مستشفى بلبنان
انطلقت "شرارة" الكوليرا من أحد مخيمات اللاجئين السوريين في عكار شمال البلاد

أسبوعان فقط كانا كفيلان باستشراس "الكوليرا" في لبنان، حيث لحظت وزارة الصحة انتشاراً متسارعاً للوباء وتمكّنه من التسلل من مخيمات اللاجئين السوريين إلى المواطنين اللبنانيين، لتغص المستشفيات في شمال البلاد بالإصابات، وتعجز عن استقبال المزيد من الحالات.

أمس الخميس تم تسجيل 51 إصابة جديدة، ليرتفع العدد التراكمي إلى 220 إصابة، إضافة إلى خمس وفيات، وفي حديث لقناة "الحرة" أكد وزير الصحة في حكومة تصريف الأعمال فراس أبيض، أن قسما كبيراً من المصابين "لا يظهرون أعراضا، وهو ما يزيد من انتشار المرض" مشدداً على أنه "إذا ارتفع عدد الإصابات، وتخطى طاقة استيعاب المستشفيات، فيسكون ذلك تحديا جديا".

انطلقت "شرارة" الكوليرا من أحد مخيمات اللاجئين السوريين في عكار شمال البلاد، قبل أن توسع رقعة انتشارها في البلدات المجاورة لتصل الى مخيمات عرسال في البقاع الشمالي على الحدود بين لبنان وسوريا، وإلى عدد من المناطق في أقضية المنية الضنية، وطرابلس وبعلبك وكسروان وزحلة وزغرتا وبعبدا.

العبء الأكبر في استقبال الحالات ملقى كما قال وزير الصحة في مؤتمر صحفي على عاتق مستشفى حلبا الحكومي وهناك حالات في مستشفيي طرابلس والمنية، ولمواجهة الوباء ستعتمد وزارة الصحة على منصة موحدة "لجمع جهود مراكز الرعاية الصحية الأولية والجمعيات الأهلية والمنظمات الأممية، وذلك بالتنسيق مع غرفة إدارة الكوارث في السرايا الحكومية والصليب الأحمر"، كما تمّ تشكيل خلية أزمة تضم خبراء واختصاصين للاستجابة لتفشي الوباء ومتابعة التطورات بصورة يومية. 

"لإعلان حالة طوارئ صحية"

ما إن بدأ اللبنانيون يلتقطون أنفاسهم مع انحسار وباء كورونا، حتى صدموا كما يقول رئيس رابطة مخاتير عكار، مختار بلدة ببنين زاهر الكسار "بوباء أخطر سريع الانتشار، في بلد قطاعه الصحي منهك منذ ثلاث سنوات تاريخ بدء الأزمة الاقتصادية، والمسؤولون فيه عديمو المسؤولية، اعتدنا منهم على الأقوال من دون أفعال"، وأضاف "إلى حد الآن بلغ عدد الحالات المثبتة في بلدتنا 41 حالة عدا عن العدد الكبير من الأشخاص الذين يعانون من عوارض الوباء".

بدأ الكوليرا يخرج عن السيطرة في عكار، لاسيما في بلدة ببنين، بحسب ما أكده الكسار لموقع "الحرة"، مشدداً على عدم تمكن المستشفيات الحكومية والخاصة على حد سواء من استقبال المزيد من الإصابات، لاسيما مستشفى الدكتور عبد الله الراسي الحكومي "حلبا"، التي تغص بالمشتبه بإصابتهم بالمرض في قسم الطوارئ، من دون التمكن من تأمين أسرة للحالات المثبتة، مشيراً إلى وفاة أحد أبناء البلدة أمس بالمرض وقبله لاجئ سوري، داعياً إلى اعلان حالة طوارئ صحية على الفور.

وفي اتصال مع مدير مستشفى "حلبا" الحكومي الدكتور محمد خضرين أكد أن "الضغط كبير على المستشفيات الحكومية من طرابلس إلى المنية وعكار، فأعداد الإصابات تزداد بشكل يومي، والأمر أسوأ من أيام انتشار فيروس كورونا، إذ حينها كان يصل إلى المستشفى مصاب واحد من العائلة، أما الآن فإن جميع أفرادها يقصدون المستشفى نتيجة معاناتهم من أعراض الكوليرا".

خضرين لفت في حديث لموقع "الحرة" إلى أن "هناك محاولات تجري لاستدراك الوضع، من خلال تأمين المزيد من الأسرة"، كذلك أكد مدير مختبر كورونا في مستشفى المنية الحكومي الدكتور محمد سلمى لموقع "الحرة" أن الوضع سيء جداً في المستشفى "هناك حالات تصلنا من عكار، من ببنين والمحمرة، الأسرّة شارفت على الامتلاء، وسنصل إلى كارثة صحية إذا لم يتم استدراك الوضع بسرعة من خلال فتح مستشفيات جديدة لاستقبال الإصابات، فحتى الآن نحن المستشفى الوحيد في القضاء الذي يستقبل حالات الكوليرا".

تقتضي خطة وزارة الصحة عدم إشراك جميع المستشفيات في استقبال مرضى الكوليرا، بل كما قال وزير الصحة "سيتم اختيار مستشفيات حكومية ومستشفيات خاصة معينة كي يتم التعاون معها للسيطرة على الوباء"، واليوم الجمعة التقى أبيض رئيس الجمهورية ميشال عون، حيث وضعه في صورة استعداد المستشفيات لاستقبال مرضى الكوليرا، وقد أصبح عددها ثمانية وهي بشكل اساسي مستشفيات حكومية، والاستعداد لنشر بعض المستشفيات الميدانية في بعض المناطق مثل عرسال وغيرها. 

كما تم التطرق الى موضوع تأمين اللقاح المضاد للكوليرا، حيث أشار أبيض إلى أن لبنان تلقى وعدا بتأمين جرعة اولية من هذا اللقاح خلال فترة اسبوع الى عشرة ايام، إضافة الى العمل على تأمين كمية كبيرة من خلال منظمة الصحة العالمية، وهي حوالي 600الف جرعة على الاقل لاستعمالها إن كان من قبل اللاجئين او اللبنانيين.

مكمن الداء

ظهور الكوليرا كان متوقعاً كما يؤكد رئيس مخيم "الأبرار" في عرسال (بلدة لبنانية من محافظة بعلبك الهرمل)، "أبو قاسم"، وذلك "بسبب تلوث المياه، الناتج عن خفض منظّمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) بداية الشهر الجاري، كمية المياه المقدمة يومياً للفرد الواحد من 27 ليتراً إلى 7 ليترات، وكمية شفط مياه الصرف الصحي من الجور الفنية من 17 ليتراً للفرد الواحد إلى ليترين، الأمر الذي دفعنا إلى التوقف عن استقبال أي من الجمعيات التابعة للأمم المتحدة أو الممولة من قبلها إلى حين التراجع عن هذا القرار المجحف، لتبدأ مياه الصرف الصحي تطوف منذرة بانتشار الأوبئة والأمراض الخطيرة".

تنتج الكوليرا بحسب وزارة الصحة اللبنانية من جرثومة تنتقل عبر مياه الشرب أو تناول مواد غذائية ملوثة، أو من شخص إلى آخر عبر الأيدي الملوثة، وتمتد فترة حضانة المرض من يومين إلى 5 أيام، وتشمل الأعراض إسهالاً مائياً غزيراً، يسبب مضاعفات قد تؤدي إلى الوفاة في حال عدم المعالجة.

الوضع المأساوي الذي شهدته مخيمات عرسال، دفع الشبكة السورية لحقوق الإنسان، إلى التعبير عن خشيتها من أن "خفض مخصصات المياه في المخيمات سيؤدي إلى انتشار بعض الأمراض في ظل مخاوف من وصول وباء الكوليرا إلى المنطقة وأن يسهم فيضان الجور الصحية في زيادة انتشار الحشرات والأمراض"، مشيرة إلى أن "انهيار الوضع الاقتصادي في لبنان، وتراجع دعم المنظمات الإغاثية المعنية بشؤون اللاجئين، وازدياد حملات ترويج السلطات اللبنانية لخطتها في البدء في إعادة اللاجئين، قد انعكس بشكل سلبي لاسيما على قاطني المخيمات".

وناشدت الشبكة "الدول والمنظمات المانحة لزيادة الدعم المقدم لمنظمة اليونيسيف، والمخصص للاجئين السوريين في عرسال، مستنكرة محاولات التضييق عليهم في مستلزمات حقوقهم الأساسية".

بعد انتشار الوباء، تراجعت اليونيسف عن قرارها، لا بل كما يقول "أبو قاسم" رفعت الكمية المخصصة لكل فرد من المياه إلى 35 ليتر يوميا إضافة إلى رفعها كمية المياه المسحوبة من حفر الصرف الصحي إلى 24 ليتراً، وإلى حد الآن تم تسجيل 16 إصابة بالكوليرا في عرسال.

ولمواجهة الوباء، شدّد محافظ بعلبك الهرمل بشير خضر، في تعميم إلى كافة البلديات في المحافظة، على ضرورة اتخاذ الإجراءات الكفيلة بذلك، حيث طلب منها "إلزام الصهاريج التي تنقل مياه الشفة ومياه الاستعمال المنزلي للمخيمات والمنازل، الاستحصال على إذن مسبق من البلديات لنقل المياه، ضمن شرط وحيد وهو وضع مادة الكلور في كل نقلة مياه تُنقل في الصهاريج لتعقيم المياه فيها، وستوزع عليهم مادة الكلور من منظمة اليونيسف مع التعليمات اللازمة".

كما تواصل خضر مع المنظمات التي تقوم بشفط الصرف الصحي في المخيمات، "لاتباع التدابير الصحية المناسبة"، مؤكدا أن "مياه الشّفّة المستعملة في المنازل، صالحة حسب تقارير مؤسسة مياه البقاع".

المياه الملوثة واحدة من الأسباب الأساسية لانتشار الوباء، وقد سجلت الفحوص التي أجرتها وزارة الصحة العديد من مصادر المياه الملوثة، منها كما اشارت "ما يستعمل في بعض المخيمات أو البيوت، ولكن أيضاً تم تسجيل تلوث مياه في ينابيع من بينها نبع الريحانية في الشمال ونبع عين فاعور في ببنين".

كما أن استخدام الخضار الملوثة يسهم كذلك في انتشار الوباء، وقد ثبت لوزارة الصحة العامة أن ثمة مياهاً ملوثة تستعمل في ري الخضار، وثمة مصادر متعددة لذلك من بينها نهر ببنين في عكار، كما أن المخالطة تؤدي إلى العدوى والمزيد من الانتشار في حال لا يقوم المريض بتعقيم يديه بشكل جيد.

ولكي لا تصل الأمور إلى ما لا تحمد عقباه في المستشفيات، طالب خضرين بمعالجة السبب الأساسي للمشكلة اي المياه الملوثة، داعياً وزارة الطاقة والمياه، ووزارة الأشغال والمنظمات الدولية إلى تحمل مسؤوليتها والقيام بواجبها.

كذلك ركز وزير الصحة العامة على "ضرورة تأمين المياه النظيفة كعامل أساسي يساعد على الحد من انتشار الوباء" مشيراً إلى الجهود التي تبذلها وزارة الصحة بالتعاون مع وزارة الطاقة والمياه "حيث أمنت اليونيسف حوالي مئة ألف ليتر من المازوت لاستخدامها في تشغيل محطات ضخ المياه في مناطق الشمال والبقاع الشمالي والبقاع وبعض محطات تكرير المياه المبتذلة للتخفيف من عبء المياه الملوثة".

 في المقابل لفت إلى أن "التواصل مع محطات ضخ المياه سواء في لبنان الشمالي أم البقاع أظهر انقطاعاً متكرراً للتيار الكهربائي عنها، ما يحدّ كثيراً من كميات المياه النظيفة التي تصل إلى المستخدمين". 

لكن مكامن الوباء تُعشِّش كما يرى عضو تكتل "الجمهورية القوية" النائب غياث يزبك، "في الوزارات المعنيّة والإدارات"، لذلك طلب من وزير الصحة ان يبحث هناك لمكافحتها والأمراض الناجمة عنها، بدلاً من البحث عن التلوث في عكار والمخيمات.

وأشار يزبك في تغريدة على صفحته عبر "تويتر" إلى انه عقد منذ مايو الفائت وحتى اليوم، أكثر من جلسة للجنة البيئة مع وزارة الطاقة والمياه، ورجى وزير الطاقة في حكومة تصريف الأعمال وليد فياض تأمين الكهرباء لمحطات تكرير المجارير على الشاطئ ومضخّات المياه الرئيسة، لكي يغتسل الناس و"لكي لا نذهب ضحية الكوليرا وأخواتها"، وختم "الضمير يولِّد الكهرباء أيضاً، الفيول ليس مصدر الطاقة الوحيد... وهنا مكمن الدّاء".

"أسلحة" المواجهة

عدا عن ظهور أعراض الكوليرا من إسهال وتقيؤ على عدد من اللاجئين السوريين في مخيمات عرسال، أصيب البعض منهم كما يؤكد "أبو قاسم" بأمراض جلدية، وقد شدد على أن "الوضع مأساوي، الأمراض تفتك باللاجئين صغارا وكبارا، الجميع يخشى من العدوى، لا سيما في ظل النقص الحاد بأدوات التنظيف والتعقيم، لذلك نطالب المعنيين الإسراع بتأمينها كونها أحد أهم العوامل لمواجهة الوباء".

وفي محاولة للسيطرة على الوباء، كشف أبيض عن مشاريع عدة يتم العمل عليها مع "الشركاء الدوليين" لتأمين الكلور لصهاريج نقل المياه وللاستخدام المنزلي بهدف تعقيم المياه، وذكّر بحملة التوعية التي أطلقتها وزارة الصحة العامة والتي "دعت إلى تعقيم المياه بوضع نقطتي كلورين لكل ليتر مياه"، مضيفا أنه "سيتم توزيع 4 ملايين و800 ألف عبوة مجاناً في المناطق التي ينتشر فيها الوباء".

وكانت وزارة الصحة اوصت بعدم شرب أو استعمال مياه غير مأمونة، ناصحة بشرب الماء من قوارير مياه معبأة مقفلة مضمونة المصدر، وأيضا عدم الشرب والأكل من الأواني نفسها مع الآخرين، كما أوصت بغسل اليدين بالماء والصابون على نحو منتظم قبل تحضير الأطعمة أو تناولها وبعد استعمال المرحاض، والحفاظ على النظافة الشخصية ونظافة الأغذية، وطهي الطعام بشكل جيد جداً وتناوله مباشرة بعد طهيه، وأخيراً مراجعة الطبيب فوراً في حال ظهور إسهال مائي غزير.

"أرقام إصابات الكوليرا أصبحت مقلقة" بحسب ما كشف رئيس لجنة الصحة النيابية النائب بلال عبد الله، مشيراً في تغريدة على صفحته عبر "تويتر" الى أن "وزارة الصحة تقوم بأقصى ما يمكنها، يبقى على الإدارات المعنية متابعة مسألة الصرف الصحي، وسلامة المياه، وإجراءات المنظمات الدولية المسؤولة، ومراقبة الانتقال على الحدود، من وإلى المناطق الموبوءة في سوريا" مشدداً "كلجنة صحة نيابية سنتابع ونسائل الجميع".

على الرغم من الانتشار السريع لوباء الكوليرا إلا أنه إلى حد الآن لم تقم الوزارات المعنية كما يؤكد الكسار بأي خطوة لمعالجة موضوع الصرف الصحي الذي يتداخل مع مياه الشفّة ومياه الري، ويقول "أصبحنا نخشى من شرب المياه وتناول الخضار والفاكهة، نعيش رعباً بكل ما للكلمة من معنى".

ثمة ضرورة الان قبل الغد كما يشدد مختار ببنين "لتأمين مياه نظيفة لمخيمات اللجوء ولبعض الأحياء في عدد من القرى والبلدات اللبنانية المحيطة بها، إضافة إلى ضرورة تأمين الأمصال والأدوية اللازمة، وتجهيز اقسام جديدة في المستشفيات الحكومية والخاصة، وتكثيف حملات التوعية بالتنسيق مع البلديات والجمعيات الأهلية، وإلا فإن الوباء الخطير والمميت سيداهم كل البيوت".

لبنان وحماس

في حدث معبر وغير مسبوق، أظهرت الدولة اللبنانية صلابة في موقفها، وأجبرت حركة حماس، التي طالما استخفت بالسيادة اللبنانية، على الانصياع.

بعد تحذير حازم، من مجلس الدفاع الوطني اللبناني، سلمت حماس عددا من المطلوبين بتهمة إطلاق صواريخ من جنوب لبنان نحو إسرائيل، وهو تصعيد لم تكن الدولة اللبنانية لتواجهه بردع مباشر في السابق، إذ غالبا ما كانت تتم معالجة خروقات كهذه ضمن تفاهمات خلف الكواليس، خصوصا بوجود غطاء سياسي لحماس في لبنان من حزب الله. 

لكن هذه المرة، بدا الأمر مختلفا تماما.

الرسالة كانت واضحة: لم يعد بإمكان أي جهة أن تتصرف خارج سلطة الدولة اللبنانية.

استعادة السيادة

في أبريل الماضي، أعلن الجيش اللبناني ضبط عدة صواريخ ومنصات إطلاق واعتقل عددا من الأشخاص في جنوب لبنان، وقال إن التحقيقات جارية تحت إشراف القضاء.

حماس، التي اعتادت التلاعب بالسيادة اللبنانية مسنودة بتحالفاتها الإقليمية وصلاتها بحزب الله، وجدت نفسها الآن مجبرة على تسليم المطلوبين، في خطوة تعكس هشاشة موقفها وانحسار الدعم الذي طالما استفادت منه.

هذه الاستجابة السريعة تأتي بعد الهزيمة العسكرية التي تعرضت لها الحركة في غزة خلال الحرب الأخيرة مع إسرائيل. فبينما تكبدت حماس خسائر فادحة، أظهرت التطورات الميدانية في لبنان تراجعا واضحا في تأثيرها ونفوذها.

فهل نحن أمام إعادة صياغة لدور حماس في لبنان؟ أم أن الحركة تسعى لتجنب مواجهة جديدة قد تكون مكلفة في ظل تغير الموازين السياسية والأمنية في المنطقة؟

نقطة التحول المفصلية

أصبحت بيروت منذ عام 2019 حاضنة رئيسية لقيادات حماس ومحطة مهمة لوجودها السياسي والأمني، كما ذكر مركز "كارنيغي".

ولا شك أن اللحظة التي أُعلنت فيها استراتيجية "وحدة الساحات" 

وقبل هجوم حماس على إسرائيل في أكتوبر 2023 وتشكيل غرفة عمليات مشتركة في الضاحية الجنوبية لـ"محور الساحات،" أعلنت حماس وحزب الله استراتيجية "وحدة الساحات".

وبدت تلك اللحظة وكأنها "تمهيد لانقلاب شامل على الوضع اللبناني ومحاولة لفرض سيطرة محور الممانعة على كامل الأراضي اللبنانية وعلى جميع القوى السياسية دون استثناء مع بروز دور حركة حماس كعامل فلسطيني رديف لحزب الله في لبنان".

نشاط حماس في لبنان "يتعارض مع السياسة الرسمية الفلسطينية في التعاطي مع الشأن اللبناني"، يقول مدير مركز تطوير للدراسات الاستراتيجية والتنمية البشرية الباحث الفلسطيني، هشام دبسي لموقع "الحرة".

وتبنت حماس إطلاق صواريخ من لبنان خلال المواجهة التي بدأها حزب الله ضد إسرائيل عام 2023 على خلفية الحرب في قطاع غزة، لكن التطورات الميدانية وعمليات الاغتيال التي نفذتها إسرائيل قلبت المشهد رأساً على عقب".

وجاءت "تداعيات الضربات الإسرائيلية على حزب الله ومحور الممانعة في لبنان قاسية ليس فقط على حركة حماس بل على حزب الله ذاته"، يقول دبسي لموقع "الحرة".

وشكّلت عملية اغتيال نائب رئيس مكتب حماس السياسي، صالح العاروري في لبنان في يناير 2024، وفق ما يقوله دبسي "نقطة تحول رئيسية في مسار حركة حماس التي كانت تعيش حالة من الصعود على المستويين الفلسطيني واللبناني".

ويتابع "لكن نتائج الحرب الأخيرة وضعت الحركة في مأزق تحالفها مع حزب الله إذ لم تعد قادرة على فك ارتباطها بهذا التحالف كما لا تستطيع اتخاذ خطوة تراجع منهجية تقتضي بتسليم سلاحها للدولة اللبنانية والالتزام بالشرعية الفلسطينية ممثلة بمنظمة التحرير وسفارة فلسطين في لبنان".

يذكر أن العاروري، قتل مع اثنين من قادة الجناح العسكري للحركة، في ضربة إسرائيلية استهدفت مكتبا للحركة في الضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية بيروت، أحد معاقل جماعة حزب الله اللبنانية.

رسالة واضحة

حذّر مجلس الدفاع الوطني اللبناني حماس من استخدام الأراضي اللبنانية للقيام بأي أعمال تمس بالأمن القومي اللبناني تحت طائلة اتخاذ أقصى التدابير والإجراءات اللازمة لوضع حد نهائي لأي عمل ينتهك السيادة اللبنانية.

يتجلى في خطوة المجلس هذه بعدان أساسيان، يشرحهما دبسي "الأول هو انقلاب موازين القوى الداخلية لصالح الدولة اللبنانية في مواجهة سلاح الميليشيات حيث يعكس هذا التحرك تحولاً نوعياً نحو تعزيز سيطرة الدولة على السلاح وتقليص نفوذ الجماعات المسلحة".

الثاني "هو ترجمة خطاب القسم الرئاسي والبيان الوزاري إلى خطوات عملية تهدف إلى حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وفي هذا الإطار جاء إطلاق مجموعة من حركة حماس صواريخ من الأراضي اللبنانية نحو إسرائيل ليشكل اختباراً لمدى جدية العهد الجديد في فرض سيادة الدولة وقد كان الرد الإسرائيلي العنيف بمثابة إنذار لما قد تترتب عليه مثل هذه العمليات من تداعيات خطيرة".

وبالتالي فإن الدولة اللبنانية بسياساتها الجديدة لا يمكنها وفق ما يشدد دبسي "التغاضي عن هذه التطورات أو التعامل معها كما كان يحدث في السابق، بل على العكس جاء توجيه الإنذار لحركة حماس كرسالة واضحة بأن قرار السلاح والسيادة بات في يد الدولة اللبنانية ولن يُسمح لأي طرف بتجاوزه".

وفي ما يتعلق بتقييم استجابة حركة حماس لطلب تسليم المطلوبين، يرى دبسي أن الحركة "في البداية كانت مترددة وحاولت الاعتماد على علاقاتها التقليدية مع حزب الله وباقي قوى محور الممانعة في لبنان لكن مع إدراكها أن حزب الله لن يقدم لها الدعم ولن تستطيع الاحتماء بمظلته أو بمظلة أي من القوى اللبنانية الأخرى لم يبق أمامها سوى خيارين إما تسليم العناصر المطلوبة للدولة اللبنانية أو مواجهة الدولة دون أي غطاء لبناني داخلي ودون أي غطاء فلسطيني أيضاً".

ويشير دبسي إلى "أن منظمة التحرير الفلسطينية طالبت حماس مرارا بتسليم المطلوبين وعدم استخدام الأراضي اللبنانية لإطلاق الصواريخ حتى لا تعرض مجتمع اللاجئين الفلسطينيين لردود الفعل الإسرائيلية".

وبناء على ذلك اضطرت حركة حماس "في نهاية المطاف للاستجابة لمطلب الدولة اللبنانية كخيار إجباري لا مفر منه".

تصدّع التحالف

كشفت التطورات الأخيرة عمق الخلافات والتباينات الميدانية بين حماس وحزب الله، إذ لم يعد أي منهما قادراً على مساندة الآخر في ظل الظروف الراهنة، بحسب ما يرى دبسي.

ويشرح أن "حزب الله الذي أعلن التزامه بموقف الدولة اللبنانية لم يعد قادراً على تقديم الغطاء لحماس أو حمايتها، ما يعكس حالة من التباعد بين الطرفين، خاصة وأن حزب الله يشعر بأن حماس قد خدعته بعملية 'طوفان الأقصى'، إذ لم تنسق العملية معه ولم تُعلمه بموعدها مسبقاً".

في المقابل، "تشعر حماس بأن حزب الله لم يكن وفياً بما يكفي في دعمه للحالة الفلسطينية ولم يلتزم بتعهداته كما تتصور الحركة. وهكذا، باتت العلاقة بين الطرفين أقرب إلى تبادل الاتهامات وتحميل المسؤولية؛ فحزب الله يلقي اللوم على حماس بسبب التصعيد الميداني غير المنسق، بينما ترى حماس أن حزب الله استخدم إطلاق النار من لبنان كغطاء دون التشاور معها".

في ظل هذه التوترات، عادت قضية سحب السلاح الفلسطيني من المخيمات إلى الواجهة، وسط توقعات بإعلان الدولة اللبنانية عن خريطة طريق واضحة لتنفيذ هذه الخطوة، وفقاً لدبسي.

يُذكر أن ملف السلاح الفلسطيني في لبنان ينقسم إلى محورين: السلاح داخل المخيمات وخارجها. وقد أنجز ملف السلاح خارج المخيمات بالكامل، بينما يجري العمل حالياً لضبط السلاح داخل المخيمات.

وتندرج هذه القضية ضمن إطار القرار 1559 الصادر عام 2003، والذي ينص على نزع سلاح الميليشيات والقوى الأجنبية غير اللبنانية، بما فيها السلاح الفلسطيني.

يشير دبسي إلى أن "الشرعية الفلسطينية سبق أن أعلنت دعمها لتطبيق القرارين 1559 و1701، وأبدت استعدادها للتعاون الكامل مع الدولة اللبنانية لتنظيم الوجود المسلح داخل المخيمات وخارجها".

وكان الرئيس الفلسطيني محمود عباس قد أكد خلال زيارته السابقة إلى قصر بعبدا في عهد الرئيس ميشال سليمان على تسهيل عمل الحكومة اللبنانية في إنهاء هذا الملف، لكن التطبيق تعثر بفعل هيمنة "محور الممانعة".

وفي هذا السياق، تتجه الأنظار إلى زيارة عباس المرتقبة إلى لبنان في 21 مايو، "حيث يتوقع أن تحمل مؤشرات حول كيفية تنفيذ المبادرة السياسية والأمنية المتعلقة بسحب السلاح من المخيمات بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية"، وفقاً لدبسي.