تسخين المياه في لبنان أضحى "ترفا" لا يمكن لكثيرين تحمل كلفت
تسخين المياه في لبنان أضحى "ترفا" لا يمكن لكثيرين تحمل كلفت

يتحضر اللبنانيون لاستقبال موسم الشتاء، من خلال تأمين وسائل تساعدهم على مواجهة برودة الطقس بأقل تكلفة ممكنة، لا سيما فيما يتعلق بالاستحمام، كون الاعتماد على سخانات المياه الكهربائية لم يعد بمقدور الغالبية العظمى من السكان، إذ باتت ترفاً يقتصر على ميسوري الحال، من هنا تم استرجاع وسائل قديمة "انقرضت" منذ زمن، وذلك رغم مخاطرها الكبيرة.

وفي ظل الانقطاع شبه التام للتيار الكهربائي، فإن تشغيل سخان المياه الذي يعمل على الكهرباء يقتصر على تيار المولدات الخاصة، وهو يحتاج إلى ما لا يقل عن ٥,٥ أمبير، بالتالي على من يريد الاستمرار بالاعتماد عليه، ألا يقل اشتراكه عن عشرة أمبير، بكلفة تقارب نحو 240 دولار شهرياً، حيث أن الفاتورة تختلف من منطقة إلى أخرى.

والأرقام الخيالية لاشتراكات المولدات الخاصة التي تتجاوز الحد الأدنى للأجور بأضعاف، دفع بعدد كبير من اللبنانيين إلى الاستغناء عنها، منهم من أجبر على البقاء في العتمة والعودة إلى العصر الحجري، ومنهم من سمحت له ظروفه المادية بتركيب ألواح طاقة شمسية سواء بدفعة واحدة نقدا أو بالتقسيط أو عن طريق الاستدانة، لكن حتى هذا الخيار قد لا يلبي تشغيل سخانات المياه.

ومن الوسائل التي اضطر اللبنانيون للجوء إليها كي لا يشعروا بالبرد أثناء الاستحمام، هي سخانات المياه على الغاز، حيث برزت من جديد في الأسواق، وبدأت بالانتشار في ظل الطلب الكثيف عليها رغم أنها قنابل موقوتة إذا ما أسيء استعمالها أو تعرضها لأي خلل، ومن لا يستطيع دفع ثمنها عاد إلى تسخين الماء بالإناء.

لبنانيون يلجؤون إلى استخدام الأواني لتسخين المياه

"اختراع سحري".. ولكن

سمع "محمد" بسخان المياه على الغاز عن طريق الصدفة من أحد أصدقائه الذي قام بتركيبه في منزله، حيث تحدث أمامه عن إيجابياته الكثيرة.

ويقول: "بمجرد فتح قارورة الغاز تسخن المياه على الفور، من دون أن يتم الانتظار لساعة وأكثر كما حال سخانات المياه على الكهرباء، إضافة إلى أن ثمنه مقبول، حيث يتوفر في الأسواق بعدة أسعار بحسب نوعية الجهاز، كما أن تركيبه سهل، وقد قام بذلك أحد معارفي رغم أنه لا يعمل في مجال الأدوات الصحية".

ولا توجد في حمام "محمد" شرفة صغيرة لتثبيت المدخنة، ومع هذا لم يبال بالأمر فوجهها إلى داخل الحمام، دون أن يعي خطورة الأمر.

ويؤكد أنه "ليس لدينا خيار آخر لكي ننعم بحمّام دافئ، فسخان المياه على الكهرباء لا يمكن تشغيله على نظام الطاقة الشمسية، الذي سبق أن لجأنا إليه كحل لمشكلة انقطاع كهرباء الدولة وارتفاع فاتورة المولدات الخاصة، وذلك كون فعالياته في تخزين الطاقة تتراجع في فصل الشتاء نتيجة تراجع حدة الشمس، في حين أن قارورة غاز واحدة تكفيني وعائلتي للاستحمام طوال الشهر، هذا إن استخدمناها لنحو ثلاث مرات في اليوم".

وعبّر محمد عن رضاه التام لما أسماه بـ "الاختراع السحري"، مشددا على أنه "متيقظ لكل مخاطره، وأنا أتفقد بشكل دائم قارورة الغاز، للتأكد من عدم حصول أي تسرّب منها".

وحول مدخنة السخان والانبعاثات الصادرة عنها، قال: "لا تتجاوز مدة استحمام الشخص خمس دقائق، وهي فترة قصيرة تحول دون التعرض للاختناق".

بعض اللبنانيين لا يمكنهم تحمل كلفة سخانات المياه

وبات حلم اللبنانيين أن ينعموا بكهرباء الدولة ولو لساعة واحدة في اليوم، لكي يتمكنوا من تشغيل الأدوات الكهربائية التي تحتاج إلى عدد كبير من الأمبير، هذا الحلم سيصبح واقعاً إذا ما تم تطبيق الخطة الجديدة التي تحدث عنها وزير الطاقة في حكومة تصريف الأعمال، وليد فياض.

وتهدف الخطة إلى تأمين التيار الكهربائي لما بين 8 إلى 10 ساعات يومياً، إلا أن التعرفة ستشهد كذلك ارتفاعا كبيراً، إذ بعد أن كانت كلفة الكيلوواط ساعة بـ135 ليرة لبنانية، ستصبح 10 سنتات لأول 100 كيلوواط ساعة، و27 سنتاً لباقي الاستهلاك، كما سيفرض دفع 21 سنتاً كتعرفة شهرية ثابتة لكل أمبير، و4,3 دولارات بدل تأهيل، وستحتسب بالليرة وفق سعر صرف منصة "صيرفة".

وإلى حين البدء بالخطة الجديدة، فإن الإقبال مستمر على سخانات المياه على الغاز، كونه الحل العملي والأوفر بنظر الكثيرين في ظل الظروف التي يعيشونها، حيث أن سعر قارورة الغاز يبلغ 434 ألف ليرة، وهو رقم غير ثابت حيث يتأرجح مع سعر النفط عالميا، وسعر صرف الدولار في السوق السوداء.

منذ سنة بدأ صاحب مؤسسة "مكداشي" لبيع الأدوات الصحية، طارق مكداشي، باستيراد سخانات المياه على الغاز، ويقول: "لا أحد يمكنه تصديق مدى الإقبال عليها، فمنذ ثلاثة أشهر بدأ الطلب يزيد عليها وهو مستمر بوتيرة تصاعدية كلما ازدادت برودة الطقس".

من مصر وتركيا والصين وألمانيا وغيرها من الدول، يتم استيراد هذه الأجهزة التي تنقسم إلى مجموعتين، منها لتسخين 10 لتر من المياه ومنها لـ 6 لتر، وعلى أساس بلد المنشأ وقدرتها على التسخين يتراوح سعرها ما بين 135 دولار و500 دولار، بحسب ما يقوله مكداشي لموقع "الحرة".

وأشار إلى أن "تركيب الجهاز تنطبق عليه مقولة 'السهل الممتنع'، فعلى الرغم من أن الأمر بسيط، إلا أن هناك أموراً فنية يجب إيلاؤها أهمية كبيرة كونها تتعلق بالسلامة"، مؤكدا ضرورة "توخي أقصى درجات الحذر وعدم الاتكال على كون الجهاز مزودا بنظام أمان".

وتخشى "سعاد" كثيرا من كل ما له علاقة بمادة الغاز، إلا أن الظروف أجبرتها على شراء هذا الجهاز، وهي تنتظر  أن يتم تركيبه، وتقول: "أردت أن أتحضر لفصل الشتاء، وبما أني لا أستطيع تشغيل سخان المياه على الكهرباء كوني لا أستطيع سوى الاشتراك بخمسة أمبير التي بالكاد أتمكن من تأمين ثمنها، لم أجد أمامي سوى هذا الخيار".

وتضيف: "أعلم أني أضع قنبلة موقوتة في منزلي، يجب التعامل معها بحذر، لكن هذا ما أوصلنا إليه المسؤولون اللبنانيون، فقد دفعونا إلى وضع أنفسنا وعائلاتنا في خطر لا تحمد عقباه، لتأمين أبسط حقوقنا وحقوق أطفالنا، فأنا والدة لثلاثة أبناء أخشى عليهم من المرض فيما لو استحموا بمياه باردة، في وقت الطبابة فيه مكلفة جداً سواء معاينة الطبيب أو الفاتورة الاستشفائية أو ثمن الأدوية".

العودة إلى العصر الحجري

سخان المياه على الغاز سلاح ذو حدين، بحسب ما يؤكد رئيس شعبة الخدمة والعمليات في الدفاع المدني، منصور سرور، شارحا: "هو آمن بشرط عدم الاستهتار بمخاطره، من هنا يجب بداية اختيار جهاز ذو جودة عالية، وإسناد مهمة تركيبه إلى اختصاصي، للتأكد من صلاحية صمام الأمان، ووضعه في مكان غير مغلق أي في غرفة جيدة التهوئة، وأن يكون أمام مرأى أفراد المنزل، وإجراء صيانة دورية له لتجنب حصول أي تسرب لمادة الغاز الخطرة التي تتسبب بالموت في حال استنشاقها، ولا ننسى احتمال حصول انفجار نتيجة تسرب الغاز لمدة طويلة، ما يشكل خطرا على جميع أفراد العائلة". 

ويشدد سرور في حديث لموقع "الحرة" على ضرورة "تثبيت مدخنة الجهاز خارج الشرفة، كون الغاز المنبعث من عملية تسخين المياه، هو غاز الكربون السام، الذي في حال استنشاقه بكمية كبيرة يؤدي إلى تلف خلايا المخ وبالتالي الإصابة بإعاقة دائمة أو مفارقة الحياة، حيث يشعر الشخص بداية بارتخاء في أعصابه وعدم قدرته على التحرك، من هنا يجد صعوبة في طلب النجدة من الموجودين في المنزل لإنقاذه".

وينصح سرور في حال وجود رائحة غاز بـ "عدم إضاءة أو إطفاء الأنوار، وعدم إشعال أي شيء ممكن أن يولد شرارة (كبريت، ولاعة، شمعة)، كذلك إقفال قارورة الغاز وفتح النوافذ وأبواب الشرفات وباب المدخل للتهوية".

ولم يجد بعض اللبنانيين وسيلة لحل معضلة تأمين مياه ساخنة للاستحمام سوى بالعودة إلى تسخينها من خلال الغاز المنزلي، منهم عمر لبابيدي، الذي نشر صورة حول ذلك على صفحته عبر موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" عبّر من خلالها عن معاناة معظم اللبنانيين.

وفي حديث مع موقع "الحرة" أكد لبابيدي أنه لم يستبعد فكرة شراء سخان ماء على الغاز، إلا أنه لم يقدم على ذلك لسببين "الأول ارتفاع ثمنه، والثاني خشية زوجته من مخاطر انفجاره رغم تزويده بصمام أمان".

ويضيف "عندما كنا ننعم بكهرباء الدولة لساعة أو ساعتين يوميا، كنا نستطيع تدبير أمورنا، حيث قمت بتركيب resistance (مقاوِم) يسرّع من عملية تسخين المياه، لكن مع صفر كهرباء لم يعد هذا الحل يجدي نفعاً، وها نحن نأمل خيراً بتحسن الوضع مع تداول الحديث عن خطة وزير الطاقة".

كذلك أكد الناشط طارق أمون، أن عددا كبيرا من سكان قريته ايزال في الضنية شمال لبنان عادوا إلى تسخين الماء بالإناء، لكن من خلال الحطب، رغم المخاطر الكبيرة على الأطفال،  شارحاً في حديث لموقع "الحرة" أن "إشعال النار ووضع القدر في مكان منخفض، لا بل قريب من مستوى الأرض قد يتسبب بإحراق طفل يلعب في المكان، أو دفعه فضوله إلى الاقتراب منه".

ويضيف "لم تترك السلطة اللبنانية للناس سوى حلولا مضى عليها الدهر، أعادتهم عشرات السنوات إلى الوراء، فهل من يصدق أن هناك من لا يملك حتى ثمن الاشتراك بمولد حتى لكسر عتمة منزله ليس أكثر". 

وأشار أمون كذلك إلى خطر آخر يتعلق بكافة سخانات المياه سواء كانت على الكهرباء أو المازوت أو الحطب، "التي تفتقد إلى الصيانة، إما بسبب الجهل، أو الإهمال، أو لعدم توفر القدرة المادية"، وهو ما سبق أن أشارت إليه منذ سنوات، دراسة أجرتها اللجنة اللبنانية للوقاية من الحرائق بالتعاون مع مؤسسة الابحاث العلمية، حول أسباب أخطار سخانات المياه وكيفية الوقاية منها، حيث ذكّرت بضرورة تبديل سخانات المياه في حال تلفها، وأشارت إلى أهمية إجراء صيانة دورية لها.

وقالت اللجنة: "ينفجر سخان المياه في المنازل لعطل في جهاز تنظيم درجة الحرارة "الثرموستات" أو عدم وصول الماء إلى السخان بطريقة منتظمة، كما يمكن أن يسبب سخان المياه الاختناق لأفراد المنزل بسبب تسرب الغاز من القارورة أو من أنابيب التوصيل، أما بالنسبة للسخانات العاملة على الحطب قد يصاب سكان المنزل بالاختناق نتيجة لاحتراق الحطب أو الناريت".

وأوصت بضبط حرارة المياه بواسطة "الثرموستات" على درجة حرارة أقل من 70 درجة مئوية، وتنظيف جهاز تسخين المياه الكهربائي (Resistance) دورياً، أو استبداله بآخر جديد عند الضرورة".

كما دعت إلى "الصيانة الدورية لصمّام الأمان والتأكد من انتظام عمله، ومن وصول المياه إلى السخّان باستمرار، إضافة إلى فصل التيار الكهربائي في حال انقطاع المياه عن السخان، أو في حال عدم استعماله، وعدم تمديده على الأرض، بسبب انخفاض السقف، إذا كان من النوع الذي يجب تثبيته بشكل عامودي، كما يفضَّل استعمال سخان مياه ذو سماكة معدنية 3 ملم".

كما شددت على ضرورة "التأكد من سلامة التمديدات الغازية أو تمديدات تصريف الدخان، وخلوها من أي تسريب للغاز أو الدخان، وتثبيت قارورة الغاز خارج الحمام، وإقفالها بعد الانتهاء من استعمالها".

سلاح حزب الله

الحوار، والاستراتيجية الدفاعية، مفردات خطاب لطالما استخدمته السياسة اللبنانية في نقاش ملف سلاح حزب الله، لكن هل تملك الدولة رفاهية الوقت لإدارة حوار ونقاش استراتيجيات، أم أن الخيارات تصبح أكثر كلفة وتداعياتها أقل قابلية للتحكّم؟

المجتمع الدولي يشترط بسط السيادة الكاملة للدولة اللبنانية على كامل أراضيها كمدخل أساسي لأي دعم سياسي أو اقتصادي، فيما تحذر إسرائيل من أنها "ستنفذ المهمة" بنفسها، في حال استمر "تقاعس الدولة".

فهل لا يزال الانتظار خياراً قابلاً للصرف في ميزان التطورات الإقليمية والدولية؟ وهل يُمكن للتعويل على عامل الوقت أن يصمد طويلاً في وجه التحوّلات المتسارعة؟

مصادر تتحدث للحرة عن مؤشرات على نهج جديد.

قنبلة موقوتة

الوقت يداهم لبنان، تؤكد عضو كتلة "الجمهورية القوية" النائب غادة أيوب.

وتشرح "لبنان يعيش تحت وطأة سلاح غير شرعي منذ سنوات، وهذا السلاح جرّ علينا الويلات، من عزلة عربية ودولية، إلى انهيار اقتصادي، إلى تهديد دائم للسلم الأهلي".

ومن يظن "أن ملف السلاح غير الشرعي هو بلا مهلة، واهم أو متواطئ"، تؤكد أيوب. "لأن استمرار سلاح حزب الله هو قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي وقت بوجه مشروع بناء الدولة وبوجه العهد، ولا يجوز لأي مسؤول في الدولة اللبنانية أن يدفن رأسه في الرمال".

وتشدد أيوب في حديث لموقع "الحرة" على أنه "لا مجال بعد الآن للتسويات ولا للتنازلات ولا يمكن أن يبقى هذا الموضوع موضوعًا مؤجّلًا أو قابلًا للمراوغة".

فالبلاد "أمام خطر دائم، ليس فقط على المستوى الأمني، بل على مستوى الاستقرار السياسي والاقتصادي والعلاقات الدولية".

حان "وقت التنفيذ"، تقول، لأنه "لا يمكن أن يُبنى وطن أو يُستعاد الاقتصاد في ظل دويلة ضمن الدولة".
والوقت "ليس مفتوحًا، وكل تأخير هو تراكم إضافي للأزمات".

تفكيك المخازن

من جانبه، يرى المحلل السياسي، المحامي أمين بشير، أن مقاربة الدولة اللبنانية لملف سلاح حزب الله تشهد تحوّلاً جذرياً، "فبعد أن كان هذا الملف يطرح في إطار الاستراتيجية الدفاعية والحوار الوطني، جاءت زيارة المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس إلى بيروت لتحدث نقطة تحوّل مفصلية في مسار التعاطي مع هذا الملف".

الزيارة الأميركية الأخيرة حملت رسالة واضحة، كما يقول بشير لموقع "الحرة"، "مفادها أن أي خطوة تتعلق بتفكيك أو تسليم سلاح حزب الله يجب أن تكون معلنة للرأي العام، لا أن تبقى طي الكتمان. هذا الطرح، لم يكن تفصيلاً، بل كان بمثابة فرض واقع جديد على الدولة اللبنانية، سرعان ما تجلّى بالإعلان عن تفكيك 193 مخزناً من أصل 260 تابعاً لحزب الله، وفق ما كشفه مصدر عسكري لأحد الصحفيين".

ويضيف بشير "هذا التطوّر شكّل صدمة للرأي العام، الذي اعتاد سماع وعود مكرّرة بالحوار دون نتائج ملموسة، وسط نفي دائم من حزب الله لأي نية لتسليم السلاح. لكن ما كان يدار في الغرف المغلقة خرج فجأة إلى العلن، وأصبح تفكيك المخازن مسألة لا تحتمل التعتيم".

حلقة مفرغة؟

سياسة كسب الوقت، أو ما يسمى بسياسة "النعامة"، وفق ما تصف أيوب لا تحمي لبنان، بل تعرّضه كما تقول "أكثر فأكثر للخطر. حزب الله لا ينتظر الدولة ليقرر خطواته، بل يورّط لبنان بقرارات لصالح إيران ومن إيران من دون الرجوع إلى المؤسسات الدستورية". 

"هذا الواقع،" يضيف، "يفتح الباب على مصير مجهول، وربما مواجهة عسكرية تُفرض على اللبنانيين جميعاً من دون رأيهم أو موافقتهم. وحدها الدولة، من خلال قرارها السيادي، تستطيع أن تحمي لبنان، لا الميليشيات".

وتشدد أيوب "نحن مع الحوار، لكن ليس الحوار الذي يطالبون به حول موضوع السلاح لأن الحوار لا يمكن أن يكون غطاءً للشلل أو للاستمرار في الأمر الواقع. إن تجربة السنوات الماضية أثبتت أن طاولات الحوار و'الاستراتيجية الدفاعية' تحوّلت إلى عنوان للاستهلاك الداخلي من دون أي تقدّم فعلي، بل أتت بمفاعيل عكسية وكارثية على البلد ولم تكن سوى وسائل استفاد منها حزب الله لكسب الوقت وللانقضاض على ما تبقى من هيبة الدولة".

"كل طاولات الحوار التي شارك فيها حزب الله انقلب عليها مباشرة"، تقول أيوب. وتوضح "أسقط حوار 2006 عبر حرب يوليو، وأسقط حوار سان كلو 2007 عبر اجتياح بيروت في العام التالي، وأسقط حوار الدوحة 2008 عبر تعطيل الحكومة والسلطة التنفيذية، وأسقط حوار بعبدا 2012 عبر مشاركته في الحرب السورية، وأسقط حوار بعبدا 2017 عبر تمسّكه بالسلاح، وأسقط حوار بعبدا 2019 عبر ضرب النظام المالي، وهذه بعض الأمثلة". 

"لذلك، لا يمكن أن نتوقع من حزب الله أن يتخلى عن سلاحه طوعاً، لكن لا يمكن أيضًا للدولة أن تستسلم لهذا الواقع. المطلوب ضغط سياسي وشعبي ودولي، وموقف وطني موحّد، لاكتساب السيادة كاملة. وهذه ليست مهمة مستحيلة، لكنها تتطلب قراراً".

الحوار حول التنفيذ فقط

أما بشير فيشير إلى تراجع بعض رؤساء الأحزاب عن تحفظاتهم حول الحوار، إثر اتصالات مباشرة مع رئيس الجمهورية "الأخير أوضح أن الحوار لا يعني العودة إلى طاولة وطنية جامعة، بل هو حوار مباشر بينه وبين حزب الله، لبحث آليات تسليم السلاح: هل يسلّم للجيش؟ هل يعاد إلى إيران؟ أم يفكك بطريقة أخرى؟

هذا التوضيح، وفق بشير، "أزال القلق من احتمال العودة إلى الحلقة المفرغة من الحوارات، وفتح الباب أمام نقاش جدي في تنفيذ القرار 1701 بشكل فعلي لا شكلي".

الموقف الدولي واضح وصارم تجاه لبنان كما يشدد بشير "لا مساعدات، لا إعادة إعمار، ولا دعم استثماري أو اقتصادي، من دون حل جذري لملف سلاح حزب الله. هذا ما عبّرت عنه بوضوح الدول الخليجية، والدول الأوروبية، والإدارة الأميركية، التي لم تعد تقبل بتسويف أو مماطلة".

كذلك تؤكد أيوب أن "المجتمع الدولي ينظر إلى هذا الملف كأحد الأسباب الأساسية لفشل الدولة اللبنانية في استعادة سيادتها واستقرارها". وتقول "هناك قناعة متزايدة لدى المجتمع الدولي أن غياب القرار الحاسم في هذا الملف ينعكس سلباً على كل مسار الدعم والمساعدة". 

"هذا التردّد قد لا يُفهم على أنه حكمة، بل على أنه عجز أو تواطؤ. وإذا لم تُظهر الدولة إرادة فعلية في معالجة السلاح غير الشرعي، فإن أي مساعدة دولية ستبقى مشروطة ومحدودة".

منظومة هيمنة

من جانبه، يرى بشير أن المشكلة لا تتعلق فقط بالسلاح كرمز للهيمنة، "بل بحزب الله كمنظومة متكاملة تهيمن على مفاصل الدولة، اقتصادياً وأمنياً وحتى قضائياً.

ويقول "نحن لا نتحدث فقط عن سلاح، بل عن شبكة مصالح موازية تنخر جسم الدولة من الداخل"، في إشارة إلى مؤسسات الحزب المالية، "كمؤسسة القرض الحسن، وشبكة المؤسسات الموازية التي أنشأها في قطاعات الكهرباء، والمرافئ، وحتى القضاء".

لبنان اليوم، كما يقول بشير، يقف بين خيارين "إما نجاح المفاوضات الأميركية–الإيرانية وانعكاساتها الإيجابية على الداخل اللبناني، وإما انفجار عسكري جديد في حال فشلها، فيما إسرائيل تترقب لاستغلال أي فراغ لتبرير تدخلها العسكري، تحت ذريعة بناء حزام أمني لسكان شمالها".

من هنا، يحذّر من الاكتفاء بدور المتفرّج على طاولة المفاوضات. ويشدد على ضرورة أن "تمتلك الدولة اللبنانية، ممثلة بالرئيس والحكومة، موقفاً وطنياً واضحاً حيال هذا الملف، لا يقتصر فقط على المهلة الزمنية، بل يتجاوزها إلى ما بعدها. يجب أن نكون جاهزين للاستفادة من الفرص أو مواجهة التحديات، لا أن نكون مجرد ضحايا على طاولة مفاوضات تدار من الخارج".

ويختم بشير بالتأكيد على أن تفكيك منظومة حزب الله ليس مجرد مطلب سياسي، "بل ضرورة لبناء دولة حديثة قادرة على استعادة سيادتها وثقة المجتمع الدولي بها، ويقول "لبنان لا يمكن أن ينهض طالما هناك مجموعة مذهبية تعمل وفق نظام مصالح خاص، وتخضع لسلطة خارجية. المطلوب ليس فقط نزع السلاح، بل تفكيك كامل للشبكات الرديفة التي أضعفت الدولة ودمّرت مؤسساتها".