مبنى وزارة التربية والتعليم في بيروت. أرشيف
مبنى وزارة التربية والتعليم في بيروت. أرشيف

أثار وزير التربية اللبناني، عباس الحلبي، موجة غضب عارمة لدى الرأي العام، على خلفية قرار هو الأول في نوعه في تاريخ البلاد، يقضي بوقف عمل المعلمة نسرين شاهين، رئيسة اللجنة الفاعلة للأساتذة المتعاقدين في التعليم الرسمي الأساسي، التي تعتبر من أبرز الوجوه النقابية التعليمية في السنوات الماضية، واشتهرت بمواقفها الإعلامية الشرسة دفاعا عن حقوق الأساتذة والمعلمين في التعليم الرسمي في لبنان.

وطالت الوزير انتقادات واسعة ومطالبات له بالاستقالة، من قبل نشطاء لبنانيين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بعدما اتُهم بأن قراره ناجم عن أحقاد شخصية ورغبة بالتشفي من شاهين التي كانت طيلة الفترة الماضية ترفع الصوت، وتضيء على ملفات فساد وهدر وسوء إدارة في وزارة التربية، مطالبين بتكريمها بدلا من طردها.

وطلب الوزير بقراره، الموجه إلى مدير عام التربية في الوزارة، عماد الأشقر، "عدم تجديد التعاقد للعام الدراسي 2022 – 2023، وللأعوام اللاحقة، مع السيدة نسرين شاهين، لانتفاء الحاجة إلى خدماتها".

قرار "عدائي"

"هكذا، وبشحطة قلم، قرر الوزير أن ينهي 11 عاما من تعاقدي" تقول شاهين، التي تدرس اللغة الفرنسية، وتضيف "تلقيت اتصالاً هاتفياً من مدير مدرسة شكيب إرسلان الرسمية، يطلب مني الحضور إلى المدرسة، لاستلام القرار الصادر عن وزارة التربية، فيما جرت العادة أن يصدر هذا النوع من القرارات عن المدرسة، فإذا ما كان الأستاذ قد أخطأ بأمر معين أو عليه علامة استفهام معينة، يتم عرضه على التفتيش التربوي، أو يخضع لمجلس تأديبي، لكن كل ذلك لم يحصل".

وتشير في حديثها لموقع "الحرة" إلى أن الوزير "لم يحترم عمل المؤسسات، حيث كان يفترض أن يخضع لحاجة المدارس فيما إذا كان هناك فعلاً انتفاء للحاجة، ينقل الأستاذ إلى مدرسة أخرى لديها حاجة، كان يفترض أن يطلب من المنطقة التربوية التي تعمم على المدارس التي تدرس الحاجة، ومدرستي خصوصا تضم 1300 طالب، وهو عدد كبير، وأنا أعطي نصاب كامل 28 حصة، فيما الوزير نفسه يقول في كل تصريحاته إن هناك نقص أساتذة في التعليم الرسمي".

وتتابع "اختارني شخصياً من بين 20 ألف متعاقد، دون أي أحد آخر، فيما يتضح من تاريخ قراره أنه صادر من شهر أغسطس، انتظر حتى أول يوم دراسة ليتم تبليغي إياه، ما يظهر بوضوح أن القرار شخصي وحقود وعدائي تجاهي".

أحرجتهم.. فأخرجوها؟

موقف الوزير يعود بحسب شاهين إلى تجرؤها على فتح ملفات معينة تحدثت بها على الإعلام وسلطت الأضواء عليها، وتسببت بإحراج المسؤولين عنها، "خاصة في قضية تعليم اللاجئين، وملاحقة مصير أموال الدول المانحة للمشاريع التربوية في لبنان والمساعدات المقدمة للأساتذة".

وتوضح أن كل هذه الملفات "وصلنا إليها خلال بحثنا عن أموالنا ومستحقاتنا، حيث رحنا نبحث عن مداخيل الوزارة والمنح التي تتلقاها، وعاينا كثيرا من التجاوزات والاستفهامات وارتكابات بلا محاسبة، وملفات فساد عالقة وعمليات نهب وسرقة، لا سيما قضية الحواسيب المحمولة، وقصة الموظفين في الوزارة الذين يتقاضون أجورهم بالدولار من أموال الدول المانحة لمشاريع تعليمية في لبنان، فيما هم موظفين لوزارة التربية ويعملون مع المنظمات الدولية في نفس الوقت".

وتضيف "أما القضية الأخيرة التي طرحتها كانت قضية عدم دفع بنك bbac لحوافز المعلمين بالدولار، في حين أن الوزير هو عضو مجلس إدارة في هذا المصرف، وعلمت أن محاولة تنظيمي لتحركات أمام فروع المصرف أغضبته بشكل خاص، حيث اضطر المصرف للالتزام بقرار دفع المساعدات بالدولار".

موقع "الحرة" حاول التواصل مع الوزير الحلبي عبر رقمه المباشر وعبر مستشاره، من أجل الحصول على رده والوقوف على رأيه من القضية والأسباب التي دفعته لاتخاذ هذا القرار، دون الحصول على جواب، فيما عُلم أن الوزير خارج البلاد، ولم يفوض أحد في الوزارة التحدث في هذا الملف، فيما لم يدل حتى اليوم بأي تعليق من ناحيته في هذه القضية.

ويذكر أن لبنان يعاني للعام الثالث على التوالي في تسيير عامه الدراسي، وذلك نتيجة تداعيات الانهيار الاقتصادي الأسوأ في تاريخ البلاد، وتأثيره على المسار التعليمي لا سيما لناحية حصول الأساتذة على مستحقاتهم وتصحيح أجورهم التي فقدت قيمتها الشرائية بعد انهيار العملة المحلية، وما عادت تكفي تكلفة تنقل الأساتذة إلى مدارسهم.

وسبق لشاهين أن شرحت كل تلك المطالب، وأضاءت على ملفات الفساد والهدر في تحقيق سابق لموقع "الحرة" رصد المعوقات والتحديات التي تنتظر العام الدراسي الجديد في لبنان، بعد 3 سنوات من التعثر.

اعتصامات وتضامن

وكانت شاهين تعاقدت في التعليم الرسمي في العام الدراسي 2012 ـ 2013، فيما أسست في العام 2015 "اللجنة الفاعلة" حيث خاضت مع زملائها من المعلمين إضرابات وتحركات عدة للمطالبة بحقوقهم، كما شكلت وجها إعلامياً بارزاً ومحاوراً شرساً في البرامج الإعلامية المحلية،  فيما لعبت دور المرجع المتابع في قضايا الأساتذة والتعليم في لبنان.

وشهد محيط وزارة التربية، الثلاثاء، اعتصاماً نفذه الأساتذة المتعاقدون تضامناً مع شاهين، لمطالبة الوزير بالعودة عن قراره، والتنديد بما وصف "صرفا تعسفياً" و"إجراء عقابي".

وأكدت اللجنة الفاعلة للأساتذة المتعاقدين في بيان، "إيمانها بدولة القانون وقدسية العمل النقابي"، وقالت: "نظمنا تحركا تضامنيا أمام وزارة التربية للتأكيد أن نسرين شاهين هي نبض المتعاقدين، وطالبنا بعودة الوزير عباس الحلبي عن قراره".

أضافت: "كنا أعلنا انطلاقة العام الدراسي، الاثنين الماضي، التزاما بقرار وزير التربية مع تحفظنا على حقوقنا المهدورة، والقرار الظالم استدعانا إلى إعلان الإضراب والاعتصام ليوم واحد، وهو اليوم. وأبلغنا ونبلغ جميع المعنيين أننا، التزاما بقرار بدء العام الدراسي، لم نعلن أي إضراب أخر. وعليه ولمصلحة تلاميذنا، نؤكد أن الأساتذة عادوا إلى صفوفهم ولا إضراب في المدارس، لكنهم ملتزمون التضامن معها وعدم التنازل عن حقها في العودة، ونحن جاهزون لأي تحرك داعم، لأن المساس بها هو مساس بكل متعاقد ومتعاقدة طالبت بحقهم".

كذلك تضامن مع شاهين جهات سياسية وحقوقية ونقابية عدة في لبنان، من بينهم نواب تكتل "التغييريين" المحسوبين على القوى المنبثقة عن احتجاجات 17 أكتوبر 2019، حيث تلقت شاهين اتصالات تضامن ووعود بمتابعة قضيتها.

وفي هذا السياق يوضح النائب اللبناني، ياسين ياسين، أنه ومجموعة من النواب، عازمون على مساءلة الوزير الحلبي حول قراره، "اليوم حاولنا الاتصال به ولكن لم نستطع التواصل معه، (مسافر)، وفور إمكانية التواصل سنتجه للوزير ببعض الأسئلة وستواكبنا نسرين، خاصة وأن قرار الوزير جاء على خلفية موقفها منذ 17 أكتوبر حتى اليوم دفاعا عن الأساتذة ومطالبة بحقوقهم، ويريد الوزير اليوم أن يدفعها الثمن".

ياسين يجزم أن الهدف من هذا القرار "مجازاة" نسرين، "وهذا الأمر اليوم ليس مقبولاً، ونحن سنكون إلى جانب هذه المعلمة وتحدثنا إليها في هذا الشأن، وعلى تنسيق دائم مع لجنة المحامين التي أوكلتهم قضيتها، وبالنسبة لي هذه القضية تهمني بشكل كبير".

ويضيف "لقد اعتادوا طيلة الفترة السابقة على تعطيل التزاماتهم الدستورية، ليسوا معتادين على المساءلة والإضاءة على ممارساتهم، لكن عليهم أن يعلموا أن هناك وضعاً جديداً في البلاد، وبات هناك من يسأل ويحاسب وعليهم أن يكونوا يقظين في قراراتهم، واستهتارهم بالشعب".

جيش محامين

تلفت شاهين إلى أنها أوكلت 22 محامياً لمتابعة قضيتها، "بدأوا بأخذ الإجراءات وطلبوا من الوزير توضيح خطي لأسباب قراره، ويحضرون كتاب لمجلس شورى الدولة". فيما أبدى 43 محاميا دعمهم واستعدادهم للتوكل في القضية.

ويذكر أن القضية هي الأولى في نوعها المسجلة في تاريخ لبنان، حيث لم يسبق لوزير تربية، أن فسخ عقداً لأستاذ متعاقد، فيما درجت العادة التوصية بالحفاظ على عقود الأساتذة مهما تدنى عدد الحصص، بغض النظر عن الحاجة إلى التعاقد، فيما يسجل في لبنان واقعة واحدة عام 1973 حين فصلت حكومة، صائب سلام، نحو 300 أستاذ بناء على مواقفهم النقابية، ما أدى إلى ثورة في الشارع واحتجاجات عارمة دفعت بالحكومة للعودة عن قرارها وأعطت الأساتذة حقوقهم.

وفي هذا السياق، يعتبر المحامي الموكل عن شاهين، هيثم عزو، أن القرار "ظاهره إداري وباطنه عقوبة تأديبية"، مضيفاً أن القرار يأتي بسطر ونصف سطر فقط دون توضيحات وبصيغة توحي "وكأن طلبه يأتي بصورة أبدية، لناحية عدم الاكتفاء بالعام الحالي، والإشارة إلى الأعوام اللاحقة".

ويضيف عزو أن القرار من الناحية القانونية "مخالف لأركان القرار الإداري، فكل قرار إداري يجب أن يتضمن 5 أركان، أهم ركن فيه هو: ركن الغاية، ويقتضي أن يستهدف تحقيق المصلحة العامة وليس مصلحة خاصة، السؤال هنا: هل الوزير يحقق الصالح العام في قراره؟ الجواب قطعا لا، لأن المدارس اليوم بحاجة لأي متعاقد في ظل هجرة أعداد كبيرة من الكوادر التعليمية من لبنان، بسبب الإجحاف المادي الذي يعانوه، وبالتالي المدارس تتمسك بأي أستاذ".

ثانياً، بحسب عزو "انتفاء الحاجة الذي يتذرع به الوزير، كسبب ليس هو من يقدره، بل تقدره وفقاً للأصول المدرسة المتعاقد معها والمدرسة لم تقل بانتفاء الحاجة، كيف قرر الوزير أنه انتفت الحاجة للتعاقد معها؟ ما يؤكد أكثر فأكثر أن هذا القرار يستهدف تحقيق مصلحة خاصة ويشبع رغبة الوزير بالتشفي والانتقام من صوت نسرين، والدليل يطلب عدم التعاقد معها ليس فقط لهذا العام وإنما للأعوام المقبلة، كيف علم بالحاجة في الأعوام المقبلة؟".

ثالثاً، يسأل المحامي اللبناني، "لماذا لم تنتف الحاجة بأي أستاذ آخر على كل الأراضي اللبنانية؟ إلا نسرين شاهين تحديداً، هي تحديداً التي انتفت الحاجة إليها؟ هذا يؤكد أكثر فأكثر أن القرار هو قرار غير مشروع، مخالف للأصول القانونية، بني على نية غير ظاهرة يريد من خلالها الوزير الإطاحة بهذه المعلمة".

عزو يلفت إلى أن "نسرين لم تستجوب بشأن القرار قبل إصداره، أي لم يتسن لها ممارسة حق الدفاع في موضوع القرار، فيكون القرار المتخذ دون مراعاة أصول حق الدفاع، مخالف لركن الشكل، وهذا سبب إضافي لإبطال القرار".

وعما إذا كان يحق للوزير فصل أي أستاذ متعاقد بقرار إداري من هذا النوع، يقول عزو "بالأصل لدى الوزير ما يسمى بالسلطة الاستنسابية، بكونه المرجع الأعلى، ولكن في الأصل أمر التعاقد من عدمه تقدره المدرسة وبينما الوزير يتخذ قرار استنسابي بناء لتقديرات المدرسة، ويوقع العقود، ولكن المهم بالقانون من هذه الناحية، أنه حتى ولو كان للوزير السلطة الاستنسابية، بتجديد أو عدم تجديد التعاقد، إلا أن القانون منعه من ممارسة هذه السلطة بناء لأهواء شخصية، إنما يقتضي فقط ممارستها بناء على مصلحة المرفق والمصلحة العامة".

يؤكد عضو مجموعة "رواد العدالة" التي تتولى العمل مجاناً في قضايا الرأي العام، أن الاتجاه القضائي سيكون إلى مجلس شورى الدولة، "بكونه قضاء إداري مؤتمن على مشروعية القرارات الإدارية، ويبطلها متى تراءى له أنها غير مشروعة".

ويوضح "لن ننتظر إجراءات طويلة الأمد للنزاع أمام مجلس شورى الدولة، نحن سنتقدم بالإضافة إلى المراجعة طلب وقف تنفيذ للقرار لوجود أسباب جدية تستوجب ذلك، وبالتالي مجلس شورى الدولة سيبلغ الدولة بطلب وقف التنفيذ ومعه الأسباب الواقعية الموجبة وقف التنفيذ، ريثما يبت بالمراجعة لاحقا".

"مؤامرة" لضرب العمل النقابي

وقد سرت انتقادات واسعة للجان التعليم الرسمي التي لم تبد تضامناً واضحاً مع شاهين في قضيتها، وفي هذا السياق ترى المعلمة أنها "ضحية تآمر سياسي بين الوزير من جهة والروابط التعليمية من جهة أخرى، فخلال الاجتماعات الماضية التي أجراها وزير التربية لبدء العام الدراسي، استثنى دعوتي بالاسم، ثم جاء القرار الأخير فيما روابط التعليم سكتت عن الأمر ولم يصدر عنها أي بيان، بكونها روابط مسيسة، نزلوا إلى الوزارة وبصموا للوزير على التزامهم بالحضور لبدء العام الدراسي، فيما كنت أنا أرفع الصوت وأقول للوزير لا نقبل أن تقول للمعلم إما أن تقبل بالمطروح أو استقيل، وقلت له أمام الجميع: أنت تستقيل".
 
موقع "الحرة" تواصل أيضاً مع أمين سر رابطة التعليم الأساسي، للوقوف على سبب عدم إبداء التضامن مع نسرين، حيث أجاب "نحن ليس لدينا شيء من المعطيات لنبني موقفنا على أساسه، لهذا السبب ليس لدينا موقف، نحتاج إلى معلومات حول السبب الذي دفع الوزير لاتخاذ هذا القرار، وفي النهاية هو من سيتحمل نتيجة قراره إذا كان غير قانوني، ولكن لو أن القرار هدفه النيل من العمل النقابي لكان قد طالنا فنحن أيضاً نرفع هذه المطالب".

من جهتها تؤكد شاهين أن القرار هدفه ضرب العمل النقابي في لبنان وإسكات الأساتذة، "ولكن إخراجي من الجسم التعليمي بهذه الطريقة، لا يعني أنني سأتوقف عن نشاطي في سبيل حقوق الأساتذة".

وبناء على "القرار الاستثنائي" من الوزير، اتخذت اللجنة الفاعلة للأساتذة المتعاقدين "قرارا استثنائيا" من جهتها، يقضي بالإبقاء على شاهين رئيسة لها، وقالت في بيان لها إنها "لن تعترف إلا بها رئيسة للجنة الفاعلة، حيث كانت وستبقى تتحدث باسم من تمثل من أساتذة، إن أرادوها متعاقدة مع وقف التنفيذ، أو خارج القطاع التعليمي الرسمي، فلن يكون إلا بأوهامهم، لأنها لن تكون إلا متحدثة باسم المتعاقدين والتعليم الرسمي، حتى وإن وضعوها خارج البلاد".

تختم شاهين "عليّ حملة كبيرة، ويريدون التخلص مني لأن العمل النقابي في لبنان مصادر من الأحزاب السياسية، فيما لست تابعة لأحد ولا أعمل بإيعاز من أحد ولا وفق أجندة أي حزب أو جهة، يريدون للأساتذة أن يكونوا مذلولين، وأن يأخذوا ما يقدم لهم ويسكتوا عن حقوقهم، في حين أن الملفات التي نفضحها ونتحدث عنها كفيلة بتطييرهم (إقالتهم) هم من مراكزهم".

لبنان وحماس

في حدث معبر وغير مسبوق، أظهرت الدولة اللبنانية صلابة في موقفها، وأجبرت حركة حماس، التي طالما استخفت بالسيادة اللبنانية، على الانصياع.

بعد تحذير حازم، من مجلس الدفاع الوطني اللبناني، سلمت حماس عددا من المطلوبين بتهمة إطلاق صواريخ من جنوب لبنان نحو إسرائيل، وهو تصعيد لم تكن الدولة اللبنانية لتواجهه بردع مباشر في السابق، إذ غالبا ما كانت تتم معالجة خروقات كهذه ضمن تفاهمات خلف الكواليس، خصوصا بوجود غطاء سياسي لحماس في لبنان من حزب الله. 

لكن هذه المرة، بدا الأمر مختلفا تماما.

الرسالة كانت واضحة: لم يعد بإمكان أي جهة أن تتصرف خارج سلطة الدولة اللبنانية.

استعادة السيادة

في أبريل الماضي، أعلن الجيش اللبناني ضبط عدة صواريخ ومنصات إطلاق واعتقل عددا من الأشخاص في جنوب لبنان، وقال إن التحقيقات جارية تحت إشراف القضاء.

حماس، التي اعتادت التلاعب بالسيادة اللبنانية مسنودة بتحالفاتها الإقليمية وصلاتها بحزب الله، وجدت نفسها الآن مجبرة على تسليم المطلوبين، في خطوة تعكس هشاشة موقفها وانحسار الدعم الذي طالما استفادت منه.

هذه الاستجابة السريعة تأتي بعد الهزيمة العسكرية التي تعرضت لها الحركة في غزة خلال الحرب الأخيرة مع إسرائيل. فبينما تكبدت حماس خسائر فادحة، أظهرت التطورات الميدانية في لبنان تراجعا واضحا في تأثيرها ونفوذها.

فهل نحن أمام إعادة صياغة لدور حماس في لبنان؟ أم أن الحركة تسعى لتجنب مواجهة جديدة قد تكون مكلفة في ظل تغير الموازين السياسية والأمنية في المنطقة؟

نقطة التحول المفصلية

أصبحت بيروت منذ عام 2019 حاضنة رئيسية لقيادات حماس ومحطة مهمة لوجودها السياسي والأمني، كما ذكر مركز "كارنيغي".

ولا شك أن اللحظة التي أُعلنت فيها استراتيجية "وحدة الساحات" 

وقبل هجوم حماس على إسرائيل في أكتوبر 2023 وتشكيل غرفة عمليات مشتركة في الضاحية الجنوبية لـ"محور الساحات،" أعلنت حماس وحزب الله استراتيجية "وحدة الساحات".

وبدت تلك اللحظة وكأنها "تمهيد لانقلاب شامل على الوضع اللبناني ومحاولة لفرض سيطرة محور الممانعة على كامل الأراضي اللبنانية وعلى جميع القوى السياسية دون استثناء مع بروز دور حركة حماس كعامل فلسطيني رديف لحزب الله في لبنان".

نشاط حماس في لبنان "يتعارض مع السياسة الرسمية الفلسطينية في التعاطي مع الشأن اللبناني"، يقول مدير مركز تطوير للدراسات الاستراتيجية والتنمية البشرية الباحث الفلسطيني، هشام دبسي لموقع "الحرة".

وتبنت حماس إطلاق صواريخ من لبنان خلال المواجهة التي بدأها حزب الله ضد إسرائيل عام 2023 على خلفية الحرب في قطاع غزة، لكن التطورات الميدانية وعمليات الاغتيال التي نفذتها إسرائيل قلبت المشهد رأساً على عقب".

وجاءت "تداعيات الضربات الإسرائيلية على حزب الله ومحور الممانعة في لبنان قاسية ليس فقط على حركة حماس بل على حزب الله ذاته"، يقول دبسي لموقع "الحرة".

وشكّلت عملية اغتيال نائب رئيس مكتب حماس السياسي، صالح العاروري في لبنان في يناير 2024، وفق ما يقوله دبسي "نقطة تحول رئيسية في مسار حركة حماس التي كانت تعيش حالة من الصعود على المستويين الفلسطيني واللبناني".

ويتابع "لكن نتائج الحرب الأخيرة وضعت الحركة في مأزق تحالفها مع حزب الله إذ لم تعد قادرة على فك ارتباطها بهذا التحالف كما لا تستطيع اتخاذ خطوة تراجع منهجية تقتضي بتسليم سلاحها للدولة اللبنانية والالتزام بالشرعية الفلسطينية ممثلة بمنظمة التحرير وسفارة فلسطين في لبنان".

يذكر أن العاروري، قتل مع اثنين من قادة الجناح العسكري للحركة، في ضربة إسرائيلية استهدفت مكتبا للحركة في الضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية بيروت، أحد معاقل جماعة حزب الله اللبنانية.

رسالة واضحة

حذّر مجلس الدفاع الوطني اللبناني حماس من استخدام الأراضي اللبنانية للقيام بأي أعمال تمس بالأمن القومي اللبناني تحت طائلة اتخاذ أقصى التدابير والإجراءات اللازمة لوضع حد نهائي لأي عمل ينتهك السيادة اللبنانية.

يتجلى في خطوة المجلس هذه بعدان أساسيان، يشرحهما دبسي "الأول هو انقلاب موازين القوى الداخلية لصالح الدولة اللبنانية في مواجهة سلاح الميليشيات حيث يعكس هذا التحرك تحولاً نوعياً نحو تعزيز سيطرة الدولة على السلاح وتقليص نفوذ الجماعات المسلحة".

الثاني "هو ترجمة خطاب القسم الرئاسي والبيان الوزاري إلى خطوات عملية تهدف إلى حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وفي هذا الإطار جاء إطلاق مجموعة من حركة حماس صواريخ من الأراضي اللبنانية نحو إسرائيل ليشكل اختباراً لمدى جدية العهد الجديد في فرض سيادة الدولة وقد كان الرد الإسرائيلي العنيف بمثابة إنذار لما قد تترتب عليه مثل هذه العمليات من تداعيات خطيرة".

وبالتالي فإن الدولة اللبنانية بسياساتها الجديدة لا يمكنها وفق ما يشدد دبسي "التغاضي عن هذه التطورات أو التعامل معها كما كان يحدث في السابق، بل على العكس جاء توجيه الإنذار لحركة حماس كرسالة واضحة بأن قرار السلاح والسيادة بات في يد الدولة اللبنانية ولن يُسمح لأي طرف بتجاوزه".

وفي ما يتعلق بتقييم استجابة حركة حماس لطلب تسليم المطلوبين، يرى دبسي أن الحركة "في البداية كانت مترددة وحاولت الاعتماد على علاقاتها التقليدية مع حزب الله وباقي قوى محور الممانعة في لبنان لكن مع إدراكها أن حزب الله لن يقدم لها الدعم ولن تستطيع الاحتماء بمظلته أو بمظلة أي من القوى اللبنانية الأخرى لم يبق أمامها سوى خيارين إما تسليم العناصر المطلوبة للدولة اللبنانية أو مواجهة الدولة دون أي غطاء لبناني داخلي ودون أي غطاء فلسطيني أيضاً".

ويشير دبسي إلى "أن منظمة التحرير الفلسطينية طالبت حماس مرارا بتسليم المطلوبين وعدم استخدام الأراضي اللبنانية لإطلاق الصواريخ حتى لا تعرض مجتمع اللاجئين الفلسطينيين لردود الفعل الإسرائيلية".

وبناء على ذلك اضطرت حركة حماس "في نهاية المطاف للاستجابة لمطلب الدولة اللبنانية كخيار إجباري لا مفر منه".

تصدّع التحالف

كشفت التطورات الأخيرة عمق الخلافات والتباينات الميدانية بين حماس وحزب الله، إذ لم يعد أي منهما قادراً على مساندة الآخر في ظل الظروف الراهنة، بحسب ما يرى دبسي.

ويشرح أن "حزب الله الذي أعلن التزامه بموقف الدولة اللبنانية لم يعد قادراً على تقديم الغطاء لحماس أو حمايتها، ما يعكس حالة من التباعد بين الطرفين، خاصة وأن حزب الله يشعر بأن حماس قد خدعته بعملية 'طوفان الأقصى'، إذ لم تنسق العملية معه ولم تُعلمه بموعدها مسبقاً".

في المقابل، "تشعر حماس بأن حزب الله لم يكن وفياً بما يكفي في دعمه للحالة الفلسطينية ولم يلتزم بتعهداته كما تتصور الحركة. وهكذا، باتت العلاقة بين الطرفين أقرب إلى تبادل الاتهامات وتحميل المسؤولية؛ فحزب الله يلقي اللوم على حماس بسبب التصعيد الميداني غير المنسق، بينما ترى حماس أن حزب الله استخدم إطلاق النار من لبنان كغطاء دون التشاور معها".

في ظل هذه التوترات، عادت قضية سحب السلاح الفلسطيني من المخيمات إلى الواجهة، وسط توقعات بإعلان الدولة اللبنانية عن خريطة طريق واضحة لتنفيذ هذه الخطوة، وفقاً لدبسي.

يُذكر أن ملف السلاح الفلسطيني في لبنان ينقسم إلى محورين: السلاح داخل المخيمات وخارجها. وقد أنجز ملف السلاح خارج المخيمات بالكامل، بينما يجري العمل حالياً لضبط السلاح داخل المخيمات.

وتندرج هذه القضية ضمن إطار القرار 1559 الصادر عام 2003، والذي ينص على نزع سلاح الميليشيات والقوى الأجنبية غير اللبنانية، بما فيها السلاح الفلسطيني.

يشير دبسي إلى أن "الشرعية الفلسطينية سبق أن أعلنت دعمها لتطبيق القرارين 1559 و1701، وأبدت استعدادها للتعاون الكامل مع الدولة اللبنانية لتنظيم الوجود المسلح داخل المخيمات وخارجها".

وكان الرئيس الفلسطيني محمود عباس قد أكد خلال زيارته السابقة إلى قصر بعبدا في عهد الرئيس ميشال سليمان على تسهيل عمل الحكومة اللبنانية في إنهاء هذا الملف، لكن التطبيق تعثر بفعل هيمنة "محور الممانعة".

وفي هذا السياق، تتجه الأنظار إلى زيارة عباس المرتقبة إلى لبنان في 21 مايو، "حيث يتوقع أن تحمل مؤشرات حول كيفية تنفيذ المبادرة السياسية والأمنية المتعلقة بسحب السلاح من المخيمات بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية"، وفقاً لدبسي.