لبنان/ حكومة/ أجور
مجلس النواب اللبناني أقر الإثنين الماضي، موازنة البلاد، بعد تأخر دام ثمانية أشهر

بعد مرور ما يزيد عن الثلاثة أشهر على إضراب موظفي الإدارة العامة، أقرت السلطات اللبنانية زيادة رواتب موظفي القطاع العام، بصورة استثنائية محدودة الزمن في موازنة 2022، إلا أن هذه الخطوة التي لطالما انتظرها الموظفون سيلتهمها رفع سعر الدولار الجمركي وفوقها المزيد.

لم تكتمل فرحة موظفي القطاع العام، المدنيين والعسكريين والمتقاعدين والمتعاقدين، بالزيادة على رواتبهم التي لا تقل عن 5 ملايين ليرة لبنانية ولا تزيد عن 12 مليون ليرة، بعد إعلان رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي خلال جلسة إقرار الموازنة أن "الحكومة ستعتمد سعر 15 ألف ليرة للدولار الجمركي حتى نهاية العام الحالي".

وكان مجلس النواب اللبناني أقر الاثنين الماضي، موازنة البلاد، بعد تأخر دام ثمانية أشهر على المواعيد الدستورية، بأكثرية 63 صوتا نيابياً، ومعارضة 37، في حين امتنع ستة نواب عن التصويت، وقد بلغت النفقات فيها، 40873 مليار ليرة لبنانية، في حين بلغت الإيرادات 29986 مليار ليرة لبنانية.

ومنذ الثالث عشر من شهر يونيو الماضي، أغلقت الدوائر الرسمية اللبنانية أبوابها، مع إعلان موظفيها إضراباً مفتوحا إلى حين تحقيق مطالبهم وعلى رأسها تصحيح أجورهم وبدلات النقل والتقديمات الصحية والتعليمية، التي تراجعت بشكل كبير نتيجة الانهيار الذي بدأت ملامحه بالظهور في خريف عام 2019، لتتعقد الأزمة الاقتصادية مع الأيام إلى أن صنفها البنك الدولي بأنها من بين الأسوأ في العالم منذ عام 1950 حيث فقدت العملة المحلية أكثر من 90% من قيمتها أمام الدولار.

"جريمة" بحق اللبنانيين

في الوقت الذي اعتقدت الحكومة اللبنانية أن خطوتها ستلقى ترحيبا من قبل الموظفين، وصفت رئيسة رابطة موظفي الإدارة العامة، نوال نصر، الزيادة التي أقرّت على الرواتب بالمهزلة  والجريمة  بحق الموظفين وأصحاب الدخل المحدود على حد سواء، قائلة "هي  زيادة غير عادلة وغير كافية، كرّست  بالقانون الهيركات الجاري على رواتب الموظفين ومستحقاتهم،  إذ تم رفع  دولار الموظف إلى 4500 ليرة،  في حين أن سعر الدولار في السوق الموازية 40 ألف ليرة، وبالتزامن  تم رفع الدولار الجمركي والرسوم والضرائب والخدمات من طاقة ومياه وغيرها، وكلها  يلزم الموظف  بدفعها على أسعار جديدة  للدولار".

وتساءلت في حديث لموقع "الحرة" "من أين سيأتي الموظف بالفرق؟ وكيف له ان يجاري السوق المتفلتة من أية رقابة أو ضوابط؟ كيف سيشتري بدولاره المسخ الذي أقره له المجلس الكريم، ما يحتاج لدولار أسود لا يرحم ولا يبدو أن له حدود"؟ 

كما أن هذه الزيادة على الرواتب أدت كما تقول نصر "إلى فروقات كبيرة بين أصحاب الرواتب الصغيرة والكبيرة، خاصة بين رواتب الإدارات العامة وتلك التي في المؤسسات ذات الرواتب الفلكية، ما سيعمق الهوة بين هؤلاء بدل تضييقها". 

وشددت على رفض الموظفين ما تعتبره السلطة تصحيحا للأجور، قائلة "تم الاستخفاف بكل معاناة العاملين في القطاع العام لا سيما في الإدارة العامة الأكثر مظلومية وغبناً، وبفقدانهم لأبسط مقومات الحياة رغم أنهم القيمون على صنع الحياة في الوطن، تم تجاهل حقوقهم بالكامل، فبالإضافة إلى قصور ما أقر للرواتب وهزالته وعدم عدالته، لم يتم دعم التقديمات الصحية الطبية والاستشفائية، ولم يؤت على ذكر تصحيح بدل النقل ومنح التعليم، وكل هذا حقوق للموظفين".

واليوم الأربعاء، أكد وزير العمل في حكومة تصريف الأعمال مصطفى بيرم أن "الرواتب يجب أن تكون مطابقة لمنطق متطلبات العيش الكريم، وسيتم العمل عليها مستقبلا من خلال طريقة التدرج، فهناك قناعة ثابتة وواضحة لمستها في كل النقاشات في اللجان الوزارية بأن الرواتب يجب أن تتطور شيئا فشيئا لتصبح مطابقة لمتطلبات العيش الكريم".

وأضاف خلال اجتماعه مع الرئيس ميقاتي "يجب أنصاف كل فئات العاملين لأن الوضع الاقتصادي لم يعد يحتمل، والأصل أن تكون الدولة راعية لجميع أبنائها وان تبادر، ولكن الأمور ليست سهلة بسبب الظروف الاقتصادية ويفترض بالدولة أن تنصف الجميع بخطوات متدرجة وأن تعطي اشارة بأنها تريد أن ترعى جميع أبنائها لتبقى القطاعات مستمرة".

ما أعطته السلطة للموظفين بيد ستأخذه باليد الأخرى، لا بل ما ستأخذه منهم أكثر بكثير مما أعطتهم، بحسب ما يؤكد الباحث الاقتصادي والمحامي أديب طعمة، مشدداً في حديث لموقع "الحرة" على أن "الاقتصاد اللبناني سيشهد مزيدا من التدهور كون زيادة الرواتب تستدعي طباعة المزيد من العملة المحلية، ما سيؤدي إلى تراجع قيمتها وبالتالي تراجع القدرة الشرائية، وهذه الخطوة سبق أن اتخذتها الحكومة وهي تدخل في إطار رشوة موظفي القطاع العام، وإن كان ذلك على حساب موظفي القطاع الخاص، الذين سيدفعون ثمن ذلك".

كذلك، وصف الكاتب والصحفي نذير رضا خطوة الحكومة بالرشوة الانتخابية والسياسية، كونها لم تأت ضمن سلة متكاملة تتضمن إصلاحات وتقديمات اجتماعية، وهي تشبه إلى حد بعيد سلسلة الرتب والرواتب التي أقرتها سنة 2017، أما الهدف منها فتأمين سيرورة عمل الإدارات العامة لاسيما تلك التي تؤمن واردات الخزينة كوزارة المالية والجمارك".

 ويشدد رضا في حديث لموقع "الحرة" على أن هذه الزيادة على الرواتب وهمية "ففي الوقت الذي رفعت فيه الحكومة رواتب القطاع العام ثلاثة أضعاف رفعت الرسوم الجمركية عشرة أضعاف، وما قدمته للقطاع العام ستأخذه في المقابل من القطاع الخاص محملة إياه الثمن".

خطوة "إرضائية"

حاولت الحكومة اللبنانية إصابة عصفورين بحجر واحد في موازنتها، فإضافة إلى تقديمها رشوة إلى موظفي القطاع العام، أرادت منها كذلك كما يرى رضا وطعمه إرضاء صندوق النقد الدولي، إلا أنها كما يقول رضا "اجتزأت من شروط صندوق النقد، وذلك من باب الترقيع، على أن تطبق في موازنة العام المقبل الإصلاحات المتبقية المطلوبة منها".

ووصف طعمة الموازنة بالفلكلور، كونها وضعت لثلاثة أشهر فقط تلبية لمطالب صندوق النقد، "فمن ضمن شروطه إقرار الموازنة العامة وتخفيف ديون الدولة، وان كانت طريقة تلبية هذين المطلبين خبيثة، من خلال تخفيض القيمة الفعلية لرواتب الموظفين وودائع المودعين في المصارف".

بعد جولات تفاوض مع الجانب اللبناني، أعلن صندوق النقد الدولي في أبريل الماضي توصله إلى اتفاق مبدئي مع السلطات اللبنانية على خطة مساعدة بقيمة ثلاثة مليارات دولار على أربع سنوات، وقال راميريز ريغو الذي ترأس وفد صندوق النقد إلى لبنان، في بيان إنه في حال تمت الموافقة على الخطة من قبل إدارة الصندوق ومجلس إدارته، ستندرج المساعدة المرسلة إلى لبنان في إطار "دعم خطة السلطات الإصلاحية لإعادة النمو والاستقرار المالي".

غير أن الموافقة كما قال ريغو رهن بـ "تنفيذ جميع الإجراءات المسبقة وتأكيد الدعم المالي للشركاء الدوليين"، ومن الشروط التي وضعها صندوق النقد للإفراج عن مساعدته، إقرار مجلس النواب اللبناني ميزانية عام 2022 وقانون جديد للسرية المصرفية لمحاربة الفساد، كذلك موافقة الحكومة على برنامج لإعادة هيكلة الدين مع "مشاركة كافية من الدائنين لاستعادة القدرة على سداد الدين وسد فجوات التمويل".

إذا كان طعمة وصف الموازنة بالفلكلور، فإن رئيسة رابطة موظفي الإدارة العامة، وصفتها بالثغرة الجديدة التي تضاف إلى الثغرات التي ترتكبها الحكومة ويجاريها بها مجلس النواب، شارحة "من أجل تأمين الواردات، بحثت السلطة السياسية عن آخر قطرة دماء يمكنها امتصاصها من أصحاب الدخل المحدود ومعدوميه والموظفون أبرزهم، فوجدت ضالتها في الدولار الجمركي، والرسوم، والضرائب والخدمات، رافضة كل طروحاتنا وطروحات الإصلاحيين وهم كثر في هذا الوطن، حول تأمين الواردات الفعلية لخزينة الدولة، والتي هي أصلاً أموال للدولة".

 تضيف "أسقط اقتراح فرض ضريبة على الثروات للتضامن الوطني، حتى وإن كانت 1%، في حين أننا كموظفين ندفع حوالي 96% من راتبنا وتعويضات صرفنا نتيجة الفرق بين دولار راتبنا ودولار السوق السوداء، كما تم رفض ايقاف الإعفاءات عن الشركات الكبرى والتي تقدر بملايين الدولارات، والعائدة ملكيتها بالطبع لكبار المتحكمين باقتصاد البلد، كذلك الحال فيما يتعلق بالإعفاءات الجمركية، ووضع حد للتهرب الجمركي".

وكذلك "استرداد الأملاك العامة التي تقدر مداخيلها لو استثمرت بالمليارات، فهناك إصرار على حصر دفع الضرائب بأصحاب الدخل المحدود واستثناء أصحاب الثروات، يضاف إلى ذلك أنه لم يتم التطرق الى موضوع المحاسبة في اي من المجالات، لاسترداد المال المهدور والموهوب والمنهوب".

لهذا كله، تعتبر نصر أن موازنة 2022 "هي موازنة ضرائب ورسوم ورفع اسعار فقط على محدودي الدخل ونحن منهم، موازنة حفلت بالإعفاءات للأثرياء المتراكمة أموالنا لديهم، موازنة خلت من أي إصلاح ومن أي حل، بل راكمت المشكلات، لذلك نرفضها رفضاً قاطعاً، كما نرفض التذرع بأن الدولار الجمركي وما فرض من رسوم وضرائب ورفع اسعار هو من أجل تأمين الزيادة على رواتبنا، فنحن من سنتكبد ما يفرض، وما سندفعه منه أكبر بكثير مما سنحصل عليه من الزيادة".

مرحلة أشد قساوة

أصبح الدولار الجمركي قاب قوسين أو أدنى من دخوله حيز التنفيذ، وسط تساؤلات عن السلع التي سيشملها والأسعار التي ستصل إليها، وعن كيفية مواجهة المواطنين هذه المرحلة الجديدة التي ستزيد فقرهم فقراً.

وكان المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالفقر المدقع وحقوق الإنسان، أوليفييه دي شوتر، أشار في تقرير نشر في مايو الماضي، إلى أن "الأزمة الاقتصادية التي من صنع الإنسان في لبنان بدأت في عام 2019، واليوم يقف البلد على شفير الانهيار" مستشهداً بالتقديرات الحالية التي تضع أربعة من كل خمسة أشخاص في فقر.

واعتبر أن "سياسات البنك المركزي، على وجه الخصوص، أدت إلى دوامة هبوط العملة، وتدمير الاقتصاد، والقضاء على مدخرات الناس مدى الحياة، وإغراق السكان في براثن الفقر" لافتاً إلى أن المصرف المركزي وضع الدولة اللبنانية في مخالفة صريحة لقانون حقوق الإنسان الدولي.

المستفيد الأول من رفع الدولار الجمركي كما يقول طعمة "هم التجار الذين اشتروا بضاعتهم على سعر صرف 1500 ليرة، والآن سيبيعونها على سعر صرف 15,000 ليرة، وفي ظل تلفت الحدود اللبنانية وغياب الدولة فإن ذلك لن يؤدي إلا إلى مزيد من التضخم ورفع الأسعار، ولن تستفيد الدولة من الإيرادات كما تحاول أن توهم صندوق النقد".

ويشدد "طالما أن هناك عدة أسعار للدولار، وطالما أنه لم يتم وضع خطة لخلق اقتصاد منتج، وفي ظل غياب الرؤية المستقبلية للبلد، ستبقى المشكلة كما هي من دون حلحلة أي عقدة منها".

لم ترض خطوة الحكومة برفع الرواتب، الموظفين الذين يصرون كما تقول نصر على حماية الإدارة العامة وكل القطاع العام، إلا أن ذلك لن يكون ممكنا سوى بتصحيح أوضاع العاملين فيه، مشددة على أن "الموظف لا يستجدي مساعدات، بل يطلب حقوقاً ويصر عليها، هو يطلب راتبه الحقيقي ورفع الهيركات عنه، وحقه بالطبابة والاستشفاء والتعليم وبدل النقل الفعلي، وتعويضات الصرف بقيمتها الحقيقية، ونظاماً ضريبياً عادلاً لا إعفاءات فيه للأثرياء على حساب محدودي الدخل، توزيعاً عادلاً للرواتب والعطاءات، ولن يقبل بالعمل السخرة، فلا عمل من دون أجر عادل يكفي لحياة كريمة". 

وكشفت نصر، عن بحث يجري حول استمرار موظفي الإدارات العامة بإضرابهم، لافتة إلى أنه "ليست حقوقنا التي ستؤدي إلى الانهيار، لأنها حل لجمود السوق الاستهلاكية وإعادة مؤسسات توقفت إلى سوق العمل، بل ان السياسات الخاطئة والتفريط بحقوق الدولة هو الذي يؤدي إلى الانهيار".

سلاح حزب الله

الحوار، والاستراتيجية الدفاعية، مفردات خطاب لطالما استخدمته السياسة اللبنانية في نقاش ملف سلاح حزب الله، لكن هل تملك الدولة رفاهية الوقت لإدارة حوار ونقاش استراتيجيات، أم أن الخيارات تصبح أكثر كلفة وتداعياتها أقل قابلية للتحكّم؟

المجتمع الدولي يشترط بسط السيادة الكاملة للدولة اللبنانية على كامل أراضيها كمدخل أساسي لأي دعم سياسي أو اقتصادي، فيما تحذر إسرائيل من أنها "ستنفذ المهمة" بنفسها، في حال استمر "تقاعس الدولة".

فهل لا يزال الانتظار خياراً قابلاً للصرف في ميزان التطورات الإقليمية والدولية؟ وهل يُمكن للتعويل على عامل الوقت أن يصمد طويلاً في وجه التحوّلات المتسارعة؟

مصادر تتحدث للحرة عن مؤشرات على نهج جديد.

قنبلة موقوتة

الوقت يداهم لبنان، تؤكد عضو كتلة "الجمهورية القوية" النائب غادة أيوب.

وتشرح "لبنان يعيش تحت وطأة سلاح غير شرعي منذ سنوات، وهذا السلاح جرّ علينا الويلات، من عزلة عربية ودولية، إلى انهيار اقتصادي، إلى تهديد دائم للسلم الأهلي".

ومن يظن "أن ملف السلاح غير الشرعي هو بلا مهلة، واهم أو متواطئ"، تؤكد أيوب. "لأن استمرار سلاح حزب الله هو قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي وقت بوجه مشروع بناء الدولة وبوجه العهد، ولا يجوز لأي مسؤول في الدولة اللبنانية أن يدفن رأسه في الرمال".

وتشدد أيوب في حديث لموقع "الحرة" على أنه "لا مجال بعد الآن للتسويات ولا للتنازلات ولا يمكن أن يبقى هذا الموضوع موضوعًا مؤجّلًا أو قابلًا للمراوغة".

فالبلاد "أمام خطر دائم، ليس فقط على المستوى الأمني، بل على مستوى الاستقرار السياسي والاقتصادي والعلاقات الدولية".

حان "وقت التنفيذ"، تقول، لأنه "لا يمكن أن يُبنى وطن أو يُستعاد الاقتصاد في ظل دويلة ضمن الدولة".
والوقت "ليس مفتوحًا، وكل تأخير هو تراكم إضافي للأزمات".

تفكيك المخازن

من جانبه، يرى المحلل السياسي، المحامي أمين بشير، أن مقاربة الدولة اللبنانية لملف سلاح حزب الله تشهد تحوّلاً جذرياً، "فبعد أن كان هذا الملف يطرح في إطار الاستراتيجية الدفاعية والحوار الوطني، جاءت زيارة المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس إلى بيروت لتحدث نقطة تحوّل مفصلية في مسار التعاطي مع هذا الملف".

الزيارة الأميركية الأخيرة حملت رسالة واضحة، كما يقول بشير لموقع "الحرة"، "مفادها أن أي خطوة تتعلق بتفكيك أو تسليم سلاح حزب الله يجب أن تكون معلنة للرأي العام، لا أن تبقى طي الكتمان. هذا الطرح، لم يكن تفصيلاً، بل كان بمثابة فرض واقع جديد على الدولة اللبنانية، سرعان ما تجلّى بالإعلان عن تفكيك 193 مخزناً من أصل 260 تابعاً لحزب الله، وفق ما كشفه مصدر عسكري لأحد الصحفيين".

ويضيف بشير "هذا التطوّر شكّل صدمة للرأي العام، الذي اعتاد سماع وعود مكرّرة بالحوار دون نتائج ملموسة، وسط نفي دائم من حزب الله لأي نية لتسليم السلاح. لكن ما كان يدار في الغرف المغلقة خرج فجأة إلى العلن، وأصبح تفكيك المخازن مسألة لا تحتمل التعتيم".

حلقة مفرغة؟

سياسة كسب الوقت، أو ما يسمى بسياسة "النعامة"، وفق ما تصف أيوب لا تحمي لبنان، بل تعرّضه كما تقول "أكثر فأكثر للخطر. حزب الله لا ينتظر الدولة ليقرر خطواته، بل يورّط لبنان بقرارات لصالح إيران ومن إيران من دون الرجوع إلى المؤسسات الدستورية". 

"هذا الواقع،" يضيف، "يفتح الباب على مصير مجهول، وربما مواجهة عسكرية تُفرض على اللبنانيين جميعاً من دون رأيهم أو موافقتهم. وحدها الدولة، من خلال قرارها السيادي، تستطيع أن تحمي لبنان، لا الميليشيات".

وتشدد أيوب "نحن مع الحوار، لكن ليس الحوار الذي يطالبون به حول موضوع السلاح لأن الحوار لا يمكن أن يكون غطاءً للشلل أو للاستمرار في الأمر الواقع. إن تجربة السنوات الماضية أثبتت أن طاولات الحوار و'الاستراتيجية الدفاعية' تحوّلت إلى عنوان للاستهلاك الداخلي من دون أي تقدّم فعلي، بل أتت بمفاعيل عكسية وكارثية على البلد ولم تكن سوى وسائل استفاد منها حزب الله لكسب الوقت وللانقضاض على ما تبقى من هيبة الدولة".

"كل طاولات الحوار التي شارك فيها حزب الله انقلب عليها مباشرة"، تقول أيوب. وتوضح "أسقط حوار 2006 عبر حرب يوليو، وأسقط حوار سان كلو 2007 عبر اجتياح بيروت في العام التالي، وأسقط حوار الدوحة 2008 عبر تعطيل الحكومة والسلطة التنفيذية، وأسقط حوار بعبدا 2012 عبر مشاركته في الحرب السورية، وأسقط حوار بعبدا 2017 عبر تمسّكه بالسلاح، وأسقط حوار بعبدا 2019 عبر ضرب النظام المالي، وهذه بعض الأمثلة". 

"لذلك، لا يمكن أن نتوقع من حزب الله أن يتخلى عن سلاحه طوعاً، لكن لا يمكن أيضًا للدولة أن تستسلم لهذا الواقع. المطلوب ضغط سياسي وشعبي ودولي، وموقف وطني موحّد، لاكتساب السيادة كاملة. وهذه ليست مهمة مستحيلة، لكنها تتطلب قراراً".

الحوار حول التنفيذ فقط

أما بشير فيشير إلى تراجع بعض رؤساء الأحزاب عن تحفظاتهم حول الحوار، إثر اتصالات مباشرة مع رئيس الجمهورية "الأخير أوضح أن الحوار لا يعني العودة إلى طاولة وطنية جامعة، بل هو حوار مباشر بينه وبين حزب الله، لبحث آليات تسليم السلاح: هل يسلّم للجيش؟ هل يعاد إلى إيران؟ أم يفكك بطريقة أخرى؟

هذا التوضيح، وفق بشير، "أزال القلق من احتمال العودة إلى الحلقة المفرغة من الحوارات، وفتح الباب أمام نقاش جدي في تنفيذ القرار 1701 بشكل فعلي لا شكلي".

الموقف الدولي واضح وصارم تجاه لبنان كما يشدد بشير "لا مساعدات، لا إعادة إعمار، ولا دعم استثماري أو اقتصادي، من دون حل جذري لملف سلاح حزب الله. هذا ما عبّرت عنه بوضوح الدول الخليجية، والدول الأوروبية، والإدارة الأميركية، التي لم تعد تقبل بتسويف أو مماطلة".

كذلك تؤكد أيوب أن "المجتمع الدولي ينظر إلى هذا الملف كأحد الأسباب الأساسية لفشل الدولة اللبنانية في استعادة سيادتها واستقرارها". وتقول "هناك قناعة متزايدة لدى المجتمع الدولي أن غياب القرار الحاسم في هذا الملف ينعكس سلباً على كل مسار الدعم والمساعدة". 

"هذا التردّد قد لا يُفهم على أنه حكمة، بل على أنه عجز أو تواطؤ. وإذا لم تُظهر الدولة إرادة فعلية في معالجة السلاح غير الشرعي، فإن أي مساعدة دولية ستبقى مشروطة ومحدودة".

منظومة هيمنة

من جانبه، يرى بشير أن المشكلة لا تتعلق فقط بالسلاح كرمز للهيمنة، "بل بحزب الله كمنظومة متكاملة تهيمن على مفاصل الدولة، اقتصادياً وأمنياً وحتى قضائياً.

ويقول "نحن لا نتحدث فقط عن سلاح، بل عن شبكة مصالح موازية تنخر جسم الدولة من الداخل"، في إشارة إلى مؤسسات الحزب المالية، "كمؤسسة القرض الحسن، وشبكة المؤسسات الموازية التي أنشأها في قطاعات الكهرباء، والمرافئ، وحتى القضاء".

لبنان اليوم، كما يقول بشير، يقف بين خيارين "إما نجاح المفاوضات الأميركية–الإيرانية وانعكاساتها الإيجابية على الداخل اللبناني، وإما انفجار عسكري جديد في حال فشلها، فيما إسرائيل تترقب لاستغلال أي فراغ لتبرير تدخلها العسكري، تحت ذريعة بناء حزام أمني لسكان شمالها".

من هنا، يحذّر من الاكتفاء بدور المتفرّج على طاولة المفاوضات. ويشدد على ضرورة أن "تمتلك الدولة اللبنانية، ممثلة بالرئيس والحكومة، موقفاً وطنياً واضحاً حيال هذا الملف، لا يقتصر فقط على المهلة الزمنية، بل يتجاوزها إلى ما بعدها. يجب أن نكون جاهزين للاستفادة من الفرص أو مواجهة التحديات، لا أن نكون مجرد ضحايا على طاولة مفاوضات تدار من الخارج".

ويختم بشير بالتأكيد على أن تفكيك منظومة حزب الله ليس مجرد مطلب سياسي، "بل ضرورة لبناء دولة حديثة قادرة على استعادة سيادتها وثقة المجتمع الدولي بها، ويقول "لبنان لا يمكن أن ينهض طالما هناك مجموعة مذهبية تعمل وفق نظام مصالح خاص، وتخضع لسلطة خارجية. المطلوب ليس فقط نزع السلاح، بل تفكيك كامل للشبكات الرديفة التي أضعفت الدولة ودمّرت مؤسساتها".