لبنان/ معيشة/ غلاء
أدى الانهيار المالي الذي يشهده لبنان إلى توسع دائرة الفقر في البلاد

فرضت الأزمة الاقتصادية على اللبنانيين، أن يكونوا جميعهم " مليونيرات" كي يتمكنوا من تأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة، فمع انهيار سعر صرف العملة المحلية أمام الدولار وما ينتج عنه من ارتفاع للأسعار، أصبحت كلفة المعيشة بملايين الليرات.

خلصت دراسة أجرتها "الدولية للمعلومات" حول الكلفة الأدنى لمعيشة أسرة لبنانية مؤلفة من 4 أفراد مع الأخذ بعين الاعتبار الفروقات بين السكن في القرية أو المدينة، وبين التملّك والاستئجار، إلى أن كلفة المعيشة تتراوح بين 20 مليون و26 مليون ليرة شهرياً بالحدّ الأدنى، وبمتوسط 23 مليون ليرة شهرياً.

أدى الانهيار المالي الذي تشهده البلاد إلى توسع دائرة الفقر حيث باتت تشمل 80 بالمئة من اللبنانيين، فإلى حد الآن خسرت الليرة نحو 95 بالمئة من قيمتها أمام الدولار الذي تجاوز عتبة الـ 40 ألف ليرة، ما انعكس على كل جوانب الحياة، وما زاد الطين بلة عجز المودعين عن سحب أموالهم من المصارف بسبب قيود ناتجة عن شح السيولة، حيث تم تحديد سقف للسحوبات المالية لاسيما بالدولار.

تحت شعار "الكرامة للجميع"، أحيت الأمم المتحدة، يوم أمس الاثنين، اليوم العالمي للقضاء على الفقر للعام 2022 - 2023، وكما قالت في بيان فإن "كرامة الإنسان ليست حقاً أصيلا وحسب، بل هي الأساس لكافة الحقوق الأساسية الأخرى. ولذا، فإن الكرامة، ليست مفهوماً مجرداً فهي حق إنساني لكل فرد على هذه البسيطة. واليوم، يعاني العديد من الذين يعايشون الفقر المزمن من الحرمان من كرامتهم، وغياب احترامها".

تحديد المسؤوليات

أشارت "الدولية للمعلومات" إلى أن البعض قد يعتبر أن كلفة المعيشة التي توصلت إليها في دراستها، أي ما بين 20 و26 مليون ليرة شهرياً بالحدّ الأدنى، هي أدنى بكثير من الكلفة الفعلية والحقيقية، لذلك شددت على أنها استندت على التالي:

- السكن: الحد الأدنى لإيجار المنزل في القرية هو نحو 2 مليون ليرة ويصل في المدينة الى ما بين 5 ملايين- 10 ملايين ليرة وربما أكثر تبعاً للمنطقة ووضعية ومساحة المسكن. (علماً أن الأسعار أصبحت تحدد الان بالدولار النقدي) هذا من دون احتساب كلفة المياه التي لا تصل الى المنازل في فصلي الصيف والخريف.

- الكهرباء: لأن كهرباء الدولة لا تعرفها أكثرية اللبنانيين إلا نادراً فيعتمدون على المولدات الخاصة والكلفة الأدنى شهريا هي 2 مليون ليرة وقد تصل الى 8 ملايين ليرة.

- التعليم في المدرسة الرسمية، وأن تكون قريبة من مكان السكن أي لا توجد كلفة نقل ويذهب الطلاب مشياً على الاقدام.

- السلة الغذائية: الحد الأدنى من الطعام مثلا لو افترضنا أن الاسرة تناولت طيلة الشهر البيض بمعدل 6 بيضات للفرد يومياً تصل الكلفة الى 4 مليون ليرة شهرياً إضافة الى الخبز بكلفة 600 ألف ليرة وجرة الغاز بكلفة 450 ألف ليرة.

- المواصلات: حالياً تبلغ كلفة الكم الواحد لسيارة تستهلك 20 ليتر/ 170 كلم، نحو 5,000 ليرة أي ان السيارة تقطع شهرياً مسافة 400 كلم وهي الحد الأدنى.

- الصحة: تم اعتماد الكلفة الأدنى لانه في حال تعرض المواطن لأزمة صحية فإن الفارق بين تعرفة الضمان وتعرفة المستشفى يصل إلى أكثر من 100 مليون ليرة.

- في الكساء اعتمدت أيضاً على الحد الأدنى وشراء الملابس والاحذية من المحلات الشعبية الرخيصة أو من محلات بيع الألبسة المستعملة التي تكاثرت في الفترة الماضية.  

قبل سنة، أعد الباحث الاقتصادي البروفيسور جاسم عجاقة دراسة توصلت إلى أن كلفة معيشة عائلة مؤلفة من أربعة أفراد، هي 20 مليون ليرة، وهي نتيجة مقاربة لما توصلت إليه "الدولية للمعلومات"، وإن كان سعر صرف الدولار ارتفع بشكل كبير منذ سنة إلى اليوم.

يحمّل عجاقة ارتفاع كلفة المعيشة الجنوني إلى الحكومة اللبنانية بالدرجة الأولى، حيث أن مهمة أي حكومة في العالم، ضمان استقرار الأسعار وتأمين وظائف للمواطنين كي يتمكنوا من العيش بكرامة، وعلى عكس ما يعتقده بعض اللبنانيين من أن ما يحصل خارج عن سلطتها، فإنه على الأقل هناك جزء خاضع لها، منه ما يتعلق بالرقابة ومحاربة تطبيقات دولار السوق السوداء، والضغط لإصدار قانون يلغي الاحتكار ويعزز التنافسية".

فيما يتعلق بالرقابة يشرح الباحث الاقتصادي لموقع "الحرة" "إضافة إلى التهريب فإن ارتفاع الأسعار اصطناعي، الهدف منه تحقيق التجار مزيدا من الأرباح، فعند ارتفاع دولار السوق السوداء يسارع التجار إلى رفع أسعار سلعهم من دون أن يخفضونها عند تراجع سعر الصرف، الأمر يتعلق بكافة السلع باستثناء البنزين كون الأضواء الإعلامية مسلّطة عليه".

بعد التجار يعود ارتفاع الأسعار كما يقول عجاقة إلى دولار السوق السوداء، ومن خلفه من يشغلون التطبيقات الخاصة به التي باتت تتحكم بكافة تفاصيل حياة اللبنانيين، فسعر الدولار غير ناتج عن عرض وطلب حقيقيان، بل عن فساد وحسابات سياسية وتهريب عبر الحدود"، أما العامل الثالث المسؤول عن ارتفاع الأسعار فهو "التشريع" وبالتحديد عدم إلغاء قانون الاحتكار، واستبداله بقانون التنافسية الذي أصبح ضرورة قصوى في ظل نظام اقتصادي حر كما هو منصوص عليه في الدستور اللبناني. 

هذه العوامل الثلاثة هي تحت سلطة الحكومة التي لا تتخذ أي إجراء لمحاربتها والقضاء عليها، بحسب الباحث الاقتصادي "فلا تفعّل أجهزتها الرقابية، لا بل للأسف العديد من التجار محميين من أصحاب النفوذ، وفوق هذا أعلنت عجزها عن وقف تطبيقات الدولار، رغم أن ذلك غير صحيح، فهناك حلول تقنية تمتلكها لمحاربتها، كما بإمكانها الضغط على المجلس النيابي لإقرار قانون تنافسي عصري يعاقب التجار".

تحذير من القادم

تطرقت دراسات عدة إلى كلفة المعيشة في لبنان في ظل الأزمة الاقتصادية، ومع هذا يرى رئيس جمعية حماية المستهلك الدكتور زهير برو، أنه لا يوجد أرقام دقيقة، وإن كان يمكن حساب الكلفة كما يقول لموقع "الحرة" من خلال اعتبار أن العائلة المؤلفة من أربعة أشخاص كانت تحتاج قبل الأزمة إلى مليوني ليرة، أي 1300 دولار، لتأمين كفاف يومها، أما اليوم فإن الـ1300 دولار تعادل نحو 53 مليون ليرة، في وقت لم تكن تكلفة الكهرباء مرتفعة سابقاً كما نشهده الآن، بالتالي حتى المبلغ الذي أشرنا إليه لا يعبر عن الواقع"، ويشدد "نحن أمام حالة غريبة من نوعها، تطرح علامات استفهام، منها كيف يتمكّن اللبنانيون من العيش في ظل هذا الوضع"؟

طال التضخم جميع السلع في لبنان، لا سيما الغذاء إلى درجة ان لبنان احتل المرتبة الأولى عالمياً على مؤشر البنك الدولي متخطياً زيمبابوي التي جاءت في المرتبة الثانية، وفنزويلا في المركز الثالث. 

من تداعيات الأزمة التي انعكست بشكل كبير على حياة اللبنانيين تلك المتعلقة بمشكلة السكن، وتعليقاً على الأرقام التي اشارت اليها "الدولية للمعلومات" قال رئيس نقابة مالكي العقارات والأبنية المؤجرة باتريك رزق الله "يراعي المالكون الظروف، وإن كان البدل الذي يحصلون عليه غير منطقي، حيث يجب أن يتقاضوا بدلاً أعلى بكثير، فهل يعقل أن يكون بدل ايجار المنزل على سبيل المثال 5 ملايين ليرة، وفاتورة اشتراك المولد بين 3 ملايين و4 ملايين ليرة، ما يعني أن المالك أصبح يؤجر منزله من أجل أن يدفع فاتورة الكهرباء"!

يعادل بدل الإيجار بحسب المعيار العالمي 6 أو 7 بالمئة من قيمة الشقة سنوياً، فإذا كان ثمنها كما يقول رزق الله لموقع "الحرة" "100 ألف دولار، يكون بدل ايجارها السنوي 6000 دولار، أي 500 دولار شهرياً، لكن في ظل التخبط الحاصل والتفلت بسعر صرف الدولار، غاب المعيار، وكما تخلت الدولة عن مسؤولياتها فيما يتعلق بالإيجارات القديمة، كذلك الحال الآن".

ويرى أن الحل الوحيد هو التسعير بالدولار، "لاسيما وأن هناك 90 ألف قسم ضمن بدلات الإيجارات القديمة، التي تتراوح بين 25 ألف و30 ألف ليرة شهرياً، ما يسبب كارثة ومأساة في الأقسام السكنية وغير السكنية، وهو ما يدفع بعض المالكين إلى استيفاء الإيجارات بالدولار لا سيما في العاصمة بيروت وضواحيها، لتعويض خسائر بدل ايجاراتهم القديمة، كي يتمكنوا من دفع الفواتير التي تم دولرتها، من مولد الكهرباء إلى التأمين الصحي والسلع الغذائية، وصولاً إلى الأقساط المدرسية التي أصبح جزء منه بالدولار وغيرها".

ويشدد رزق الله على أن "ما يحصل إعدام للمالكين وضرب لخدمة الإيجار، والحقيقة أنه لم يعد بإمكاننا الاستمرار على هذا النحو" مطالباً بتحرير الإيجارات غير السكنية بشكل سريع، وتفعيل اللجان القضائية فيما يتعلق بالإيجارات السكنية، لافتاً إلى أنه "لا الدولة تدفع لنا عبر صندوق دعم المستأجرين ولا المستأجر يدفع بحجة أن الصندوق يتحمل الزيادات الطارئة على بدلات الإيجار".

بدلاً من أن تتخذ الحكومة اللبنانية الإجراءات الصحيحة، التي تؤدي إلى خفض كلفة معيشة اللبنانيين، أقرت زيادة رواتب موظفي القطاع العام، بين 5 ملايين ليرة لبنانية و 12 مليون ليرة، وذلك بصورة استثنائية محدودة الزمن في موازنة 2022، ، وفي ذات الوقت اعتمدت سعر 15 ألف ليرة للدولار الجمركي حتى نهاية العام الحالي، عن ذلك علّق عجاقة " ثلاثة تريليون ليرة قيمة الأجور في القطاع العام، فمن أين ستدفع هذه الزيادة إذا كانت الدولة لا تجني أي إيرادات، وبالتالي ستطلب من المصرف المركزي تأمين الأموال، وبحكم أن لبنان توقف عن دفع سندات اليورو باوند، لن يكون أمامه سوى طباعة المزيد من العملة المحلية، ما يعني أننا سنواجه مرحلة جديدة من تضخم الأسعار".

الشلل السياسي للحكومة يمنعها من القيام بمهامها، بحسب ما يشدد عجاقة الذي ختم بالقول "المشكلة الكبرى ليست بالوضع الحالي لكن فيما ينتظرنا في المستقبل، إذ حينها كي سيتمكن اللبنانيون من الاستمرار في تأمين كلفة معيشتهم"!

مصارف لبنان

في تحول تاريخي لعمل القطاع المصرفي اللبناني، أقرّ مجلس النواب الخميس تعديلات على قانون السرية المصرفية تسهّل للهيئات الناظمة الحصول على كامل المعلومات المتعلّقة بالحسابات.

جاءت الخطوة تلبية لمطلب رئيسي من مطالب صندوق النقد الدولي.

واعتبر رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، القرار "خطوة ضرورية نحو الإصلاح المالي المنشود وركيزة أساسية لأي خطة تعافٍ، ولكشف الحقائق" بشأن الأزمة المالية التي بدأت عام 2019.

والجمعة، نُشر في الجريدة الرسمية اللبنانية قانون تعديل بعض المواد المتعلقة بسرية المصارف في لبنان، بما في ذلك تعديل المادة 7 (هـ) و (و) من القانون المتعلق بسرية المصارف الذي أقرّ عام 1956، وكذلك تعديل المادة 150 من قانون النقد والتسليف الصادر في عام 1963، بموجب القانون رقم 306 الصادر في 28 تشرين الأول 2022.

وينص التعديل الجديد على تعديل المادة 7 (هـ) من القانون المتعلق بسرية المصارف بما يسمح بمشاركة معلومات مصرفية بين مصرف لبنان، ولجنة الرقابة على المصارف، والمؤسسة الوطنية لضمان الودائع، في إطار تعزيز مراقبة القطاع المصرفي وحماية النظام المالي. 

ويشمل التعديل أيضا صلاحيات تعديل وإنشاء مؤسسة مختلطة لضمان الودائع المصرفية.

أما المادة 7 (و) فتتيح للجهات المعنية، مثل مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف، طلب معلومات مصرفية محمية بالسرية دون تحديد حساب أو عميل معين. ويتيح التعديل إصدار طلبات عامة للحصول على معلومات عن جميع الحسابات والعملاء، إلا أن هذه الطلبات يمكن أن تكون قابلة للاعتراض أمام قاضي الأمور المستعجلة، ويخضع الاعتراض للأصول القانونية المتعلقة بالاعتراض على العرائض.

وفي ما يتعلق بالمادة 150 من قانون النقد والتسليف، تضمن التعديل رفع السرية المصرفية بشكل كامل وغير مقيد أمام مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف، بالإضافة إلى المدققين والمقيمين المعينين من قبل مصرف لبنان أو اللجنة.

وتشمل التعديلات الحسابات الدائنة والمدينة، سواء كانت ضمن أو خارج الميزانية، كما تتيح رفع السرية المصرفية عن سجلات ومستندات ومعلومات تعود إلى أشخاص معنويين أو حقيقيين يتعاملون مع المصارف أو المؤسسات المالية الخاضعة للرقابة. ويشمل تطبيق هذا التعديل بأثر رجعي لمدة عشر سنوات من تاريخ صدور القانون.

وقد شهد لبنان خلال الأسابيع الماضية نقاشات حادة، رأى فيها معارضون للخطوة أن هذا القانون ورفع السرية المصرفية طي لصفحة من تاريخ لبنان المالي العريق من خلال "إلغاء ميزة تفاضلية،" وبأن كشف الفساد ليس معطلاً بسبب السرية المصرفية.

ويرى المتحمسون للقانون أن من شأن التعديلات الجديدة تعزيز الشفافية في القطاع المصرفي في لبنان وتحسين مراقبة ومراجعة العمليات المصرفية، في وقت يشهد فيه القطاع المصرفي تحديات كبيرة في ظل الأزمة المالية المستمرة.

وأوضحت "المفكرة القانونية" وهي منظمة حقوقية غير حكومية، في بيان أصدرته أن التعديل يخوّل "الهيئات الرقابيّة والهيئات النّاظمة للمصارف، وتحديدًا مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف والمؤسسة الوطنية لضمان الودائع، طلب الحصول على جميع المعلومات المصرفية، من دون أن يربط طلب المعلومات بأيّ هدف معيّن، وإمكانية التدقيق في الحسابات بالأسماء، تصحيحا لقانون 2022" والذي تضمن بعض التعديلات.

يعتمد لبنان السرية المصرفية منذ عام 1956، وكان لذلك أثر كبير في جذب رؤوس الأموال والودائع وتوفير مناخ الاستقرار الاقتصادي. وبموجب هذا القانون تلتزم المصارف الخاضعة لأحكامه السرية المطلقة، إذ لا يجوز كشف السر المصرفي سواء في مواجهة الجهات الخاصة أو السلطات العامة، وسواء كانت قضائية أو إدارية أو مالية، إلا في حالات معينة في القانون وردت على سبيل الحصر، وهي:

1- إذن العميل او ورثته خطيًا.
2- صدور حكم بإشهار افلاس العميل.
3- وجود نزاع قضائي بينه وبين البنك بمناسبة الروابط المصرفية. 
4- وجود دعاوى تتعلق بجريمة الكسب غير المشروع. 
5- توقف المصرف عن الدفع، إذ ترفع في هذه الحالة السرية المصرفية عن حسابات أعضاء مجلس الإدارة والمفوضين بالتوقيع ومراقبي الحسابات. 
6- الاشتباه في استخدام الأموال لغاية تبييضها، وعندها ترفع السرية المصرفية بقرار من هيئة التحقيق الخاصة لمصلحة المراجع القضائية المختصة والهيئة المصرفية العليا، وذلك عن الحسابات المفتوحة لدى المصارف أو المؤسسات المالية.

وبالفعل ومنذ إقرار هذا القانون ازدهر القطاع المصرفي اللبناني واستطاع جذب رؤوس أموال، لكن كل ذلك تغير مع اندلاع الحرب الأهلية في منتصف السبعينيات، وبدأت الليرة اللبنانية رحلة الانهيار. خمسة عشر عاما من الاقتتال، انتهت بتسويات سياسية، تبعها نظام اقتصادي جديد، قاده منذ عام 1993 الراحل رفيق الحريري رئيسا للحكومة، ورياض سلامة حاكما لمصرف لبنان المركزي، سعيا وراء الاستقرار. 

وبعد أربع سنوات من استلام منصبه، نجح سلامة في تثبيت سعر العملة اللبنانية، عند 1500 مقابل الدولار الأميركي.

استمرت تلك المعادلة أكثر من عقدين، لكنها كانت تحتاج إمدادات لا تنقطع من العملة الصعبة للمحافظة على استمرارها. وفي محاولة لسد العجز، سعت المصارف اللبنانية لجذب حصيلة كبيرة من العملة الخضراء عبر تقديم فوائد مرتفعة على الودائع الدولارية، فوائد تراوحت بين 15 و 16 في المئة.

نتيجة للفوائد البنكية المرتفعة، شهدت ودائع القطاع المصرفي اللبناني نمواً سنوياً وصل ذروته بقرابة 12 مليار دولار خلال عام 2009.

أغرت الفوائد العالية المقيمين والمغتربين، ليصل إجمالي الودائع في المصارف اللبنانية إلى أكثر من 177 مليار دولار في نهاية نوفمبر عام 2018. 

منذ عام 2017، تراجع الاحتياطي في خزينة مصرف لبنان، رغم محاولات جذب الدولار. وفي صيف عام 2019، لاحت بوادر صعوبة في توافر الدولار في الأسواق اللبنانية، فارتفع سعر صرفه مقابل الليرة للمرة الأولى منذ أكثر من 20 عاما، ما دفع الحكومة لاتخاذ إجراءات استثنائية. لكن البعض يرى أن تلك القرارات جاءت متأخرة.

في أكتوبر 2019، انفجر الشارع اللبناني مطالبا بإسقاط السلطة السياسية، وأغلقت المصارف أبوابها، لكن تقارير صحفية تحدثت عن عمليات تحويل لأرصدة ضخمة الى خارج البلاد.

في تقرير لصحيفة فاينانشال تايمز البريطانية، نُشر في صيف 2020، فإنه، وفقا لكبير موظفي الخدمة المدنية المالية السابق في لبنان ومدير عام وزارة المالية السابق ألان بيفاني، قام مصرفيون بتهريب ما يصل إلى 6 مليارات دولار من لبنان منذ  أكتوبر 2019، في تحايل على الضوابط التي تم إدخالها لوقف هروب رأس المال، مع غرق البلاد في أسوأ أزمة مالية منذ ثلاثين 30 عاما، بينما بات مصير مليارات الدولارات مجهولًا. 

بدأت الأزمة المالية بالظهور تدريجيا، لكنها انفجرت حرفيا منذ اندلاع الاحتجاجات في شهر أكتوبر عام 2019. وتشير تقارير رسمية إلى أن أموالا طائلة تصل إلى مليارات الدولارات تم تحويلها إلى الخارج، بينما تم حجز ودائع صغار زبائن البنوك، من دون ضمانات لحماية ودائع المواطنين، ولا سيولة نقدية.

وتقدر تقارير دولية والمصرف المركزي اللبناني أن ودائع صغار زبائن البنوك بحوالي 121 مليار دولار منها ودائع لغير المقيمين تُقدّر بـ20 مليار دولار، وأصحابها لبنانيون وعراقيون ويمنيون وليبيون ومصريون ومن دول الخليج، إضافة لودائع للسوريين، يقدر المصرفيون بأنها أكثر من 3 مليارات دولار.

وفيما تجري التحقيقات حول آلية تهريب الأموال، لم يصل المحققون المحليون ولا حتى الدوليون إلى جواب شاف، لكن كانت دائما "المصالح المتشابكة داخل النظام اللبناني" جزءا من الجواب.

وتعتبر البنوك اللبنانية مرآة للنظام من حيث التقسيم الطائفي، فغالبيتها تابعة لجهات سياسية ومقربين منها، الأمر الذيث كان واضحا في انعدام الرقابة على عمليات إدخال أموال حزب الله المهربة أو غير الشرعية إلى هذه البنوك، مما يعني عمليات تبييض وشرعنة لهذه الأموال.

منذ منذ عام 2001، وضعت الولايات المتحدة حزب الله على قائمة المنظمات الإرهابية، وفرضت عليه عقوبات ضمن خطة لمكافحة تمويل الإرهاب. وفي هذا الإطار صدر قانون مكافحة تبييض الأموال رقم 44، عام 2015، والذي لم يتم تعطبيقه، واكتفى مصرف لبنان بتعاميم، لم تغير واقع الحال.

بدأ لبنان في يناير 2022 مفاوضات رسمية مع صندوق النقد الذي طالما شدد على أنه لن يقدم أي دعم طالما لم تقرّ الحكومة إصلاحات على رأسها تصحيح الموازنة وإعادة هيكلة القطاع المصرفي وإصلاح المؤسسات العامة والتصدي للفساد المستشري.

وأعلن الصندوق في أبريل من العام ذاته اتفاقا مبدئيا على خطة مساعدة بقيمة ثلاثة مليارات دولار على أربع سنوات، لكنّ تطبيقها كان مشروطا بإصلاحات لم يتم تنفيذ معظمها.

في سبتمبر عام 2024، أوقف الحاكم السابق لمصرف لبنان، رياض سلامة، وهو حتى اليوم قيد التحقيق في اتهامات بغسيل الأموال وشراء وبيع سندات خزينة الحكومة اللبنانية. ومنذ انهيار حزب الله اللبناني، في حربه مع إسرائيل، وصعود ما سمي بالعهد الجديد، أقرت حكومة نواف سلام مشروع قانون لإعادة هيكلة المصارف، استجابةً لمطالب صندوق النقد الدولي، الذي اشترط تنفيذ إصلاحات جذرية، بينها رفع السرية المصرفية، كشرط أساسي لأي دعم مالي للبنان، كما تأتي في ظل إدراج مجموعة العمل المالي (FATF) لبنان على اللائحة الرمادية بسبب ثغرات خطيرة في مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.

من المتوقع أن تسهم هذه التعديلات في تعزيز الشفافية المالية، ومكافحة الفساد وتبييض الأموال والتهرب الضريبي، كما يُتوقع أن تفتح الباب أمام إعادة هيكلة النظام المالي اللبناني بالكامل، واستعادة ثقة المجتمع الدولي، وتأمين الدعم المالي اللازم من الجهات المانحة.

إلا أن نجاح هذه الخطوة لا يقاس فقط بالكشف عن الحسابات، بل العبرة في التنفيذ في ظل نظام قضائي شبه مهترئ وتورط بعض من أصحاب النفوذ السياسي والمالي أنفسهم.

لبنان اليوم أمام مفترق طرق، فإما أن يسلك طريق العهد الجديد الذي وعد به اللبنانيون، أو يظل الفساد العنوان الأبرز في سياسات لبنان المالية المقبلة.