تداول نشاطاء لبنانيون على مواقع التواصل الاجتماعي صوراً لتطاير ألواح الطاقة الشمسية
تداول نشطاء لبنانيون على مواقع التواصل الاجتماعي صوراً لتطاير ألواح الطاقة الشمسية

شكلت الشتوة الأولى في لبنان جرس إنذار لما ينتظر اللبنانيين من أخطار في فصل الشتاء القادم، فمع أول هبّة هواء تطايرت بعض ألواح الطاقة الشمسية من على أسطح المباني، فكيف إذا ما اشتدت سرعة الرياح؟!

قبل أيام تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي صوراً لتطاير ألواح الطاقة الشمسية في بلدة قعقعيه الجسر وفي مدينة صيدا جنوب البلاد، مرّت الحادثتان بسلام من دون تسجيل أي أضرار مادية أو بشرية، لتبقى الخشية من وقوع كارثة فيما لو تكرر المشهد، في ظل "غزوة" الألواح التي شهدتها البلاد هذا العام، حيث اكتظت أسطح الأبنية السكنية والشرفات بها.

وجد اللبنانيون في الطاقة المتجددة بديلاً عن كهرباء الدولة التي وصلت إلى مرحلة الانقطاع شبه التّام، وكذلك الارتفاع اللامحدود لفاتورة المولدات الخاصة، ومع ازدياد الطلب عليها، ارتفع عدد التجار الذين يستوردون البضاعة التي تستخدم في إنتاجها، وانتشرت الشركات والمحلات التي تبيعها في مختلف المناطق. 

"فورة" الألواح ترافقت مع تركيب عشوائي لها، ما قد يحوّل النعمة التي أضاءت حياة الناس وعوضتهم عن تقصير السلطة السياسية وحررتهم من سطوة أصحاب المولدات الذين يحددون ساعات التقنين كما يشاؤون وكذلك فاتورة الاشتراك الشهرية، إلى نقمة لم يضربوا لها حساباً، فعدا عن أن أموالهم ستتطاير مع الرياح سيتحملون مسؤولية أي خسائر قد تصيب الأرواح أو الأملاك.

تحذيرات من أخطار محدقة

لم يتفاجأ اللبنانيون بتطاير بعض ألواح الطاقة الشمسية، فقد سبق أن حذر عددٌ من المختصين من ذلك، وهو ما أكده الباحث في مجال الطاقة في معهد عصام فارس في الجامعة الأميركية في بيروت، المهندس مارك أيوب، بالقول "حذرنا مراراً من تطاير ألواح الطاقة الشمسية نتيجة الفورة السريعة لهذا القطاع التي شهدها لبنان لاسيما الصيف الماضي، هذه المشكلة لا تتعلق بنوعية الألواح، بل بالهياكل الحديدية التي تثبت عليها، نتيجة عدم كفاءة الأشخاص والشركات التي تقوم بتركيبها، ولا يمكننا لوم المواطنين الذين بحثوا عن حل للعتمة من دون أن يكونوا ملمين بكل ما له علاقة بالخيار الذي أقدموا عليه". 

ودعا أيوب في حديث مع موقع "الحرة"، كل من أقدم على تركيب نظام الطاقة الشمسية التواصل مع المتعهد للتأكد من مدى تحمّل الهيكل للهواء والعواصف، وإلى الذين يريدون اللجوء إلى هذا النظام نصحهم بالاستفسار عن الشركة التي سيختارونها، والتأكد من مدى كفاءتها كون عملية تركيبه تخضع لهندسة معينة، فمحاولة توفير المال لها انعكاسات سلبية كثيرة، فعدا عن المخاطر التي ستشكلها الألواح على السلامة العامة، فإنها لن تخزن الطاقة كما يجب، كما أن البطاريات ستستهلك بصورة أسرع".

من الذين حذروا كذلك من مخاطر الواح الطاقة الشمسية، رئيسة "المنظمة الدولية للأمن والسلام الإنسانية" في لبنان ورئيسة "الهيئة اللبنانية للعقارات" المحامية، أنديرا الزهيري، التي شددت على ضرورة التأكد "من متانة الأماكن المراد تركيز الالواح عليها وبأنها لا تشكل خطراً على السلامة العامة، خاصة إذا تعلق الأمر بالأبنية القديمة التي يحتاج معظمها إلى تدعيم وصيانة".

 وفي حديث مع موقع "الحرة" أكدت الزهيري أنه " قبل أربع سنوات كان عدد الأبنية المهددة بالسقوط في لبنان 16,260، وبعد انفجار مرفأ بيروت ارتفع العدد بشكل كبير، اذ بحسب مسح جزئي أجراه الجيش اللبناني في المنطقة المتضررة كليا وجزئيا من الانفجار، تبين أن هناك ما يقارب من 85,000 وحدة سكنية متضررة، منها ما يحتاج إلى هدم، ومنها ما هو قابل للترميم والتدعيم، ومنها ما هو مصنف أبنية تراثية".

تضيف "بعد ثلاث سنوات من الانفجار هناك أبنية لم يتم إجراء صيانة لها وأخرى أساساتها مزعزعة، وفي حال تم وضع ألواح طاقة شمسية عليها من دون أي تدعيم، سنكون أمام خطر كبير، بحسب ما يؤكده خبراء ومهندسين من فريق الهيئة اللبنانية للعقارات".

لم يعد التركيب العشوائي يتوقف على أسطح المباني، بل امتد كذلك إلى الشرفات، فهناك كما تقول الزهيري "من استبدل الستائر بألواح الطاقة الشمسية، وهذا أمر خطير جداً، كونها معرضة للسقوط عند هبوب أول عاصفة، والأمر لا يتعلق فقط بهذه الألواح اذ يطال كذلك ألواح الإعلانات الرقمية التي توقفت صيانتها بسبب الأزمة الاقتصادية وارتفاع سعر صرف الدولار، فمنها ما هو مثبّت على مبان متصدعة وبشكل عشوائي".

وتأسفت بسبب المتاجرة بتركيب أنظمة الطاقة الشمسية، "فأي شخص لديه معرفة بسيطة بأمور الكهرباء أصبح يعمل هذا المجال، بدلاً من أن يقوم متخصصون بذلك"، مشددة على ضرورة أن "تتحمل الدولة مسؤوليتها وتمارس دورها الرقابي، من خلال إجراء كشف على المبنى أو الموقع الذي سيتم تركيب الألواح عليه، للتأكد من تثبيتها وتدعيمها، تجنباً لتفككها ووقوعها من على الاسطح والشرفات، وذلك حرصاً على السلامة العامة".

وكانت "الهيئة اللبنانية للعقارات"، شددت في بيان على "ضرورة إجراء الصيانة للشاشات واللوحات الاعلانية الكبيرة الالكترونية الموجودة على أسطح الأبنية وبالأخص القديمة منها وعلى الطرقات من تأثير الرياح والعواصف العاتية على متانتها، وذلك حرصاً على وتأكيداً على الحفاظ على السلامة العامة وسلامة المارة والمواطنين".

وأشارت الهيئة، إلى أن "الأوضاع الاقتصادية المتردية والغلاء وانعدام القدرة الشرائية لدى المواطن تؤدي الى تراجع القدرة الشرائية من قطع ومواد البناء ومستلزمات التصليح والصيانة"، ونبهت إلى أن "هذا سوف يزيد الطين بلة وخصوصاً أن تلك اللوحات الاعلانية والواح الطاقة الشمسية هي من المجسمات الصلبة ذات الاحجام الكبيرة الموجودة بشكل غير مدروس وغير متقن على أسطح الأبنية".

الخطر.. "استثنائي"

سبق أن اشارت وزارة الطاقة إلى أن تطوير سوق الطاقات المتجددة لإنتاج الكهرباء يعتبر جزءاً أساسياً من سياسة الحكومة اللبنانية حول التنمية المستدامة، ولا سيما إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية على أسطح الأبنية والذي يعتبر من أولويات وزارة الطاقة والمياه نحو تحقيق مزيج طاقوي يعتمد بشكل أساسي على الطاقات النظيفة. 

وأوصت الوزارة المواطنين بوجوب التأكد من التعامل مع شركات مهنية محترفة والتي تتضمن مهندسي كهرباء أو ميكانيك من ذوي الخبرة في مواضيع إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية، وفنيين مختصين مدربين على حسن تركيب أنظمة إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية، ليستفيد المواطنون من الإنتاجية القصوى لهذه الأجهزة مع العلم أن عدد هذه الشركات في لبنان يزيد عن 130 شركة. 

كما أوصتهم التأكد من الشركة الموردة حول مطابقة الأجهزة والتركيبات مع المواصفات اللبنانية لا سيما مطابقة ألواح الطاقة الشمسية ونظام التحكم بالشحن والعاكس والبطاريات مع متطلبات السلامة وفقا للمواصفات القياسية اللبنانية الصادرة عن مؤسسة المواصفات والمقاييس ليبنور أو ما يعادلها، كما أكدت على ضرورة تأريض الأنظمة والهياكل المعدنية واستخدام أجهزة الحماية المناسبة للأشخاص وللأنظمة الكهربائية وفقا للمواصفات القياسية اللبنانية الصادرة ايضا عن ليبنور أو ما يعادلها.

وبهدف تثقيف المهنيين حول أفضل الممارسات بما يتعلق بتركيب ألواح الطاقة الشمسية، أطلقت شركة كابلات لبنان (مجموعة Nexans) في الثالث من الشهر الجاري، مركزاً تدريباً جديداً بالشراكة مع وزارتي الصناعة والطاقة، وIECD  وSemeurs d'Avenir، حيث يقدم دورات تعليمية مجانية للأفراد العاملين في هذا المجال.

خلال حفل الإطلاق، أشار المدير العام لشركة كابلات لبنان نبيل خلاط إلى أن "أهمية الولوج الى حلول الطاقة المتجددة ازدادت، وتحديدا تركيب الألواح الشمسية بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة" مضيفاً "بصفتنا مسؤولين في شركة كابلات لبنان، نؤمن أنه من واجبنا ضمان أعلى المعايير في هذه العملية، لذا أنشأنا هذا المركز الفني لوضع مقياس لذلك، ولتحسين المهارات وتوفير الصدقية وراحة البال للمجتمع".

تقضي المرحلة التالية من المشروع، اجراء تدريب للفرق الكهربائية، وافتتاح مراكز تدريب في مناطق عدة في لبنان قبل نهاية هذا العام ما يوفر بعدها الوصول الى كل هذه الدورات التدريبية.

لم يستبعد مدير "المركز اللبناني لحفظ الطاقة" التابع لوزارة الطاقة والمياه، المهندس بيار خوري حصول بعض الحوادث فيما يتعلق بأنظمة الطاقة الشمسية، إلا إنها لن تتعدى كما يشدد "الواحد بالمئة من مجموع ما تم تركيبه، فإذا كان هناك 25 ألف جهاز وتطاير منها 50 يعني أن النسبة أقل من واحد بالألف حتى، بالتالي لا يمكن الحديث عن أزمة أو أن أمراً مأساوياً ينتظرنا، وبالمعنى الهندسي لا أرى أن بلدنا يواجه تحدياً كبيراً وخطيراً، كون الغالبية العظمى من مشاريع تركيب أنظمة الطاقة الشمسية قامت بها شركات محترفة وجدية، ومحترمة، يبقى هناك استثناء بسيط وهو ما تضج به مواقع التواصل الاجتماعي".

وعن الشروط التي يجب مراعاتها عند تركيب ألواح الطاقة الشمسية أجاب في حديث مع موقع "الحرة"، "اجراء دراسة من قبل مهندس مدني للحمل ومدى مقاومة الأحمال لسرعة الرياح في المنطقة التي يجري تركيب الأنظمة فيها، وهذا ما يلتزم به معظم المواطنين والشركات، لاسيما وأنه يجب تقديم هذه الدراسة للاستحصال على كتاب تسهيل من وزارة الطاقة التي ترسله بدورها إلى وزارة الداخلية، ومن يلتزم بذلك لا يواجه أي خطر".

ووجه خوري نصيحة إلى كل من يريد تركيب نظام الطاقة المتجددة، بأن يحصل على كتاب التسهيل، "إذ حين تطلبه القوى الأمنية سيضطرون للمرور بهذه الآلية"، وكان مكتب وزير الداخلية والبلديات بسام مولوي أكد أن "طلبات الترخيص تقدم حصراً لدى وزارة الطاقة والمياه التي وبعد موافقتها على الطلب تحيله الى وزارة الداخلية والبلديات للموافقة عليه، وذلك حرصاً على تنظيم عملية تركيب تلك الألواح والمحافظة على السلامة العامة".

"تحيل بعدها وزارة الداخلية والبلديات الى المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي كتاب وزارة الطاقة مع الموافقة، على ان يتم التقيد بقرار المجلس الأعلى للتنظيم المدني المتعلق بكيفية تركيب ألواح الطاقة الشمسية على أسطح المنازل، وكذلك ضرورة التأكد من موافقة أغلبية مالكي المبنى على وضع ألواح الطاقة في الأقسام المشتركة، وألا تكون ورش البناء مخالفة أو موقوفة".

غالبية من لجأوا إلى الطاقة البديلة لم يحصلوا على ترخيص، من هنا شدد أيوب على ضرورة" قيام الدولة بإجراءات للحد من ظاهرة التركيب العشوائي، اضافة إلى تأهيل الشركات ونشر لوائح بأسماء من لديها خبرة وكفاءة في هذا المجال لمراعاة الشروط التقنية والفنية في التركيب خاصة فيما يتعلق بتثبيت الهياكل الحديدية".

ألواح الطاقة الشمسية قنابل موقوتة منتشرة في جميع أنحاء لبنان، كما تصف الزهيري، التي تخشى أن يدفع مواطنون أرواحهم ثمن اهمال السلطة السياسية لهذا القطاع، كما هو الحال فيما يتعلق بالأبنية المتصدعة التي سقط منها إلى حد الآن ومبنى واحد إضافة إلى عدة أسقف، مطالبة بإيجاد حل لمشكلة الكهرباء كونها المسبب الرئيسي للواقع المأساوي الذي أجبر المواطنين على مخالفة القوانين لتأمين أدنى حقوقهم الإنسانية".

لبنان وحماس

في حدث معبر وغير مسبوق، أظهرت الدولة اللبنانية صلابة في موقفها، وأجبرت حركة حماس، التي طالما استخفت بالسيادة اللبنانية، على الانصياع.

بعد تحذير حازم، من مجلس الدفاع الوطني اللبناني، سلمت حماس عددا من المطلوبين بتهمة إطلاق صواريخ من جنوب لبنان نحو إسرائيل، وهو تصعيد لم تكن الدولة اللبنانية لتواجهه بردع مباشر في السابق، إذ غالبا ما كانت تتم معالجة خروقات كهذه ضمن تفاهمات خلف الكواليس، خصوصا بوجود غطاء سياسي لحماس في لبنان من حزب الله. 

لكن هذه المرة، بدا الأمر مختلفا تماما.

الرسالة كانت واضحة: لم يعد بإمكان أي جهة أن تتصرف خارج سلطة الدولة اللبنانية.

استعادة السيادة

في أبريل الماضي، أعلن الجيش اللبناني ضبط عدة صواريخ ومنصات إطلاق واعتقل عددا من الأشخاص في جنوب لبنان، وقال إن التحقيقات جارية تحت إشراف القضاء.

حماس، التي اعتادت التلاعب بالسيادة اللبنانية مسنودة بتحالفاتها الإقليمية وصلاتها بحزب الله، وجدت نفسها الآن مجبرة على تسليم المطلوبين، في خطوة تعكس هشاشة موقفها وانحسار الدعم الذي طالما استفادت منه.

هذه الاستجابة السريعة تأتي بعد الهزيمة العسكرية التي تعرضت لها الحركة في غزة خلال الحرب الأخيرة مع إسرائيل. فبينما تكبدت حماس خسائر فادحة، أظهرت التطورات الميدانية في لبنان تراجعا واضحا في تأثيرها ونفوذها.

فهل نحن أمام إعادة صياغة لدور حماس في لبنان؟ أم أن الحركة تسعى لتجنب مواجهة جديدة قد تكون مكلفة في ظل تغير الموازين السياسية والأمنية في المنطقة؟

نقطة التحول المفصلية

أصبحت بيروت منذ عام 2019 حاضنة رئيسية لقيادات حماس ومحطة مهمة لوجودها السياسي والأمني، كما ذكر مركز "كارنيغي".

ولا شك أن اللحظة التي أُعلنت فيها استراتيجية "وحدة الساحات" 

وقبل هجوم حماس على إسرائيل في أكتوبر 2023 وتشكيل غرفة عمليات مشتركة في الضاحية الجنوبية لـ"محور الساحات،" أعلنت حماس وحزب الله استراتيجية "وحدة الساحات".

وبدت تلك اللحظة وكأنها "تمهيد لانقلاب شامل على الوضع اللبناني ومحاولة لفرض سيطرة محور الممانعة على كامل الأراضي اللبنانية وعلى جميع القوى السياسية دون استثناء مع بروز دور حركة حماس كعامل فلسطيني رديف لحزب الله في لبنان".

نشاط حماس في لبنان "يتعارض مع السياسة الرسمية الفلسطينية في التعاطي مع الشأن اللبناني"، يقول مدير مركز تطوير للدراسات الاستراتيجية والتنمية البشرية الباحث الفلسطيني، هشام دبسي لموقع "الحرة".

وتبنت حماس إطلاق صواريخ من لبنان خلال المواجهة التي بدأها حزب الله ضد إسرائيل عام 2023 على خلفية الحرب في قطاع غزة، لكن التطورات الميدانية وعمليات الاغتيال التي نفذتها إسرائيل قلبت المشهد رأساً على عقب".

وجاءت "تداعيات الضربات الإسرائيلية على حزب الله ومحور الممانعة في لبنان قاسية ليس فقط على حركة حماس بل على حزب الله ذاته"، يقول دبسي لموقع "الحرة".

وشكّلت عملية اغتيال نائب رئيس مكتب حماس السياسي، صالح العاروري في لبنان في يناير 2024، وفق ما يقوله دبسي "نقطة تحول رئيسية في مسار حركة حماس التي كانت تعيش حالة من الصعود على المستويين الفلسطيني واللبناني".

ويتابع "لكن نتائج الحرب الأخيرة وضعت الحركة في مأزق تحالفها مع حزب الله إذ لم تعد قادرة على فك ارتباطها بهذا التحالف كما لا تستطيع اتخاذ خطوة تراجع منهجية تقتضي بتسليم سلاحها للدولة اللبنانية والالتزام بالشرعية الفلسطينية ممثلة بمنظمة التحرير وسفارة فلسطين في لبنان".

يذكر أن العاروري، قتل مع اثنين من قادة الجناح العسكري للحركة، في ضربة إسرائيلية استهدفت مكتبا للحركة في الضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية بيروت، أحد معاقل جماعة حزب الله اللبنانية.

رسالة واضحة

حذّر مجلس الدفاع الوطني اللبناني حماس من استخدام الأراضي اللبنانية للقيام بأي أعمال تمس بالأمن القومي اللبناني تحت طائلة اتخاذ أقصى التدابير والإجراءات اللازمة لوضع حد نهائي لأي عمل ينتهك السيادة اللبنانية.

يتجلى في خطوة المجلس هذه بعدان أساسيان، يشرحهما دبسي "الأول هو انقلاب موازين القوى الداخلية لصالح الدولة اللبنانية في مواجهة سلاح الميليشيات حيث يعكس هذا التحرك تحولاً نوعياً نحو تعزيز سيطرة الدولة على السلاح وتقليص نفوذ الجماعات المسلحة".

الثاني "هو ترجمة خطاب القسم الرئاسي والبيان الوزاري إلى خطوات عملية تهدف إلى حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وفي هذا الإطار جاء إطلاق مجموعة من حركة حماس صواريخ من الأراضي اللبنانية نحو إسرائيل ليشكل اختباراً لمدى جدية العهد الجديد في فرض سيادة الدولة وقد كان الرد الإسرائيلي العنيف بمثابة إنذار لما قد تترتب عليه مثل هذه العمليات من تداعيات خطيرة".

وبالتالي فإن الدولة اللبنانية بسياساتها الجديدة لا يمكنها وفق ما يشدد دبسي "التغاضي عن هذه التطورات أو التعامل معها كما كان يحدث في السابق، بل على العكس جاء توجيه الإنذار لحركة حماس كرسالة واضحة بأن قرار السلاح والسيادة بات في يد الدولة اللبنانية ولن يُسمح لأي طرف بتجاوزه".

وفي ما يتعلق بتقييم استجابة حركة حماس لطلب تسليم المطلوبين، يرى دبسي أن الحركة "في البداية كانت مترددة وحاولت الاعتماد على علاقاتها التقليدية مع حزب الله وباقي قوى محور الممانعة في لبنان لكن مع إدراكها أن حزب الله لن يقدم لها الدعم ولن تستطيع الاحتماء بمظلته أو بمظلة أي من القوى اللبنانية الأخرى لم يبق أمامها سوى خيارين إما تسليم العناصر المطلوبة للدولة اللبنانية أو مواجهة الدولة دون أي غطاء لبناني داخلي ودون أي غطاء فلسطيني أيضاً".

ويشير دبسي إلى "أن منظمة التحرير الفلسطينية طالبت حماس مرارا بتسليم المطلوبين وعدم استخدام الأراضي اللبنانية لإطلاق الصواريخ حتى لا تعرض مجتمع اللاجئين الفلسطينيين لردود الفعل الإسرائيلية".

وبناء على ذلك اضطرت حركة حماس "في نهاية المطاف للاستجابة لمطلب الدولة اللبنانية كخيار إجباري لا مفر منه".

تصدّع التحالف

كشفت التطورات الأخيرة عمق الخلافات والتباينات الميدانية بين حماس وحزب الله، إذ لم يعد أي منهما قادراً على مساندة الآخر في ظل الظروف الراهنة، بحسب ما يرى دبسي.

ويشرح أن "حزب الله الذي أعلن التزامه بموقف الدولة اللبنانية لم يعد قادراً على تقديم الغطاء لحماس أو حمايتها، ما يعكس حالة من التباعد بين الطرفين، خاصة وأن حزب الله يشعر بأن حماس قد خدعته بعملية 'طوفان الأقصى'، إذ لم تنسق العملية معه ولم تُعلمه بموعدها مسبقاً".

في المقابل، "تشعر حماس بأن حزب الله لم يكن وفياً بما يكفي في دعمه للحالة الفلسطينية ولم يلتزم بتعهداته كما تتصور الحركة. وهكذا، باتت العلاقة بين الطرفين أقرب إلى تبادل الاتهامات وتحميل المسؤولية؛ فحزب الله يلقي اللوم على حماس بسبب التصعيد الميداني غير المنسق، بينما ترى حماس أن حزب الله استخدم إطلاق النار من لبنان كغطاء دون التشاور معها".

في ظل هذه التوترات، عادت قضية سحب السلاح الفلسطيني من المخيمات إلى الواجهة، وسط توقعات بإعلان الدولة اللبنانية عن خريطة طريق واضحة لتنفيذ هذه الخطوة، وفقاً لدبسي.

يُذكر أن ملف السلاح الفلسطيني في لبنان ينقسم إلى محورين: السلاح داخل المخيمات وخارجها. وقد أنجز ملف السلاح خارج المخيمات بالكامل، بينما يجري العمل حالياً لضبط السلاح داخل المخيمات.

وتندرج هذه القضية ضمن إطار القرار 1559 الصادر عام 2003، والذي ينص على نزع سلاح الميليشيات والقوى الأجنبية غير اللبنانية، بما فيها السلاح الفلسطيني.

يشير دبسي إلى أن "الشرعية الفلسطينية سبق أن أعلنت دعمها لتطبيق القرارين 1559 و1701، وأبدت استعدادها للتعاون الكامل مع الدولة اللبنانية لتنظيم الوجود المسلح داخل المخيمات وخارجها".

وكان الرئيس الفلسطيني محمود عباس قد أكد خلال زيارته السابقة إلى قصر بعبدا في عهد الرئيس ميشال سليمان على تسهيل عمل الحكومة اللبنانية في إنهاء هذا الملف، لكن التطبيق تعثر بفعل هيمنة "محور الممانعة".

وفي هذا السياق، تتجه الأنظار إلى زيارة عباس المرتقبة إلى لبنان في 21 مايو، "حيث يتوقع أن تحمل مؤشرات حول كيفية تنفيذ المبادرة السياسية والأمنية المتعلقة بسحب السلاح من المخيمات بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية"، وفقاً لدبسي.