الدفاع المدني اللبناني أعلن وفاة شخص جراء السيول التي شهدتها البلاد
الدفاع المدني اللبناني أعلن وفاة شخص جراء السيول التي شهدتها البلاد | Source: https://www.facebook.com/CivildefenseLB

أعلن الدفاع المدني اللبناني، الإثنين، عن تمكن عناصر وحدة الإنقاذ البحري والمراكز البرية المجاورة بمؤازرة وحدات من الجيش اللبناني من العثور على جثة مواطن لبناني، وهو عسكري متقاعد في الجيش اللبناني، كان قد فقد أثناء هطول الأمطار، مساء الأحد، في منطقة ذوق مصبح، بعدما جرفته السيول.

وكانت شوارع لبنانية رئيسية وطرقات دولية قد تحولت إلى أنهار ومستنقعات في مدن بيروت وجونية وطرابلس وصيدا بعدما غرقت بمياه الأمطار التي تساقطت بغزارة لأول مرة هذا الموسم على مختلف الأراضي اللبنانية، فكانت الاختبار الأول الذي فشلت فيه تحضيرات السلطات اللبنانية للبنى التحتية في البلاد، لاسيما الطرق الرئيسية ومنظومات تصريف المياه وقنوات الصرف الصحي. 

وبحسب تعميم الدفاع المدني تمكن فقد تم العثور على جثة الرجل في تمام الساعة التاسعة والنصف من صباح الإثنين، على بعد كيلومتر من المكان الذي فقد فيه في وادي ذوق مصبح. 

وكانت الأمطار قد جرفت سيارة الرجل نحو وادي زوق مصبح، وكان معه شخصان في المركبة تم إنقاذهما فيما لم يتم العثور على الرجل حينها. 

وشهد الأوتوستراد الساحلي من منطقة الضبية إلى ذوق مصبح وصولا حتى مدينة جونية سيولاً جارفة اجتاحت الطرق الرئيسية وأدت إلى زحمة سير خانقة علق بسببها عشرات المواطنين في سياراتهم، فيما تسببت مياه الأمطار بفوضى عارمة في المدن وعلى الطرقات الدولية. 

وطلبت القوى الأمنية من جميع السائقين، نظرا لتساقط الأمطار على معظم المناطق، تخفيف السرعة وتوخي الحذر حرصًا على السلامة العامة، وعدم سلوك الطريق الساحلي نحو الشمال الذي أقفل بالأمطار لتخفيف زحمة السير في المكان. 

بدورهم قام عناصر شرطة بلدية نهر ابراهيم بسحب السيارات التي علقت على الأوتوستراد (الطريق السريع)، كذلك عملوا بالتعاون مع الدفاع المدني على سحب المياه من داخل أحد المنازل التي غرقت في البلدة ومن أحد المستودعات، بعد دخول أمطار المياه اليهما.

وانتشرت صور ومقاطع مسجلة على وسائل التواصل الاجتماعي من مختلف المناطق اللبنانية تظهر آثار الكارثة التي باتت عادة سنوية تشهدها البلاد مع أول شتوة كل عام، رغم كافة التحذيرات والمناشدات التي تتلقاها وزارة الأشغال العامة والبلديات بتحضير البنى التحتية للطرقات وتنظيم المجاري ومصارف المياه لتجنب الفيضانات، ولكن دون نتيجة. 

وفي هذا السياق قالت مصلحة الأبحاث العلمية الزراعية إنها كانت قد بدأت بإصدار التحذيرات منذ شهر أغسطس لجميع الجهات المسؤولة للقيام بتنظيف مجاري المياه والقنوات والأنهار وكذلك إلى المواطنين لعدم رمي النفايات فيها، ومع ذلك شهدنا مع أول أمطار البرك والأضرار من جراء السيول".

كذلك ارتفعت الأصوات المنددة بأداء وزارة الأشغال العامة في لبنان والبلديات، التي لم تحرص رغم تكرار الكارثة كل عام، على القيام بدورها في تجهيز الطرقات وتحضيرها لتجنب وقوع هذه الكوارث، وسط تخوف من تكرار هذه المشاهد مع قدوم الشتاء وتوالي العواصف الماطرة على البلاد في المرحلة المقبلة، لاسيما وأن المشكلة لم يتم حلها بعد. 

من جهته، أشار وزير الأشغال العامة والنقل في حكومة تصريف الأعمال، علي حميّة، إلى أن وزارته كانت قد بدأت بتنظيف مجاري الأنهر منذ شهر، لافتا إلى أن "الوزارة تحوّلت إلى شركة لرفع النفايات وقبلنا بهذا الأمر لأنّ هذه الشركات لا تعمل وتواصلنا مع البلديات".

وأضاف الوزير اللبناني في مؤتمر صحفي "تكرير المياه ليست من مهام وزارة الأشغال وتدفّق المياه جرف معه النفايات وعلى المواطن أن يُحاسب كلّ مسؤول وفق مسؤولياته"، محذراً من تكرار ما حصل الأحد بسبب الأمطار في العواصف المقبلة.

وقال: "أنا لا أبرر، ولكن أضع الجميع بصورة التقصير الحاصل، وكلنا مسؤولون وأحذر في الأيام المقبلة، لأنه من غير المقبول أن تقف البلديات مكتوفة الأيدي .. وأحمل المسؤولية لكل المعنيين، ووزارة الأشغال مستمرة بالعمل على الأرض ليل نهار ونطلب بإلحاح بأن يتحمل كل مسؤول مسؤولياته وإلا فليرحل".

وكان قد أدى تساقط الأمطار في منطقة مرجعيون إلى توقف حركة السير نهائياً على طريق عام النبطية مرجعيون عند محلة الخردلي، حيث أدت زخات الأمطار التي هطلت في الساعات الأولى من المساء إلى انزلاق السيارات والشاحنات وإلى تسرب مادة المازوت على الطريق، مما اضطر السائقين إلى العودة أدراجهم أو التوقف إلى جانب الطريق إلى حين المعالجة.

كذلك في صيدا، أدت الأمطار الغزيرة إلى تشكل مستنقعات في شارع رياض الصلح، الأمر الذي أعاق حركة السيارات والمواطنين هناك، الذين ناشدوا البلدية والسلطات الحكومية التدخل. 

وكان لبنان قد شهد منخفضاً جوياً هو الأول من نوعه الذي يحمل هذا الكم من الأمطار لهذا العام، منذراً بحلول الموسم الشتوي على البلاد، التي تعاني بدورها للعام الثالث على توالي من تأثيرات أزمتها الاقتصادية التي انعكست انهياراً مالياً أطاح بالقدرة الشرائية للمواطنين وأحال نحو 80 في المئة منهم على فقر متعدد الأوجه، فيما وصلت نسبة البطالة في البلاد إلى حدود الـ 40 في المئة. 

ويزيد الموسم الشتوي من معاناة اللبنانيين لاسيما من ناحية تأمين التدفئة اللازمة في ظل ارتفاع قياسي بأسعار المحروقات والحطب ولوازم التدفئة، وسط انهيار في قدرة اللبنانيين الشرائية وقيمة رواتبهم المصروفة بالليرة اللبنانية. 

ويخشى اللبنانيون من استمرار الواقع المتردي للبنى التحتية في لبنان بالتأثير على حياتهم خلال الشتاء القادم، في ظل انعدام الحلول الجذرية، لاسيما وأن لبنان ينتظر منخفضاً جوياً جديداً بعد يومين، وسيكون أمام العديد من العواصف التي ستكون أكثر حدة وقسوة كلما دخلت البلاد في الفصل البارد. 

لبنان وحماس

في حدث معبر وغير مسبوق، أظهرت الدولة اللبنانية صلابة في موقفها، وأجبرت حركة حماس، التي طالما استخفت بالسيادة اللبنانية، على الانصياع.

بعد تحذير حازم، من مجلس الدفاع الوطني اللبناني، سلمت حماس عددا من المطلوبين بتهمة إطلاق صواريخ من جنوب لبنان نحو إسرائيل، وهو تصعيد لم تكن الدولة اللبنانية لتواجهه بردع مباشر في السابق، إذ غالبا ما كانت تتم معالجة خروقات كهذه ضمن تفاهمات خلف الكواليس، خصوصا بوجود غطاء سياسي لحماس في لبنان من حزب الله. 

لكن هذه المرة، بدا الأمر مختلفا تماما.

الرسالة كانت واضحة: لم يعد بإمكان أي جهة أن تتصرف خارج سلطة الدولة اللبنانية.

استعادة السيادة

في أبريل الماضي، أعلن الجيش اللبناني ضبط عدة صواريخ ومنصات إطلاق واعتقل عددا من الأشخاص في جنوب لبنان، وقال إن التحقيقات جارية تحت إشراف القضاء.

حماس، التي اعتادت التلاعب بالسيادة اللبنانية مسنودة بتحالفاتها الإقليمية وصلاتها بحزب الله، وجدت نفسها الآن مجبرة على تسليم المطلوبين، في خطوة تعكس هشاشة موقفها وانحسار الدعم الذي طالما استفادت منه.

هذه الاستجابة السريعة تأتي بعد الهزيمة العسكرية التي تعرضت لها الحركة في غزة خلال الحرب الأخيرة مع إسرائيل. فبينما تكبدت حماس خسائر فادحة، أظهرت التطورات الميدانية في لبنان تراجعا واضحا في تأثيرها ونفوذها.

فهل نحن أمام إعادة صياغة لدور حماس في لبنان؟ أم أن الحركة تسعى لتجنب مواجهة جديدة قد تكون مكلفة في ظل تغير الموازين السياسية والأمنية في المنطقة؟

نقطة التحول المفصلية

أصبحت بيروت منذ عام 2019 حاضنة رئيسية لقيادات حماس ومحطة مهمة لوجودها السياسي والأمني، كما ذكر مركز "كارنيغي".

ولا شك أن اللحظة التي أُعلنت فيها استراتيجية "وحدة الساحات" 

وقبل هجوم حماس على إسرائيل في أكتوبر 2023 وتشكيل غرفة عمليات مشتركة في الضاحية الجنوبية لـ"محور الساحات،" أعلنت حماس وحزب الله استراتيجية "وحدة الساحات".

وبدت تلك اللحظة وكأنها "تمهيد لانقلاب شامل على الوضع اللبناني ومحاولة لفرض سيطرة محور الممانعة على كامل الأراضي اللبنانية وعلى جميع القوى السياسية دون استثناء مع بروز دور حركة حماس كعامل فلسطيني رديف لحزب الله في لبنان".

نشاط حماس في لبنان "يتعارض مع السياسة الرسمية الفلسطينية في التعاطي مع الشأن اللبناني"، يقول مدير مركز تطوير للدراسات الاستراتيجية والتنمية البشرية الباحث الفلسطيني، هشام دبسي لموقع "الحرة".

وتبنت حماس إطلاق صواريخ من لبنان خلال المواجهة التي بدأها حزب الله ضد إسرائيل عام 2023 على خلفية الحرب في قطاع غزة، لكن التطورات الميدانية وعمليات الاغتيال التي نفذتها إسرائيل قلبت المشهد رأساً على عقب".

وجاءت "تداعيات الضربات الإسرائيلية على حزب الله ومحور الممانعة في لبنان قاسية ليس فقط على حركة حماس بل على حزب الله ذاته"، يقول دبسي لموقع "الحرة".

وشكّلت عملية اغتيال نائب رئيس مكتب حماس السياسي، صالح العاروري في لبنان في يناير 2024، وفق ما يقوله دبسي "نقطة تحول رئيسية في مسار حركة حماس التي كانت تعيش حالة من الصعود على المستويين الفلسطيني واللبناني".

ويتابع "لكن نتائج الحرب الأخيرة وضعت الحركة في مأزق تحالفها مع حزب الله إذ لم تعد قادرة على فك ارتباطها بهذا التحالف كما لا تستطيع اتخاذ خطوة تراجع منهجية تقتضي بتسليم سلاحها للدولة اللبنانية والالتزام بالشرعية الفلسطينية ممثلة بمنظمة التحرير وسفارة فلسطين في لبنان".

يذكر أن العاروري، قتل مع اثنين من قادة الجناح العسكري للحركة، في ضربة إسرائيلية استهدفت مكتبا للحركة في الضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية بيروت، أحد معاقل جماعة حزب الله اللبنانية.

رسالة واضحة

حذّر مجلس الدفاع الوطني اللبناني حماس من استخدام الأراضي اللبنانية للقيام بأي أعمال تمس بالأمن القومي اللبناني تحت طائلة اتخاذ أقصى التدابير والإجراءات اللازمة لوضع حد نهائي لأي عمل ينتهك السيادة اللبنانية.

يتجلى في خطوة المجلس هذه بعدان أساسيان، يشرحهما دبسي "الأول هو انقلاب موازين القوى الداخلية لصالح الدولة اللبنانية في مواجهة سلاح الميليشيات حيث يعكس هذا التحرك تحولاً نوعياً نحو تعزيز سيطرة الدولة على السلاح وتقليص نفوذ الجماعات المسلحة".

الثاني "هو ترجمة خطاب القسم الرئاسي والبيان الوزاري إلى خطوات عملية تهدف إلى حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وفي هذا الإطار جاء إطلاق مجموعة من حركة حماس صواريخ من الأراضي اللبنانية نحو إسرائيل ليشكل اختباراً لمدى جدية العهد الجديد في فرض سيادة الدولة وقد كان الرد الإسرائيلي العنيف بمثابة إنذار لما قد تترتب عليه مثل هذه العمليات من تداعيات خطيرة".

وبالتالي فإن الدولة اللبنانية بسياساتها الجديدة لا يمكنها وفق ما يشدد دبسي "التغاضي عن هذه التطورات أو التعامل معها كما كان يحدث في السابق، بل على العكس جاء توجيه الإنذار لحركة حماس كرسالة واضحة بأن قرار السلاح والسيادة بات في يد الدولة اللبنانية ولن يُسمح لأي طرف بتجاوزه".

وفي ما يتعلق بتقييم استجابة حركة حماس لطلب تسليم المطلوبين، يرى دبسي أن الحركة "في البداية كانت مترددة وحاولت الاعتماد على علاقاتها التقليدية مع حزب الله وباقي قوى محور الممانعة في لبنان لكن مع إدراكها أن حزب الله لن يقدم لها الدعم ولن تستطيع الاحتماء بمظلته أو بمظلة أي من القوى اللبنانية الأخرى لم يبق أمامها سوى خيارين إما تسليم العناصر المطلوبة للدولة اللبنانية أو مواجهة الدولة دون أي غطاء لبناني داخلي ودون أي غطاء فلسطيني أيضاً".

ويشير دبسي إلى "أن منظمة التحرير الفلسطينية طالبت حماس مرارا بتسليم المطلوبين وعدم استخدام الأراضي اللبنانية لإطلاق الصواريخ حتى لا تعرض مجتمع اللاجئين الفلسطينيين لردود الفعل الإسرائيلية".

وبناء على ذلك اضطرت حركة حماس "في نهاية المطاف للاستجابة لمطلب الدولة اللبنانية كخيار إجباري لا مفر منه".

تصدّع التحالف

كشفت التطورات الأخيرة عمق الخلافات والتباينات الميدانية بين حماس وحزب الله، إذ لم يعد أي منهما قادراً على مساندة الآخر في ظل الظروف الراهنة، بحسب ما يرى دبسي.

ويشرح أن "حزب الله الذي أعلن التزامه بموقف الدولة اللبنانية لم يعد قادراً على تقديم الغطاء لحماس أو حمايتها، ما يعكس حالة من التباعد بين الطرفين، خاصة وأن حزب الله يشعر بأن حماس قد خدعته بعملية 'طوفان الأقصى'، إذ لم تنسق العملية معه ولم تُعلمه بموعدها مسبقاً".

في المقابل، "تشعر حماس بأن حزب الله لم يكن وفياً بما يكفي في دعمه للحالة الفلسطينية ولم يلتزم بتعهداته كما تتصور الحركة. وهكذا، باتت العلاقة بين الطرفين أقرب إلى تبادل الاتهامات وتحميل المسؤولية؛ فحزب الله يلقي اللوم على حماس بسبب التصعيد الميداني غير المنسق، بينما ترى حماس أن حزب الله استخدم إطلاق النار من لبنان كغطاء دون التشاور معها".

في ظل هذه التوترات، عادت قضية سحب السلاح الفلسطيني من المخيمات إلى الواجهة، وسط توقعات بإعلان الدولة اللبنانية عن خريطة طريق واضحة لتنفيذ هذه الخطوة، وفقاً لدبسي.

يُذكر أن ملف السلاح الفلسطيني في لبنان ينقسم إلى محورين: السلاح داخل المخيمات وخارجها. وقد أنجز ملف السلاح خارج المخيمات بالكامل، بينما يجري العمل حالياً لضبط السلاح داخل المخيمات.

وتندرج هذه القضية ضمن إطار القرار 1559 الصادر عام 2003، والذي ينص على نزع سلاح الميليشيات والقوى الأجنبية غير اللبنانية، بما فيها السلاح الفلسطيني.

يشير دبسي إلى أن "الشرعية الفلسطينية سبق أن أعلنت دعمها لتطبيق القرارين 1559 و1701، وأبدت استعدادها للتعاون الكامل مع الدولة اللبنانية لتنظيم الوجود المسلح داخل المخيمات وخارجها".

وكان الرئيس الفلسطيني محمود عباس قد أكد خلال زيارته السابقة إلى قصر بعبدا في عهد الرئيس ميشال سليمان على تسهيل عمل الحكومة اللبنانية في إنهاء هذا الملف، لكن التطبيق تعثر بفعل هيمنة "محور الممانعة".

وفي هذا السياق، تتجه الأنظار إلى زيارة عباس المرتقبة إلى لبنان في 21 مايو، "حيث يتوقع أن تحمل مؤشرات حول كيفية تنفيذ المبادرة السياسية والأمنية المتعلقة بسحب السلاح من المخيمات بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية"، وفقاً لدبسي.