نشطاء يدفعون عربات محملة بالمساعدات الغذائية  بمدينة صيدا جنوب لبنان (أرشيف)
نشطاء يدفعون عربات محملة بالمساعدات الغذائية بمدينة صيدا جنوب لبنان (أرشيف)

نتائج صادمة توصلت إليها دراسة أعدتها الجامعة اللبنانية الأميركية بالتعاون مع الجامعة الأميركية في بيروت، أظهرت أنه رغم الأزمة الاقتصادية التي يمر بها لبنان وارتفاع نسبة الفقر، فإن 35 بالمئة من الغذاء يذهب هدراً سواء في المطاعم أو في المنازل. 

وشملت الدراسة 222 مطعماً في العاصمة اللبنانية وعدداً من المناطق و500 زبوناً، كما طالت عينة من 2264 منزلاً من مختلف المناطق، بالإضافة إلى استبيان تضمن 27 سؤالاً شمل 1300 عائلة،

أما الهدف كما يقول الأكاديمي المشارك في برنامج التغذية في الجامعة اللبنانية الأميركية، الدكتور حسين حسن، "فيتمثل أولاً بالإضاءة على مدى التناقض الذي نعيشه، ففي الوقت الذي يفتقد فيه ما لا يقل عن الـ65 بالمئة من المواطنين للأمن الغذائي، تهدر كميات كبيرة من الطعام، وثانياً دفع المعنيين لاتخاذ الخطوات اللازمة للحد من هذه الظاهرة". 

"ثلث الأطفال جياع"

آلاف من أطنان الطعام ترمى في النفايات، و30 بالمئة من أطفال لبنان ينامون ببطون خاوية، لعدم حصولهم على عدد كاف من الوجبات، في حين لا تملك 77 بالمئة من الأسر ما يكفي من غذاء أو مال لشراء الغذاء، وذلك وفقا لما ذكره تقرير لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) العام الماضي.

وكان ذلك التقرير قد أشار  أيضا إلى أن 60 بالمئة من الأسر تضطر  لشراء الطعام عبر مراكمة الفواتير غير المدفوعة أو من خلال الاقتراض والاستدانة، و40 بالمئة من الأطفال ينتمون إلى أسر لا يعمل فيها أحد، و77 بالمئة من تلك الأسر لا تتلقى مساعدة اجتماعية من أي جهة.  

ورأت المنظمة وقتها أن الأزمات المتتالية في لبنان أدت إلى جعل الأسر والأطفال في حال "يرثى لها"، وبالتالي أثرت تقريباً على كل جانب من جوانب حياتهم، وذلك "في ظل شح الموارد واستحالة الوصول واقعياً إلى الدعم الاجتماعي". 

وعلى الصعيد العالمي، ذكرت الأمم المتحدة الشهر الماضي، أن حوالي 14 بالمئة من الأغذية في العالم تفقد بعد حصادها وقبل مرحلة البيع بالتجزئة، ولكن دون احتساب هذه المرحلة من سلسلة الإمداد.

وتشير التقديرات إلى أن نسبة 17 بالمئة من الأغذية تُهدر في مرحلة البيع بالتجزئة وعلى مستوى الاستهلاك. 

درجات الهدر  

وكشفت الدراسة أن هدر الطعام في المطاعم أكبر من المنازل، وأن نسبة الهدر تزداد كلما ارتفع عدد الاشخاص الجالسين إلى مائدة الطعام ومدة بقائهم، ويساهم في ذلك أيضاً كما يشير حسن في حديث لموقع "الحرة" "ارتفاع الطلب على المقبلات بالإضافة إلى تدخين النارجيلة (الشيشة) وشرب الكحول". 

وتبين بحسب الدراسة،  أن الجنس (ذكر وأنثى) والعمر والوضع العائلي لا يؤثر على كمية الغذاء المهدور،  وذلك على عكس الوضعين الاقتصادي والاجتماعي للفرد.

ويشرح حسن: "ينتج المطعم باهظ التكلفة يومياً 23 كيلو من النفايات أكثر من المطاعم ذات الكلفة المتدنية، ويعود ذلك إلى أن الأغنياء أو الميسورين يحاولون إظهار كرمهم وثرائهم من خلال طلب المزيد من الأطعمة".

ويصف: "ومن ناحية ثانية يجد البعض في انخفاض الأسعار حافزاً لطلب ما يفوق حاجتهم من الطعام، كما تزيد كمية النفايات التي ينتجها مطعم لبناني يومياً بـ 34 كيلو عن المطاعم التي تقدم المأكولات الأجنبية كـ (الفاست فود)، وخلصت الدراسة إلى أن الأفضل بين المطاعم من تكون ذات أسعار متوسطة، والتي يحرص روادها على طلب ما يأكلونه فقط من دون تبذير". 

"بنك للغذاء"

هدر الطعام كان السبب الرئيسي خلف تأسيس جمعية "بنك الغذاء اللبناني"  في العام 2012، بغية جمع فائض المأكولات من المطاعم والفنادق والشركات، ثم توضيبه ونقله في ذات اليوم عبر مركبات مبردة، إلى سلسلة الجمعيات التي تعمل معها في مختلف المناطق اللبنانية.

وأوضحت المديرة التنفيذية للجمعية سهى زعيتر في حديثها لموقع الحرة أنهم "استطاعوا  توزيع مئات آلاف الوجبات سنوياً، إلا ان جائحة كورونا أدت إلى إيقاف المشروع حفاظاً على سلامة فريق العمل والمحتاجين". 

وتعتقد زعيتر" أن الهدر الكبير للطعام سببه عدم قدرة المؤسسات والشركات على تصريف منتوجاتها، بسبب المنافسة، "فبدلاً من التبرع بالمواد الغذائية قبل انتهاء مدة صلاحياتها يجري إتلافها". 

وتمكنت الجمعية من استئناف نشاطها خلال العالم الجاري،، إلا إنه وكما تقول زعيتر فإن "كميات الطعام تراجعت بشكل كبير، بسبب تراجع عدد المناسبات الاجتماعية، في وقت ارتفع عدد الأشخاص الذين سجلوا أسماءهم منذ الأزمة الاقتصادية للاستفادة من الواجبات التي نقدمها، إلى درجة إنه فاق قدرتنا".

وأردفت: "لذلك نعمل على التعاون مع عدد من الجهات الداخلية والخارجية لكي نتمكن قدر المستطاع من تأمين أبسط حقوق الإنسان، وقد توصلنا إلى تقديم 500 وجبة يومياً، على مدى خمسة أيام في الأسبوع، من خلال المطابخ الاجتماعية". 

من جانبها، عملت "نقابة أصحاب المطاعم والمقاهي والملاهي والباتيسري" في السابق كما أكد نائب رئيسها، خالد نزهة في تصريحات لموقع الحرة ، مع أكثر من جمعية في مناطق مختلفة لمكافحة هدر الطعام.

وأوضح قائلاً "كنا نمدها بفائض المأكولات لإيصالها إلى المحتاجين ودور المسنين، إبيد أن الوضع تغير مع الأزمة الاقتصادية وانتشار وباء كورونا، فالعديد من المؤسسات أغلقت أبوابها، ناهيك عن ارتفاع كلفة النقل والتقنين الكهربائي، ما رفع منسوب مخاوفنا من فساد الطعام بين مرحلة تسليمه إلى الجمعيات وإيصاله إلى وجهته، فانتقل الأمر إلى المبادرات الفردية، بمعنى أن كل مطعم يوزع فائض الطعام على المحتاجين من أبناء المنطقة ومعارف موظفيه". 

"مسؤولية مشتركة"

ولم يحل ارتفاع أسعار المواد الغذائية وانتشار الفقر في لبنان دون تسجيل نسبة كبيرة من هدر الطعام في المنازل.

فبحسب الدراسة، فإن كمية الهدر تزداد في حال شراء كميات تفيض عن حاجة العائلة، لافتة إلى أنه كلما ازداد عدد أفراد العائلة كلما انخفضت كمية الطعام المهدورة، وأن أبناء القرى يهدرون كميات أقل من الطعام مقارنة بسكان المدن كونهم يتشاركون الطعام فيما بينهم، إضافة إلى أن الشعور بالذنب يخفف من الهدر. 

"الخجل وثقافة البنك الغذائي"

من جانبه، ينبه مدير عام وزارة الاقتصاد محمد أبو حيدر  إلى أن لبنان"يستورد 80 في المئة من المواد الغذائية التي يستهلكها، وعلى سبيل المثال يشتري لبنان 81 بالمئة من القمح من أوكرانيا و14 بالمئة من روسيا ويكتفي بالبقية من الإنتاج الزراعي المحلي، وذلك يعود إلى كون اللبناني مضياف، إضافه إلى خجله من طلب فائض طعامه من المطاعم، وغياب ثقافة البنك الغذائي". 

ووفقاً لتقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة، فإن 17 بالمئة من جميع الأغذية المنتجة سنوياً، أي ما يوازي 931 مليون طن، تُهدر في المنازل ومنشآت البيع بالتجزئة وصناعة الخدمات الغذائية. 

ويقدّر البرنامج الأممي أن 3.1 مليار شخص في جميع أنحاء العالم لا يتبعون نظاماً غذائياً صحياً، في حين يعاني حوالي 828 مليون شخص من الجوع، وقد زاد عددهم بأكثر من 100 مليون بسبب الوباء مما أظهر حاجة ملحّة للحد من فقد الأغذية وهدرها.

وأشار البرنامج إلى أن 61 في المئة من الطعام يتم هدره في المنازل، و26 بالمئة في المطاعم والبقية في السوبرماركت. 

وعن مدى تأثير الأزمة الاقتصادية على هدر الطعام، يشرح الأكاديمي حسين حسن: " ظهرت عوامل جديدة بعضها أدى إلى ارتفاع نسبة الهدر وبعضها الآخر إلى تراجعه، فعلى سبيل المثال، فقد أدت الأزمة إلى انتشار منتوجات ذات نوعية رديئة بحكم ضعف الرقابة من الوزارات المعنية".

وتابع: "وهذه البضائع لا يعرف مصدرها ومدى جودتها من هنا تفسد بسرعة، كما أن التقنين القاسي للكهرباء يؤدي إلى فساد الأطعمة في البرادات والثلاجات ما يزيد من هدر الغذاء، لكن من ناحية أخرى أدى ارتفاع فاتورة المطاعم إلى تراجع عدد زوارها وبالتالي هدر الطعام". 

ويؤكد حسن إنه إذا كان هدر الطعام يتم أحيانا عن قصد من قبل بعض المواطنين، فإن غياب الرقابة وانقطاع الكهرباء وما ينتج عنهما تتحمل مسؤوليته السلطة السياسية التي لم تول الأهمية الكافية لهذه القضية، لا سيما الوزارات المعنية، على رأسها وزارة الاقتصاد وبالتحديد مصلحة حماية المستهلك، على حد قوله.

ولفت كذلك إلى دور  وزارة البيئة "بحكم أن هدر الطعام يساهم بشكل مباشر في تفاقم أزمة النفايات".

لكن أبو حيدر أكد أن هدر الطعام مسؤولية اجتماعية، ومكافحته ترتبط بوزارة المالية، من خلال إعفاء المؤسسات التي تهب المواد الغذائية من الضرائب، كذلك بوزارة البيئة. 

"مكافحة الهدر"

ورغم إقرار المجلس النيابي اللبناني قانون مكافحة هدر الغذاء في شهر مايو 2020، والذي يهدف كما يقول حسن "إلى تحفيز المؤسسات على وهب المواد الغذائية المعلبة بدلاً من التخلص منها، من خلال السماح لها باسترداد القيمة المضافة على الضريبة التي سبق أن دفعتها إذا ما أقدمت على هذه الخطوة، إلا أنه إلى حد الآن لا يزال حبرا على ورق"،

وكذلك أشار أبو حيدر إلى عدم اصدار الإجراءات التنفيذية لهذا القانون، الذي لو طبق لحد من هدر الطعام والجوع. 

توقعات قاتمة 

ومع انتشار وباء الكوليرا في لبنان، تتوقع زعيتر أن تزداد نسبة هدر الغذاء، "حيث إن عدداً كبيراً من المواطنين سيخفضون كميات استهلاكهم للخضار والفاكهة خوفاً من احتوائها على العدوى، لاسيما وأنه يتم ري المزروعات في عدد من البلدات بمياه الصرف الصحي". 

ويؤدي فقد الأغذية وهدرها كما أشارت الأمم المتحدة، في "اليوم الدولي للتوعية بالفاقد والمُهدَر من الأغذية" المواف لـ 29 سبتمبر، "إلى تقويض استدامة نظمنا الغذائية، فعند فقد الطعام أو إهداره، فإن جميع الموارد التي تُستخدم لإنتاج هذا الغذاء، بما في ذلك المياه والتربة والطاقة والعمالة ورأس المال، تذهب هباءً".

وأكد تقرير الأمم المتحدة أن الهدر لا يؤدي فقط إلى تخلص من المواد الغذائية وفقدان الغذاء، بل يتسبب انبعاثات غازات الاحتباس الحراري عند رمي الأطعمة في مكبات النفايات مما يسهم في تغير المناخ، كما يمكن أن يؤثر فقد الأغذية وهدرها سلباً على الأمن الغذائي وإتاحة الغذاء، وزيادة كلفته". 

ولفت التقرير إلى أنه "لا يمكن أن تكون أنظمتنا الغذائية مرنة إذا لم تكن مستدامة، من هنا تأتي الحاجة إلى التركيز على اعتماد نهج متكامل مصمم لتقليل فقد الأغذية وهدرها، ويلزم اتخاذ إجراءات على الصعيدين العالمي والمحلي لتعظيم استخدام الأغذية التي ننتجها، وإدخال التقنيات والحلول المبتكرة (بما في ذلك منصات التجارة الإلكترونية للتسويق وأنظمة معالجة الأغذية المتنقلة القابلة للسحب)، وطرق العمل الجديدة والممارسات الجيدة لإدارة جودة الأغذية وتقليل فقدها وهدرها هي المفتاح لتنفيذ هذا التغيير التحويلي". 

وشددت  المنظمة الأممية على أنها سعت عبر برنامج الأمم المتحدة للبيئة – المكتب الإقليمي لمنطقة غرب آسيا ومركزه بيروت، إلى تأسيس شراكة مع مطاعم في منطقة مار مخايل- الجمّيزة لمعالجة مشكلة النفايات في لبنان.

و ذلك المشروع هو جزء من برنامج SwitchMed II المموّل من قبل الإتحاد الاوروبي وينفّذ بالتعاون مع منظمة المجتمع المدني المحلية "نُساند"، والذي يمتد بين  يوليو (تموز) 2022 ويونيو (حزيران) 2023.

 وقد جرى بموجب البرنامج، فقد جرى دعم ثمانية مطاعم عبر تقديم خدمات استشارية ودعم تقني حول إدارة النفايات البلاستيكية وبقايا الطعام، بالإضافة إلى خضرنة المطاعم وطرق تعزيز ازدهار الاعمال الدائرية. 

"مسابقة توعوية"

والمفتاح الأساسي للحد من هدر الغذاء كما يرى حسن "هو التوعية، فمن المهم أن تقوم الوزارات المعنية بحملات إعلامية لتنبيه المواطنين إلى الآثار السلبية لهذه الظاهرة التي تطال مختلف الجوانب الاجتماعية والبيئية والاقتصادية، لاسيما الأمن الغذائي، الذي يقوم على توفر الغذاء وقدرة الوصول إليه ونوعيته".

ولفت الأكاديمي اللبناني إلى أن الدراسة أظهرت أن "المتعلمين يهدرون كميات أقل من الغذاء". 

ولمكافحة هدر الطعام، أطلق أبو حيدر مسابقة بين الطلاب الجامعيين لإعداد فيديو توعوي حول ذلك، خلال مشاركته في الندوة التي عقدت في الجامعة اللبنانية الأميركية، بتنظيم من برنامج التغذية في قسم العلوم الطبيعية التابع لكلية الآداب والعلوم.

ومن جانبه قدّم حسن عدة نصائح للحد من هدر الطعام، منها "القيام شهرياً بجردة على ما يحتويه المطبخ من مواد غذائية والاطلاع على تاريخ صلاحيتها، لاستهلاك المنتوجات التي شارف تاريخ صلاحيتها على الانتهاء، وعدم رمي الفاكهة والخضار حتى وإن تلف جزء منها، كونه يمكن الاستفادة من الجزء المتبقي سواء بعصره أو طبخه". 

ومن النصائح التي قدمها كذلك للمواطنين "إعداد قائمة بحاجياتهم قبل الذهاب إلى السوبر ماركت، وألا يقصدوها وهم في حالة جوع، إذ أثبتت الدراسات أن عدم تحديد ما نحتاجه أو التواجد في السوبرماركت ونحن جياع، يدفعنا إلى شراء منتوجات من دون أن نكون بحاجة إليها".

وزاد: "كذلك يجب ألا يتأثروا بالعروضات، والاستناد إلى وصفات الطعام لمعرفة الكمية التي يجري إعدادها كي لا تزيد عن حاجة أفراد العائلة، ومن المهم كذلك أن يعلموا مكان الجمعيات وبنوك الطعام القريبة من منازلهم، وخارطة انتشار المحتاجين في منطقتهم، لتقديم فائض الواجبات الناتج عن أي حفل يقيمونه، بشرط أن يكون صالح للأكل".

سلاح حزب الله

الحوار، والاستراتيجية الدفاعية، مفردات خطاب لطالما استخدمته السياسة اللبنانية في نقاش ملف سلاح حزب الله، لكن هل تملك الدولة رفاهية الوقت لإدارة حوار ونقاش استراتيجيات، أم أن الخيارات تصبح أكثر كلفة وتداعياتها أقل قابلية للتحكّم؟

المجتمع الدولي يشترط بسط السيادة الكاملة للدولة اللبنانية على كامل أراضيها كمدخل أساسي لأي دعم سياسي أو اقتصادي، فيما تحذر إسرائيل من أنها "ستنفذ المهمة" بنفسها، في حال استمر "تقاعس الدولة".

فهل لا يزال الانتظار خياراً قابلاً للصرف في ميزان التطورات الإقليمية والدولية؟ وهل يُمكن للتعويل على عامل الوقت أن يصمد طويلاً في وجه التحوّلات المتسارعة؟

مصادر تتحدث للحرة عن مؤشرات على نهج جديد.

قنبلة موقوتة

الوقت يداهم لبنان، تؤكد عضو كتلة "الجمهورية القوية" النائب غادة أيوب.

وتشرح "لبنان يعيش تحت وطأة سلاح غير شرعي منذ سنوات، وهذا السلاح جرّ علينا الويلات، من عزلة عربية ودولية، إلى انهيار اقتصادي، إلى تهديد دائم للسلم الأهلي".

ومن يظن "أن ملف السلاح غير الشرعي هو بلا مهلة، واهم أو متواطئ"، تؤكد أيوب. "لأن استمرار سلاح حزب الله هو قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي وقت بوجه مشروع بناء الدولة وبوجه العهد، ولا يجوز لأي مسؤول في الدولة اللبنانية أن يدفن رأسه في الرمال".

وتشدد أيوب في حديث لموقع "الحرة" على أنه "لا مجال بعد الآن للتسويات ولا للتنازلات ولا يمكن أن يبقى هذا الموضوع موضوعًا مؤجّلًا أو قابلًا للمراوغة".

فالبلاد "أمام خطر دائم، ليس فقط على المستوى الأمني، بل على مستوى الاستقرار السياسي والاقتصادي والعلاقات الدولية".

حان "وقت التنفيذ"، تقول، لأنه "لا يمكن أن يُبنى وطن أو يُستعاد الاقتصاد في ظل دويلة ضمن الدولة".
والوقت "ليس مفتوحًا، وكل تأخير هو تراكم إضافي للأزمات".

تفكيك المخازن

من جانبه، يرى المحلل السياسي، المحامي أمين بشير، أن مقاربة الدولة اللبنانية لملف سلاح حزب الله تشهد تحوّلاً جذرياً، "فبعد أن كان هذا الملف يطرح في إطار الاستراتيجية الدفاعية والحوار الوطني، جاءت زيارة المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس إلى بيروت لتحدث نقطة تحوّل مفصلية في مسار التعاطي مع هذا الملف".

الزيارة الأميركية الأخيرة حملت رسالة واضحة، كما يقول بشير لموقع "الحرة"، "مفادها أن أي خطوة تتعلق بتفكيك أو تسليم سلاح حزب الله يجب أن تكون معلنة للرأي العام، لا أن تبقى طي الكتمان. هذا الطرح، لم يكن تفصيلاً، بل كان بمثابة فرض واقع جديد على الدولة اللبنانية، سرعان ما تجلّى بالإعلان عن تفكيك 193 مخزناً من أصل 260 تابعاً لحزب الله، وفق ما كشفه مصدر عسكري لأحد الصحفيين".

ويضيف بشير "هذا التطوّر شكّل صدمة للرأي العام، الذي اعتاد سماع وعود مكرّرة بالحوار دون نتائج ملموسة، وسط نفي دائم من حزب الله لأي نية لتسليم السلاح. لكن ما كان يدار في الغرف المغلقة خرج فجأة إلى العلن، وأصبح تفكيك المخازن مسألة لا تحتمل التعتيم".

حلقة مفرغة؟

سياسة كسب الوقت، أو ما يسمى بسياسة "النعامة"، وفق ما تصف أيوب لا تحمي لبنان، بل تعرّضه كما تقول "أكثر فأكثر للخطر. حزب الله لا ينتظر الدولة ليقرر خطواته، بل يورّط لبنان بقرارات لصالح إيران ومن إيران من دون الرجوع إلى المؤسسات الدستورية". 

"هذا الواقع،" يضيف، "يفتح الباب على مصير مجهول، وربما مواجهة عسكرية تُفرض على اللبنانيين جميعاً من دون رأيهم أو موافقتهم. وحدها الدولة، من خلال قرارها السيادي، تستطيع أن تحمي لبنان، لا الميليشيات".

وتشدد أيوب "نحن مع الحوار، لكن ليس الحوار الذي يطالبون به حول موضوع السلاح لأن الحوار لا يمكن أن يكون غطاءً للشلل أو للاستمرار في الأمر الواقع. إن تجربة السنوات الماضية أثبتت أن طاولات الحوار و'الاستراتيجية الدفاعية' تحوّلت إلى عنوان للاستهلاك الداخلي من دون أي تقدّم فعلي، بل أتت بمفاعيل عكسية وكارثية على البلد ولم تكن سوى وسائل استفاد منها حزب الله لكسب الوقت وللانقضاض على ما تبقى من هيبة الدولة".

"كل طاولات الحوار التي شارك فيها حزب الله انقلب عليها مباشرة"، تقول أيوب. وتوضح "أسقط حوار 2006 عبر حرب يوليو، وأسقط حوار سان كلو 2007 عبر اجتياح بيروت في العام التالي، وأسقط حوار الدوحة 2008 عبر تعطيل الحكومة والسلطة التنفيذية، وأسقط حوار بعبدا 2012 عبر مشاركته في الحرب السورية، وأسقط حوار بعبدا 2017 عبر تمسّكه بالسلاح، وأسقط حوار بعبدا 2019 عبر ضرب النظام المالي، وهذه بعض الأمثلة". 

"لذلك، لا يمكن أن نتوقع من حزب الله أن يتخلى عن سلاحه طوعاً، لكن لا يمكن أيضًا للدولة أن تستسلم لهذا الواقع. المطلوب ضغط سياسي وشعبي ودولي، وموقف وطني موحّد، لاكتساب السيادة كاملة. وهذه ليست مهمة مستحيلة، لكنها تتطلب قراراً".

الحوار حول التنفيذ فقط

أما بشير فيشير إلى تراجع بعض رؤساء الأحزاب عن تحفظاتهم حول الحوار، إثر اتصالات مباشرة مع رئيس الجمهورية "الأخير أوضح أن الحوار لا يعني العودة إلى طاولة وطنية جامعة، بل هو حوار مباشر بينه وبين حزب الله، لبحث آليات تسليم السلاح: هل يسلّم للجيش؟ هل يعاد إلى إيران؟ أم يفكك بطريقة أخرى؟

هذا التوضيح، وفق بشير، "أزال القلق من احتمال العودة إلى الحلقة المفرغة من الحوارات، وفتح الباب أمام نقاش جدي في تنفيذ القرار 1701 بشكل فعلي لا شكلي".

الموقف الدولي واضح وصارم تجاه لبنان كما يشدد بشير "لا مساعدات، لا إعادة إعمار، ولا دعم استثماري أو اقتصادي، من دون حل جذري لملف سلاح حزب الله. هذا ما عبّرت عنه بوضوح الدول الخليجية، والدول الأوروبية، والإدارة الأميركية، التي لم تعد تقبل بتسويف أو مماطلة".

كذلك تؤكد أيوب أن "المجتمع الدولي ينظر إلى هذا الملف كأحد الأسباب الأساسية لفشل الدولة اللبنانية في استعادة سيادتها واستقرارها". وتقول "هناك قناعة متزايدة لدى المجتمع الدولي أن غياب القرار الحاسم في هذا الملف ينعكس سلباً على كل مسار الدعم والمساعدة". 

"هذا التردّد قد لا يُفهم على أنه حكمة، بل على أنه عجز أو تواطؤ. وإذا لم تُظهر الدولة إرادة فعلية في معالجة السلاح غير الشرعي، فإن أي مساعدة دولية ستبقى مشروطة ومحدودة".

منظومة هيمنة

من جانبه، يرى بشير أن المشكلة لا تتعلق فقط بالسلاح كرمز للهيمنة، "بل بحزب الله كمنظومة متكاملة تهيمن على مفاصل الدولة، اقتصادياً وأمنياً وحتى قضائياً.

ويقول "نحن لا نتحدث فقط عن سلاح، بل عن شبكة مصالح موازية تنخر جسم الدولة من الداخل"، في إشارة إلى مؤسسات الحزب المالية، "كمؤسسة القرض الحسن، وشبكة المؤسسات الموازية التي أنشأها في قطاعات الكهرباء، والمرافئ، وحتى القضاء".

لبنان اليوم، كما يقول بشير، يقف بين خيارين "إما نجاح المفاوضات الأميركية–الإيرانية وانعكاساتها الإيجابية على الداخل اللبناني، وإما انفجار عسكري جديد في حال فشلها، فيما إسرائيل تترقب لاستغلال أي فراغ لتبرير تدخلها العسكري، تحت ذريعة بناء حزام أمني لسكان شمالها".

من هنا، يحذّر من الاكتفاء بدور المتفرّج على طاولة المفاوضات. ويشدد على ضرورة أن "تمتلك الدولة اللبنانية، ممثلة بالرئيس والحكومة، موقفاً وطنياً واضحاً حيال هذا الملف، لا يقتصر فقط على المهلة الزمنية، بل يتجاوزها إلى ما بعدها. يجب أن نكون جاهزين للاستفادة من الفرص أو مواجهة التحديات، لا أن نكون مجرد ضحايا على طاولة مفاوضات تدار من الخارج".

ويختم بشير بالتأكيد على أن تفكيك منظومة حزب الله ليس مجرد مطلب سياسي، "بل ضرورة لبناء دولة حديثة قادرة على استعادة سيادتها وثقة المجتمع الدولي بها، ويقول "لبنان لا يمكن أن ينهض طالما هناك مجموعة مذهبية تعمل وفق نظام مصالح خاص، وتخضع لسلطة خارجية. المطلوب ليس فقط نزع السلاح، بل تفكيك كامل للشبكات الرديفة التي أضعفت الدولة ودمّرت مؤسساتها".