موازنة 2022، إلا أن هذه الخطوة التي لطالما انتظرها الموظفون سيلتهمها رفع سعر الدولار الجمركي وفوقها المزيد.

لم تكتمل فرحة موظفي القطاع العام، المدنيين والعسكريين والمتقاعدين والمتعاقدين، بالزيادة على رواتبهم التي لا تقل عن 5 ملايين ليرة لبنانية ولا تزيد عن 12 مليون ليرة، بعد إعلان رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي خلال جلسة إقرار الموازنة أن "الحكومة ستعتمد سعر 15 ألف ليرة للدولار الجمركي حتى نهاية العام الحالي".

وكان مجلس النواب اللبناني أقر الاثنين الماضي، موازنة البلاد، بعد تأخر دام ثمانية أشهر على المواعيد الدستورية، بأكثرية 63 صوتا نيابياً، ومعارضة 37، في حين امتنع ستة نواب عن التصويت، وقد بلغت النفقات فيها، 40873 مليار ليرة لبنانية، في حين بلغت الإيرادات 29986 مليار ليرة لبنانية.

ومنذ الثالث عشر من شهر يونيو الماضي، أغلقت الدوائر الرسمية اللبنانية أبوابها، مع إعلان موظفيها إضراباً مفتوحا إلى حين تحقيق مطالبهم وعلى رأسها تصحيح أجورهم وبدلات النقل والتقديمات الصحية والتعليمية، التي تراجعت بشكل كبير نتيجة الانهيار الذي بدأت ملامحه بالظهور في خريف عام 2019، لتتعقد الأزمة الاقتصادية مع الأيام إلى أن صنفها البنك الدولي بأنها من بين الأسوأ في العالم منذ عام 1950 حيث فقدت العملة المحلية أكثر من 90% من قيمتها أمام الدولار.

"جريمة" بحق اللبنانيين

في الوقت الذي اعتقدت الحكومة اللبنانية أن خطوتها ستلقى ترحيبا من قبل الموظفين، وصفت رئيسة رابطة موظفي الإدارة العامة، نوال نصر، الزيادة التي أقرّت على الرواتب بالمهزلة  والجريمة  بحق الموظفين وأصحاب الدخل المحدود على حد سواء، قائلة "هي  زيادة غير عادلة وغير كافية، كرّست  بالقانون الهيركات الجاري على رواتب الموظفين ومستحقاتهم،  إذ تم رفع  دولار الموظف إلى 4500 ليرة،  في حين أن سعر الدولار في السوق الموازية 40 ألف ليرة، وبالتزامن  تم رفع الدولار الجمركي والرسوم والضرائب والخدمات من طاقة ومياه وغيرها، وكلها  يلزم الموظف  بدفعها على أسعار جديدة  للدولار".

وتساءلت في حديث لموقع "الحرة" "من أين سيأتي الموظف بالفرق؟ وكيف له ان يجاري السوق المتفلتة من أية رقابة أو ضوابط؟ كيف سيشتري بدولاره المسخ الذي أقره له المجلس الكريم، ما يحتاج لدولار أسود لا يرحم ولا يبدو أن له حدود"؟ 

كما أن هذه الزيادة على الرواتب أدت كما تقول نصر "إلى فروقات كبيرة بين أصحاب الرواتب الصغيرة والكبيرة، خاصة بين رواتب الإدارات العامة وتلك التي في المؤسسات ذات الرواتب الفلكية، ما سيعمق الهوة بين هؤلاء بدل تضييقها". 

وشددت على رفض الموظفين ما تعتبره السلطة تصحيحا للأجور، قائلة "تم الاستخفاف بكل معاناة العاملين في القطاع العام لا سيما في الإدارة العامة الأكثر مظلومية وغبناً، وبفقدانهم لأبسط مقومات الحياة رغم أنهم القيمون على صنع الحياة في الوطن، تم تجاهل حقوقهم بالكامل، فبالإضافة إلى قصور ما أقر للرواتب وهزالته وعدم عدالته، لم يتم دعم التقديمات الصحية الطبية والاستشفائية، ولم يؤت على ذكر تصحيح بدل النقل ومنح التعليم، وكل هذا حقوق للموظفين".

واليوم الأربعاء، أكد وزير العمل في حكومة تصريف الأعمال مصطفى بيرم أن "الرواتب يجب أن تكون مطابقة لمنطق متطلبات العيش الكريم، وسيتم العمل عليها مستقبلا من خلال طريقة التدرج، فهناك قناعة ثابتة وواضحة لمستها في كل النقاشات في اللجان الوزارية بأن الرواتب يجب أن تتطور شيئا فشيئا لتصبح مطابقة لمتطلبات العيش الكريم".

وأضاف خلال اجتماعه مع الرئيس ميقاتي "يجب أنصاف كل فئات العاملين لأن الوضع الاقتصادي لم يعد يحتمل، والأصل أن تكون الدولة راعية لجميع أبنائها وان تبادر، ولكن الأمور ليست سهلة بسبب الظروف الاقتصادية ويفترض بالدولة أن تنصف الجميع بخطوات متدرجة وأن تعطي اشارة بأنها تريد أن ترعى جميع أبنائها لتبقى القطاعات مستمرة".

ما أعطته السلطة للموظفين بيد ستأخذه باليد الأخرى، لا بل ما ستأخذه منهم أكثر بكثير مما أعطتهم، بحسب ما يؤكد الباحث الاقتصادي والمحامي أديب طعمة، مشدداً في حديث لموقع "الحرة" على أن "الاقتصاد اللبناني سيشهد مزيدا من التدهور كون زيادة الرواتب تستدعي طباعة المزيد من العملة المحلية، ما سيؤدي إلى تراجع قيمتها وبالتالي تراجع القدرة الشرائية، وهذه الخطوة سبق أن اتخذتها الحكومة وهي تدخل في إطار رشوة موظفي القطاع العام، وإن كان ذلك على حساب موظفي القطاع الخاص، الذين سيدفعون ثمن ذلك".

كذلك، وصف الكاتب والصحفي نذير رضا خطوة الحكومة بالرشوة الانتخابية والسياسية، كونها لم تأت ضمن سلة متكاملة تتضمن إصلاحات وتقديمات اجتماعية، وهي تشبه إلى حد بعيد سلسلة الرتب والرواتب التي أقرتها سنة 2017، أما الهدف منها فتأمين سيرورة عمل الإدارات العامة لاسيما تلك التي تؤمن واردات الخزينة كوزارة المالية والجمارك".

 ويشدد رضا في حديث لموقع "الحرة" على أن هذه الزيادة على الرواتب وهمية "ففي الوقت الذي رفعت فيه الحكومة رواتب القطاع العام ثلاثة أضعاف رفعت الرسوم الجمركية عشرة أضعاف، وما قدمته للقطاع العام ستأخذه في المقابل من القطاع الخاص محملة إياه الثمن".

خطوة "إرضائية"

حاولت الحكومة اللبنانية إصابة عصفورين بحجر واحد في موازنتها، فإضافة إلى تقديمها رشوة إلى موظفي القطاع العام، أرادت منها كذلك كما يرى رضا وطعمه إرضاء صندوق النقد الدولي، إلا أنها كما يقول رضا "اجتزأت من شروط صندوق النقد، وذلك من باب الترقيع، على أن تطبق في موازنة العام المقبل الإصلاحات المتبقية المطلوبة منها".

ووصف طعمة الموازنة بالفلكلور، كونها وضعت لثلاثة أشهر فقط تلبية لمطالب صندوق النقد، "فمن ضمن شروطه إقرار الموازنة العامة وتخفيف ديون الدولة، وان كانت طريقة تلبية هذين المطلبين خبيثة، من خلال تخفيض القيمة الفعلية لرواتب الموظفين وودائع المودعين في المصارف".

بعد جولات تفاوض مع الجانب اللبناني، أعلن صندوق النقد الدولي في أبريل الماضي توصله إلى اتفاق مبدئي مع السلطات اللبنانية على خطة مساعدة بقيمة ثلاثة مليارات دولار على أربع سنوات، وقال راميريز ريغو الذي ترأس وفد صندوق النقد إلى لبنان، في بيان إنه في حال تمت الموافقة على الخطة من قبل إدارة الصندوق ومجلس إدارته، ستندرج المساعدة المرسلة إلى لبنان في إطار "دعم خطة السلطات الإصلاحية لإعادة النمو والاستقرار المالي".

غير أن الموافقة كما قال ريغو رهن بـ "تنفيذ جميع الإجراءات المسبقة وتأكيد الدعم المالي للشركاء الدوليين"، ومن الشروط التي وضعها صندوق النقد للإفراج عن مساعدته، إقرار مجلس النواب اللبناني ميزانية عام 2022 وقانون جديد للسرية المصرفية لمحاربة الفساد، كذلك موافقة الحكومة على برنامج لإعادة هيكلة الدين مع "مشاركة كافية من الدائنين لاستعادة القدرة على سداد الدين وسد فجوات التمويل".

إذا كان طعمة وصف الموازنة بالفلكلور، فإن رئيسة رابطة موظفي الإدارة العامة، وصفتها بالثغرة الجديدة التي تضاف إلى الثغرات التي ترتكبها الحكومة ويجاريها بها مجلس النواب، شارحة "من أجل تأمين الواردات، بحثت السلطة السياسية عن آخر قطرة دماء يمكنها امتصاصها من أصحاب الدخل المحدود ومعدوميه والموظفون أبرزهم، فوجدت ضالتها في الدولار الجمركي، والرسوم، والضرائب والخدمات، رافضة كل طروحاتنا وطروحات الإصلاحيين وهم كثر في هذا الوطن، حول تأمين الواردات الفعلية لخزينة الدولة، والتي هي أصلاً أموال للدولة".

 تضيف "أسقط اقتراح فرض ضريبة على الثروات للتضامن الوطني، حتى وإن كانت 1%، في حين أننا كموظفين ندفع حوالي 96% من راتبنا وتعويضات صرفنا نتيجة الفرق بين دولار راتبنا ودولار السوق السوداء، كما تم رفض ايقاف الإعفاءات عن الشركات الكبرى والتي تقدر بملايين الدولارات، والعائدة ملكيتها بالطبع لكبار المتحكمين باقتصاد البلد، كذلك الحال فيما يتعلق بالإعفاءات الجمركية، ووضع حد للتهرب الجمركي".

وكذلك "استرداد الأملاك العامة التي تقدر مداخيلها لو استثمرت بالمليارات، فهناك إصرار على حصر دفع الضرائب بأصحاب الدخل المحدود واستثناء أصحاب الثروات، يضاف إلى ذلك أنه لم يتم التطرق الى موضوع المحاسبة في اي من المجالات، لاسترداد المال المهدور والموهوب والمنهوب".

لهذا كله، تعتبر نصر أن موازنة 2022 "هي موازنة ضرائب ورسوم ورفع اسعار فقط على محدودي الدخل ونحن منهم، موازنة حفلت بالإعفاءات للأثرياء المتراكمة أموالنا لديهم، موازنة خلت من أي إصلاح ومن أي حل، بل راكمت المشكلات، لذلك نرفضها رفضاً قاطعاً، كما نرفض التذرع بأن الدولار الجمركي وما فرض من رسوم وضرائب ورفع اسعار هو من أجل تأمين الزيادة على رواتبنا، فنحن من سنتكبد ما يفرض، وما سندفعه منه أكبر بكثير مما سنحصل عليه من الزيادة".

مرحلة أشد قساوة

أصبح الدولار الجمركي قاب قوسين أو أدنى من دخوله حيز التنفيذ، وسط تساؤلات عن السلع التي سيشملها والأسعار التي ستصل إليها، وعن كيفية مواجهة المواطنين هذه المرحلة الجديدة التي ستزيد فقرهم فقراً.

وكان المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالفقر المدقع وحقوق الإنسان، أوليفييه دي شوتر، أشار في تقرير نشر في مايو الماضي، إلى أن "الأزمة الاقتصادية التي من صنع الإنسان في لبنان بدأت في عام 2019، واليوم يقف البلد على شفير الانهيار" مستشهداً بالتقديرات الحالية التي تضع أربعة من كل خمسة أشخاص في فقر.

واعتبر أن "سياسات البنك المركزي، على وجه الخصوص، أدت إلى دوامة هبوط العملة، وتدمير الاقتصاد، والقضاء على مدخرات الناس مدى الحياة، وإغراق السكان في براثن الفقر" لافتاً إلى أن المصرف المركزي وضع الدولة اللبنانية في مخالفة صريحة لقانون حقوق الإنسان الدولي.

المستفيد الأول من رفع الدولار الجمركي كما يقول طعمة "هم التجار الذين اشتروا بضاعتهم على سعر صرف 1500 ليرة، والآن سيبيعونها على سعر صرف 15,000 ليرة، وفي ظل تلفت الحدود اللبنانية وغياب الدولة فإن ذلك لن يؤدي إلا إلى مزيد من التضخم ورفع الأسعار، ولن تستفيد الدولة من الإيرادات كما تحاول أن توهم صندوق النقد".

ويشدد "طالما أن هناك عدة أسعار للدولار، وطالما أنه لم يتم وضع خطة لخلق اقتصاد منتج، وفي ظل غياب الرؤية المستقبلية للبلد، ستبقى المشكلة كما هي من دون حلحلة أي عقدة منها".

لم ترض خطوة الحكومة برفع الرواتب، الموظفين الذين يصرون كما تقول نصر على حماية الإدارة العامة وكل القطاع العام، إلا أن ذلك لن يكون ممكنا سوى بتصحيح أوضاع العاملين فيه، مشددة على أن "الموظف لا يستجدي مساعدات، بل يطلب حقوقاً ويصر عليها، هو يطلب راتبه الحقيقي ورفع الهيركات عنه، وحقه بالطبابة والاستشفاء والتعليم وبدل النقل الفعلي، وتعويضات الصرف بقيمتها الحقيقية، ونظاماً ضريبياً عادلاً لا إعفاءات فيه للأثرياء على حساب محدودي الدخل، توزيعاً عادلاً للرواتب والعطاءات، ولن يقبل بالعمل السخرة، فلا عمل من دون أجر عادل يكفي لحياة كريمة". 

وكشفت نصر، عن بحث يجري حول استمرار موظفي الإدارات العامة بإضرابهم، لافتة إلى أنه "ليست حقوقنا التي ستؤدي إلى الانهيار، لأنها حل لجمود السوق الاستهلاكية وإعادة مؤسسات توقفت إلى سوق العمل، بل ان السياسات الخاطئة والتفريط بحقوق الدولة هو الذي يؤدي إلى الانهيار".

مصارف لبنان

في تحول تاريخي لعمل القطاع المصرفي اللبناني، أقرّ مجلس النواب الخميس تعديلات على قانون السرية المصرفية تسهّل للهيئات الناظمة الحصول على كامل المعلومات المتعلّقة بالحسابات.

جاءت الخطوة تلبية لمطلب رئيسي من مطالب صندوق النقد الدولي.

واعتبر رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، القرار "خطوة ضرورية نحو الإصلاح المالي المنشود وركيزة أساسية لأي خطة تعافٍ، ولكشف الحقائق" بشأن الأزمة المالية التي بدأت عام 2019.

والجمعة، نُشر في الجريدة الرسمية اللبنانية قانون تعديل بعض المواد المتعلقة بسرية المصارف في لبنان، بما في ذلك تعديل المادة 7 (هـ) و (و) من القانون المتعلق بسرية المصارف الذي أقرّ عام 1956، وكذلك تعديل المادة 150 من قانون النقد والتسليف الصادر في عام 1963، بموجب القانون رقم 306 الصادر في 28 تشرين الأول 2022.

وينص التعديل الجديد على تعديل المادة 7 (هـ) من القانون المتعلق بسرية المصارف بما يسمح بمشاركة معلومات مصرفية بين مصرف لبنان، ولجنة الرقابة على المصارف، والمؤسسة الوطنية لضمان الودائع، في إطار تعزيز مراقبة القطاع المصرفي وحماية النظام المالي. 

ويشمل التعديل أيضا صلاحيات تعديل وإنشاء مؤسسة مختلطة لضمان الودائع المصرفية.

أما المادة 7 (و) فتتيح للجهات المعنية، مثل مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف، طلب معلومات مصرفية محمية بالسرية دون تحديد حساب أو عميل معين. ويتيح التعديل إصدار طلبات عامة للحصول على معلومات عن جميع الحسابات والعملاء، إلا أن هذه الطلبات يمكن أن تكون قابلة للاعتراض أمام قاضي الأمور المستعجلة، ويخضع الاعتراض للأصول القانونية المتعلقة بالاعتراض على العرائض.

وفي ما يتعلق بالمادة 150 من قانون النقد والتسليف، تضمن التعديل رفع السرية المصرفية بشكل كامل وغير مقيد أمام مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف، بالإضافة إلى المدققين والمقيمين المعينين من قبل مصرف لبنان أو اللجنة.

وتشمل التعديلات الحسابات الدائنة والمدينة، سواء كانت ضمن أو خارج الميزانية، كما تتيح رفع السرية المصرفية عن سجلات ومستندات ومعلومات تعود إلى أشخاص معنويين أو حقيقيين يتعاملون مع المصارف أو المؤسسات المالية الخاضعة للرقابة. ويشمل تطبيق هذا التعديل بأثر رجعي لمدة عشر سنوات من تاريخ صدور القانون.

وقد شهد لبنان خلال الأسابيع الماضية نقاشات حادة، رأى فيها معارضون للخطوة أن هذا القانون ورفع السرية المصرفية طي لصفحة من تاريخ لبنان المالي العريق من خلال "إلغاء ميزة تفاضلية،" وبأن كشف الفساد ليس معطلاً بسبب السرية المصرفية.

ويرى المتحمسون للقانون أن من شأن التعديلات الجديدة تعزيز الشفافية في القطاع المصرفي في لبنان وتحسين مراقبة ومراجعة العمليات المصرفية، في وقت يشهد فيه القطاع المصرفي تحديات كبيرة في ظل الأزمة المالية المستمرة.

وأوضحت "المفكرة القانونية" وهي منظمة حقوقية غير حكومية، في بيان أصدرته أن التعديل يخوّل "الهيئات الرقابيّة والهيئات النّاظمة للمصارف، وتحديدًا مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف والمؤسسة الوطنية لضمان الودائع، طلب الحصول على جميع المعلومات المصرفية، من دون أن يربط طلب المعلومات بأيّ هدف معيّن، وإمكانية التدقيق في الحسابات بالأسماء، تصحيحا لقانون 2022" والذي تضمن بعض التعديلات.

يعتمد لبنان السرية المصرفية منذ عام 1956، وكان لذلك أثر كبير في جذب رؤوس الأموال والودائع وتوفير مناخ الاستقرار الاقتصادي. وبموجب هذا القانون تلتزم المصارف الخاضعة لأحكامه السرية المطلقة، إذ لا يجوز كشف السر المصرفي سواء في مواجهة الجهات الخاصة أو السلطات العامة، وسواء كانت قضائية أو إدارية أو مالية، إلا في حالات معينة في القانون وردت على سبيل الحصر، وهي:

1- إذن العميل او ورثته خطيًا.
2- صدور حكم بإشهار افلاس العميل.
3- وجود نزاع قضائي بينه وبين البنك بمناسبة الروابط المصرفية. 
4- وجود دعاوى تتعلق بجريمة الكسب غير المشروع. 
5- توقف المصرف عن الدفع، إذ ترفع في هذه الحالة السرية المصرفية عن حسابات أعضاء مجلس الإدارة والمفوضين بالتوقيع ومراقبي الحسابات. 
6- الاشتباه في استخدام الأموال لغاية تبييضها، وعندها ترفع السرية المصرفية بقرار من هيئة التحقيق الخاصة لمصلحة المراجع القضائية المختصة والهيئة المصرفية العليا، وذلك عن الحسابات المفتوحة لدى المصارف أو المؤسسات المالية.

وبالفعل ومنذ إقرار هذا القانون ازدهر القطاع المصرفي اللبناني واستطاع جذب رؤوس أموال، لكن كل ذلك تغير مع اندلاع الحرب الأهلية في منتصف السبعينيات، وبدأت الليرة اللبنانية رحلة الانهيار. خمسة عشر عاما من الاقتتال، انتهت بتسويات سياسية، تبعها نظام اقتصادي جديد، قاده منذ عام 1993 الراحل رفيق الحريري رئيسا للحكومة، ورياض سلامة حاكما لمصرف لبنان المركزي، سعيا وراء الاستقرار. 

وبعد أربع سنوات من استلام منصبه، نجح سلامة في تثبيت سعر العملة اللبنانية، عند 1500 مقابل الدولار الأميركي.

استمرت تلك المعادلة أكثر من عقدين، لكنها كانت تحتاج إمدادات لا تنقطع من العملة الصعبة للمحافظة على استمرارها. وفي محاولة لسد العجز، سعت المصارف اللبنانية لجذب حصيلة كبيرة من العملة الخضراء عبر تقديم فوائد مرتفعة على الودائع الدولارية، فوائد تراوحت بين 15 و 16 في المئة.

نتيجة للفوائد البنكية المرتفعة، شهدت ودائع القطاع المصرفي اللبناني نمواً سنوياً وصل ذروته بقرابة 12 مليار دولار خلال عام 2009.

أغرت الفوائد العالية المقيمين والمغتربين، ليصل إجمالي الودائع في المصارف اللبنانية إلى أكثر من 177 مليار دولار في نهاية نوفمبر عام 2018. 

منذ عام 2017، تراجع الاحتياطي في خزينة مصرف لبنان، رغم محاولات جذب الدولار. وفي صيف عام 2019، لاحت بوادر صعوبة في توافر الدولار في الأسواق اللبنانية، فارتفع سعر صرفه مقابل الليرة للمرة الأولى منذ أكثر من 20 عاما، ما دفع الحكومة لاتخاذ إجراءات استثنائية. لكن البعض يرى أن تلك القرارات جاءت متأخرة.

في أكتوبر 2019، انفجر الشارع اللبناني مطالبا بإسقاط السلطة السياسية، وأغلقت المصارف أبوابها، لكن تقارير صحفية تحدثت عن عمليات تحويل لأرصدة ضخمة الى خارج البلاد.

في تقرير لصحيفة فاينانشال تايمز البريطانية، نُشر في صيف 2020، فإنه، وفقا لكبير موظفي الخدمة المدنية المالية السابق في لبنان ومدير عام وزارة المالية السابق ألان بيفاني، قام مصرفيون بتهريب ما يصل إلى 6 مليارات دولار من لبنان منذ  أكتوبر 2019، في تحايل على الضوابط التي تم إدخالها لوقف هروب رأس المال، مع غرق البلاد في أسوأ أزمة مالية منذ ثلاثين 30 عاما، بينما بات مصير مليارات الدولارات مجهولًا. 

بدأت الأزمة المالية بالظهور تدريجيا، لكنها انفجرت حرفيا منذ اندلاع الاحتجاجات في شهر أكتوبر عام 2019. وتشير تقارير رسمية إلى أن أموالا طائلة تصل إلى مليارات الدولارات تم تحويلها إلى الخارج، بينما تم حجز ودائع صغار زبائن البنوك، من دون ضمانات لحماية ودائع المواطنين، ولا سيولة نقدية.

وتقدر تقارير دولية والمصرف المركزي اللبناني أن ودائع صغار زبائن البنوك بحوالي 121 مليار دولار منها ودائع لغير المقيمين تُقدّر بـ20 مليار دولار، وأصحابها لبنانيون وعراقيون ويمنيون وليبيون ومصريون ومن دول الخليج، إضافة لودائع للسوريين، يقدر المصرفيون بأنها أكثر من 3 مليارات دولار.

وفيما تجري التحقيقات حول آلية تهريب الأموال، لم يصل المحققون المحليون ولا حتى الدوليون إلى جواب شاف، لكن كانت دائما "المصالح المتشابكة داخل النظام اللبناني" جزءا من الجواب.

وتعتبر البنوك اللبنانية مرآة للنظام من حيث التقسيم الطائفي، فغالبيتها تابعة لجهات سياسية ومقربين منها، الأمر الذيث كان واضحا في انعدام الرقابة على عمليات إدخال أموال حزب الله المهربة أو غير الشرعية إلى هذه البنوك، مما يعني عمليات تبييض وشرعنة لهذه الأموال.

منذ منذ عام 2001، وضعت الولايات المتحدة حزب الله على قائمة المنظمات الإرهابية، وفرضت عليه عقوبات ضمن خطة لمكافحة تمويل الإرهاب. وفي هذا الإطار صدر قانون مكافحة تبييض الأموال رقم 44، عام 2015، والذي لم يتم تعطبيقه، واكتفى مصرف لبنان بتعاميم، لم تغير واقع الحال.

بدأ لبنان في يناير 2022 مفاوضات رسمية مع صندوق النقد الذي طالما شدد على أنه لن يقدم أي دعم طالما لم تقرّ الحكومة إصلاحات على رأسها تصحيح الموازنة وإعادة هيكلة القطاع المصرفي وإصلاح المؤسسات العامة والتصدي للفساد المستشري.

وأعلن الصندوق في أبريل من العام ذاته اتفاقا مبدئيا على خطة مساعدة بقيمة ثلاثة مليارات دولار على أربع سنوات، لكنّ تطبيقها كان مشروطا بإصلاحات لم يتم تنفيذ معظمها.

في سبتمبر عام 2024، أوقف الحاكم السابق لمصرف لبنان، رياض سلامة، وهو حتى اليوم قيد التحقيق في اتهامات بغسيل الأموال وشراء وبيع سندات خزينة الحكومة اللبنانية. ومنذ انهيار حزب الله اللبناني، في حربه مع إسرائيل، وصعود ما سمي بالعهد الجديد، أقرت حكومة نواف سلام مشروع قانون لإعادة هيكلة المصارف، استجابةً لمطالب صندوق النقد الدولي، الذي اشترط تنفيذ إصلاحات جذرية، بينها رفع السرية المصرفية، كشرط أساسي لأي دعم مالي للبنان، كما تأتي في ظل إدراج مجموعة العمل المالي (FATF) لبنان على اللائحة الرمادية بسبب ثغرات خطيرة في مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.

من المتوقع أن تسهم هذه التعديلات في تعزيز الشفافية المالية، ومكافحة الفساد وتبييض الأموال والتهرب الضريبي، كما يُتوقع أن تفتح الباب أمام إعادة هيكلة النظام المالي اللبناني بالكامل، واستعادة ثقة المجتمع الدولي، وتأمين الدعم المالي اللازم من الجهات المانحة.

إلا أن نجاح هذه الخطوة لا يقاس فقط بالكشف عن الحسابات، بل العبرة في التنفيذ في ظل نظام قضائي شبه مهترئ وتورط بعض من أصحاب النفوذ السياسي والمالي أنفسهم.

لبنان اليوم أمام مفترق طرق، فإما أن يسلك طريق العهد الجديد الذي وعد به اللبنانيون، أو يظل الفساد العنوان الأبرز في سياسات لبنان المالية المقبلة.