اللبنانيون يتابعون الاحتجاجات الإيرانية عن كثب . أرشيفية
اللبنانيون يتابعون الاحتجاجات الإيرانية عن كثب . أرشيفية

يتابع اللبنانيون الاحتجاجات الشعبية في إيران، وكأنها تجري داخل بلدهم، واستطاعت مشاهد التظاهرات أن تشغلهم لبرهة عن همومهم المعيشية الضاغطة والأزمات المتعددة التي تعصف بلبنان، وتهدد مستقبله ووجوده.

ويزداد الانشغال اللبناني بالأحداث الإيرانية نتيجة للارتباط المصيري القائم بين البلدين، والناتج خصوصا عن تعاظم النفوذ الإيراني في لبنان، متمثلا بسطوة "حزب الله" على الحياة السياسية وتحكمه بأداء السلطات اللبنانية، فضلا عن إمساكه بالسياسة الخارجية للبلاد وقرار السلم والحرب فيها، فيما لا تخفي الميليشيا الشيعية اللبنانية تبعيتها الآيديولوجية والمالية، وارتباطها العضوي بنظام "ولاية الفقيه" في إيران.

في السنوات الأخيرة، وتحديدا بعد الاحتجاجات التي شهدها لبنان في أكتوبر 2019، ظهر حزب الله كرأس حربة للدفاع عن المنظومة السياسية الحاكمة، والتي يتهمها اللبنانيون بالفساد والمسؤولية عن الانهيار الكارثي الذي بلغته البلاد، ولم يتوان عناصره وأنصاره عن قمع الاحتجاجات الشعبية بالقوة وأعمال العنف، وصولا إلى انفجار الرابع من آب 2020 في مرفأ بيروت، والدور الذي لعبه "حزب الله" في عرقلة التحقيقات وتقديم الحماية السياسية والأمنية لشخصيات وجهات متهمة بالملف.

يضاف إلى كل ما سبق، صراع هوياتي يشهده لبنان بين "حزب الله" ومعارضيه، الذين يتهمونه بفرض ثقافته الإيديولوجية على باقي اللبنانيين، وإبعاد لبنان عن محيطه العربي مقابل إلحاقه بالمحور الإيراني وأنظمة "الممانعة"، الأمر الذي أثر على علاقة لبنان بجواره وبدول العالم.

لبنان يترقب

كل ذلك، أشعر فئات كبيرة من اللبنانيين بأنهم باتوا في ظل "احتلال إيراني للبنان" من الواجب التحرر منه، الأمر الذي يفسر سبب الترقب الذي يعيشه اللبنانيون تجاه الاحتجاجات التي تجعل النظام الإيراني يعيش "أسوأ أيامه" وفق وصف مراقبين.   

مقتل أميني أثار مظاهر التحدي الواضحة من قبل المحتجين على النظام
احتجاجات إيران تتمدد.. والنظام "في أسوأ أيامه"
خلال السنوات الأخيرة، نجا نظام حكم رجال الدين في إيران من عدة موجات من الاحتجاجات الشعبية، لكنه يمر اليوم بـ"أضعف حالاته" في ظل استمرار المظاهرات وانتقالها لمعظم أنحاء البلاد على خلفية وفاة الشابة الكردية مهسا أميني بعد ساعات من اعتقالها من قبل "شرطة الأخلاق" بسبب طريقة ارتدائها للحجاب.

لا يغيب تطور أو خبر من إيران عن متابعة الأستاذ الجامعي والناشط السياسي اللبناني باسل صالح، الذي حول صفحاته على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى ما يشبه منصة رصد للأحداث والمقاطع المصورة المسجلة خلال الاحتجاجات في المدن الإيرانية منذ أن انطلقت منتصف سبتمبر، ويعرّف متابعيه إلى النشطاء الإيرانيين، ويثقفهم على الواقع السياسي والاجتماعي الإيراني. 

ومثله يفعل الإعلامي المقرب من "حزب الله"، باقر كركي، الذي بدوره لا يترك تطورا في الشأن الإيراني دون تعليق منه عبر صفحاته، يناصر موقف النظام الإيراني ويقلل من تأثير التظاهرات وفعاليتها، ويشدد على إخراج الاحتجاجات الإيرانية من بعدها الحقوقي الاجتماعي، ليضعها في سياق سياسي بأبعاد دولية، كونها مفتعلة من أعداء النظام الإيراني لمحاربته والضغط عليه، حسب زعمه.

يعكس حال كل من باقر وباسل، واقع الانقسام الحاصل في الرأي العام اللبناني حول مقاربة الاحتجاجات في إيران، والتي انعكست خلال الأيام الماضية على مواقع التواصل الاجتماعي، ويبدو أنها تتجه إلى الشارع بعدما جرى توزيع دعوات لتظاهرة احتجاجية أمام السفارة الإيرانية في بيروت، وسط توعد من قبل أنصار "حزب الله"، بالتصدي للمشاركين في التحرك. 

 هذا المغرد يقرر منع التظاهرة أمام السفارة.
 

  
"فسحة أمل"

يرى صالح في حديثه لموقع "الحرة" أن لبنان وصل إلى مرحلة انسداد في الأفق منذ نحو عامين وحتى اليوم، وهو ما ترجم على شكل حالة إحباط وملل عام في الشارع اللبناني، إلا أن ما جرى في إيران، وما أظهره الشعب الإيراني من استمرارية وصلابة أعطى نفسا إيجابيا جدا في لبنان.

ويضيف "نشعر بعنفوان على المستوى الإنساني، لاسيما مع طابع الاحتجاجات النضالي النسوي الراديكالي، والذي يصل إلى استشهاد ناشطات إيرانيات يوميا في مواجهة النظام، هذا النفس الإيجابي ساهم في شد الانتباه اللبناني إلى ما يجري في إيران، بالإضافة إلى تداعياته السياسية في هذه اللحظة التي بلغ فيها اللبنانيون مرحلة مشابهة ليس أمامهم إلا القتال لتحصيل حقوقهم".

يصف الناشط السياسي الاحتجاجات في إيران بـ "فسحة أمل، تحمل رجاء للبنانيين بتغيير ما قد ينعكس عليهم، لاسيما لناحية حزب الله، والدور الذي يلعبه في تقويض أي فعل اعتراضي في لبنان، وبالتالي هذه التظاهرات هي التي يمكن أن تضرب في المكان الصحيح لإحداث تغيير ما في لبنان والمنطقة المتأثرة بالدور السلبي الذي تلعبه إيران.

ويذكر الأستاذ الجامعي بأن بيروت "واحدة من العواصم العربية الأربع التي يهيمن عليها النظام الإيراني بشكل تام، لا بل هي أكثر عاصمة يهيمن عليها كون حزب الله هو الذراع الأقوى لإيران في الخارج، وبالتالي شئنا أم أبينا نحن مرتبطون بالحدث في إيران على المستوى السياسي".

صالح يشرح الأبعاد التي ينظر منها إلى الاحتجاجات في إيران، والتي تبدأ من "حق الشعب الإيراني في التعبير عن نفسه والمطالبة بحقوقه من جهة، وتأثير هذا الحراك على الوضع الداخلي في لبنان من جهة أخرى، فضلا عن تكامله مع موجة مواجهة الإسلام السياسي المتنامية في المنطقة، ويتضح الأمر من خلال منطلق هذه الاحتجاجات وأساليب التعبير فيها المرتبطة بقضية فرض الحجاب على المجتمع، وصولا إلى البعد المرتبط بالحركة النسوية ووضع المرأة بشكل عام في هذا الجزء من العالم والذي يمتد من لبنان إلى إيران مرورا بالمحيط العربي".

"إستثمار وضغوط سياسية"

في المقابل يحصر كركي رؤيته لما يجري في إيران بمنظور "الصراع الدولي"، و"الضغط الممارس على إيران من ناحية الولايات المتحدة وحلفائها، كونها قوة في المنطقة تتعارض مع الأجندة السائدة في العالم الأحادي القطب"، معتبرا في حديثه لموقع "الحرة" أنه "ليس هناك إطار آخر يمكن أن يحكى عنه في السياسة، وإلا فإن قضية حقوقية كهذه تساوي في المقابل قضية جورج فلويد، إنما نتيجة وجود أجندة سياسية مقابل أخرى، يتخذ هذا الصراع طابعا مختلفا".

ويضيف أنه "لو كانت المقاربة حقوقية جندرية لكانت القضية مماثلة، ولما أصبحت قضية سياسية كالتي نراها اليوم، فيما البعد الحقوقي بات هامشيا في الطرح وليس مركزيا".

كركي يشير إلى أن "الاستثمار السياسي في القضايا الحقوقية ليس حصرا في لبنان، وهناك مبدأ اسمه مبدأ تقاطعية القضايا، على مستوى القضايا وعلى مستوى العالم، وبالتالي ليس هناك في لبنان اهتمام خاص، سوى بسبب وجود امتداد لمحور المقاومة في لبنان، مقابل امتداد آخر لمحور الولايات المتحدة وحلفائها، فضلاً عن تموضع لبنان في الصراع العربي الإسرائيلي وموقف إيران منه، كل ذلك يحتم أن كل قضية ترتبط بإيران أو الولايات المتحدة في لبنان أن تأخذ حيزا كبيرا من الاهتمام".

رؤية كركي تنسجم مع ما يراه الكاتب والمحلل السياسي غسان جواد، بأن إيران "مستهدفة على الدوام، مستهدفة بذاتها كثورة وكموقع استراتيجي ولأسباب تتعلق بالجغرافيا السياسية التي تمثلها إيران بتحالفاتها"، معتبرا أن قضية مهسا أميني  "يمكن أن تحدث في أي مركز شرطة في العالم".

جواد يشدد على وجود استثمار سياسي في القضية بأبعاد إقليمية ودولية، ويضيف "هناك عمل على النزعة القومية للفتاة بكونها من أصول كردية، وهناك دعم خليجي أميركي للمتظاهرين جرى التعبير عنه من خلال كلام وزير الخارجية الأميركي ومن خلال محاولة تأمين الإنترنت عبر الأقمار الصناعية، وبالتالي الاستثمار مباشرة في التظاهرات من أجل الضغط على إيران لتقديم تنازلات في الملف النووي".

كيف يتأثر لبنان؟

أما في ما يخص لبنان، يؤكد المحلل السياسي أن الانقسام اللبناني حول الاحتجاجات معطوف على الانقسام الإقليمي والدولي، "وبالتالي النقاش في لبنان تقليدي، ولكنه غير واقعي، فالكلام القائل أن هناك انعكاسات مباشرة على لبنان لما يجري في إيران، يفترض أن حزب الله يستمد كل قوته من إيران، وهذا كلام غير صحيح، فقوة حزب الله ذاتية، رغم ان تحالفه مع إيران يعطيه زخما وقوة إضافية".

وبالتالي التطورات في إيران ستنعكس بالتأكيد على لبنان، وفقا لجواد، "ولكن لا أثر مباشرا لها على الواقع اللبناني، وعلى موازين القوى فيه"، معتبرا أن "بعض اللبنانيين ينساقون في تحليلات غرائزية وعاطفية يخلطون الأمور ببعضها، ويقومون بإسقاطات للأوضاع الدولية على الواقع المحلي بما يخدم طموحاتهم ورغباتهم واصطفافاتهم الداخلية فيما الواقع غير ذلك كليا".

وعلى الرغم من التعارض في الموقف السياسي، إلا أن كلام جواد يتوافق مع رؤية الأمين العام لـ"المجلس الوطني لرفع الاحتلال الإيراني عن لبنان"، مصطفى علوش، لناحية استبعاد التأثير المباشر على الواقع اللبناني.

"إلا في حال سقوط النظام الإيراني"، يقول علوش في حديثه لموقع "الحرة"، ويستدرك "لكنه أمر ليس بمتناول اليد حاليا، مع العلم أن معظم الأنظمة القمعية تسقط فجأة، وليس بالضرورة ان تنحدر بشكل تدريجي، لكن النظام في إيران لديه أدوات قمعية أوسع بكثير من أن يسقط في هذه اللحظة، وبالتالي أظن أن الأمر لن يغير شيئا في سلوك حزب الله في هذه المرحلة في لبنان، والأمر الوحيد إللي ممكن يغير المعادلة هو أن يتحول النظام الإيراني إلى نظام طبيعي كما كل أنظمة العالم، يحترم حريات الناس ويتعايش مع الدول المحيطة به كأي دولة عادية".

علوش يحذر من أن الأنظمة القمعية  تلجأ في أكثر الأحيان إلى العنف بأقصى درجاته، "ولا أظن أن الوضع حاليا سوف ينعكس، إلا إذا كان خياره اللجوء إلى مواقف أكثر تشددا في لبنان"، مؤكدا على أن "الأمر متروك إلى كيفية تطور الأحداث في إيران وإذا ما ستحمل مزيدا من تحكم للثوار بمسار الأمور، ولكن بحسب التجربة التاريخية في إيران وبوجود مئات آلاف المناصرين للخمينية السياسية، الأمر سيؤدي إلى حمام دم إذا ما شعر النظام بتهديد لوجوده".

 
أما احتمالية التأثير إن وجدت، فقد تكون سلبية أكثر مما قد تكون إيجابية للبنان، وفق ما يحذر صالح من جهته، إذ يرى أن "هناك مجموعة من الناس موهومون بأن إضعاف النظام في إيران وانشغاله بالشأن الداخلي وصولا إلى احتمالية انهياره، قد ينعكس بشكل إيجابي على لبنان وعلى نفوذ حزب الله والعلاقة معه، في حين لا ضرورة في ذلك، من الممكن ان يحصل أمر معاكس، وأن يشعر حزب الله في لحظة كهذه أنه بحاجة إلى حسم سريع في لبنان وتثبيت وجود قد يصل إلى خيارات عسكرية، خاصة وإن المنطقة على أبواب مفاوضات وتسويات سياسية يحتاج فيها حزب الله وإيران إلى حيثية تقوي موقفهم في المفاوضات".

بدوره يعبر كركي عن ثقته بأن ما يجري في إيران لا يمكن أن يؤثر على لبنان، "والدليل أن ما حصل خلال الحرب السورية كان أكبر بكثير، لاسيما لناحية استهداف حزب الله وبيئته وصورته، وصلت إلى حد العمليات الانتحارية والتفجيرات، ومع ذلك حافظ حزب الله على قوته، واليوم لن يحصل ما يفوق ذلك".

ويضيف أن "الوصول إلى تأثير حقيقي في لبنان، يعتمد على حصول تغيير كبير وجذري في إيران، وهذا أيضا ليس بالضرورة أن يؤثر، فمنذ تأسيس حزب الله كانت إيران ضعيفة جدا ولكنها كانت تولي اهتماما خاصا لحزب الله، وحتى لو تعرضت اليوم لشيء ما، فعلى الأرجح ستبقي على رأس أولوياتها الحفاظ على العلاقة مع حزب الله".

"النظام القاتل واحد"

ويرى لبنانيون أن هناك دورا على الساعين في لبنان للتخلص من الهيمنة الإيرانية أن يلعبوه بموازاة الاحتجاجات في إيران، وانطلاقا من هنا جاءت دعوة للتظاهر أمام السفارة الإيرانية في بيروت، تحت عنوان "من طهران إلى بيروت النظام القاتل واحد"، يوم الأحد المقبل تضامنا مع الإيرانيين ورفضا للقتل وقمع الحريات وحقوق الإنسان.

وفي هذا السياق يرى علوش اللبنانيين ليس لهم دور مؤثر في هذه اللحظة يمكن أن يغير في مسار الأمور، "قد يكون مجرد تأييد على المستوى العام"، معبرا عن خشيته "من ردود فعل"، على التحرك أمام السفارة الإيرانية، مذكرا بقضية الشاب اللبناني هاشم سلمان الذي قتل عام 2013 خلال احتجاج أمام السفارة الإيرانية على المشاركة في الحرب السورية، حيث شن أنصار حزب الله هجوما على المعتصمين ما أدى إلى وقوع قتيل وعشرات الجرحى.

 في المقابل يقلل كركي من وقع التحرك المتوقع الأحد، معتبرا أن  "الدعوة تأخذ طابعا عاطفيا ورمزيا مفهوما، ولكن استبعد أن يحصل أي مواجهة حيث لا يوجد داعٍ لأي مواجهة، وهي فعالية بسيطة يجري تضخيم وقعها، وردة الفعل على هذا التحرك قد تكون في تعبيرات رمزية مماثلة في مكان آخر.

مضيفا "لا اعتقد أن قضية ما جرى مع هاشم سلمان يشبه بأي شكل من الأشكال ما هو مطروح اليوم، فتلك القضية لم تحصل على خلفية سياسية وانما حصلت على أثر اشكال فردي، وفي النهاية لابد للقوى الأمنية التي تعلم أين ومتى ستحصل هذه المظاهرة أن تلعب دورها في حماية المشاركين أو تمنع التحرك إن كانت عاجزة عن حمايتهم.

من ناحيته يؤكد صالح أن "مواجهة النظام اللبناني نفسه، الذي يمسك حزب الله بقراره ويتعهد بحمايته، ستكون مواجهة غير مباشرة للنظام الإيراني ونفوذه، ولدى اللبنانيين آلاف الأسباب لمواجهة النظام اللبناني في ظل ما يعيشونه من أزمات".

ويشدد الناشط السياسي على أن حزب الله "لا يعتبر شأنا إيرانيا خارجيا فقط، وإنما يلعب دورا في المعادلات الداخلية في إيران أيضا، حيث كان واضحا استخدام حزب الله وتوظيف أثره الخارجي في الداخل الإيراني لإطالة عمر النظام وهو أمر لعب فيه حزب الله دورا بارزا في لحظات ومفاصل تاريخية معينة، لاسيما في سوريا أو في اليمن أو في العراق.

في الوقت نفسه من الممكن، بحسب صالح، الضغط عبر تحركات رمزية، بحيث أن يساهم في الإضاءة على ما يجري في إيران وتذكير الناس به ومتابعته، "لاسيما في ظل محاولات النظام الإيراني قمع الأصوات وقطع وسائل التواصل وحجب الاتصالات والإنترنت، لذا فإن نشر أي صورة أو فيديو أو خبر ممكن أن يساعد هذا الشعب في إيران، ولكن أكثر من ذلك لا إمكانية".

لبنان وحماس

في حدث معبر وغير مسبوق، أظهرت الدولة اللبنانية صلابة في موقفها، وأجبرت حركة حماس، التي طالما استخفت بالسيادة اللبنانية، على الانصياع.

بعد تحذير حازم، من مجلس الدفاع الوطني اللبناني، سلمت حماس عددا من المطلوبين بتهمة إطلاق صواريخ من جنوب لبنان نحو إسرائيل، وهو تصعيد لم تكن الدولة اللبنانية لتواجهه بردع مباشر في السابق، إذ غالبا ما كانت تتم معالجة خروقات كهذه ضمن تفاهمات خلف الكواليس، خصوصا بوجود غطاء سياسي لحماس في لبنان من حزب الله. 

لكن هذه المرة، بدا الأمر مختلفا تماما.

الرسالة كانت واضحة: لم يعد بإمكان أي جهة أن تتصرف خارج سلطة الدولة اللبنانية.

استعادة السيادة

في أبريل الماضي، أعلن الجيش اللبناني ضبط عدة صواريخ ومنصات إطلاق واعتقل عددا من الأشخاص في جنوب لبنان، وقال إن التحقيقات جارية تحت إشراف القضاء.

حماس، التي اعتادت التلاعب بالسيادة اللبنانية مسنودة بتحالفاتها الإقليمية وصلاتها بحزب الله، وجدت نفسها الآن مجبرة على تسليم المطلوبين، في خطوة تعكس هشاشة موقفها وانحسار الدعم الذي طالما استفادت منه.

هذه الاستجابة السريعة تأتي بعد الهزيمة العسكرية التي تعرضت لها الحركة في غزة خلال الحرب الأخيرة مع إسرائيل. فبينما تكبدت حماس خسائر فادحة، أظهرت التطورات الميدانية في لبنان تراجعا واضحا في تأثيرها ونفوذها.

فهل نحن أمام إعادة صياغة لدور حماس في لبنان؟ أم أن الحركة تسعى لتجنب مواجهة جديدة قد تكون مكلفة في ظل تغير الموازين السياسية والأمنية في المنطقة؟

نقطة التحول المفصلية

أصبحت بيروت منذ عام 2019 حاضنة رئيسية لقيادات حماس ومحطة مهمة لوجودها السياسي والأمني، كما ذكر مركز "كارنيغي".

ولا شك أن اللحظة التي أُعلنت فيها استراتيجية "وحدة الساحات" 

وقبل هجوم حماس على إسرائيل في أكتوبر 2023 وتشكيل غرفة عمليات مشتركة في الضاحية الجنوبية لـ"محور الساحات،" أعلنت حماس وحزب الله استراتيجية "وحدة الساحات".

وبدت تلك اللحظة وكأنها "تمهيد لانقلاب شامل على الوضع اللبناني ومحاولة لفرض سيطرة محور الممانعة على كامل الأراضي اللبنانية وعلى جميع القوى السياسية دون استثناء مع بروز دور حركة حماس كعامل فلسطيني رديف لحزب الله في لبنان".

نشاط حماس في لبنان "يتعارض مع السياسة الرسمية الفلسطينية في التعاطي مع الشأن اللبناني"، يقول مدير مركز تطوير للدراسات الاستراتيجية والتنمية البشرية الباحث الفلسطيني، هشام دبسي لموقع "الحرة".

وتبنت حماس إطلاق صواريخ من لبنان خلال المواجهة التي بدأها حزب الله ضد إسرائيل عام 2023 على خلفية الحرب في قطاع غزة، لكن التطورات الميدانية وعمليات الاغتيال التي نفذتها إسرائيل قلبت المشهد رأساً على عقب".

وجاءت "تداعيات الضربات الإسرائيلية على حزب الله ومحور الممانعة في لبنان قاسية ليس فقط على حركة حماس بل على حزب الله ذاته"، يقول دبسي لموقع "الحرة".

وشكّلت عملية اغتيال نائب رئيس مكتب حماس السياسي، صالح العاروري في لبنان في يناير 2024، وفق ما يقوله دبسي "نقطة تحول رئيسية في مسار حركة حماس التي كانت تعيش حالة من الصعود على المستويين الفلسطيني واللبناني".

ويتابع "لكن نتائج الحرب الأخيرة وضعت الحركة في مأزق تحالفها مع حزب الله إذ لم تعد قادرة على فك ارتباطها بهذا التحالف كما لا تستطيع اتخاذ خطوة تراجع منهجية تقتضي بتسليم سلاحها للدولة اللبنانية والالتزام بالشرعية الفلسطينية ممثلة بمنظمة التحرير وسفارة فلسطين في لبنان".

يذكر أن العاروري، قتل مع اثنين من قادة الجناح العسكري للحركة، في ضربة إسرائيلية استهدفت مكتبا للحركة في الضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية بيروت، أحد معاقل جماعة حزب الله اللبنانية.

رسالة واضحة

حذّر مجلس الدفاع الوطني اللبناني حماس من استخدام الأراضي اللبنانية للقيام بأي أعمال تمس بالأمن القومي اللبناني تحت طائلة اتخاذ أقصى التدابير والإجراءات اللازمة لوضع حد نهائي لأي عمل ينتهك السيادة اللبنانية.

يتجلى في خطوة المجلس هذه بعدان أساسيان، يشرحهما دبسي "الأول هو انقلاب موازين القوى الداخلية لصالح الدولة اللبنانية في مواجهة سلاح الميليشيات حيث يعكس هذا التحرك تحولاً نوعياً نحو تعزيز سيطرة الدولة على السلاح وتقليص نفوذ الجماعات المسلحة".

الثاني "هو ترجمة خطاب القسم الرئاسي والبيان الوزاري إلى خطوات عملية تهدف إلى حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وفي هذا الإطار جاء إطلاق مجموعة من حركة حماس صواريخ من الأراضي اللبنانية نحو إسرائيل ليشكل اختباراً لمدى جدية العهد الجديد في فرض سيادة الدولة وقد كان الرد الإسرائيلي العنيف بمثابة إنذار لما قد تترتب عليه مثل هذه العمليات من تداعيات خطيرة".

وبالتالي فإن الدولة اللبنانية بسياساتها الجديدة لا يمكنها وفق ما يشدد دبسي "التغاضي عن هذه التطورات أو التعامل معها كما كان يحدث في السابق، بل على العكس جاء توجيه الإنذار لحركة حماس كرسالة واضحة بأن قرار السلاح والسيادة بات في يد الدولة اللبنانية ولن يُسمح لأي طرف بتجاوزه".

وفي ما يتعلق بتقييم استجابة حركة حماس لطلب تسليم المطلوبين، يرى دبسي أن الحركة "في البداية كانت مترددة وحاولت الاعتماد على علاقاتها التقليدية مع حزب الله وباقي قوى محور الممانعة في لبنان لكن مع إدراكها أن حزب الله لن يقدم لها الدعم ولن تستطيع الاحتماء بمظلته أو بمظلة أي من القوى اللبنانية الأخرى لم يبق أمامها سوى خيارين إما تسليم العناصر المطلوبة للدولة اللبنانية أو مواجهة الدولة دون أي غطاء لبناني داخلي ودون أي غطاء فلسطيني أيضاً".

ويشير دبسي إلى "أن منظمة التحرير الفلسطينية طالبت حماس مرارا بتسليم المطلوبين وعدم استخدام الأراضي اللبنانية لإطلاق الصواريخ حتى لا تعرض مجتمع اللاجئين الفلسطينيين لردود الفعل الإسرائيلية".

وبناء على ذلك اضطرت حركة حماس "في نهاية المطاف للاستجابة لمطلب الدولة اللبنانية كخيار إجباري لا مفر منه".

تصدّع التحالف

كشفت التطورات الأخيرة عمق الخلافات والتباينات الميدانية بين حماس وحزب الله، إذ لم يعد أي منهما قادراً على مساندة الآخر في ظل الظروف الراهنة، بحسب ما يرى دبسي.

ويشرح أن "حزب الله الذي أعلن التزامه بموقف الدولة اللبنانية لم يعد قادراً على تقديم الغطاء لحماس أو حمايتها، ما يعكس حالة من التباعد بين الطرفين، خاصة وأن حزب الله يشعر بأن حماس قد خدعته بعملية 'طوفان الأقصى'، إذ لم تنسق العملية معه ولم تُعلمه بموعدها مسبقاً".

في المقابل، "تشعر حماس بأن حزب الله لم يكن وفياً بما يكفي في دعمه للحالة الفلسطينية ولم يلتزم بتعهداته كما تتصور الحركة. وهكذا، باتت العلاقة بين الطرفين أقرب إلى تبادل الاتهامات وتحميل المسؤولية؛ فحزب الله يلقي اللوم على حماس بسبب التصعيد الميداني غير المنسق، بينما ترى حماس أن حزب الله استخدم إطلاق النار من لبنان كغطاء دون التشاور معها".

في ظل هذه التوترات، عادت قضية سحب السلاح الفلسطيني من المخيمات إلى الواجهة، وسط توقعات بإعلان الدولة اللبنانية عن خريطة طريق واضحة لتنفيذ هذه الخطوة، وفقاً لدبسي.

يُذكر أن ملف السلاح الفلسطيني في لبنان ينقسم إلى محورين: السلاح داخل المخيمات وخارجها. وقد أنجز ملف السلاح خارج المخيمات بالكامل، بينما يجري العمل حالياً لضبط السلاح داخل المخيمات.

وتندرج هذه القضية ضمن إطار القرار 1559 الصادر عام 2003، والذي ينص على نزع سلاح الميليشيات والقوى الأجنبية غير اللبنانية، بما فيها السلاح الفلسطيني.

يشير دبسي إلى أن "الشرعية الفلسطينية سبق أن أعلنت دعمها لتطبيق القرارين 1559 و1701، وأبدت استعدادها للتعاون الكامل مع الدولة اللبنانية لتنظيم الوجود المسلح داخل المخيمات وخارجها".

وكان الرئيس الفلسطيني محمود عباس قد أكد خلال زيارته السابقة إلى قصر بعبدا في عهد الرئيس ميشال سليمان على تسهيل عمل الحكومة اللبنانية في إنهاء هذا الملف، لكن التطبيق تعثر بفعل هيمنة "محور الممانعة".

وفي هذا السياق، تتجه الأنظار إلى زيارة عباس المرتقبة إلى لبنان في 21 مايو، "حيث يتوقع أن تحمل مؤشرات حول كيفية تنفيذ المبادرة السياسية والأمنية المتعلقة بسحب السلاح من المخيمات بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية"، وفقاً لدبسي.