سرطان الثدي تجاوز سرطان الرئة وأصبح أكثر أنواع الأورام الخبيثة شيوعا في العالم
سرطان الثدي تجاوز سرطان الرئة وأصبح أكثر أنواع الأورام الخبيثة شيوعا في العالم

"صدفة كشفت إصابتي بأخبث الأمراض، لأبدأ رحلة علاج في بلدٍ الاستشفاء فيه بات حكرا على الأغنياء، الدواء مفقود ويباع في السوق السوداء، والمريض يترك لمصيره وهو يصارع الموت على حلبة الأوجاع".. كلمات قالتها ثريا حلبي تعكس ما يعانيه مرضى السرطان في لبنان. 

"لماذا أنا"؟ سؤال لم يفارق ثريا منذ أن أطلعها الطبيب أنها انضمت إلى لائحة طويلة من نساء أصبن بمرض سرطان الثدي، وذلك بعد أن قصدته لإجراء الفحص الروتيني الذي يجب أن تخضع له أي امرأة عند بلوغها الـ40 من العمر، وإذ بالصورة الشعاعية تكشف ما تخشاه أي امرأة. 

سنة ونصف السنة حتى الآن من المعاناة، خضعت خلالها ثريا لعملية جراحية وعلاج كيماوي ذاقت خلاله "أوجاعا لا يمكن لقواميس العالم أن تصفها"، تقول لموقع "الحرة"، "أقبح الأيام التي مررت بها والتي لا أحب تذكرها حتى، هي تلك التي بدأ فيها شعري بالتساقط، كرهت حينها المرآة، تغيّر شكلي إلى حد لم أعد أعرف به نفسي، نفسيتي تحطمت، وقفت عاجزة عن فعل شيء حتى تأمين ثمن علاجي لمواجهة السرطان ليس بالأمر السهل". 

وقبل أيام ضجت مواقع التواصل الاجتماعي في لبنان، بخبر إصابة الفنانة دينا حايك بسرطان الثدي، قبل أن تؤكد ذلك من خلال إعادة نشر تغريدات عبر حسابها الرسمي على "تويتر"، ليتضح بعدها أنها اكتشفت مرضها في شهر مارس الماضي، عن طريق الصدفة بعدما قصدت الطبيبة قبل موعد الفحص الدوري بستة أشهر، وهي تخضع الآن لجلسات علاج في إحدى مستشفيات بيروت. 

شهر أكتوبر هو شهر التوعية بسرطان الثدي، بهدف تمكّن المرضى من اكتشافه في مراحله المبكرة للانتصار عليه وإكمال حياتهن بشكل طبيعية، لكن للأسف يحول الوضع الاقتصادي في لبنان كما يقول رئيس جمعية "برباره نصار" لدعم مرضى السرطان، هاني نصار، "دون قدرة عدد كبير من النساء من إجراء الصورة الشعاعية للكشف عن المرض، أو تلقى العلاج عند اكتشافه وذلك نتيجة فقدان الدواء أو ارتفاع ثمنه، لا بل حتى الموت أصبح مؤلما جدا في وطننا نتيجة عدم توفر المورفين". 

تجاوز سرطان الثدي سرطان الرئة وأصبح أكثر أنواع الأورام الخبيثة شيوعا في العالم، بحسب ما أعلنته منظمة الصحة العالمية العام الماضي، حيث قال خبير أمراض السرطان بالمنظمة، أندريه إلبافي، في إفادة صحفية بالأمم المتحدة "للمرة الأولى يصبح سرطان الثدي (النوع) الأكثر انتشارا في العالم"، وأوضح أن سرطان الرئة ظل الأكثر شيوعا على مدى العقدين الماضيين، لكنه تراجع الآن خطوة للوراء إلى المركز الثاني، متقدما على سرطان القولون والمستقيم، وهو الثالث على القائمة". 

وأشار إلبافي إلى أن السمنة عامل خطر شائع في حدوث سرطان الثدي، وهي عامل محرك للأرقام الإجمالية للسرطان في اتجاه الزيادة، وأضاف أنه مع نمو سكان العالم وزيادة متوسط العمر المتوقع، هناك تكهنات بأن يصبح السرطان أكثر شيوعا، بأعداد تصل إلى حوالي 30 مليون حالة جديدة سنويا بحلول عام 2040 ارتفاعا من 19.3 مليون في 2020. 

وهذا العام أكدت المنظمة أن السرطان سبب رئيسي للوفاة في جميع أنحاء العالم، وقد أزهق أرواح 10 ملايين شخص في عام 2020، منها 685 ألف وفاة بسرطان الثدي. 

تشتت الهدف 

لا أحد من عائلة ثريا أصيب سابقا بسرطان الثدي، وهو ما زاد من صدمتها حين علمت بأنه هاجمها، استقر في ثديها وبدأ بالانتشار، وتقول "لم أكن أعمل حينها، ولا أستفيد من أي جهة ضامنة، وهذا ما جعل همي الأساسي تأمين المال لعلاجي بدلا من أن يكون محاربة المرض بهدف شفائي"، مضيفة "اليوم قطعت مرحلة كبيرة على طريق الانتصار، إلا أنني معرضة في كل لحظة إلى خسارة المعركة إذا لم أتمكن من تأمين الدواء". 

أما روزيت حداد فصدمت عندما بلغت الـ38 من العمر، بوجود كتلة دهنية أسفل ثديها، قصدت الطبيب الذي طلب منها إجراء صورة كل ستة أشهر كون عمتها سبق أن أصيبت بالمرض، وقبل أربع سنوات اكتشفت ما كانت تخشاه، حينها كان السرطان في مرحلته الثانية، استدعت حالتها الخضوع لعمليتين جراحيتين، وإلى الآن لا تزال تخوض معركتها ضده، في ظل عدم توفر "الأسلحة" لمواجهته. 

حالة روزيت حداد استدعت الخضوع لعمليتين جراحيتين

امرأة من كل ثمانية نساء يصبن بسرطان الثدي، بحسب ما يؤكد رئيس قسم الأورام والدم في مستشفى أوتيل ديو البروفيسور فادي نصر، الذي شرح لموقع "الحرة" أن سرطان الثدي نوعان، "الأول يصيب 5 في المئة من النساء، وهو مرتبط بالجينات المتوارثة عن العائلة، ويصيب المرأة في سن مبكر ما بين 30 و50 سنة، أما النوع الثاني فيصيب 95 في المئة من النساء من دون أي سبب، وفي سن متأخر أي حين تبلغ 65 من عمرها". 

ويضيف "تبدأ مراقبة المرأة التي سبق أن أصيب أحد أفراد عائلتها بسرطان الثدي من عمر الـ20 سنة، في حين يتوجب على بقية النساء الخضوع إلى فحص دوري منذ أن يبلغن الـ 40 سنة، وذلك من خلال إجراء صورة شعاعية كل سنة، على أن تجري مقارنة الصورة الجديدة بالصور التي سبقتها، لاكتشاف المرض مبكرا وكنوع من الوقاية الثانوية، كون لا يوجد إجراءات وقائية لهذا المرض كعدم تناول أطعمة معينة أو التوقف عن التدخين". 

تحتاج ثريا شهريا إلى حقنة يتراوح سعرها بين 100 دولار و300 دولار، بحسب ما يسعّرها الصيدلي الذي يبيعها في السوق السوداء، كما تحتاج إلى دواء تجلبه من تركيا، في حين أن راتبها لا يصل إلى 100 دولار، وتقول " يجب أن أواظب على هذا العلاج لمدة 10 سنوات، لا أعلم إن كان بإمكاني تأمينه الشهر القادم، فكيف لي أن أفكر على المدى البعيد، في وقت لم استفد يوما من وزارة الصحة إلا بحقنة واحدة". 

حتى عام 2020 لم تكن روزيت تواجه مشاكل فيما يتعلق بحصولها على الدواء، حيث كان الضمان الاجتماعي يغطي ثمنه، وتشرح "من خلال جمعية كنت أحصل على الدواء الذي كان ثمنه يبلغ حينها 5 ملايين ليرة، أي ما يقارب 3700 دولار، من إحدى الصيدليات على أن أدفع له بعد أن يسدد الضمان الاجتماعي المبلغ، لكن منذ سنتين انقلب الوضع رأسا على عقب.. فقد الدواء من الصيدليات وإن وجد فيباع بالدولار "الفريش"، في حين يدفع الضمان بالليرة اللبنانية على سعر صرف 1500 ليرة". 

استمرار روزيت في رحلة علاجها يتوقف على تأمين جمعية برباره نصار لدوائها، وتقول " لا أملك المال لشرائه فأنا أرملة، لدي ولد يبلغ من العمر 17 سنة، فإذا تمكنت الجمعية من تأمينه أتناوله وإلا أبقى من دون علاج". 

تساقط شعر ثريا حلبي بعد أن بدأت بجلسات العلاج الكيماوي

إضافة إلى الدواء تحتاج روزيت إلى حقنة كل 28 يوماً، مفقودة هي الأخرى من لبنان، من دونها تعاني من أعراض صحية مؤلمة كارتفاع درجات حرارة جسدها، تضطر إلى شرائها من تركيا بـ50 دولار، إضافة إلى دواء متوفرة في لبنان بـ 50 دولار أما في تركيا فسعره 14 دولارا، وتقول "لا يمكنني شرح ما أشعر به حين لا أتمكن من تأمين أدويتي، ومنذ سنة ونصف السنة لم أقصد المستشفى لإجراء صورة للثدي بسبب أوضاعي المادية، كذلك لم أقصد الطبيب منذ ستة أشهر بعد أن وصل بدل معاينته إلى الـ 60 دولار". 

طريق الآلام 

إذا كانت الغاية من توعية المرأة حول سرطان الثدي، هو اكتشاف المرض في مراحله الأولى، إلا أنه كما يقول البروفيسور نصر "عدد كبير من النساء يعجزن عن إجراء الصورة الشعاعية بسبب تكلفتها التي تتراوح بين 200 و300 دولار، هذا لا ينفي وجود مراكز تسعرها بمبلغ أقل لكن جودة الصورة تكون أقل كذلك، بالتالي فإن الأسباب المادية تدفع بعدد كبير من نساء لبنان إلى تأجيل إجرائها". 

بعض النساء يكتفين بفحص ثديهن بيدهن، لكن كما يشرح البروفيسور "عند اكتشافهن وجود كتلة ما، يكون حجم السرطان قد بلغ 1 سم، ما يعني أنه ظهر قبل ثلاث سنوات كحد أدنى"، وشدد على أن التأخر باكتشاف المرض يكلف المريضة مئات المرات أكثر فيما لو اكتشفته بشكل مبكر، سواء فيما يتعلق بتكلفة العلاج المادية أو بفرص النجاة منه". 

كما تطرق إلى مشكلة الدواء التي تواجهها النساء في لبنان بالقول "إذا اكتشفت المرأة مرضها وقررت الخضوع للعلاج فإنها تحتاج إلى دواء، وهو إما مفقود أو باهظ الثمن". 

أما نصار فيقول "حين تكتشف المرأة مرضها في مرحلة مبكرة، يكون لديها أمل بالشفاء، إلا أن هذا الأمل يتبدد حين تعلم أن كلفة جلسة العلاج الكيماوي تصل إلى 20 مليون ليرة، في حين قد تحتاج إلى ثلاث جلسات شهريا، من هنا أوقف آلاف المرضى علاجهن، كون لم يعد لديهن ما يبعنه لتأمين المال". 

ويضيف أن "تطور الطب ساهم في اكتشاف أدوية تمكّن مرضى السرطان (في مرحلته الرابعة)، من البقاء على قيد الحياة لخمس سنوات وأكثر، لكن الكمية المتوفرة من هذه الأدوية لا تكفي لجميع المرضى، ما يؤدي حكما إلى تطور المرض في جسدهن وانتكاس حالتهن، وللأسف عدد كبير منهن فارق الحياة بسبب ذلك". 

لا يمكن علاج مريض إذا أمّن دواءه بشكل متقطع، كما يقول البروفيسور نصر "وهو ما دفع بعدد كبير إلى شراء أدويتهن من تركيا ومصر وإيران، وهي بغالبيتها غير خاضعة لأي دراسة وبالتالي لا نعلم مدى فعالياتها، كما أن المشكلة الكبرى التي يواجهنها تتعلق بكلفة العمليات الباهظة، فحتى لو كانت المريضة مضمونة فإن الضمان الاجتماعي لا يزال يدفع على سعر صرف 1500 ليرة، في حين أن المستشفيات تحاسب بالدولار الفريش". 

أرواح تدفع الثمن 

رفعت السلطة اللبنانية الدعم عن بعض أدوية السرطان، بحسب نصار "بحجة أن البعض الآخر لا يزال مدعوما، إلا أن شركات الأدوية توقفت عن استيراد غير المدعوم منها، نتيجة ما تواجهه من مشاكل مادية مع مصرف لبنان، ليجد المرضى أنفسهن فريسة ارتفاع ثمن الأدوية المتوفرة في السوق". 

بين الفترة والأخرى يسمع مرضى السرطان وعودا من وزير الصحة العامة في حكومة تصريف الأعمال فراس أبيض بتأمين أدويتهم، منها خلال اجتماع عقده في السابع من الشهر الجاري، حضره كل من سفراء بريطانيا وسويسرا والدنمارك والمانيا، وممثل عن السفارة الفرنسية، وممثل عن الاتحاد الأوروبي، ومنسقة التجمع اللبناني في غرفة التجارة الأميركية، ومدير مديرية القَطع والعمليات الخارجية في مصرف لبنان، واعضاء تجمع شركات الأدوية العالمية في لبنان. 

خلال الاجتماع أشار أبيض إلى أن "الوزارة تصر على تأمين أفضل علاج للمريض اللبناني، وتعمل على المحافظة على موقع لبنان في خارطة السياحة الطبية في المنطقة". وأضاف "نعمل حاليا على توفير علاجات الأمراض السرطانية والمستعصية بصورة مستدامة عبر نظام تتبع الدواء الرقمي من لحظة استيراده حتى وصوله للمريض، مما يؤمن حصول كل مريض على دوائه ويحد من الهدر والتهريب، إضافة إلى اتباع بروتوكولات علاجية ومعايير علمية لصرف الدواء اللازم للمريض بحسب حالته". 

لكن نصار تساءل "إلى حين الانتهاء من المكننة، ماذا يفعل مريض السرطان ومن يؤمن له دواءه؟ مضيفا "ننتظر إقرار قانون في مجلس النواب يفرض على وزارة الصحة استمرار العمل بالمكننة التي يتم إعدادها، كي لا يتم الغاؤها من قبل أي وزير جديد، وبالتالي العودة من إلى المحسوبيات وعدم الشفافية في توزيع الدواء". 

عدد كبير من المرضى فارقن الحياة لعدم تمكنهن من شراء الدواء أو دفع فاتورة الاستشفاء، كما يشدد البروفيسور نصر "في وقت لا زلنا نسمع وزير الصحة اللبناني يتحدث منذ سنتين عن حلول من دون أن نلمس أي تقدم على أرض الواقع، إذ للأسف، بعد أن كان لبنان قبل سنة 2018 يعرف بمستشفى الشرق، تدهور الاستشفاء فيه بدرجة هائلة، وها نحن نحاول كل ما في وسعنا للعودة إلى الحد الأدنى لمتابعة علاج المرضى". 

لا يتوقف الأمر على الدواء، فمريض السرطان يحتاج بشكل عام كما تشدد ثريا لعلاج النفسي من المراحل الصعبة التي يمر بها، "ليتقبل شكله الذي يتغير كثيرا نتيجة العلاج، فأنا على سبيل المثال زاد وزني وتغيرت ملامحي وحتى نوعية شعري، لكن في بلدنا نتعذب نفسيا ونتخبط يمينا وشمالا ونحن نحاول تأمين العلاج وتكاليفه، فكيف لنا أن نؤمن العلاجات الجانبية التي لا تقل أهمية عن العلاج الأساسي". 

في المرة الأخيرة التي قصدت روزيت الطبيب أبلغها أنها على طريق الشفاء إذا استمرت بتلقي العلاج، لكنها كما تقول "هي طريق معبدة بالألغام لا أعلم إن كنت سأنجو خلال رحلتي عليها". 

سلاح حزب الله

في مقابلة أجراها غسان شربل ونشرها في كتابه "لعنة القصر،" يقول رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق، رفيق الحريري، الذي اغتيل في العام ٢٠٠٥ في تفجير ضخم، إن إنهاء الميليشيات بعد اتفاق الطائف شهد محاولتين:

الأولى اعتمدها ميشال عون (قائد الجيش حينذاك)، عبر محاولة إنهاء القوات اللبنانية بالقوة، "استخدم المدفع فماذا كانت النتيجة؟"، يسأل الحريري، ثم يجيب: "دُمرت المنطقة الشرقية ودُمّر الجيش وبقيت الميليشيات". 

والطريقة الثانية التي يتحدث عنها الحريري كانت تلك التي اعتمدها رئيس الجمهورية في تلك الفترة، الياس الهراوي، الذي قال للميليشيات (بحسب الحريري): "الدولة تتسع للجميع. سلموا أسلحتكم للدولة وشاركوا". يتابع الحريري: "أسألك أين هي الميليشيات اليوم؟ ذابت الميليشيات".

ما يحكي عنه الحريري حدث في العام 1990 بعد شهور على توقيع اتفاق الطائف في أكتوبر ١٩٨٩، الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية. 

نص الاتفاق آنذاك بوضوح على أن الحكومة الأولى بعد الطائف تضع خطة هدفها "بسط سلطة الدول اللبنانية تدریجیاً علـى كامل الأراضي اللبنانیة بواسطة قواتها الذاتیة". ل

يس ذلك فقط، بل وضع الاتفاق جدولاً زمنياً لهذا الانتقال من عهد الميليشيات إلى عهد الدولة: 

"الإعلان عن حل جمیع المیلیشیات اللبنانية وغیـر اللبنانية وتسليم أسـلحتها إلـى الدولـة اللبنانية خـلال سـتة أشـهر تبـدأ بعـد التصديق علـى وثیقـة الوفـاق الـوطني وانتخـاب رئيس الجمهورية وتشكيل حكومـة الوفـاق الـوطني وإقـرار الإصـلاحات السياسية بصورة دستورية".

"ذابت الميليشيات" في الدولة، بحسب المصطلح الذي استخدمه الحريري، وهذا الذوبان تمّ، على ما يشرح غسان شربل، عبر "رشوة الميليشيات بحصة من الدولة". دخل كثير من عناصر هذه الميليشيات إلى القوى العسكرية والأمنية الرسمية، وتسلّم الجيش اللبناني منها السلاح الثقيل والمتوسط، فيما بقي كثير من السلاح الخفيف (رشاشات ومسدسات) في بيوت عديد من اللبنانيين حتى يومنا هذا.

ما كان لافتاً لدى تطبيق هذا الاتفاق، أن "حزب الله" وحده لم "يذب" في الدولة، وجرى الإبقاء على سلاحه، بحجة "مقاومة إسرائيل"، بتواطؤ من أطراف محلية واقليمية، وبغض نظر من الأطراف الدوليين. 

بقي "حزب الله" الميليشيا المسلحة الوحيدة بعد الطائف. وراح يكبر في منظومته العسكرية حتى بات جيشاً رديفاً، يغرّد وحيداً بأجندة إيرانية- سورية، في مخالفة واضحة لنص اتفاق الطائف، وفي تحايل على أحد بنوده الذي ينص على "اتخـاذ كافـة الإجراءات اللازمة لتحرير جمیع الأراضـي اللبنانية مـن الاحتلال الإسرائيلي وبسط سـیادة الدولـة علـى جمیع أراضيها ونشر الجیش اللبناني في منطقة الحـدود اللبنانیة المعتـرف بهـا دولیاً والعمـل علـى تـدعیم وجـود قـوات الطوارئ الدولية فـي الجنـوب اللبنـاني لتأمين الانسحاب الإسرائيلي ولإتاحـة الفرصـة لعـودة الأمـن والاسـتقرار إلـى منطقـة الحدود". 

هذه الفقرة تبدو مطابقة إلى حد كبير لنص القرار 1701، موضع التنفيذ حاليا في جنوب لبنان.

اليوم، بعد حرب طاحنة مع إسرائيل أفقدته قوته العسكرية، يعود الحديث عن تسليم سلاح "حزب الله" للدولة على غرار ما حدث مع باقي الميليشيات في العام ١٩٩٠، وقد تحدث رئيس الجمهورية، جوزاف عون، في مقابلة تلفزيونية عن حوار ثنائي مع الحزب لتسليم سلاحه. وفي تصريح آخر- أثار بلبلة ديبلوماسية مع العراق- أكد عون أنه من غير الوارد تكرار تجربة الحشد الشعبي في لبنان.

الخبير الأمني والعسكري الجنرال المتقاعد خليل الحلو، يرى في مقابلة مع موقع "الحرة" أن تجربة الحشد الشعبي في العراق غير مقبولة في لبنان، "ويجب أن تمر عبر مجلس الوزراء ولا أعتقد أن أي مجلس وزراء يستطيع تمرير هكذا قرار كما تحتاج إلى قانون من مجلس النواب، من أجل التمويل، وهذا غير وارد".

يشرح الحلو أن "ميليشيات الحشد الشعبي تستحصل على رواتبها من الحكومة العراقية، وهي تأتمر نظرياً من الحكومة، لكن عملياً هناك فصائل عدة تأتمر بشكل مباشر أو غير مباشر من إيران ولديها أيديولوجيتها الخاصة. وهذه التجربة دلت على أن الحكومة العراقية لا تسيطر على الحشد الشعبي".

وهذا، برأي الحلو، هو بيت القصيد في مسألة استيعاب عناصر "حزب الله" داخل الجيش اللبناني. 

بالنسبة إلى الحلو فإن المسألة سياسية وعسكرية: "لا يمكن أن يكون هناك أمرة عسكرية على حشد شعبي-نسخة لبنانية، وهذا الحشد الشعبي يفعل كما يحلو له ويجر لبنان إلى حروب لا يريدها".

معضلة أخرى تبرز في الحالة اللبنانية ترتبط بحساسية التوازن الطائفي القائم على قاعدة يطلق عليها اللبنانيون تسمية "ستة وستة مكرر". وهي تعود إلى فترة الانتداب الفرنسي، ومرتبطة بمراسلات بين رئيس الجمهورية آنذاك والمفوض السامي الفرنسي تتعلق بالمساواة في الحقوق السياسية والمدنية بين اللبنانيين.

كانت هناك مراسلة رقمها ٦، أرسلها الرئيس إلى المفوض أكد فيها على التزام المساواة في التعيينات والوظائف الرسمية، وبعد رد المفوض أرسل الرئيس رسالة ثانية حملت عنوان "٦ مكرر"، جدد فيها الرئيس التزامه السابق، وتحول الأمر مع الوقت إلى عرف لبناني، نص عليه اتفاق الطائف عبر المناصفة في مجلس النواب بين المسلمين والمسيحيين.

مراعاة "الستة وستة مكرر" ستكون صعباً في حالة ضم آلاف العناصر من "حزب الله" إلى الجيش اللبناني. الحلو يذكر أنه "عندما جرى استيعاب الميلشيات في العام ١٩٩٠ داخل الجيش اللبناني، كان الأمر مقبولاً لأن العدد لم يكن كبيراً، وأكثرية الميليشياويين في ذلك الوقت اختاروا الذهاب إلى الحياة المدنية وليس إلى الجيش".

إذا حصل الأمر كما يتم تداوله، أي ضم مقاتلي "حزب الله" إلى الجيش دفعة واحدة، فإنه بلا شك سيكسر التوازن الطائفي داخل المؤسسة العسكرية، كما يؤكد الحلو، "وقيادة الجيش حريصة على الحفاظ ليس فقط على التوازن الطائفي (إسلامي – مسيحي) بل أيضاً التوازن المذهبي (سني-شيعي مثلاً)". 

ولهذا يرى حلو أن "هناك استحالة في ضم عناصر حزب الله بالآلاف إلى الجيش، لأن المسألة لا تتعلق فقط بالأعداد، بل العقيدة القتالية وبالموازنة والتسليح وهي مسألة متكاملة".

هل حزب الله مستعد للتخلي عن ثلاثين ألف مقاتل؟ يسأل الحلو. ثم يجيب: "واقعياً المعضلة موجودة ولا حل عملياً لها، إلا بفتح باب التطويع وتدريب المقاتلين وفق عقيدة الجيش اللبناني واستيعابهم داخل المؤسسة إذا كانوا مقتنعين، رغم انتمائهم لحزب الله، بالالتزام بعقيدة الجيش والالتزام بالأوامر على المستويين العسكري والسياسي". 

الحلو يقول إن هناك ضباطاً شيعة في الجيش اليوم من الجو السياسي لـ"حزب الله"، و"هؤلاء مندمجون في الجيش في تجربة تعتبر إلى حد كبير ناجحة، وإذا كان حزب الله لا يثق بهؤلاء الضباط فإنه لن يثق بالدولة اللبنانية".

لماذا يقوم الجيش اللبناني بإتلاف السلاح الذي يصادره من "حزب الله" ولا يحتفظ به؟

هذا السؤال، الذي يترافق غالباً مع قضية ضم مقاتلي "حزب الله" يطرحه كثيرون، ويرى البعض أن الأمر يعود لأسباب سياسية. لكن الحلو يقول إن الأمر تقني بحت، "في ألف-باء الأمور العسكرية، عندما يكون هناك ذخائر لا يمكن استخدامها أو صيانتها، تصبح خطرة، وتخزينها خطر، وأكبر دليل على ذلك ذخائر لحزب الله انفجرت بعناصر من الجيش اللبناني وهم ينقلونها وقتلت ٣ عسكريين".

في السابق كانت تقع حوادث يصادر على إثرها الجيش ذخائر وأسلحة لـ"حزب الله" وكانت تعاد هذه الأسلحة للحزب بقرار من السلطة السياسية، استنادا إلى البيانات الوزارية السابقة التي كانت تغطي تسليح الحزب وعمله العسكري. اليوم اختلف الأمر تماماً، كما يقول الحلو، "البيان الوزاري يلتزم بتطبيق القرار ١٧٠١ والسلطة السياسية كلها ملتزمة بهذا الأمر تحت رقابة دولية".