تسخين المياه في لبنان أضحى "ترفا" لا يمكن لكثيرين تحمل كلفت
تسخين المياه في لبنان أضحى "ترفا" لا يمكن لكثيرين تحمل كلفت

يتحضر اللبنانيون لاستقبال موسم الشتاء، من خلال تأمين وسائل تساعدهم على مواجهة برودة الطقس بأقل تكلفة ممكنة، لا سيما فيما يتعلق بالاستحمام، كون الاعتماد على سخانات المياه الكهربائية لم يعد بمقدور الغالبية العظمى من السكان، إذ باتت ترفاً يقتصر على ميسوري الحال، من هنا تم استرجاع وسائل قديمة "انقرضت" منذ زمن، وذلك رغم مخاطرها الكبيرة.

وفي ظل الانقطاع شبه التام للتيار الكهربائي، فإن تشغيل سخان المياه الذي يعمل على الكهرباء يقتصر على تيار المولدات الخاصة، وهو يحتاج إلى ما لا يقل عن ٥,٥ أمبير، بالتالي على من يريد الاستمرار بالاعتماد عليه، ألا يقل اشتراكه عن عشرة أمبير، بكلفة تقارب نحو 240 دولار شهرياً، حيث أن الفاتورة تختلف من منطقة إلى أخرى.

والأرقام الخيالية لاشتراكات المولدات الخاصة التي تتجاوز الحد الأدنى للأجور بأضعاف، دفع بعدد كبير من اللبنانيين إلى الاستغناء عنها، منهم من أجبر على البقاء في العتمة والعودة إلى العصر الحجري، ومنهم من سمحت له ظروفه المادية بتركيب ألواح طاقة شمسية سواء بدفعة واحدة نقدا أو بالتقسيط أو عن طريق الاستدانة، لكن حتى هذا الخيار قد لا يلبي تشغيل سخانات المياه.

ومن الوسائل التي اضطر اللبنانيون للجوء إليها كي لا يشعروا بالبرد أثناء الاستحمام، هي سخانات المياه على الغاز، حيث برزت من جديد في الأسواق، وبدأت بالانتشار في ظل الطلب الكثيف عليها رغم أنها قنابل موقوتة إذا ما أسيء استعمالها أو تعرضها لأي خلل، ومن لا يستطيع دفع ثمنها عاد إلى تسخين الماء بالإناء.

لبنانيون يلجؤون إلى استخدام الأواني لتسخين المياه

"اختراع سحري".. ولكن

سمع "محمد" بسخان المياه على الغاز عن طريق الصدفة من أحد أصدقائه الذي قام بتركيبه في منزله، حيث تحدث أمامه عن إيجابياته الكثيرة.

ويقول: "بمجرد فتح قارورة الغاز تسخن المياه على الفور، من دون أن يتم الانتظار لساعة وأكثر كما حال سخانات المياه على الكهرباء، إضافة إلى أن ثمنه مقبول، حيث يتوفر في الأسواق بعدة أسعار بحسب نوعية الجهاز، كما أن تركيبه سهل، وقد قام بذلك أحد معارفي رغم أنه لا يعمل في مجال الأدوات الصحية".

ولا توجد في حمام "محمد" شرفة صغيرة لتثبيت المدخنة، ومع هذا لم يبال بالأمر فوجهها إلى داخل الحمام، دون أن يعي خطورة الأمر.

ويؤكد أنه "ليس لدينا خيار آخر لكي ننعم بحمّام دافئ، فسخان المياه على الكهرباء لا يمكن تشغيله على نظام الطاقة الشمسية، الذي سبق أن لجأنا إليه كحل لمشكلة انقطاع كهرباء الدولة وارتفاع فاتورة المولدات الخاصة، وذلك كون فعالياته في تخزين الطاقة تتراجع في فصل الشتاء نتيجة تراجع حدة الشمس، في حين أن قارورة غاز واحدة تكفيني وعائلتي للاستحمام طوال الشهر، هذا إن استخدمناها لنحو ثلاث مرات في اليوم".

وعبّر محمد عن رضاه التام لما أسماه بـ "الاختراع السحري"، مشددا على أنه "متيقظ لكل مخاطره، وأنا أتفقد بشكل دائم قارورة الغاز، للتأكد من عدم حصول أي تسرّب منها".

وحول مدخنة السخان والانبعاثات الصادرة عنها، قال: "لا تتجاوز مدة استحمام الشخص خمس دقائق، وهي فترة قصيرة تحول دون التعرض للاختناق".

بعض اللبنانيين لا يمكنهم تحمل كلفة سخانات المياه

وبات حلم اللبنانيين أن ينعموا بكهرباء الدولة ولو لساعة واحدة في اليوم، لكي يتمكنوا من تشغيل الأدوات الكهربائية التي تحتاج إلى عدد كبير من الأمبير، هذا الحلم سيصبح واقعاً إذا ما تم تطبيق الخطة الجديدة التي تحدث عنها وزير الطاقة في حكومة تصريف الأعمال، وليد فياض.

وتهدف الخطة إلى تأمين التيار الكهربائي لما بين 8 إلى 10 ساعات يومياً، إلا أن التعرفة ستشهد كذلك ارتفاعا كبيراً، إذ بعد أن كانت كلفة الكيلوواط ساعة بـ135 ليرة لبنانية، ستصبح 10 سنتات لأول 100 كيلوواط ساعة، و27 سنتاً لباقي الاستهلاك، كما سيفرض دفع 21 سنتاً كتعرفة شهرية ثابتة لكل أمبير، و4,3 دولارات بدل تأهيل، وستحتسب بالليرة وفق سعر صرف منصة "صيرفة".

وإلى حين البدء بالخطة الجديدة، فإن الإقبال مستمر على سخانات المياه على الغاز، كونه الحل العملي والأوفر بنظر الكثيرين في ظل الظروف التي يعيشونها، حيث أن سعر قارورة الغاز يبلغ 434 ألف ليرة، وهو رقم غير ثابت حيث يتأرجح مع سعر النفط عالميا، وسعر صرف الدولار في السوق السوداء.

منذ سنة بدأ صاحب مؤسسة "مكداشي" لبيع الأدوات الصحية، طارق مكداشي، باستيراد سخانات المياه على الغاز، ويقول: "لا أحد يمكنه تصديق مدى الإقبال عليها، فمنذ ثلاثة أشهر بدأ الطلب يزيد عليها وهو مستمر بوتيرة تصاعدية كلما ازدادت برودة الطقس".

من مصر وتركيا والصين وألمانيا وغيرها من الدول، يتم استيراد هذه الأجهزة التي تنقسم إلى مجموعتين، منها لتسخين 10 لتر من المياه ومنها لـ 6 لتر، وعلى أساس بلد المنشأ وقدرتها على التسخين يتراوح سعرها ما بين 135 دولار و500 دولار، بحسب ما يقوله مكداشي لموقع "الحرة".

وأشار إلى أن "تركيب الجهاز تنطبق عليه مقولة 'السهل الممتنع'، فعلى الرغم من أن الأمر بسيط، إلا أن هناك أموراً فنية يجب إيلاؤها أهمية كبيرة كونها تتعلق بالسلامة"، مؤكدا ضرورة "توخي أقصى درجات الحذر وعدم الاتكال على كون الجهاز مزودا بنظام أمان".

وتخشى "سعاد" كثيرا من كل ما له علاقة بمادة الغاز، إلا أن الظروف أجبرتها على شراء هذا الجهاز، وهي تنتظر  أن يتم تركيبه، وتقول: "أردت أن أتحضر لفصل الشتاء، وبما أني لا أستطيع تشغيل سخان المياه على الكهرباء كوني لا أستطيع سوى الاشتراك بخمسة أمبير التي بالكاد أتمكن من تأمين ثمنها، لم أجد أمامي سوى هذا الخيار".

وتضيف: "أعلم أني أضع قنبلة موقوتة في منزلي، يجب التعامل معها بحذر، لكن هذا ما أوصلنا إليه المسؤولون اللبنانيون، فقد دفعونا إلى وضع أنفسنا وعائلاتنا في خطر لا تحمد عقباه، لتأمين أبسط حقوقنا وحقوق أطفالنا، فأنا والدة لثلاثة أبناء أخشى عليهم من المرض فيما لو استحموا بمياه باردة، في وقت الطبابة فيه مكلفة جداً سواء معاينة الطبيب أو الفاتورة الاستشفائية أو ثمن الأدوية".

العودة إلى العصر الحجري

سخان المياه على الغاز سلاح ذو حدين، بحسب ما يؤكد رئيس شعبة الخدمة والعمليات في الدفاع المدني، منصور سرور، شارحا: "هو آمن بشرط عدم الاستهتار بمخاطره، من هنا يجب بداية اختيار جهاز ذو جودة عالية، وإسناد مهمة تركيبه إلى اختصاصي، للتأكد من صلاحية صمام الأمان، ووضعه في مكان غير مغلق أي في غرفة جيدة التهوئة، وأن يكون أمام مرأى أفراد المنزل، وإجراء صيانة دورية له لتجنب حصول أي تسرب لمادة الغاز الخطرة التي تتسبب بالموت في حال استنشاقها، ولا ننسى احتمال حصول انفجار نتيجة تسرب الغاز لمدة طويلة، ما يشكل خطرا على جميع أفراد العائلة". 

ويشدد سرور في حديث لموقع "الحرة" على ضرورة "تثبيت مدخنة الجهاز خارج الشرفة، كون الغاز المنبعث من عملية تسخين المياه، هو غاز الكربون السام، الذي في حال استنشاقه بكمية كبيرة يؤدي إلى تلف خلايا المخ وبالتالي الإصابة بإعاقة دائمة أو مفارقة الحياة، حيث يشعر الشخص بداية بارتخاء في أعصابه وعدم قدرته على التحرك، من هنا يجد صعوبة في طلب النجدة من الموجودين في المنزل لإنقاذه".

وينصح سرور في حال وجود رائحة غاز بـ "عدم إضاءة أو إطفاء الأنوار، وعدم إشعال أي شيء ممكن أن يولد شرارة (كبريت، ولاعة، شمعة)، كذلك إقفال قارورة الغاز وفتح النوافذ وأبواب الشرفات وباب المدخل للتهوية".

ولم يجد بعض اللبنانيين وسيلة لحل معضلة تأمين مياه ساخنة للاستحمام سوى بالعودة إلى تسخينها من خلال الغاز المنزلي، منهم عمر لبابيدي، الذي نشر صورة حول ذلك على صفحته عبر موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" عبّر من خلالها عن معاناة معظم اللبنانيين.

وفي حديث مع موقع "الحرة" أكد لبابيدي أنه لم يستبعد فكرة شراء سخان ماء على الغاز، إلا أنه لم يقدم على ذلك لسببين "الأول ارتفاع ثمنه، والثاني خشية زوجته من مخاطر انفجاره رغم تزويده بصمام أمان".

ويضيف "عندما كنا ننعم بكهرباء الدولة لساعة أو ساعتين يوميا، كنا نستطيع تدبير أمورنا، حيث قمت بتركيب resistance (مقاوِم) يسرّع من عملية تسخين المياه، لكن مع صفر كهرباء لم يعد هذا الحل يجدي نفعاً، وها نحن نأمل خيراً بتحسن الوضع مع تداول الحديث عن خطة وزير الطاقة".

كذلك أكد الناشط طارق أمون، أن عددا كبيرا من سكان قريته ايزال في الضنية شمال لبنان عادوا إلى تسخين الماء بالإناء، لكن من خلال الحطب، رغم المخاطر الكبيرة على الأطفال،  شارحاً في حديث لموقع "الحرة" أن "إشعال النار ووضع القدر في مكان منخفض، لا بل قريب من مستوى الأرض قد يتسبب بإحراق طفل يلعب في المكان، أو دفعه فضوله إلى الاقتراب منه".

ويضيف "لم تترك السلطة اللبنانية للناس سوى حلولا مضى عليها الدهر، أعادتهم عشرات السنوات إلى الوراء، فهل من يصدق أن هناك من لا يملك حتى ثمن الاشتراك بمولد حتى لكسر عتمة منزله ليس أكثر". 

وأشار أمون كذلك إلى خطر آخر يتعلق بكافة سخانات المياه سواء كانت على الكهرباء أو المازوت أو الحطب، "التي تفتقد إلى الصيانة، إما بسبب الجهل، أو الإهمال، أو لعدم توفر القدرة المادية"، وهو ما سبق أن أشارت إليه منذ سنوات، دراسة أجرتها اللجنة اللبنانية للوقاية من الحرائق بالتعاون مع مؤسسة الابحاث العلمية، حول أسباب أخطار سخانات المياه وكيفية الوقاية منها، حيث ذكّرت بضرورة تبديل سخانات المياه في حال تلفها، وأشارت إلى أهمية إجراء صيانة دورية لها.

وقالت اللجنة: "ينفجر سخان المياه في المنازل لعطل في جهاز تنظيم درجة الحرارة "الثرموستات" أو عدم وصول الماء إلى السخان بطريقة منتظمة، كما يمكن أن يسبب سخان المياه الاختناق لأفراد المنزل بسبب تسرب الغاز من القارورة أو من أنابيب التوصيل، أما بالنسبة للسخانات العاملة على الحطب قد يصاب سكان المنزل بالاختناق نتيجة لاحتراق الحطب أو الناريت".

وأوصت بضبط حرارة المياه بواسطة "الثرموستات" على درجة حرارة أقل من 70 درجة مئوية، وتنظيف جهاز تسخين المياه الكهربائي (Resistance) دورياً، أو استبداله بآخر جديد عند الضرورة".

كما دعت إلى "الصيانة الدورية لصمّام الأمان والتأكد من انتظام عمله، ومن وصول المياه إلى السخّان باستمرار، إضافة إلى فصل التيار الكهربائي في حال انقطاع المياه عن السخان، أو في حال عدم استعماله، وعدم تمديده على الأرض، بسبب انخفاض السقف، إذا كان من النوع الذي يجب تثبيته بشكل عامودي، كما يفضَّل استعمال سخان مياه ذو سماكة معدنية 3 ملم".

كما شددت على ضرورة "التأكد من سلامة التمديدات الغازية أو تمديدات تصريف الدخان، وخلوها من أي تسريب للغاز أو الدخان، وتثبيت قارورة الغاز خارج الحمام، وإقفالها بعد الانتهاء من استعمالها".

مصارف لبنان

في تحول تاريخي لعمل القطاع المصرفي اللبناني، أقرّ مجلس النواب الخميس تعديلات على قانون السرية المصرفية تسهّل للهيئات الناظمة الحصول على كامل المعلومات المتعلّقة بالحسابات.

جاءت الخطوة تلبية لمطلب رئيسي من مطالب صندوق النقد الدولي.

واعتبر رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، القرار "خطوة ضرورية نحو الإصلاح المالي المنشود وركيزة أساسية لأي خطة تعافٍ، ولكشف الحقائق" بشأن الأزمة المالية التي بدأت عام 2019.

والجمعة، نُشر في الجريدة الرسمية اللبنانية قانون تعديل بعض المواد المتعلقة بسرية المصارف في لبنان، بما في ذلك تعديل المادة 7 (هـ) و (و) من القانون المتعلق بسرية المصارف الذي أقرّ عام 1956، وكذلك تعديل المادة 150 من قانون النقد والتسليف الصادر في عام 1963، بموجب القانون رقم 306 الصادر في 28 تشرين الأول 2022.

وينص التعديل الجديد على تعديل المادة 7 (هـ) من القانون المتعلق بسرية المصارف بما يسمح بمشاركة معلومات مصرفية بين مصرف لبنان، ولجنة الرقابة على المصارف، والمؤسسة الوطنية لضمان الودائع، في إطار تعزيز مراقبة القطاع المصرفي وحماية النظام المالي. 

ويشمل التعديل أيضا صلاحيات تعديل وإنشاء مؤسسة مختلطة لضمان الودائع المصرفية.

أما المادة 7 (و) فتتيح للجهات المعنية، مثل مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف، طلب معلومات مصرفية محمية بالسرية دون تحديد حساب أو عميل معين. ويتيح التعديل إصدار طلبات عامة للحصول على معلومات عن جميع الحسابات والعملاء، إلا أن هذه الطلبات يمكن أن تكون قابلة للاعتراض أمام قاضي الأمور المستعجلة، ويخضع الاعتراض للأصول القانونية المتعلقة بالاعتراض على العرائض.

وفي ما يتعلق بالمادة 150 من قانون النقد والتسليف، تضمن التعديل رفع السرية المصرفية بشكل كامل وغير مقيد أمام مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف، بالإضافة إلى المدققين والمقيمين المعينين من قبل مصرف لبنان أو اللجنة.

وتشمل التعديلات الحسابات الدائنة والمدينة، سواء كانت ضمن أو خارج الميزانية، كما تتيح رفع السرية المصرفية عن سجلات ومستندات ومعلومات تعود إلى أشخاص معنويين أو حقيقيين يتعاملون مع المصارف أو المؤسسات المالية الخاضعة للرقابة. ويشمل تطبيق هذا التعديل بأثر رجعي لمدة عشر سنوات من تاريخ صدور القانون.

وقد شهد لبنان خلال الأسابيع الماضية نقاشات حادة، رأى فيها معارضون للخطوة أن هذا القانون ورفع السرية المصرفية طي لصفحة من تاريخ لبنان المالي العريق من خلال "إلغاء ميزة تفاضلية،" وبأن كشف الفساد ليس معطلاً بسبب السرية المصرفية.

ويرى المتحمسون للقانون أن من شأن التعديلات الجديدة تعزيز الشفافية في القطاع المصرفي في لبنان وتحسين مراقبة ومراجعة العمليات المصرفية، في وقت يشهد فيه القطاع المصرفي تحديات كبيرة في ظل الأزمة المالية المستمرة.

وأوضحت "المفكرة القانونية" وهي منظمة حقوقية غير حكومية، في بيان أصدرته أن التعديل يخوّل "الهيئات الرقابيّة والهيئات النّاظمة للمصارف، وتحديدًا مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف والمؤسسة الوطنية لضمان الودائع، طلب الحصول على جميع المعلومات المصرفية، من دون أن يربط طلب المعلومات بأيّ هدف معيّن، وإمكانية التدقيق في الحسابات بالأسماء، تصحيحا لقانون 2022" والذي تضمن بعض التعديلات.

يعتمد لبنان السرية المصرفية منذ عام 1956، وكان لذلك أثر كبير في جذب رؤوس الأموال والودائع وتوفير مناخ الاستقرار الاقتصادي. وبموجب هذا القانون تلتزم المصارف الخاضعة لأحكامه السرية المطلقة، إذ لا يجوز كشف السر المصرفي سواء في مواجهة الجهات الخاصة أو السلطات العامة، وسواء كانت قضائية أو إدارية أو مالية، إلا في حالات معينة في القانون وردت على سبيل الحصر، وهي:

1- إذن العميل او ورثته خطيًا.
2- صدور حكم بإشهار افلاس العميل.
3- وجود نزاع قضائي بينه وبين البنك بمناسبة الروابط المصرفية. 
4- وجود دعاوى تتعلق بجريمة الكسب غير المشروع. 
5- توقف المصرف عن الدفع، إذ ترفع في هذه الحالة السرية المصرفية عن حسابات أعضاء مجلس الإدارة والمفوضين بالتوقيع ومراقبي الحسابات. 
6- الاشتباه في استخدام الأموال لغاية تبييضها، وعندها ترفع السرية المصرفية بقرار من هيئة التحقيق الخاصة لمصلحة المراجع القضائية المختصة والهيئة المصرفية العليا، وذلك عن الحسابات المفتوحة لدى المصارف أو المؤسسات المالية.

وبالفعل ومنذ إقرار هذا القانون ازدهر القطاع المصرفي اللبناني واستطاع جذب رؤوس أموال، لكن كل ذلك تغير مع اندلاع الحرب الأهلية في منتصف السبعينيات، وبدأت الليرة اللبنانية رحلة الانهيار. خمسة عشر عاما من الاقتتال، انتهت بتسويات سياسية، تبعها نظام اقتصادي جديد، قاده منذ عام 1993 الراحل رفيق الحريري رئيسا للحكومة، ورياض سلامة حاكما لمصرف لبنان المركزي، سعيا وراء الاستقرار. 

وبعد أربع سنوات من استلام منصبه، نجح سلامة في تثبيت سعر العملة اللبنانية، عند 1500 مقابل الدولار الأميركي.

استمرت تلك المعادلة أكثر من عقدين، لكنها كانت تحتاج إمدادات لا تنقطع من العملة الصعبة للمحافظة على استمرارها. وفي محاولة لسد العجز، سعت المصارف اللبنانية لجذب حصيلة كبيرة من العملة الخضراء عبر تقديم فوائد مرتفعة على الودائع الدولارية، فوائد تراوحت بين 15 و 16 في المئة.

نتيجة للفوائد البنكية المرتفعة، شهدت ودائع القطاع المصرفي اللبناني نمواً سنوياً وصل ذروته بقرابة 12 مليار دولار خلال عام 2009.

أغرت الفوائد العالية المقيمين والمغتربين، ليصل إجمالي الودائع في المصارف اللبنانية إلى أكثر من 177 مليار دولار في نهاية نوفمبر عام 2018. 

منذ عام 2017، تراجع الاحتياطي في خزينة مصرف لبنان، رغم محاولات جذب الدولار. وفي صيف عام 2019، لاحت بوادر صعوبة في توافر الدولار في الأسواق اللبنانية، فارتفع سعر صرفه مقابل الليرة للمرة الأولى منذ أكثر من 20 عاما، ما دفع الحكومة لاتخاذ إجراءات استثنائية. لكن البعض يرى أن تلك القرارات جاءت متأخرة.

في أكتوبر 2019، انفجر الشارع اللبناني مطالبا بإسقاط السلطة السياسية، وأغلقت المصارف أبوابها، لكن تقارير صحفية تحدثت عن عمليات تحويل لأرصدة ضخمة الى خارج البلاد.

في تقرير لصحيفة فاينانشال تايمز البريطانية، نُشر في صيف 2020، فإنه، وفقا لكبير موظفي الخدمة المدنية المالية السابق في لبنان ومدير عام وزارة المالية السابق ألان بيفاني، قام مصرفيون بتهريب ما يصل إلى 6 مليارات دولار من لبنان منذ  أكتوبر 2019، في تحايل على الضوابط التي تم إدخالها لوقف هروب رأس المال، مع غرق البلاد في أسوأ أزمة مالية منذ ثلاثين 30 عاما، بينما بات مصير مليارات الدولارات مجهولًا. 

بدأت الأزمة المالية بالظهور تدريجيا، لكنها انفجرت حرفيا منذ اندلاع الاحتجاجات في شهر أكتوبر عام 2019. وتشير تقارير رسمية إلى أن أموالا طائلة تصل إلى مليارات الدولارات تم تحويلها إلى الخارج، بينما تم حجز ودائع صغار زبائن البنوك، من دون ضمانات لحماية ودائع المواطنين، ولا سيولة نقدية.

وتقدر تقارير دولية والمصرف المركزي اللبناني أن ودائع صغار زبائن البنوك بحوالي 121 مليار دولار منها ودائع لغير المقيمين تُقدّر بـ20 مليار دولار، وأصحابها لبنانيون وعراقيون ويمنيون وليبيون ومصريون ومن دول الخليج، إضافة لودائع للسوريين، يقدر المصرفيون بأنها أكثر من 3 مليارات دولار.

وفيما تجري التحقيقات حول آلية تهريب الأموال، لم يصل المحققون المحليون ولا حتى الدوليون إلى جواب شاف، لكن كانت دائما "المصالح المتشابكة داخل النظام اللبناني" جزءا من الجواب.

وتعتبر البنوك اللبنانية مرآة للنظام من حيث التقسيم الطائفي، فغالبيتها تابعة لجهات سياسية ومقربين منها، الأمر الذيث كان واضحا في انعدام الرقابة على عمليات إدخال أموال حزب الله المهربة أو غير الشرعية إلى هذه البنوك، مما يعني عمليات تبييض وشرعنة لهذه الأموال.

منذ منذ عام 2001، وضعت الولايات المتحدة حزب الله على قائمة المنظمات الإرهابية، وفرضت عليه عقوبات ضمن خطة لمكافحة تمويل الإرهاب. وفي هذا الإطار صدر قانون مكافحة تبييض الأموال رقم 44، عام 2015، والذي لم يتم تعطبيقه، واكتفى مصرف لبنان بتعاميم، لم تغير واقع الحال.

بدأ لبنان في يناير 2022 مفاوضات رسمية مع صندوق النقد الذي طالما شدد على أنه لن يقدم أي دعم طالما لم تقرّ الحكومة إصلاحات على رأسها تصحيح الموازنة وإعادة هيكلة القطاع المصرفي وإصلاح المؤسسات العامة والتصدي للفساد المستشري.

وأعلن الصندوق في أبريل من العام ذاته اتفاقا مبدئيا على خطة مساعدة بقيمة ثلاثة مليارات دولار على أربع سنوات، لكنّ تطبيقها كان مشروطا بإصلاحات لم يتم تنفيذ معظمها.

في سبتمبر عام 2024، أوقف الحاكم السابق لمصرف لبنان، رياض سلامة، وهو حتى اليوم قيد التحقيق في اتهامات بغسيل الأموال وشراء وبيع سندات خزينة الحكومة اللبنانية. ومنذ انهيار حزب الله اللبناني، في حربه مع إسرائيل، وصعود ما سمي بالعهد الجديد، أقرت حكومة نواف سلام مشروع قانون لإعادة هيكلة المصارف، استجابةً لمطالب صندوق النقد الدولي، الذي اشترط تنفيذ إصلاحات جذرية، بينها رفع السرية المصرفية، كشرط أساسي لأي دعم مالي للبنان، كما تأتي في ظل إدراج مجموعة العمل المالي (FATF) لبنان على اللائحة الرمادية بسبب ثغرات خطيرة في مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.

من المتوقع أن تسهم هذه التعديلات في تعزيز الشفافية المالية، ومكافحة الفساد وتبييض الأموال والتهرب الضريبي، كما يُتوقع أن تفتح الباب أمام إعادة هيكلة النظام المالي اللبناني بالكامل، واستعادة ثقة المجتمع الدولي، وتأمين الدعم المالي اللازم من الجهات المانحة.

إلا أن نجاح هذه الخطوة لا يقاس فقط بالكشف عن الحسابات، بل العبرة في التنفيذ في ظل نظام قضائي شبه مهترئ وتورط بعض من أصحاب النفوذ السياسي والمالي أنفسهم.

لبنان اليوم أمام مفترق طرق، فإما أن يسلك طريق العهد الجديد الذي وعد به اللبنانيون، أو يظل الفساد العنوان الأبرز في سياسات لبنان المالية المقبلة.