تداول نشاطاء لبنانيون على مواقع التواصل الاجتماعي صوراً لتطاير ألواح الطاقة الشمسية
تداول نشطاء لبنانيون على مواقع التواصل الاجتماعي صوراً لتطاير ألواح الطاقة الشمسية

شكلت الشتوة الأولى في لبنان جرس إنذار لما ينتظر اللبنانيين من أخطار في فصل الشتاء القادم، فمع أول هبّة هواء تطايرت بعض ألواح الطاقة الشمسية من على أسطح المباني، فكيف إذا ما اشتدت سرعة الرياح؟!

قبل أيام تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي صوراً لتطاير ألواح الطاقة الشمسية في بلدة قعقعيه الجسر وفي مدينة صيدا جنوب البلاد، مرّت الحادثتان بسلام من دون تسجيل أي أضرار مادية أو بشرية، لتبقى الخشية من وقوع كارثة فيما لو تكرر المشهد، في ظل "غزوة" الألواح التي شهدتها البلاد هذا العام، حيث اكتظت أسطح الأبنية السكنية والشرفات بها.

وجد اللبنانيون في الطاقة المتجددة بديلاً عن كهرباء الدولة التي وصلت إلى مرحلة الانقطاع شبه التّام، وكذلك الارتفاع اللامحدود لفاتورة المولدات الخاصة، ومع ازدياد الطلب عليها، ارتفع عدد التجار الذين يستوردون البضاعة التي تستخدم في إنتاجها، وانتشرت الشركات والمحلات التي تبيعها في مختلف المناطق. 

"فورة" الألواح ترافقت مع تركيب عشوائي لها، ما قد يحوّل النعمة التي أضاءت حياة الناس وعوضتهم عن تقصير السلطة السياسية وحررتهم من سطوة أصحاب المولدات الذين يحددون ساعات التقنين كما يشاؤون وكذلك فاتورة الاشتراك الشهرية، إلى نقمة لم يضربوا لها حساباً، فعدا عن أن أموالهم ستتطاير مع الرياح سيتحملون مسؤولية أي خسائر قد تصيب الأرواح أو الأملاك.

تحذيرات من أخطار محدقة

لم يتفاجأ اللبنانيون بتطاير بعض ألواح الطاقة الشمسية، فقد سبق أن حذر عددٌ من المختصين من ذلك، وهو ما أكده الباحث في مجال الطاقة في معهد عصام فارس في الجامعة الأميركية في بيروت، المهندس مارك أيوب، بالقول "حذرنا مراراً من تطاير ألواح الطاقة الشمسية نتيجة الفورة السريعة لهذا القطاع التي شهدها لبنان لاسيما الصيف الماضي، هذه المشكلة لا تتعلق بنوعية الألواح، بل بالهياكل الحديدية التي تثبت عليها، نتيجة عدم كفاءة الأشخاص والشركات التي تقوم بتركيبها، ولا يمكننا لوم المواطنين الذين بحثوا عن حل للعتمة من دون أن يكونوا ملمين بكل ما له علاقة بالخيار الذي أقدموا عليه". 

ودعا أيوب في حديث مع موقع "الحرة"، كل من أقدم على تركيب نظام الطاقة الشمسية التواصل مع المتعهد للتأكد من مدى تحمّل الهيكل للهواء والعواصف، وإلى الذين يريدون اللجوء إلى هذا النظام نصحهم بالاستفسار عن الشركة التي سيختارونها، والتأكد من مدى كفاءتها كون عملية تركيبه تخضع لهندسة معينة، فمحاولة توفير المال لها انعكاسات سلبية كثيرة، فعدا عن المخاطر التي ستشكلها الألواح على السلامة العامة، فإنها لن تخزن الطاقة كما يجب، كما أن البطاريات ستستهلك بصورة أسرع".

من الذين حذروا كذلك من مخاطر الواح الطاقة الشمسية، رئيسة "المنظمة الدولية للأمن والسلام الإنسانية" في لبنان ورئيسة "الهيئة اللبنانية للعقارات" المحامية، أنديرا الزهيري، التي شددت على ضرورة التأكد "من متانة الأماكن المراد تركيز الالواح عليها وبأنها لا تشكل خطراً على السلامة العامة، خاصة إذا تعلق الأمر بالأبنية القديمة التي يحتاج معظمها إلى تدعيم وصيانة".

 وفي حديث مع موقع "الحرة" أكدت الزهيري أنه " قبل أربع سنوات كان عدد الأبنية المهددة بالسقوط في لبنان 16,260، وبعد انفجار مرفأ بيروت ارتفع العدد بشكل كبير، اذ بحسب مسح جزئي أجراه الجيش اللبناني في المنطقة المتضررة كليا وجزئيا من الانفجار، تبين أن هناك ما يقارب من 85,000 وحدة سكنية متضررة، منها ما يحتاج إلى هدم، ومنها ما هو قابل للترميم والتدعيم، ومنها ما هو مصنف أبنية تراثية".

تضيف "بعد ثلاث سنوات من الانفجار هناك أبنية لم يتم إجراء صيانة لها وأخرى أساساتها مزعزعة، وفي حال تم وضع ألواح طاقة شمسية عليها من دون أي تدعيم، سنكون أمام خطر كبير، بحسب ما يؤكده خبراء ومهندسين من فريق الهيئة اللبنانية للعقارات".

لم يعد التركيب العشوائي يتوقف على أسطح المباني، بل امتد كذلك إلى الشرفات، فهناك كما تقول الزهيري "من استبدل الستائر بألواح الطاقة الشمسية، وهذا أمر خطير جداً، كونها معرضة للسقوط عند هبوب أول عاصفة، والأمر لا يتعلق فقط بهذه الألواح اذ يطال كذلك ألواح الإعلانات الرقمية التي توقفت صيانتها بسبب الأزمة الاقتصادية وارتفاع سعر صرف الدولار، فمنها ما هو مثبّت على مبان متصدعة وبشكل عشوائي".

وتأسفت بسبب المتاجرة بتركيب أنظمة الطاقة الشمسية، "فأي شخص لديه معرفة بسيطة بأمور الكهرباء أصبح يعمل هذا المجال، بدلاً من أن يقوم متخصصون بذلك"، مشددة على ضرورة أن "تتحمل الدولة مسؤوليتها وتمارس دورها الرقابي، من خلال إجراء كشف على المبنى أو الموقع الذي سيتم تركيب الألواح عليه، للتأكد من تثبيتها وتدعيمها، تجنباً لتفككها ووقوعها من على الاسطح والشرفات، وذلك حرصاً على السلامة العامة".

وكانت "الهيئة اللبنانية للعقارات"، شددت في بيان على "ضرورة إجراء الصيانة للشاشات واللوحات الاعلانية الكبيرة الالكترونية الموجودة على أسطح الأبنية وبالأخص القديمة منها وعلى الطرقات من تأثير الرياح والعواصف العاتية على متانتها، وذلك حرصاً على وتأكيداً على الحفاظ على السلامة العامة وسلامة المارة والمواطنين".

وأشارت الهيئة، إلى أن "الأوضاع الاقتصادية المتردية والغلاء وانعدام القدرة الشرائية لدى المواطن تؤدي الى تراجع القدرة الشرائية من قطع ومواد البناء ومستلزمات التصليح والصيانة"، ونبهت إلى أن "هذا سوف يزيد الطين بلة وخصوصاً أن تلك اللوحات الاعلانية والواح الطاقة الشمسية هي من المجسمات الصلبة ذات الاحجام الكبيرة الموجودة بشكل غير مدروس وغير متقن على أسطح الأبنية".

الخطر.. "استثنائي"

سبق أن اشارت وزارة الطاقة إلى أن تطوير سوق الطاقات المتجددة لإنتاج الكهرباء يعتبر جزءاً أساسياً من سياسة الحكومة اللبنانية حول التنمية المستدامة، ولا سيما إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية على أسطح الأبنية والذي يعتبر من أولويات وزارة الطاقة والمياه نحو تحقيق مزيج طاقوي يعتمد بشكل أساسي على الطاقات النظيفة. 

وأوصت الوزارة المواطنين بوجوب التأكد من التعامل مع شركات مهنية محترفة والتي تتضمن مهندسي كهرباء أو ميكانيك من ذوي الخبرة في مواضيع إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية، وفنيين مختصين مدربين على حسن تركيب أنظمة إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية، ليستفيد المواطنون من الإنتاجية القصوى لهذه الأجهزة مع العلم أن عدد هذه الشركات في لبنان يزيد عن 130 شركة. 

كما أوصتهم التأكد من الشركة الموردة حول مطابقة الأجهزة والتركيبات مع المواصفات اللبنانية لا سيما مطابقة ألواح الطاقة الشمسية ونظام التحكم بالشحن والعاكس والبطاريات مع متطلبات السلامة وفقا للمواصفات القياسية اللبنانية الصادرة عن مؤسسة المواصفات والمقاييس ليبنور أو ما يعادلها، كما أكدت على ضرورة تأريض الأنظمة والهياكل المعدنية واستخدام أجهزة الحماية المناسبة للأشخاص وللأنظمة الكهربائية وفقا للمواصفات القياسية اللبنانية الصادرة ايضا عن ليبنور أو ما يعادلها.

وبهدف تثقيف المهنيين حول أفضل الممارسات بما يتعلق بتركيب ألواح الطاقة الشمسية، أطلقت شركة كابلات لبنان (مجموعة Nexans) في الثالث من الشهر الجاري، مركزاً تدريباً جديداً بالشراكة مع وزارتي الصناعة والطاقة، وIECD  وSemeurs d'Avenir، حيث يقدم دورات تعليمية مجانية للأفراد العاملين في هذا المجال.

خلال حفل الإطلاق، أشار المدير العام لشركة كابلات لبنان نبيل خلاط إلى أن "أهمية الولوج الى حلول الطاقة المتجددة ازدادت، وتحديدا تركيب الألواح الشمسية بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة" مضيفاً "بصفتنا مسؤولين في شركة كابلات لبنان، نؤمن أنه من واجبنا ضمان أعلى المعايير في هذه العملية، لذا أنشأنا هذا المركز الفني لوضع مقياس لذلك، ولتحسين المهارات وتوفير الصدقية وراحة البال للمجتمع".

تقضي المرحلة التالية من المشروع، اجراء تدريب للفرق الكهربائية، وافتتاح مراكز تدريب في مناطق عدة في لبنان قبل نهاية هذا العام ما يوفر بعدها الوصول الى كل هذه الدورات التدريبية.

لم يستبعد مدير "المركز اللبناني لحفظ الطاقة" التابع لوزارة الطاقة والمياه، المهندس بيار خوري حصول بعض الحوادث فيما يتعلق بأنظمة الطاقة الشمسية، إلا إنها لن تتعدى كما يشدد "الواحد بالمئة من مجموع ما تم تركيبه، فإذا كان هناك 25 ألف جهاز وتطاير منها 50 يعني أن النسبة أقل من واحد بالألف حتى، بالتالي لا يمكن الحديث عن أزمة أو أن أمراً مأساوياً ينتظرنا، وبالمعنى الهندسي لا أرى أن بلدنا يواجه تحدياً كبيراً وخطيراً، كون الغالبية العظمى من مشاريع تركيب أنظمة الطاقة الشمسية قامت بها شركات محترفة وجدية، ومحترمة، يبقى هناك استثناء بسيط وهو ما تضج به مواقع التواصل الاجتماعي".

وعن الشروط التي يجب مراعاتها عند تركيب ألواح الطاقة الشمسية أجاب في حديث مع موقع "الحرة"، "اجراء دراسة من قبل مهندس مدني للحمل ومدى مقاومة الأحمال لسرعة الرياح في المنطقة التي يجري تركيب الأنظمة فيها، وهذا ما يلتزم به معظم المواطنين والشركات، لاسيما وأنه يجب تقديم هذه الدراسة للاستحصال على كتاب تسهيل من وزارة الطاقة التي ترسله بدورها إلى وزارة الداخلية، ومن يلتزم بذلك لا يواجه أي خطر".

ووجه خوري نصيحة إلى كل من يريد تركيب نظام الطاقة المتجددة، بأن يحصل على كتاب التسهيل، "إذ حين تطلبه القوى الأمنية سيضطرون للمرور بهذه الآلية"، وكان مكتب وزير الداخلية والبلديات بسام مولوي أكد أن "طلبات الترخيص تقدم حصراً لدى وزارة الطاقة والمياه التي وبعد موافقتها على الطلب تحيله الى وزارة الداخلية والبلديات للموافقة عليه، وذلك حرصاً على تنظيم عملية تركيب تلك الألواح والمحافظة على السلامة العامة".

"تحيل بعدها وزارة الداخلية والبلديات الى المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي كتاب وزارة الطاقة مع الموافقة، على ان يتم التقيد بقرار المجلس الأعلى للتنظيم المدني المتعلق بكيفية تركيب ألواح الطاقة الشمسية على أسطح المنازل، وكذلك ضرورة التأكد من موافقة أغلبية مالكي المبنى على وضع ألواح الطاقة في الأقسام المشتركة، وألا تكون ورش البناء مخالفة أو موقوفة".

غالبية من لجأوا إلى الطاقة البديلة لم يحصلوا على ترخيص، من هنا شدد أيوب على ضرورة" قيام الدولة بإجراءات للحد من ظاهرة التركيب العشوائي، اضافة إلى تأهيل الشركات ونشر لوائح بأسماء من لديها خبرة وكفاءة في هذا المجال لمراعاة الشروط التقنية والفنية في التركيب خاصة فيما يتعلق بتثبيت الهياكل الحديدية".

ألواح الطاقة الشمسية قنابل موقوتة منتشرة في جميع أنحاء لبنان، كما تصف الزهيري، التي تخشى أن يدفع مواطنون أرواحهم ثمن اهمال السلطة السياسية لهذا القطاع، كما هو الحال فيما يتعلق بالأبنية المتصدعة التي سقط منها إلى حد الآن ومبنى واحد إضافة إلى عدة أسقف، مطالبة بإيجاد حل لمشكلة الكهرباء كونها المسبب الرئيسي للواقع المأساوي الذي أجبر المواطنين على مخالفة القوانين لتأمين أدنى حقوقهم الإنسانية".

مصارف لبنان

في تحول تاريخي لعمل القطاع المصرفي اللبناني، أقرّ مجلس النواب الخميس تعديلات على قانون السرية المصرفية تسهّل للهيئات الناظمة الحصول على كامل المعلومات المتعلّقة بالحسابات.

جاءت الخطوة تلبية لمطلب رئيسي من مطالب صندوق النقد الدولي.

واعتبر رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، القرار "خطوة ضرورية نحو الإصلاح المالي المنشود وركيزة أساسية لأي خطة تعافٍ، ولكشف الحقائق" بشأن الأزمة المالية التي بدأت عام 2019.

والجمعة، نُشر في الجريدة الرسمية اللبنانية قانون تعديل بعض المواد المتعلقة بسرية المصارف في لبنان، بما في ذلك تعديل المادة 7 (هـ) و (و) من القانون المتعلق بسرية المصارف الذي أقرّ عام 1956، وكذلك تعديل المادة 150 من قانون النقد والتسليف الصادر في عام 1963، بموجب القانون رقم 306 الصادر في 28 تشرين الأول 2022.

وينص التعديل الجديد على تعديل المادة 7 (هـ) من القانون المتعلق بسرية المصارف بما يسمح بمشاركة معلومات مصرفية بين مصرف لبنان، ولجنة الرقابة على المصارف، والمؤسسة الوطنية لضمان الودائع، في إطار تعزيز مراقبة القطاع المصرفي وحماية النظام المالي. 

ويشمل التعديل أيضا صلاحيات تعديل وإنشاء مؤسسة مختلطة لضمان الودائع المصرفية.

أما المادة 7 (و) فتتيح للجهات المعنية، مثل مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف، طلب معلومات مصرفية محمية بالسرية دون تحديد حساب أو عميل معين. ويتيح التعديل إصدار طلبات عامة للحصول على معلومات عن جميع الحسابات والعملاء، إلا أن هذه الطلبات يمكن أن تكون قابلة للاعتراض أمام قاضي الأمور المستعجلة، ويخضع الاعتراض للأصول القانونية المتعلقة بالاعتراض على العرائض.

وفي ما يتعلق بالمادة 150 من قانون النقد والتسليف، تضمن التعديل رفع السرية المصرفية بشكل كامل وغير مقيد أمام مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف، بالإضافة إلى المدققين والمقيمين المعينين من قبل مصرف لبنان أو اللجنة.

وتشمل التعديلات الحسابات الدائنة والمدينة، سواء كانت ضمن أو خارج الميزانية، كما تتيح رفع السرية المصرفية عن سجلات ومستندات ومعلومات تعود إلى أشخاص معنويين أو حقيقيين يتعاملون مع المصارف أو المؤسسات المالية الخاضعة للرقابة. ويشمل تطبيق هذا التعديل بأثر رجعي لمدة عشر سنوات من تاريخ صدور القانون.

وقد شهد لبنان خلال الأسابيع الماضية نقاشات حادة، رأى فيها معارضون للخطوة أن هذا القانون ورفع السرية المصرفية طي لصفحة من تاريخ لبنان المالي العريق من خلال "إلغاء ميزة تفاضلية،" وبأن كشف الفساد ليس معطلاً بسبب السرية المصرفية.

ويرى المتحمسون للقانون أن من شأن التعديلات الجديدة تعزيز الشفافية في القطاع المصرفي في لبنان وتحسين مراقبة ومراجعة العمليات المصرفية، في وقت يشهد فيه القطاع المصرفي تحديات كبيرة في ظل الأزمة المالية المستمرة.

وأوضحت "المفكرة القانونية" وهي منظمة حقوقية غير حكومية، في بيان أصدرته أن التعديل يخوّل "الهيئات الرقابيّة والهيئات النّاظمة للمصارف، وتحديدًا مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف والمؤسسة الوطنية لضمان الودائع، طلب الحصول على جميع المعلومات المصرفية، من دون أن يربط طلب المعلومات بأيّ هدف معيّن، وإمكانية التدقيق في الحسابات بالأسماء، تصحيحا لقانون 2022" والذي تضمن بعض التعديلات.

يعتمد لبنان السرية المصرفية منذ عام 1956، وكان لذلك أثر كبير في جذب رؤوس الأموال والودائع وتوفير مناخ الاستقرار الاقتصادي. وبموجب هذا القانون تلتزم المصارف الخاضعة لأحكامه السرية المطلقة، إذ لا يجوز كشف السر المصرفي سواء في مواجهة الجهات الخاصة أو السلطات العامة، وسواء كانت قضائية أو إدارية أو مالية، إلا في حالات معينة في القانون وردت على سبيل الحصر، وهي:

1- إذن العميل او ورثته خطيًا.
2- صدور حكم بإشهار افلاس العميل.
3- وجود نزاع قضائي بينه وبين البنك بمناسبة الروابط المصرفية. 
4- وجود دعاوى تتعلق بجريمة الكسب غير المشروع. 
5- توقف المصرف عن الدفع، إذ ترفع في هذه الحالة السرية المصرفية عن حسابات أعضاء مجلس الإدارة والمفوضين بالتوقيع ومراقبي الحسابات. 
6- الاشتباه في استخدام الأموال لغاية تبييضها، وعندها ترفع السرية المصرفية بقرار من هيئة التحقيق الخاصة لمصلحة المراجع القضائية المختصة والهيئة المصرفية العليا، وذلك عن الحسابات المفتوحة لدى المصارف أو المؤسسات المالية.

وبالفعل ومنذ إقرار هذا القانون ازدهر القطاع المصرفي اللبناني واستطاع جذب رؤوس أموال، لكن كل ذلك تغير مع اندلاع الحرب الأهلية في منتصف السبعينيات، وبدأت الليرة اللبنانية رحلة الانهيار. خمسة عشر عاما من الاقتتال، انتهت بتسويات سياسية، تبعها نظام اقتصادي جديد، قاده منذ عام 1993 الراحل رفيق الحريري رئيسا للحكومة، ورياض سلامة حاكما لمصرف لبنان المركزي، سعيا وراء الاستقرار. 

وبعد أربع سنوات من استلام منصبه، نجح سلامة في تثبيت سعر العملة اللبنانية، عند 1500 مقابل الدولار الأميركي.

استمرت تلك المعادلة أكثر من عقدين، لكنها كانت تحتاج إمدادات لا تنقطع من العملة الصعبة للمحافظة على استمرارها. وفي محاولة لسد العجز، سعت المصارف اللبنانية لجذب حصيلة كبيرة من العملة الخضراء عبر تقديم فوائد مرتفعة على الودائع الدولارية، فوائد تراوحت بين 15 و 16 في المئة.

نتيجة للفوائد البنكية المرتفعة، شهدت ودائع القطاع المصرفي اللبناني نمواً سنوياً وصل ذروته بقرابة 12 مليار دولار خلال عام 2009.

أغرت الفوائد العالية المقيمين والمغتربين، ليصل إجمالي الودائع في المصارف اللبنانية إلى أكثر من 177 مليار دولار في نهاية نوفمبر عام 2018. 

منذ عام 2017، تراجع الاحتياطي في خزينة مصرف لبنان، رغم محاولات جذب الدولار. وفي صيف عام 2019، لاحت بوادر صعوبة في توافر الدولار في الأسواق اللبنانية، فارتفع سعر صرفه مقابل الليرة للمرة الأولى منذ أكثر من 20 عاما، ما دفع الحكومة لاتخاذ إجراءات استثنائية. لكن البعض يرى أن تلك القرارات جاءت متأخرة.

في أكتوبر 2019، انفجر الشارع اللبناني مطالبا بإسقاط السلطة السياسية، وأغلقت المصارف أبوابها، لكن تقارير صحفية تحدثت عن عمليات تحويل لأرصدة ضخمة الى خارج البلاد.

في تقرير لصحيفة فاينانشال تايمز البريطانية، نُشر في صيف 2020، فإنه، وفقا لكبير موظفي الخدمة المدنية المالية السابق في لبنان ومدير عام وزارة المالية السابق ألان بيفاني، قام مصرفيون بتهريب ما يصل إلى 6 مليارات دولار من لبنان منذ  أكتوبر 2019، في تحايل على الضوابط التي تم إدخالها لوقف هروب رأس المال، مع غرق البلاد في أسوأ أزمة مالية منذ ثلاثين 30 عاما، بينما بات مصير مليارات الدولارات مجهولًا. 

بدأت الأزمة المالية بالظهور تدريجيا، لكنها انفجرت حرفيا منذ اندلاع الاحتجاجات في شهر أكتوبر عام 2019. وتشير تقارير رسمية إلى أن أموالا طائلة تصل إلى مليارات الدولارات تم تحويلها إلى الخارج، بينما تم حجز ودائع صغار زبائن البنوك، من دون ضمانات لحماية ودائع المواطنين، ولا سيولة نقدية.

وتقدر تقارير دولية والمصرف المركزي اللبناني أن ودائع صغار زبائن البنوك بحوالي 121 مليار دولار منها ودائع لغير المقيمين تُقدّر بـ20 مليار دولار، وأصحابها لبنانيون وعراقيون ويمنيون وليبيون ومصريون ومن دول الخليج، إضافة لودائع للسوريين، يقدر المصرفيون بأنها أكثر من 3 مليارات دولار.

وفيما تجري التحقيقات حول آلية تهريب الأموال، لم يصل المحققون المحليون ولا حتى الدوليون إلى جواب شاف، لكن كانت دائما "المصالح المتشابكة داخل النظام اللبناني" جزءا من الجواب.

وتعتبر البنوك اللبنانية مرآة للنظام من حيث التقسيم الطائفي، فغالبيتها تابعة لجهات سياسية ومقربين منها، الأمر الذيث كان واضحا في انعدام الرقابة على عمليات إدخال أموال حزب الله المهربة أو غير الشرعية إلى هذه البنوك، مما يعني عمليات تبييض وشرعنة لهذه الأموال.

منذ منذ عام 2001، وضعت الولايات المتحدة حزب الله على قائمة المنظمات الإرهابية، وفرضت عليه عقوبات ضمن خطة لمكافحة تمويل الإرهاب. وفي هذا الإطار صدر قانون مكافحة تبييض الأموال رقم 44، عام 2015، والذي لم يتم تعطبيقه، واكتفى مصرف لبنان بتعاميم، لم تغير واقع الحال.

بدأ لبنان في يناير 2022 مفاوضات رسمية مع صندوق النقد الذي طالما شدد على أنه لن يقدم أي دعم طالما لم تقرّ الحكومة إصلاحات على رأسها تصحيح الموازنة وإعادة هيكلة القطاع المصرفي وإصلاح المؤسسات العامة والتصدي للفساد المستشري.

وأعلن الصندوق في أبريل من العام ذاته اتفاقا مبدئيا على خطة مساعدة بقيمة ثلاثة مليارات دولار على أربع سنوات، لكنّ تطبيقها كان مشروطا بإصلاحات لم يتم تنفيذ معظمها.

في سبتمبر عام 2024، أوقف الحاكم السابق لمصرف لبنان، رياض سلامة، وهو حتى اليوم قيد التحقيق في اتهامات بغسيل الأموال وشراء وبيع سندات خزينة الحكومة اللبنانية. ومنذ انهيار حزب الله اللبناني، في حربه مع إسرائيل، وصعود ما سمي بالعهد الجديد، أقرت حكومة نواف سلام مشروع قانون لإعادة هيكلة المصارف، استجابةً لمطالب صندوق النقد الدولي، الذي اشترط تنفيذ إصلاحات جذرية، بينها رفع السرية المصرفية، كشرط أساسي لأي دعم مالي للبنان، كما تأتي في ظل إدراج مجموعة العمل المالي (FATF) لبنان على اللائحة الرمادية بسبب ثغرات خطيرة في مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.

من المتوقع أن تسهم هذه التعديلات في تعزيز الشفافية المالية، ومكافحة الفساد وتبييض الأموال والتهرب الضريبي، كما يُتوقع أن تفتح الباب أمام إعادة هيكلة النظام المالي اللبناني بالكامل، واستعادة ثقة المجتمع الدولي، وتأمين الدعم المالي اللازم من الجهات المانحة.

إلا أن نجاح هذه الخطوة لا يقاس فقط بالكشف عن الحسابات، بل العبرة في التنفيذ في ظل نظام قضائي شبه مهترئ وتورط بعض من أصحاب النفوذ السياسي والمالي أنفسهم.

لبنان اليوم أمام مفترق طرق، فإما أن يسلك طريق العهد الجديد الذي وعد به اللبنانيون، أو يظل الفساد العنوان الأبرز في سياسات لبنان المالية المقبلة.