صور منتشرة لمجموعة مسلحة تابعة للتيار الوطني الحر أثارت ضجة كبيرة لدى الرأي العام اللبناني
صور منتشرة لمجموعة مسلحة تابعة للتيار الوطني الحر أثارت ضجة كبيرة لدى الرأي العام اللبناني

أثارت صور منتشرة لمجموعة مسلحة تابعة للتيار الوطني الحر، الحزب الموالي للرئيس اللبناني، ميشال عون، انتقادات واسعة، لاسيما لناحية التوقيت الذي ظهرت فيه، على مقربة من موعد انتهاء ولاية الرئيس في شهر أكتوبر الجاري، وفي ظل شحن كبير يشهده لبنان الذي دخل بالفعل معركة الرئاسة.

استعراض الميليشيا المسلحة، بلباسها الموحد، ترفع بنادقها أمام عدسات الكاميرات لتلتقط صورا مع نواب وقيادات في التيار الوطني الحر على هامش إحياء ذكرى "13 تشرين (أكتوبر)"، أثار استفزاز لبنانيين، رأوا في المشهد، استحضارا جديدا لمنطق السلاح والعنف، وتهديدا للواقع الأمني اللبناني والسلم الأهلي، صادر عن فريق لطالما بنى سرديته السياسية على منطق سيادة الدولة وأجهزتها الأمنية ورفض السلاح والمنطق الميليشياوي. 

فيما اعتبره آخرون مشهدا طبيعيا في بلد ينتشر فيه السلاح بين المدنيين قبل الأحزاب المنظمة، إذ لا تعمد كافة الأحزاب من مختلف الاصطفافات السياسية، على إخفاء أنشطتها الأمنية والعسكرية والأمن الذاتي الذي تعتمده في مناسباتها على مختلف الأراضي اللبنانية.


يذكر أن "13 تشرين" يصادف ذكرى لجوء عون، الذي كان قائدا للجيش ورئيسا لحكومة انتقالية حينها، إلى السفارة الفرنسية في بيروت عام 1990، عقب معركة عسكرية بين الجيش اللبناني بقيادة عون والجيش السوري والأحزاب المتحالفة معه في لبنان (حرب التحرير). 

وشهد اليوم ذاته مجزرة ارتكبها الجيش السوري بحق عدد كبير من عناصر وضباط الجيش اللبناني قرب القصر الجمهوري ووزارة الدفاع في منطقة بعبدا بجبل لبنان. ويحيي التيار الوطني هذه الذكرى سنوياً بمهرجانات سياسية وقداديس عن أرواح الضحايا. 

قوات خاصة 

وفي التفاصيل، فقد انتشرت، مساء الأحد الماضي، صور لمجموعة مسلحة تحمل شعار "القوات الخاصة" للتيار الوطني الحر.

وحمل ملثمون بنادق حربية قرب مكان إقامة المهرجان لهذا العام في بيروت، "فوروم دو بيروت"، رافعين إشارة التيار العوني، وإلى جانبهم نواب وقيادات في التيار من المشاركين في الذكرى، من بينهم النائب شربل مارون، فيما التقطت صور أخرى لهذه المجموعة المسلحة في الشارع المحيط وهي تتخذ إجراءات أمنية. 

وارتفعت المطالبات على وسائل التواصل الاجتماعي للأجهزة الأمنية والقضائية لملاحقة هذه المجموعة المسلحة والقيام بواجبها بصرف النظر عن الحماية السياسية التي يتمتعون بها. فيما لم يتردد أنصار "التيار" في إعادة نشر الصور وتهديد الخصوم بها عبر مواقع التواصل.

وتساءل لبنانيون عن الرسالة التي يرجى إيصالها من هذا المشهد، في هذا التوقيت الذي يقترب من موعد انتهاء ولاية رئيس الجمهورية في 31 أكتوبر المقبل، وما يرافق ذلك من تشنج سياسي في البلاد وخلافات حادة بين الأطراف اللبنانية حول هوية الرئيس المقبل والمسار السياسي للعهد المقبل، فيما طرح آخرون أسئلة تتعلق بالمهمات المنوطة بهذه المجموعة المسلحة وأنشطتها الأمنية. 

واتجه بعض للسخرية من الأسلوب الاستعراضي للتيار الذي لا ينم في المقابل عن حرفية عسكرية، معتبرين أن المشهد مفتعل بهدف "رفع معنويات" القاعدة الشعبية للتيار في هذا الوقت لا أكثر، ومن أجل شد عصب المناصرين للمرحلة المقبلة التي يتوقع أن تشهد تطورات سياسية حامية مرتبطة بملف الرئاسة. 

وتعليقا على الصور، غرّد مفوّض الحكومة السابق لدى المحكمة العسكرية، القاضي بيتر جرمانوس عبر تويتر: "ظهرت صور في السوشال ميديا لمسلحين ملثمين ينتمون لأحد الأحزاب ما يوجب على الأجهزة الأمنية القيام بواجباتها لما تبقى من دولة القانون".


"انتهاك لحرمة الموت" 

وسرت مخاوف من أن يكون الظهور المسلح مقدمة لافتعال أحداث أمنية تساهم في توتير أجواء البلاد، لاسيما وأن هذه الواقعة لم تكن يتيمة، فانتشار الصور على مواقع التواصل الاجتماعي، جاء بعد يومين على حدوثها، بالتزامن مع ظهور نشاط مسلح آخر لعناصر "التيار" أمام المركز الرئيسي للتيار الوطني الحر في منطقة ميرنا الشالوحي.

 واعترض عناصر التيار الوطني الحر، على مرور جنازة لأحد القياديين في حزب القوات اللبنانية، متهمين المشاركين بالاستفزاز، ما أدى إلى إطلاق نار في المكان بعد تلاسن بين المشيعين والعناصر، تدخلت على إثره القوى الأمنية والجيش اللبناني. 


واستنكر حزب "القوات اللبنانية" في منطقة المتن الشمالي في بيان "الاعتداء الميليشياوي الذي مارسته عناصر من المركز الرئيسي للتيار الوطني الحرّ في محلة ميرنا شالوحي، عبر إطلاقهم النار على موكب لجنازة الرفيق إيدي كرنافيليان، عند مروره على الطريق العام، باتّجاه المدافن، وذلك بدون أي مبرر أو سبب يُذكر، إلا لأن عَلَم 'القوات اللبنانية' يحتضن نعش الفقيد".

 
وقالت في بيان: "إلا أنه وعلى الرغم من الاعتداء السافر على حرمة الموت الذي لا يحظى بالحد الأدنى من الاحترام عند هذه الجماعات، أكمل الموكب مسيرته رافعاً الصلاة ومتجاوزاً هذه الممارسات الحاقدة ليوارى الرفيق كرنافيليان الثرى في مدافن العائلة بسلام".

ووضعت "القوات" هذا الاعتداء بعهدة الأجهزة الأمنية والقضائية لاتخاذ الإجراءات اللازمة وتوقيف المعتدين لمنع هذا الفريق من التمادي في مخططاتهم المشبوهة، وبالتالي إدخال لبنان في نفق من الإنكار الإنساني، والخلل الأمني والانعدام الأخلاقي".

من جهته، رد التيار الوطني الحر على بيان القوات، حيث أوضحت هيئة المتن الشمالي أن "أصل المشكلة هو تلاسن بين حاجز للأجهزة الامنية متواجد في المنطقة وموكب جنازة إيدي كرنافيليان الذي أصر على مخالفة تعليمات القوى الأمنية والمرور في الشارع الذي يقع فيه المركز الرئيسي للتيار الوطني الحر في ميرنا الشالوحي متعمدا القيام بحركات استفزازية، وليس عناصر من المركز الرئيسي للتيار الوطني الحر كما ادعى بيان القوات".
 
واستغرب "التيار" ما أسماها "الضجة الإعلامية حول ما جرى، علما بأن القوات بافتعالها المشكلة انتهكت حرمة الموت الذي يجله التيار الوطني الحر خصوصا وأننا لا زلنا نستذكر شهداء ١٣ تشرين".

ووضع البيان القضية في "عهدة الأجهزة الأمنية لكشف حقيقة الحادثة وإظهار مكر البعض الذي يستغل الموت لافتعال المشاكل".

"انضباط لا أكثر"

في هذا السياق، توضح القيادية في التيار الوطني الحر، رندلى جبور، أن "التيار الوطني الحر ليس حزبا عسكريا ولا لديه مجموعات عسكرية، وإنما لديه لجنة صغيرة داخلية في التيار، موجودة منذ تأسيسه اسمها لجنة الانضباط، مسؤولة عن تأمين أمن مهرجانات التيار والنشاطات الكبيرة التي يقيمها لا أكثر ولا أقل، وليس لها أي مهمات أخرى ذات طابع أمني، أو تنفيذ اعتداءات أو أنشطة عسكرية".

وتضيف جبور :"صادف هذه المرة أن المجموعة تصورت برفقة بعض الشخصيات البارزة، وانتشرت صورها على مواقع التواصل الاجتماعي، لكن دائما ما تكون مهمة هذه المجموعة حماية أمن النشاطات الحزبية الكبيرة التي يحضر فيها أعدادا كبيرة من قيادات التيار وكوادره، وهي مجهزة لهذا الهدف فقط وليس لها أي عمل خارج هذا النطاق".

وحول الشكل العسكري للمجموعة، واستخدام تسمية "القوات الخاصة" مع اللباس الموحد، ترى القيادية في التيار الوطني الحر "أن كل حزب في لبنان لديه مجموعة تعنى بالشأن الأمني، لديهم بالطبع لباس موحد ليكونوا منظمين ويُميِّزوا بعضهم، وبالتأكيد لديهم سلاح، بسبب طبيعة مهمتهم، التدخل عند حصول أي اعتداء أو هجوم، أو عمل أمني، لا أعتقد أنهم سيتمكنون من تأمين التجمعات بالقلم والميكروفون وأيديهم".

وعما إذا كان ذلك تشكيكا أو انتقاصا من قدرة الأجهزة الأمنية اللبنانية على تأمين هذا النوع من التجمعات، تنفي جبور ذلك تماماً، وتضيف "نحن أبلغنا الأجهزة الأمنية والجيش وكانوا منتشرين خارج المكان، أما الانضباط فهم ينتمون للتيار وينتشرون داخل المكان، لأنهم يعرفون الأشخاص والمشاركين وقادرون على تمييزهم والتصرف فوراً عند أي طارئ".

وتتابع "بالنسبة لنا ليس هناك شيء يحتاج إلى تبرير، فهم لم ينفذوا أي مهمة أو اعتداء أو اقتحام، نعم هم لأول مرة التقطوا صورة وهم مجتمعون مع بعضهم، لكن لم يسمع اللبنانيون يوماً أنهم نفذوا اعتداء على أحد أو كان لهم مهمة خارج نطاق تأمين أنشطة التيار". 

أما فيما يخص ما جرى أمام مركز التيار في ميرنا الشالوحي، تؤكد جبور أن "عناصر جهاز أمن الدولة المولج حماية مركز ميرنا الشالوحي، هم من أطلقوا النار في الهواء من أجل وقف الاستفزاز من موكب الجنازة الذي استغلته القوات اللبنانية لافتعال إشكال، ومنع أي احتكاك بين عناصر القوات وعناصر التيار الموجودين في المركز، وبالإمكان سؤال جهاز أمن الدولة، حيث سيؤكد أن عناصره هم من أطلقوا النار وليس انضباط التيار".

رسائل "غير مقروءة" 

وسرعان ما اتخذت الأحداث خلفيات سياسية، حيث اعتبر المشهد المسلح وما تبعه رسالة من التيار الوطني الحر لخصومه السياسيين، ولاسيما حزب القوات اللبنانية، المنافس الأقوى للتيار على الساحة المسيحية اللبنانية، بأنه مستعد للتصعيد والمواجهة بعد انتهاء العهد الرئاسي لعون. 

وفي هذا السياق، يقول رئيس جهاز الإعلام والتواصل في "القوات اللبنانية" شارل جبور إن حزبه "لا يتلقى ولا يقرأ رسائل ميدانية من هذا النوع، من أي فريق سياسي في لبنان".

ويضيف "لدينا كامل الثقة بالقوى الأمنية عموما والجيش اللبناني خصوصاً ليكون ضابط إيقاع الوضع الأمني على كامل الأراضي اللبنانية دون استثناء".

ويتابع جبور: "نحن لا ننظر بصراحة إلى وضعيات الاستهداف هذه بعين الخشية أو الرهبة، وهذه مسؤولية المؤسسة العسكرية اليوم، فعندما ترى أي تجاوز للقوانين المرعية عليها أن تتصرف بشكل مناسب لضبط الأمور وألا تفلت الأوضاع، ولكن لا نرى في هذه المشاهد أي تهديد لنا".

ويشدد القيادي في "حزب القوات اللبنانية" على أن "المواجهة السياسية يجب أن تبقى في إطار الانقسام والخلاف السياسي بين مشروعين، ولا يجب إطلاقا أن تنتقل الخلافات السياسية إلى الشوارع ويجب أن يكون ذلك من الخطوط الحمر لدى كافة الأطراف السياسية في لبنان".

"رفع معنويات" 

ويضع القيادي في القوات اللبنانية هذه المشاهد في سياق "رفع المعنويات" معتبرا أن "أي فريق سياسي يشعر أحيانا انه بحاجة لرفع المعنويات لدى مناصريه في ظل شعورهم بالإحباط، لاسيما بكونها نهاية ولاية الرئيس عون التي أصابها ما أصابها، والدخول إلى مرحلة جديدة، قد يظن البعض أنه من خلال مشاهد من هذا القبيل ترفع معنويات مناصريه، وقد يكون الهدف توجيه رسالة لحلفائه بأنه قادر على القيام بمهام إن أرادوا استخدامه".

ويُعتبر التيار الوطني الحر أبرز حلفاء "حزب الله" على الساحة اللبنانية، وذلك منذ عام 2006، وكان هذا التحالف مسؤولا عن وصول عون إلى سدة رئاسة الجمهورية، عام 2016، وهو ما مكن "حزب الله" من إحكام قبضته على الحياة السياسية اللبنانية. 

ويؤكد جبور أن "المشهد المسلح يضر بصاحبه، لاسيما بالشكل الذي ظهر به، خاصة أن لا شيء يستدعي كل ذلك، فمثلاً لو كان هناك اشتباك معين أو هجوم معين أو توتر أمني مرافق، كما جرى في القاع مثلاً أو في عين الرمانة، قد يكون حينها مبرراً الظهور المسلح، ولكن تصوير استعراضي إلى جانب نائب دون أي داع، هو دليل على أن كل السردية التي يتبناها التيار الوطني الحر بأنه ضد الميليشيات ومع أجهزة الدولة، تظهر اليوم على حقيقتها التضليلية وغير الواقعية، فهذا الفعل أساء لكل خطابه الذي بنى عليه مشروعيته الشعبية بأنه ضد الميليشيات، برأيي فليحكم الرأي العام إذا ما كان يرى هذا الظهور المسلح طبيعيا ومقبولا أم لا".

من جهتها، ترد القيادية في التيار الوطني الحر أن "آخر من يحق لهم الكلام المشاهد هو حزب القوات اللبنانية"، وتضيف "نحن لسنا في موضع الحاجة لشد العصب أو استعراض القوة، لاسيما وأننا حققنا إنجازا لجميع اللبنانيين بإنجاح مفاوضات ترسيم الحدود البحرية مؤخراً، فيما شعبيتنا حاضرة والانتخابات النيابية أكدتها، وعصبنا مشدود جدا".

وتختم جبور "لا زلنا نعارض منطق الميليشيات، والميليشيا هي التي تمارس أعمال عدائية ضد الدولة والشرعية، مثلما كانت القوات اللبنانية في السابق حين قاتلت الجيش اللبناني، أما نحن فلدينا مجموعة تحمينا وتؤمّن النشاطات الكبيرة، وليس هناك أي نوع من العسكرة في التيار، وأكثرية عناصر الانضباط من العسكريين المتقاعدين الذين كانوا يخدمون في الدولة اللبنانية".

لبنان وحماس

في حدث معبر وغير مسبوق، أظهرت الدولة اللبنانية صلابة في موقفها، وأجبرت حركة حماس، التي طالما استخفت بالسيادة اللبنانية، على الانصياع.

بعد تحذير حازم، من مجلس الدفاع الوطني اللبناني، سلمت حماس عددا من المطلوبين بتهمة إطلاق صواريخ من جنوب لبنان نحو إسرائيل، وهو تصعيد لم تكن الدولة اللبنانية لتواجهه بردع مباشر في السابق، إذ غالبا ما كانت تتم معالجة خروقات كهذه ضمن تفاهمات خلف الكواليس، خصوصا بوجود غطاء سياسي لحماس في لبنان من حزب الله. 

لكن هذه المرة، بدا الأمر مختلفا تماما.

الرسالة كانت واضحة: لم يعد بإمكان أي جهة أن تتصرف خارج سلطة الدولة اللبنانية.

استعادة السيادة

في أبريل الماضي، أعلن الجيش اللبناني ضبط عدة صواريخ ومنصات إطلاق واعتقل عددا من الأشخاص في جنوب لبنان، وقال إن التحقيقات جارية تحت إشراف القضاء.

حماس، التي اعتادت التلاعب بالسيادة اللبنانية مسنودة بتحالفاتها الإقليمية وصلاتها بحزب الله، وجدت نفسها الآن مجبرة على تسليم المطلوبين، في خطوة تعكس هشاشة موقفها وانحسار الدعم الذي طالما استفادت منه.

هذه الاستجابة السريعة تأتي بعد الهزيمة العسكرية التي تعرضت لها الحركة في غزة خلال الحرب الأخيرة مع إسرائيل. فبينما تكبدت حماس خسائر فادحة، أظهرت التطورات الميدانية في لبنان تراجعا واضحا في تأثيرها ونفوذها.

فهل نحن أمام إعادة صياغة لدور حماس في لبنان؟ أم أن الحركة تسعى لتجنب مواجهة جديدة قد تكون مكلفة في ظل تغير الموازين السياسية والأمنية في المنطقة؟

نقطة التحول المفصلية

أصبحت بيروت منذ عام 2019 حاضنة رئيسية لقيادات حماس ومحطة مهمة لوجودها السياسي والأمني، كما ذكر مركز "كارنيغي".

ولا شك أن اللحظة التي أُعلنت فيها استراتيجية "وحدة الساحات" 

وقبل هجوم حماس على إسرائيل في أكتوبر 2023 وتشكيل غرفة عمليات مشتركة في الضاحية الجنوبية لـ"محور الساحات،" أعلنت حماس وحزب الله استراتيجية "وحدة الساحات".

وبدت تلك اللحظة وكأنها "تمهيد لانقلاب شامل على الوضع اللبناني ومحاولة لفرض سيطرة محور الممانعة على كامل الأراضي اللبنانية وعلى جميع القوى السياسية دون استثناء مع بروز دور حركة حماس كعامل فلسطيني رديف لحزب الله في لبنان".

نشاط حماس في لبنان "يتعارض مع السياسة الرسمية الفلسطينية في التعاطي مع الشأن اللبناني"، يقول مدير مركز تطوير للدراسات الاستراتيجية والتنمية البشرية الباحث الفلسطيني، هشام دبسي لموقع "الحرة".

وتبنت حماس إطلاق صواريخ من لبنان خلال المواجهة التي بدأها حزب الله ضد إسرائيل عام 2023 على خلفية الحرب في قطاع غزة، لكن التطورات الميدانية وعمليات الاغتيال التي نفذتها إسرائيل قلبت المشهد رأساً على عقب".

وجاءت "تداعيات الضربات الإسرائيلية على حزب الله ومحور الممانعة في لبنان قاسية ليس فقط على حركة حماس بل على حزب الله ذاته"، يقول دبسي لموقع "الحرة".

وشكّلت عملية اغتيال نائب رئيس مكتب حماس السياسي، صالح العاروري في لبنان في يناير 2024، وفق ما يقوله دبسي "نقطة تحول رئيسية في مسار حركة حماس التي كانت تعيش حالة من الصعود على المستويين الفلسطيني واللبناني".

ويتابع "لكن نتائج الحرب الأخيرة وضعت الحركة في مأزق تحالفها مع حزب الله إذ لم تعد قادرة على فك ارتباطها بهذا التحالف كما لا تستطيع اتخاذ خطوة تراجع منهجية تقتضي بتسليم سلاحها للدولة اللبنانية والالتزام بالشرعية الفلسطينية ممثلة بمنظمة التحرير وسفارة فلسطين في لبنان".

يذكر أن العاروري، قتل مع اثنين من قادة الجناح العسكري للحركة، في ضربة إسرائيلية استهدفت مكتبا للحركة في الضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية بيروت، أحد معاقل جماعة حزب الله اللبنانية.

رسالة واضحة

حذّر مجلس الدفاع الوطني اللبناني حماس من استخدام الأراضي اللبنانية للقيام بأي أعمال تمس بالأمن القومي اللبناني تحت طائلة اتخاذ أقصى التدابير والإجراءات اللازمة لوضع حد نهائي لأي عمل ينتهك السيادة اللبنانية.

يتجلى في خطوة المجلس هذه بعدان أساسيان، يشرحهما دبسي "الأول هو انقلاب موازين القوى الداخلية لصالح الدولة اللبنانية في مواجهة سلاح الميليشيات حيث يعكس هذا التحرك تحولاً نوعياً نحو تعزيز سيطرة الدولة على السلاح وتقليص نفوذ الجماعات المسلحة".

الثاني "هو ترجمة خطاب القسم الرئاسي والبيان الوزاري إلى خطوات عملية تهدف إلى حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وفي هذا الإطار جاء إطلاق مجموعة من حركة حماس صواريخ من الأراضي اللبنانية نحو إسرائيل ليشكل اختباراً لمدى جدية العهد الجديد في فرض سيادة الدولة وقد كان الرد الإسرائيلي العنيف بمثابة إنذار لما قد تترتب عليه مثل هذه العمليات من تداعيات خطيرة".

وبالتالي فإن الدولة اللبنانية بسياساتها الجديدة لا يمكنها وفق ما يشدد دبسي "التغاضي عن هذه التطورات أو التعامل معها كما كان يحدث في السابق، بل على العكس جاء توجيه الإنذار لحركة حماس كرسالة واضحة بأن قرار السلاح والسيادة بات في يد الدولة اللبنانية ولن يُسمح لأي طرف بتجاوزه".

وفي ما يتعلق بتقييم استجابة حركة حماس لطلب تسليم المطلوبين، يرى دبسي أن الحركة "في البداية كانت مترددة وحاولت الاعتماد على علاقاتها التقليدية مع حزب الله وباقي قوى محور الممانعة في لبنان لكن مع إدراكها أن حزب الله لن يقدم لها الدعم ولن تستطيع الاحتماء بمظلته أو بمظلة أي من القوى اللبنانية الأخرى لم يبق أمامها سوى خيارين إما تسليم العناصر المطلوبة للدولة اللبنانية أو مواجهة الدولة دون أي غطاء لبناني داخلي ودون أي غطاء فلسطيني أيضاً".

ويشير دبسي إلى "أن منظمة التحرير الفلسطينية طالبت حماس مرارا بتسليم المطلوبين وعدم استخدام الأراضي اللبنانية لإطلاق الصواريخ حتى لا تعرض مجتمع اللاجئين الفلسطينيين لردود الفعل الإسرائيلية".

وبناء على ذلك اضطرت حركة حماس "في نهاية المطاف للاستجابة لمطلب الدولة اللبنانية كخيار إجباري لا مفر منه".

تصدّع التحالف

كشفت التطورات الأخيرة عمق الخلافات والتباينات الميدانية بين حماس وحزب الله، إذ لم يعد أي منهما قادراً على مساندة الآخر في ظل الظروف الراهنة، بحسب ما يرى دبسي.

ويشرح أن "حزب الله الذي أعلن التزامه بموقف الدولة اللبنانية لم يعد قادراً على تقديم الغطاء لحماس أو حمايتها، ما يعكس حالة من التباعد بين الطرفين، خاصة وأن حزب الله يشعر بأن حماس قد خدعته بعملية 'طوفان الأقصى'، إذ لم تنسق العملية معه ولم تُعلمه بموعدها مسبقاً".

في المقابل، "تشعر حماس بأن حزب الله لم يكن وفياً بما يكفي في دعمه للحالة الفلسطينية ولم يلتزم بتعهداته كما تتصور الحركة. وهكذا، باتت العلاقة بين الطرفين أقرب إلى تبادل الاتهامات وتحميل المسؤولية؛ فحزب الله يلقي اللوم على حماس بسبب التصعيد الميداني غير المنسق، بينما ترى حماس أن حزب الله استخدم إطلاق النار من لبنان كغطاء دون التشاور معها".

في ظل هذه التوترات، عادت قضية سحب السلاح الفلسطيني من المخيمات إلى الواجهة، وسط توقعات بإعلان الدولة اللبنانية عن خريطة طريق واضحة لتنفيذ هذه الخطوة، وفقاً لدبسي.

يُذكر أن ملف السلاح الفلسطيني في لبنان ينقسم إلى محورين: السلاح داخل المخيمات وخارجها. وقد أنجز ملف السلاح خارج المخيمات بالكامل، بينما يجري العمل حالياً لضبط السلاح داخل المخيمات.

وتندرج هذه القضية ضمن إطار القرار 1559 الصادر عام 2003، والذي ينص على نزع سلاح الميليشيات والقوى الأجنبية غير اللبنانية، بما فيها السلاح الفلسطيني.

يشير دبسي إلى أن "الشرعية الفلسطينية سبق أن أعلنت دعمها لتطبيق القرارين 1559 و1701، وأبدت استعدادها للتعاون الكامل مع الدولة اللبنانية لتنظيم الوجود المسلح داخل المخيمات وخارجها".

وكان الرئيس الفلسطيني محمود عباس قد أكد خلال زيارته السابقة إلى قصر بعبدا في عهد الرئيس ميشال سليمان على تسهيل عمل الحكومة اللبنانية في إنهاء هذا الملف، لكن التطبيق تعثر بفعل هيمنة "محور الممانعة".

وفي هذا السياق، تتجه الأنظار إلى زيارة عباس المرتقبة إلى لبنان في 21 مايو، "حيث يتوقع أن تحمل مؤشرات حول كيفية تنفيذ المبادرة السياسية والأمنية المتعلقة بسحب السلاح من المخيمات بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية"، وفقاً لدبسي.