نشطاء يدفعون عربات محملة بالمساعدات الغذائية  بمدينة صيدا جنوب لبنان (أرشيف)
نشطاء يدفعون عربات محملة بالمساعدات الغذائية بمدينة صيدا جنوب لبنان (أرشيف)

نتائج صادمة توصلت إليها دراسة أعدتها الجامعة اللبنانية الأميركية بالتعاون مع الجامعة الأميركية في بيروت، أظهرت أنه رغم الأزمة الاقتصادية التي يمر بها لبنان وارتفاع نسبة الفقر، فإن 35 بالمئة من الغذاء يذهب هدراً سواء في المطاعم أو في المنازل. 

وشملت الدراسة 222 مطعماً في العاصمة اللبنانية وعدداً من المناطق و500 زبوناً، كما طالت عينة من 2264 منزلاً من مختلف المناطق، بالإضافة إلى استبيان تضمن 27 سؤالاً شمل 1300 عائلة،

أما الهدف كما يقول الأكاديمي المشارك في برنامج التغذية في الجامعة اللبنانية الأميركية، الدكتور حسين حسن، "فيتمثل أولاً بالإضاءة على مدى التناقض الذي نعيشه، ففي الوقت الذي يفتقد فيه ما لا يقل عن الـ65 بالمئة من المواطنين للأمن الغذائي، تهدر كميات كبيرة من الطعام، وثانياً دفع المعنيين لاتخاذ الخطوات اللازمة للحد من هذه الظاهرة". 

"ثلث الأطفال جياع"

آلاف من أطنان الطعام ترمى في النفايات، و30 بالمئة من أطفال لبنان ينامون ببطون خاوية، لعدم حصولهم على عدد كاف من الوجبات، في حين لا تملك 77 بالمئة من الأسر ما يكفي من غذاء أو مال لشراء الغذاء، وذلك وفقا لما ذكره تقرير لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) العام الماضي.

وكان ذلك التقرير قد أشار  أيضا إلى أن 60 بالمئة من الأسر تضطر  لشراء الطعام عبر مراكمة الفواتير غير المدفوعة أو من خلال الاقتراض والاستدانة، و40 بالمئة من الأطفال ينتمون إلى أسر لا يعمل فيها أحد، و77 بالمئة من تلك الأسر لا تتلقى مساعدة اجتماعية من أي جهة.  

ورأت المنظمة وقتها أن الأزمات المتتالية في لبنان أدت إلى جعل الأسر والأطفال في حال "يرثى لها"، وبالتالي أثرت تقريباً على كل جانب من جوانب حياتهم، وذلك "في ظل شح الموارد واستحالة الوصول واقعياً إلى الدعم الاجتماعي". 

وعلى الصعيد العالمي، ذكرت الأمم المتحدة الشهر الماضي، أن حوالي 14 بالمئة من الأغذية في العالم تفقد بعد حصادها وقبل مرحلة البيع بالتجزئة، ولكن دون احتساب هذه المرحلة من سلسلة الإمداد.

وتشير التقديرات إلى أن نسبة 17 بالمئة من الأغذية تُهدر في مرحلة البيع بالتجزئة وعلى مستوى الاستهلاك. 

درجات الهدر  

وكشفت الدراسة أن هدر الطعام في المطاعم أكبر من المنازل، وأن نسبة الهدر تزداد كلما ارتفع عدد الاشخاص الجالسين إلى مائدة الطعام ومدة بقائهم، ويساهم في ذلك أيضاً كما يشير حسن في حديث لموقع "الحرة" "ارتفاع الطلب على المقبلات بالإضافة إلى تدخين النارجيلة (الشيشة) وشرب الكحول". 

وتبين بحسب الدراسة،  أن الجنس (ذكر وأنثى) والعمر والوضع العائلي لا يؤثر على كمية الغذاء المهدور،  وذلك على عكس الوضعين الاقتصادي والاجتماعي للفرد.

ويشرح حسن: "ينتج المطعم باهظ التكلفة يومياً 23 كيلو من النفايات أكثر من المطاعم ذات الكلفة المتدنية، ويعود ذلك إلى أن الأغنياء أو الميسورين يحاولون إظهار كرمهم وثرائهم من خلال طلب المزيد من الأطعمة".

ويصف: "ومن ناحية ثانية يجد البعض في انخفاض الأسعار حافزاً لطلب ما يفوق حاجتهم من الطعام، كما تزيد كمية النفايات التي ينتجها مطعم لبناني يومياً بـ 34 كيلو عن المطاعم التي تقدم المأكولات الأجنبية كـ (الفاست فود)، وخلصت الدراسة إلى أن الأفضل بين المطاعم من تكون ذات أسعار متوسطة، والتي يحرص روادها على طلب ما يأكلونه فقط من دون تبذير". 

"بنك للغذاء"

هدر الطعام كان السبب الرئيسي خلف تأسيس جمعية "بنك الغذاء اللبناني"  في العام 2012، بغية جمع فائض المأكولات من المطاعم والفنادق والشركات، ثم توضيبه ونقله في ذات اليوم عبر مركبات مبردة، إلى سلسلة الجمعيات التي تعمل معها في مختلف المناطق اللبنانية.

وأوضحت المديرة التنفيذية للجمعية سهى زعيتر في حديثها لموقع الحرة أنهم "استطاعوا  توزيع مئات آلاف الوجبات سنوياً، إلا ان جائحة كورونا أدت إلى إيقاف المشروع حفاظاً على سلامة فريق العمل والمحتاجين". 

وتعتقد زعيتر" أن الهدر الكبير للطعام سببه عدم قدرة المؤسسات والشركات على تصريف منتوجاتها، بسبب المنافسة، "فبدلاً من التبرع بالمواد الغذائية قبل انتهاء مدة صلاحياتها يجري إتلافها". 

وتمكنت الجمعية من استئناف نشاطها خلال العالم الجاري،، إلا إنه وكما تقول زعيتر فإن "كميات الطعام تراجعت بشكل كبير، بسبب تراجع عدد المناسبات الاجتماعية، في وقت ارتفع عدد الأشخاص الذين سجلوا أسماءهم منذ الأزمة الاقتصادية للاستفادة من الواجبات التي نقدمها، إلى درجة إنه فاق قدرتنا".

وأردفت: "لذلك نعمل على التعاون مع عدد من الجهات الداخلية والخارجية لكي نتمكن قدر المستطاع من تأمين أبسط حقوق الإنسان، وقد توصلنا إلى تقديم 500 وجبة يومياً، على مدى خمسة أيام في الأسبوع، من خلال المطابخ الاجتماعية". 

من جانبها، عملت "نقابة أصحاب المطاعم والمقاهي والملاهي والباتيسري" في السابق كما أكد نائب رئيسها، خالد نزهة في تصريحات لموقع الحرة ، مع أكثر من جمعية في مناطق مختلفة لمكافحة هدر الطعام.

وأوضح قائلاً "كنا نمدها بفائض المأكولات لإيصالها إلى المحتاجين ودور المسنين، إبيد أن الوضع تغير مع الأزمة الاقتصادية وانتشار وباء كورونا، فالعديد من المؤسسات أغلقت أبوابها، ناهيك عن ارتفاع كلفة النقل والتقنين الكهربائي، ما رفع منسوب مخاوفنا من فساد الطعام بين مرحلة تسليمه إلى الجمعيات وإيصاله إلى وجهته، فانتقل الأمر إلى المبادرات الفردية، بمعنى أن كل مطعم يوزع فائض الطعام على المحتاجين من أبناء المنطقة ومعارف موظفيه". 

"مسؤولية مشتركة"

ولم يحل ارتفاع أسعار المواد الغذائية وانتشار الفقر في لبنان دون تسجيل نسبة كبيرة من هدر الطعام في المنازل.

فبحسب الدراسة، فإن كمية الهدر تزداد في حال شراء كميات تفيض عن حاجة العائلة، لافتة إلى أنه كلما ازداد عدد أفراد العائلة كلما انخفضت كمية الطعام المهدورة، وأن أبناء القرى يهدرون كميات أقل من الطعام مقارنة بسكان المدن كونهم يتشاركون الطعام فيما بينهم، إضافة إلى أن الشعور بالذنب يخفف من الهدر. 

"الخجل وثقافة البنك الغذائي"

من جانبه، ينبه مدير عام وزارة الاقتصاد محمد أبو حيدر  إلى أن لبنان"يستورد 80 في المئة من المواد الغذائية التي يستهلكها، وعلى سبيل المثال يشتري لبنان 81 بالمئة من القمح من أوكرانيا و14 بالمئة من روسيا ويكتفي بالبقية من الإنتاج الزراعي المحلي، وذلك يعود إلى كون اللبناني مضياف، إضافه إلى خجله من طلب فائض طعامه من المطاعم، وغياب ثقافة البنك الغذائي". 

ووفقاً لتقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة، فإن 17 بالمئة من جميع الأغذية المنتجة سنوياً، أي ما يوازي 931 مليون طن، تُهدر في المنازل ومنشآت البيع بالتجزئة وصناعة الخدمات الغذائية. 

ويقدّر البرنامج الأممي أن 3.1 مليار شخص في جميع أنحاء العالم لا يتبعون نظاماً غذائياً صحياً، في حين يعاني حوالي 828 مليون شخص من الجوع، وقد زاد عددهم بأكثر من 100 مليون بسبب الوباء مما أظهر حاجة ملحّة للحد من فقد الأغذية وهدرها.

وأشار البرنامج إلى أن 61 في المئة من الطعام يتم هدره في المنازل، و26 بالمئة في المطاعم والبقية في السوبرماركت. 

وعن مدى تأثير الأزمة الاقتصادية على هدر الطعام، يشرح الأكاديمي حسين حسن: " ظهرت عوامل جديدة بعضها أدى إلى ارتفاع نسبة الهدر وبعضها الآخر إلى تراجعه، فعلى سبيل المثال، فقد أدت الأزمة إلى انتشار منتوجات ذات نوعية رديئة بحكم ضعف الرقابة من الوزارات المعنية".

وتابع: "وهذه البضائع لا يعرف مصدرها ومدى جودتها من هنا تفسد بسرعة، كما أن التقنين القاسي للكهرباء يؤدي إلى فساد الأطعمة في البرادات والثلاجات ما يزيد من هدر الغذاء، لكن من ناحية أخرى أدى ارتفاع فاتورة المطاعم إلى تراجع عدد زوارها وبالتالي هدر الطعام". 

ويؤكد حسن إنه إذا كان هدر الطعام يتم أحيانا عن قصد من قبل بعض المواطنين، فإن غياب الرقابة وانقطاع الكهرباء وما ينتج عنهما تتحمل مسؤوليته السلطة السياسية التي لم تول الأهمية الكافية لهذه القضية، لا سيما الوزارات المعنية، على رأسها وزارة الاقتصاد وبالتحديد مصلحة حماية المستهلك، على حد قوله.

ولفت كذلك إلى دور  وزارة البيئة "بحكم أن هدر الطعام يساهم بشكل مباشر في تفاقم أزمة النفايات".

لكن أبو حيدر أكد أن هدر الطعام مسؤولية اجتماعية، ومكافحته ترتبط بوزارة المالية، من خلال إعفاء المؤسسات التي تهب المواد الغذائية من الضرائب، كذلك بوزارة البيئة. 

"مكافحة الهدر"

ورغم إقرار المجلس النيابي اللبناني قانون مكافحة هدر الغذاء في شهر مايو 2020، والذي يهدف كما يقول حسن "إلى تحفيز المؤسسات على وهب المواد الغذائية المعلبة بدلاً من التخلص منها، من خلال السماح لها باسترداد القيمة المضافة على الضريبة التي سبق أن دفعتها إذا ما أقدمت على هذه الخطوة، إلا أنه إلى حد الآن لا يزال حبرا على ورق"،

وكذلك أشار أبو حيدر إلى عدم اصدار الإجراءات التنفيذية لهذا القانون، الذي لو طبق لحد من هدر الطعام والجوع. 

توقعات قاتمة 

ومع انتشار وباء الكوليرا في لبنان، تتوقع زعيتر أن تزداد نسبة هدر الغذاء، "حيث إن عدداً كبيراً من المواطنين سيخفضون كميات استهلاكهم للخضار والفاكهة خوفاً من احتوائها على العدوى، لاسيما وأنه يتم ري المزروعات في عدد من البلدات بمياه الصرف الصحي". 

ويؤدي فقد الأغذية وهدرها كما أشارت الأمم المتحدة، في "اليوم الدولي للتوعية بالفاقد والمُهدَر من الأغذية" المواف لـ 29 سبتمبر، "إلى تقويض استدامة نظمنا الغذائية، فعند فقد الطعام أو إهداره، فإن جميع الموارد التي تُستخدم لإنتاج هذا الغذاء، بما في ذلك المياه والتربة والطاقة والعمالة ورأس المال، تذهب هباءً".

وأكد تقرير الأمم المتحدة أن الهدر لا يؤدي فقط إلى تخلص من المواد الغذائية وفقدان الغذاء، بل يتسبب انبعاثات غازات الاحتباس الحراري عند رمي الأطعمة في مكبات النفايات مما يسهم في تغير المناخ، كما يمكن أن يؤثر فقد الأغذية وهدرها سلباً على الأمن الغذائي وإتاحة الغذاء، وزيادة كلفته". 

ولفت التقرير إلى أنه "لا يمكن أن تكون أنظمتنا الغذائية مرنة إذا لم تكن مستدامة، من هنا تأتي الحاجة إلى التركيز على اعتماد نهج متكامل مصمم لتقليل فقد الأغذية وهدرها، ويلزم اتخاذ إجراءات على الصعيدين العالمي والمحلي لتعظيم استخدام الأغذية التي ننتجها، وإدخال التقنيات والحلول المبتكرة (بما في ذلك منصات التجارة الإلكترونية للتسويق وأنظمة معالجة الأغذية المتنقلة القابلة للسحب)، وطرق العمل الجديدة والممارسات الجيدة لإدارة جودة الأغذية وتقليل فقدها وهدرها هي المفتاح لتنفيذ هذا التغيير التحويلي". 

وشددت  المنظمة الأممية على أنها سعت عبر برنامج الأمم المتحدة للبيئة – المكتب الإقليمي لمنطقة غرب آسيا ومركزه بيروت، إلى تأسيس شراكة مع مطاعم في منطقة مار مخايل- الجمّيزة لمعالجة مشكلة النفايات في لبنان.

و ذلك المشروع هو جزء من برنامج SwitchMed II المموّل من قبل الإتحاد الاوروبي وينفّذ بالتعاون مع منظمة المجتمع المدني المحلية "نُساند"، والذي يمتد بين  يوليو (تموز) 2022 ويونيو (حزيران) 2023.

 وقد جرى بموجب البرنامج، فقد جرى دعم ثمانية مطاعم عبر تقديم خدمات استشارية ودعم تقني حول إدارة النفايات البلاستيكية وبقايا الطعام، بالإضافة إلى خضرنة المطاعم وطرق تعزيز ازدهار الاعمال الدائرية. 

"مسابقة توعوية"

والمفتاح الأساسي للحد من هدر الغذاء كما يرى حسن "هو التوعية، فمن المهم أن تقوم الوزارات المعنية بحملات إعلامية لتنبيه المواطنين إلى الآثار السلبية لهذه الظاهرة التي تطال مختلف الجوانب الاجتماعية والبيئية والاقتصادية، لاسيما الأمن الغذائي، الذي يقوم على توفر الغذاء وقدرة الوصول إليه ونوعيته".

ولفت الأكاديمي اللبناني إلى أن الدراسة أظهرت أن "المتعلمين يهدرون كميات أقل من الغذاء". 

ولمكافحة هدر الطعام، أطلق أبو حيدر مسابقة بين الطلاب الجامعيين لإعداد فيديو توعوي حول ذلك، خلال مشاركته في الندوة التي عقدت في الجامعة اللبنانية الأميركية، بتنظيم من برنامج التغذية في قسم العلوم الطبيعية التابع لكلية الآداب والعلوم.

ومن جانبه قدّم حسن عدة نصائح للحد من هدر الطعام، منها "القيام شهرياً بجردة على ما يحتويه المطبخ من مواد غذائية والاطلاع على تاريخ صلاحيتها، لاستهلاك المنتوجات التي شارف تاريخ صلاحيتها على الانتهاء، وعدم رمي الفاكهة والخضار حتى وإن تلف جزء منها، كونه يمكن الاستفادة من الجزء المتبقي سواء بعصره أو طبخه". 

ومن النصائح التي قدمها كذلك للمواطنين "إعداد قائمة بحاجياتهم قبل الذهاب إلى السوبر ماركت، وألا يقصدوها وهم في حالة جوع، إذ أثبتت الدراسات أن عدم تحديد ما نحتاجه أو التواجد في السوبرماركت ونحن جياع، يدفعنا إلى شراء منتوجات من دون أن نكون بحاجة إليها".

وزاد: "كذلك يجب ألا يتأثروا بالعروضات، والاستناد إلى وصفات الطعام لمعرفة الكمية التي يجري إعدادها كي لا تزيد عن حاجة أفراد العائلة، ومن المهم كذلك أن يعلموا مكان الجمعيات وبنوك الطعام القريبة من منازلهم، وخارطة انتشار المحتاجين في منطقتهم، لتقديم فائض الواجبات الناتج عن أي حفل يقيمونه، بشرط أن يكون صالح للأكل".

مصارف لبنان

في تحول تاريخي لعمل القطاع المصرفي اللبناني، أقرّ مجلس النواب الخميس تعديلات على قانون السرية المصرفية تسهّل للهيئات الناظمة الحصول على كامل المعلومات المتعلّقة بالحسابات.

جاءت الخطوة تلبية لمطلب رئيسي من مطالب صندوق النقد الدولي.

واعتبر رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، القرار "خطوة ضرورية نحو الإصلاح المالي المنشود وركيزة أساسية لأي خطة تعافٍ، ولكشف الحقائق" بشأن الأزمة المالية التي بدأت عام 2019.

والجمعة، نُشر في الجريدة الرسمية اللبنانية قانون تعديل بعض المواد المتعلقة بسرية المصارف في لبنان، بما في ذلك تعديل المادة 7 (هـ) و (و) من القانون المتعلق بسرية المصارف الذي أقرّ عام 1956، وكذلك تعديل المادة 150 من قانون النقد والتسليف الصادر في عام 1963، بموجب القانون رقم 306 الصادر في 28 تشرين الأول 2022.

وينص التعديل الجديد على تعديل المادة 7 (هـ) من القانون المتعلق بسرية المصارف بما يسمح بمشاركة معلومات مصرفية بين مصرف لبنان، ولجنة الرقابة على المصارف، والمؤسسة الوطنية لضمان الودائع، في إطار تعزيز مراقبة القطاع المصرفي وحماية النظام المالي. 

ويشمل التعديل أيضا صلاحيات تعديل وإنشاء مؤسسة مختلطة لضمان الودائع المصرفية.

أما المادة 7 (و) فتتيح للجهات المعنية، مثل مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف، طلب معلومات مصرفية محمية بالسرية دون تحديد حساب أو عميل معين. ويتيح التعديل إصدار طلبات عامة للحصول على معلومات عن جميع الحسابات والعملاء، إلا أن هذه الطلبات يمكن أن تكون قابلة للاعتراض أمام قاضي الأمور المستعجلة، ويخضع الاعتراض للأصول القانونية المتعلقة بالاعتراض على العرائض.

وفي ما يتعلق بالمادة 150 من قانون النقد والتسليف، تضمن التعديل رفع السرية المصرفية بشكل كامل وغير مقيد أمام مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف، بالإضافة إلى المدققين والمقيمين المعينين من قبل مصرف لبنان أو اللجنة.

وتشمل التعديلات الحسابات الدائنة والمدينة، سواء كانت ضمن أو خارج الميزانية، كما تتيح رفع السرية المصرفية عن سجلات ومستندات ومعلومات تعود إلى أشخاص معنويين أو حقيقيين يتعاملون مع المصارف أو المؤسسات المالية الخاضعة للرقابة. ويشمل تطبيق هذا التعديل بأثر رجعي لمدة عشر سنوات من تاريخ صدور القانون.

وقد شهد لبنان خلال الأسابيع الماضية نقاشات حادة، رأى فيها معارضون للخطوة أن هذا القانون ورفع السرية المصرفية طي لصفحة من تاريخ لبنان المالي العريق من خلال "إلغاء ميزة تفاضلية،" وبأن كشف الفساد ليس معطلاً بسبب السرية المصرفية.

ويرى المتحمسون للقانون أن من شأن التعديلات الجديدة تعزيز الشفافية في القطاع المصرفي في لبنان وتحسين مراقبة ومراجعة العمليات المصرفية، في وقت يشهد فيه القطاع المصرفي تحديات كبيرة في ظل الأزمة المالية المستمرة.

وأوضحت "المفكرة القانونية" وهي منظمة حقوقية غير حكومية، في بيان أصدرته أن التعديل يخوّل "الهيئات الرقابيّة والهيئات النّاظمة للمصارف، وتحديدًا مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف والمؤسسة الوطنية لضمان الودائع، طلب الحصول على جميع المعلومات المصرفية، من دون أن يربط طلب المعلومات بأيّ هدف معيّن، وإمكانية التدقيق في الحسابات بالأسماء، تصحيحا لقانون 2022" والذي تضمن بعض التعديلات.

يعتمد لبنان السرية المصرفية منذ عام 1956، وكان لذلك أثر كبير في جذب رؤوس الأموال والودائع وتوفير مناخ الاستقرار الاقتصادي. وبموجب هذا القانون تلتزم المصارف الخاضعة لأحكامه السرية المطلقة، إذ لا يجوز كشف السر المصرفي سواء في مواجهة الجهات الخاصة أو السلطات العامة، وسواء كانت قضائية أو إدارية أو مالية، إلا في حالات معينة في القانون وردت على سبيل الحصر، وهي:

1- إذن العميل او ورثته خطيًا.
2- صدور حكم بإشهار افلاس العميل.
3- وجود نزاع قضائي بينه وبين البنك بمناسبة الروابط المصرفية. 
4- وجود دعاوى تتعلق بجريمة الكسب غير المشروع. 
5- توقف المصرف عن الدفع، إذ ترفع في هذه الحالة السرية المصرفية عن حسابات أعضاء مجلس الإدارة والمفوضين بالتوقيع ومراقبي الحسابات. 
6- الاشتباه في استخدام الأموال لغاية تبييضها، وعندها ترفع السرية المصرفية بقرار من هيئة التحقيق الخاصة لمصلحة المراجع القضائية المختصة والهيئة المصرفية العليا، وذلك عن الحسابات المفتوحة لدى المصارف أو المؤسسات المالية.

وبالفعل ومنذ إقرار هذا القانون ازدهر القطاع المصرفي اللبناني واستطاع جذب رؤوس أموال، لكن كل ذلك تغير مع اندلاع الحرب الأهلية في منتصف السبعينيات، وبدأت الليرة اللبنانية رحلة الانهيار. خمسة عشر عاما من الاقتتال، انتهت بتسويات سياسية، تبعها نظام اقتصادي جديد، قاده منذ عام 1993 الراحل رفيق الحريري رئيسا للحكومة، ورياض سلامة حاكما لمصرف لبنان المركزي، سعيا وراء الاستقرار. 

وبعد أربع سنوات من استلام منصبه، نجح سلامة في تثبيت سعر العملة اللبنانية، عند 1500 مقابل الدولار الأميركي.

استمرت تلك المعادلة أكثر من عقدين، لكنها كانت تحتاج إمدادات لا تنقطع من العملة الصعبة للمحافظة على استمرارها. وفي محاولة لسد العجز، سعت المصارف اللبنانية لجذب حصيلة كبيرة من العملة الخضراء عبر تقديم فوائد مرتفعة على الودائع الدولارية، فوائد تراوحت بين 15 و 16 في المئة.

نتيجة للفوائد البنكية المرتفعة، شهدت ودائع القطاع المصرفي اللبناني نمواً سنوياً وصل ذروته بقرابة 12 مليار دولار خلال عام 2009.

أغرت الفوائد العالية المقيمين والمغتربين، ليصل إجمالي الودائع في المصارف اللبنانية إلى أكثر من 177 مليار دولار في نهاية نوفمبر عام 2018. 

منذ عام 2017، تراجع الاحتياطي في خزينة مصرف لبنان، رغم محاولات جذب الدولار. وفي صيف عام 2019، لاحت بوادر صعوبة في توافر الدولار في الأسواق اللبنانية، فارتفع سعر صرفه مقابل الليرة للمرة الأولى منذ أكثر من 20 عاما، ما دفع الحكومة لاتخاذ إجراءات استثنائية. لكن البعض يرى أن تلك القرارات جاءت متأخرة.

في أكتوبر 2019، انفجر الشارع اللبناني مطالبا بإسقاط السلطة السياسية، وأغلقت المصارف أبوابها، لكن تقارير صحفية تحدثت عن عمليات تحويل لأرصدة ضخمة الى خارج البلاد.

في تقرير لصحيفة فاينانشال تايمز البريطانية، نُشر في صيف 2020، فإنه، وفقا لكبير موظفي الخدمة المدنية المالية السابق في لبنان ومدير عام وزارة المالية السابق ألان بيفاني، قام مصرفيون بتهريب ما يصل إلى 6 مليارات دولار من لبنان منذ  أكتوبر 2019، في تحايل على الضوابط التي تم إدخالها لوقف هروب رأس المال، مع غرق البلاد في أسوأ أزمة مالية منذ ثلاثين 30 عاما، بينما بات مصير مليارات الدولارات مجهولًا. 

بدأت الأزمة المالية بالظهور تدريجيا، لكنها انفجرت حرفيا منذ اندلاع الاحتجاجات في شهر أكتوبر عام 2019. وتشير تقارير رسمية إلى أن أموالا طائلة تصل إلى مليارات الدولارات تم تحويلها إلى الخارج، بينما تم حجز ودائع صغار زبائن البنوك، من دون ضمانات لحماية ودائع المواطنين، ولا سيولة نقدية.

وتقدر تقارير دولية والمصرف المركزي اللبناني أن ودائع صغار زبائن البنوك بحوالي 121 مليار دولار منها ودائع لغير المقيمين تُقدّر بـ20 مليار دولار، وأصحابها لبنانيون وعراقيون ويمنيون وليبيون ومصريون ومن دول الخليج، إضافة لودائع للسوريين، يقدر المصرفيون بأنها أكثر من 3 مليارات دولار.

وفيما تجري التحقيقات حول آلية تهريب الأموال، لم يصل المحققون المحليون ولا حتى الدوليون إلى جواب شاف، لكن كانت دائما "المصالح المتشابكة داخل النظام اللبناني" جزءا من الجواب.

وتعتبر البنوك اللبنانية مرآة للنظام من حيث التقسيم الطائفي، فغالبيتها تابعة لجهات سياسية ومقربين منها، الأمر الذيث كان واضحا في انعدام الرقابة على عمليات إدخال أموال حزب الله المهربة أو غير الشرعية إلى هذه البنوك، مما يعني عمليات تبييض وشرعنة لهذه الأموال.

منذ منذ عام 2001، وضعت الولايات المتحدة حزب الله على قائمة المنظمات الإرهابية، وفرضت عليه عقوبات ضمن خطة لمكافحة تمويل الإرهاب. وفي هذا الإطار صدر قانون مكافحة تبييض الأموال رقم 44، عام 2015، والذي لم يتم تعطبيقه، واكتفى مصرف لبنان بتعاميم، لم تغير واقع الحال.

بدأ لبنان في يناير 2022 مفاوضات رسمية مع صندوق النقد الذي طالما شدد على أنه لن يقدم أي دعم طالما لم تقرّ الحكومة إصلاحات على رأسها تصحيح الموازنة وإعادة هيكلة القطاع المصرفي وإصلاح المؤسسات العامة والتصدي للفساد المستشري.

وأعلن الصندوق في أبريل من العام ذاته اتفاقا مبدئيا على خطة مساعدة بقيمة ثلاثة مليارات دولار على أربع سنوات، لكنّ تطبيقها كان مشروطا بإصلاحات لم يتم تنفيذ معظمها.

في سبتمبر عام 2024، أوقف الحاكم السابق لمصرف لبنان، رياض سلامة، وهو حتى اليوم قيد التحقيق في اتهامات بغسيل الأموال وشراء وبيع سندات خزينة الحكومة اللبنانية. ومنذ انهيار حزب الله اللبناني، في حربه مع إسرائيل، وصعود ما سمي بالعهد الجديد، أقرت حكومة نواف سلام مشروع قانون لإعادة هيكلة المصارف، استجابةً لمطالب صندوق النقد الدولي، الذي اشترط تنفيذ إصلاحات جذرية، بينها رفع السرية المصرفية، كشرط أساسي لأي دعم مالي للبنان، كما تأتي في ظل إدراج مجموعة العمل المالي (FATF) لبنان على اللائحة الرمادية بسبب ثغرات خطيرة في مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.

من المتوقع أن تسهم هذه التعديلات في تعزيز الشفافية المالية، ومكافحة الفساد وتبييض الأموال والتهرب الضريبي، كما يُتوقع أن تفتح الباب أمام إعادة هيكلة النظام المالي اللبناني بالكامل، واستعادة ثقة المجتمع الدولي، وتأمين الدعم المالي اللازم من الجهات المانحة.

إلا أن نجاح هذه الخطوة لا يقاس فقط بالكشف عن الحسابات، بل العبرة في التنفيذ في ظل نظام قضائي شبه مهترئ وتورط بعض من أصحاب النفوذ السياسي والمالي أنفسهم.

لبنان اليوم أمام مفترق طرق، فإما أن يسلك طريق العهد الجديد الذي وعد به اللبنانيون، أو يظل الفساد العنوان الأبرز في سياسات لبنان المالية المقبلة.