البرلمان اللبناني فشل في انتخاب رئيس جديد للبلاد في 4 جلسات مخصصة لذلك خلال المرحلة الماضية، آخرها كان في 24 أكتوبر الحالي
البرلمان اللبناني فشل في انتخاب رئيس جديد للبلاد في 4 جلسات مخصصة لذلك خلال المرحلة الماضية، آخرها كان في 24 أكتوبر الحالي

دخل لبنان في مرحلة الشغور الرئاسي بالفعل، حيث لم يعد ممكنا بالوقت المتاح لانتهاء ولاية الرئيس اللبناني الحالي ميشال عون (يوم الاثنين المقبل)، أن يطرأ أي جديد على المشهد السياسي القائم في لبنان، فلا قدرة وتوافق على انتخاب رئيس جمهورية جديد عبر المجلس النيابي المنقسم على نفسه، ولا حظوظ بولادة حكومة جديدة في اللحظات الأخيرة للولاية الرئاسية في ظل الصدام بين فريق رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلف نجيب ميقاتي. 

واقع يتجه بلبنان نحو فراغ رئاسي من جهة، وصراع دستوري من جهة أخرى يتمحور حول سؤال واحد: من سيدير مرحلة الفراغ؟ أو بمعنى آخر من سيحكم البلاد خلال المرحلة المقبلة؟ 

ولاية عون الرئاسية كانت قد بدأت بتاريخ 31 أكتوبر 2016، ما يفرض انتهاءها في 31 أكتوبر 2022، بكون الولاية الرئاسية بحسب الدستور اللبناني تمتد على 6 سنوات، ومثلما تسلم عون الرئاسة بعد فراغ رئاسي امتد على عامين ونحو 5 أشهر، يسلم اليوم موقعه إلى الفراغ مجددا، دون مراسم تسلم وتسليم، ودون وجود ما يؤشر إلى المدى الزمني الذي قد يبلغه هذا الفراغ. 

وفشل مجلس النواب اللبناني في انتخاب رئيس جديد للبلاد في 4 جلسات مخصصة لذلك خلال المرحلة الماضية، آخرها كان في 24 أكتوبر الحالي، حيث لم تتمكن الكتل النيابية المنبثقة عن انتخابات مايو الماضي، من الاتفاق على اسم مرشح يحظى بقبول الأكثرية المطلوبة، فيما بقيت الأسماء المطروحة بعيدة جدا عن تحقيق الأغلبية، وسط لجوء كتل وازنة للتصويت بورقة بيضاء أو بعبارات رمزية تظهر عدم وجود مرشح لها حتى الآن بانتظار تسوية أو اتفاق معين. 

في المقابل وبعد صدور نتائج الانتخابات النيابية في مايو الماضي، اعتبرت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي مستقيلة بحكم الدستور، ليعاد تكليفه من جديد بتشكيل حكومة، وهو ما فشل به طيلة الأشهر الماضية بسبب خلاف تحاصص مع عون وفريقه السياسي، التيار الوطني الحر، حول اختيار وتسمية الوزراء من حصتهم، لتبقى حكومة تصريف الأعمال هي السلطة التنفيذية الوحيدة المتوفرة والقادرة على إدارة البلاد في مرحلة الفراغ الرئاسي والحكومي. 

تصعيد ووعيد

إلا أن المناكفات السياسية القائمة بين رئاستي الحكومة ورئاسة البلاد، خلقت جدلا دستوريا جديدا، إذ شكك عون وفريقه السياسي بدستورية إدارة حكومة تصريف الاعمال للبلاد وميثاقية هذه الخطوة في ظل الفراغ، وإمكانية تسلمها لمهامه خلال هذه الفترة، في بلد يدار بالتوازنات الطائفية والتحاصص بينها، حيث رئاسة الجمهورية عرفا من حصة المسيحيين الموارنة، فيما رئاسة الحكومة من حصة المسلمين السنة، ما أتاح لعون طرح الميثاقية بتسلم ميقاتي وحكومته للحكم في مرحلة الفراغ. 

وفي هذا الإطار لم يتردد عون عن استعراض مناورة قانونية من شأنها أن تزيد من الخلاف الدستوري القائم، ملوحا بالتوقيع على مراسيم استقالة حكومة ميقاتي، أي قبول الاستقالة التلقائية التي يفرضها الدستور بعد انتخاب مجلس نواب جديد، من أجل تحويلها إلى حكومة مستقيلة تضعف موقف ميقاتي. 

وكان لعون دردشة مع الصحفيين على هامش اللقاءات الأخيرة التي يجريها في قصر بعبدا قبل رحيله، جدد التلويح خلالها، بتوقيع استقالة الحكومة ما لم يتم تشكيل حكومة أخرى، وهو ما يمكن اعتباره إجراء فريد من نوعه لم يسجل لرئيس لبناني من قبله."

ورد عون على الرأي القائل بعدم قانونية خطوته، معتبرا أنه "ليس هناك نص دستوري يشترط ذلك، بل إن المسألة متعلقة بالأعراف، ويمكن خرق العرف"، في تجلٍ واضح لنية التصعيد لدى عون وفريقه السياسي.

اتضحت هذه النيات أكثر مع الهجوم الذي شنه رئيس التيار الوطني الحر، النائب جبران باسيل، على ميقاتي متهما إياه بمحاولة "وضع اليد على مقام الرئاسة والحكم وثروات البلد"، مؤكدا عدم قبوله "بحكومة فاقدة للدستورية والميثاقية والشرعية تتسلم البلد بفراغ مفتوح"، محذرا من "فوضى دستورية، قد تجلب كل أنواع الفوضى." 

وأضاف باسيل في تصريح له بعد زيارته البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، أن "هناك امرا يخطط للبنان وارادة للوصول إلى وضع معين منذ ما قبل تسمية الرئيس ميقاتي، وهو عدم التشكيل، وذلك بإرادة من ميقاتي ودعم من الرئيس بري (رئيس مجلس النواب) ودعم خارجي وبتغطية من بعض المرجعيات في الداخل"، مشددا أنه لن يقبل بحكومة "فاقدة للشرعية البرلمانية والشعبية."

أمر واقع دستوري

لكن وفق ما يرى الخبراء القانونيين والسياسيين، فإن استمرار حكومة تصريف الأعمال هو أمر واقع محمي بالدستور. وبحسب ما يؤكد المحامي المحاضر في كليات الحقوق هيثم عزو لموقع "الحرة"، فإن الدستور ينص صراحة أنه في حال الشغور في منصب رئاسة الجمهورية، فإن صلاحيات الرئيس، تناط وكالة بمجلس الوزراء، "وذلك يعني أن مجلس الوزراء الموجود يصبح هو الوكيل بنص دستوري، دون أن يغير ذلك بشكل هذه الحكومة وكيانها الدستوري، سواء أكانت حكومة عادية أم حكومة مستقيلة." 

يعيد المحامي اللبناني ذلك أسباب واعتبارات قانونية عدة، "أولها أن الحكومة المستقيلة يمكنها أن تصرف الأعمال لضمان استمرارية عمل المرافق العامة، وبالتالي يمكنها أيضا أن تصرف الأعمال الخاصة أيضا بالرئاسة من أجل ذات الغاية ووحدة العلة وهي استمرارية المرافق العامة."

ويضيف "علاوة على ذلك، فإن النص الدستوري الذي خول مجلس الوزراء ممارسة صلاحيات الرئاسة في حال الشغور، لم يميز بين حكومة مستقيلة أو حكومة عادية."

أما بالنسبة إلى النقطة الثانية المتعلقة بأثر توقيع الرئيس اللبناني لمراسيم قبول استقالة الحكومة قبل رحيله، بحسب عزو "ليس من شأنه تغيير الكيان الدستوري للحكومة الحالية، وليس من شأنه أن يغل يدها أو يؤثر على صلاحياتها المقتصرة على تصريف الأعمال، ما لم يكن هناك ضرورة ملحة لإجراء أعمال تصرفية، عملا بمبدأ الضرورات تبيح المحظورات، ما قد يلزمها باتخاذ قرارات خارجة عن تصريف الأعمال لمواجهة خطر داهم أو حالات طارئة."

ويتابع شارحا أن مرسوم قبول استقالة الحكومة هو "مرسوم إعلاني لحالتها المنشأة أصلا عن حكم دستوري بعد الانتخابات النيابية، وليس ناجما عن مرسوم رئاسة الجمهورية بكونه ليس إنشائيا، ولا يمكنه أن يغير شيء بالمعادلة الدستورية، ولا في المعاملة العملية على أرض الواقع، وليس من شأنه أن يجهضها من الحياة الدستورية والسياسية، باعتبار أن الذي يؤدي إلى ذلك هو فقط توقيع مرسوم تشكيل حكومة جديدة تخلفها وتمارس صلاحياتها، كل ذلك وارد في الدستور لضمان عدم جواز الفراغ في المؤسسات الدستورية واستمرارية العمل في المرافق العامة."

من جهته يرى الكاتب السياسي جوني منيّر انه وبعيدا عن النقاش السياسي الحاصل، "هناك أمر واقع يشير إلى اتجاهين، إما إزالة الدولة نهائيا أو استمرارها. روحية الدستور فعليا تهدف إلى المحافظة على شرعية الدولة، لذا مهمته إيجاد حلول للمشاكل المستعصية التي تواجه الدولة لمساعدتها على الاستمرار، ومع ذلك مع الأسف لم يلحظ حجم السوء الموجود لدى الطبقة السياسية الحاكمة في لبنان، والمدى التي ستصل إليه في ضرب بعضها البعض. 

ويضيف: "فعليا وعلى أرض الواقع، السلطة الموجودة هي التي تمسك بالأمور وتملأ الفراغ الحاصل، وتؤمن استمرارية الدولة إلى حين الوصول لانتخاب رئيس جديد للبنان، وحكومة تصريف الأعمال قادرة على ذلك، لاسيما وأنه في هذه الحالات الممسك الحقيقي والفعلي بالوضع يكون مؤسسة الجيش اللبناني." 

وبالتالي يتوقع منيّر في المرحلة المقبلة، أن تسير الأمور كما هي قائمة حاليا، "حكومة تصريف الأعمال مستمرة دستوريا بإدارة البلاد، ويستمر التضارب السياسي والتصعيد الخطابي بين الأطراف السياسية المتنازعة بشأن الدستورية."

ماذا عن الميثاقية؟ 

من جهته يصف الصحافي والكاتب السياسي غسان جواد النقاش الحاصل حول دستورية الحكومة الحالية من عدمه، بأنه نقاش سياسي وليس دستوريا، "فبحسب ما ينص الدستور فإن الحكومة القائمة وهي حكومة تصريف أعمال في حال لم نشكل حكومة، تستلم هي السلطة، ولكن هناك طرح سياسي ميثاقي اليوم يقول أن هذه الحكومة إن لم يكن حولها اتفاق على ادارتها لمرحلة الفراغ، لن تتمكن من الحكم بشكل سلس بكونها ستواجه انسحاب وزراء وطعن في الميثاقية وغيرها من الاستعصاءات التي ستواجهها.

ويتابع "انعكاس الصراع القائم حاليا، فيما لو أدارت حكومة تصريف الأعمال مرحلة الفراغ دون رضى التيار الوطني الحر، قد نشهد توقف وزراء عن أداء مهماتهم بتصريف الأعمال، وقد نشهد توترات طائفية بتحريك سياسي، فيما لو بات البلد مكشوف سياسيا سيصبح مستعصيا حل أبسط الأمور."

بدوره يقول منيّر "عودنا جبران باسيل وميشال عون في تاريخهم السياسي، أنهم يستخدمون كل أنواع الأسلحة في معاركهم، وبالتالي من المحتمل جدا استخدام سلاح الميثاقية، وبرأيي سيعتمدون خطابا غرائزيا طائفيا، الهدف منه إعادة جمع الناس من حولهم ولملمة شعبيتهم، ولا اعلم ان كان سينجح ذلك معهم أم لا، ولكن أشك في ذلك لكون الناس اليوم في لبنان في مكان آخر." 

ويلفت إلى أنه "لو كان هناك أفق لتغيير الصيغة والدستور في لبنان، ومزاج دولي موافق، كان يمكن لهذا الصراع الدستوري أن يصل إلى عقد مؤتمر تأسيسي، لكونه يؤدي إلى توقف العمل بسلطات الدولة ومؤسساتها من أجل دفع الأمور نحو مؤتمر تأسيسي، ولكن قرارا كبيرا من هذا النوع لا تقف حدوده عند لبنان، والقوى الدولية الكبرى أكدت رفضها المس بالصيغة اللبنانية الحالية أو المس بدستور الطائف."

ويضيف "بالتالي كل تلك المناكفات لن تصل إلى مدى بعيد ومن المستبعد أن تؤدي إلى تغيير في واقع الحكم في لبنان أو نظامه السياسي." 

فراغ.. إلى متى؟ 

يؤكد جواد أن أجواء إمكانية تشكيل الحكومة في اللحظات الأخيرة من عمر العهد لا تزال ضبابية، "بالإمكان تشكيل حكومة جديدة في ظرف 48 ساعة، إن حصل ذلك يكون الحكم للائتلاف الممثل في الحكومة الجديدة، ما يعني اتفاق بين المكونات على آلية إدارة لمرحلة الفراغ، لأن ما يحصل حاليا هو صراع على إدارة الفراغ، بين عون وميقاتي." 

ولا يتوقع جواد أن تطول مدة الفراغ على الصعيد الرئاسي، "برأيي مجرد أن الترسيم الحدودي تم، سيفتح معه كثير من الأبواب منها رئاسة الجمهورية وأتوقع فراغ أشهر وليس سنوات." 

يتفق كل من جواد ومنيّر على أن "حزب الله" يمرس ضغطا كبيرا في الوقت الحالي المتبقي من عمر الولاية الرئاسية من أجل تشكيل حكومة، وينقل منيّر أجواء لدى الحزب تقول إن لديه وعود من جبران باسيل ونجيب ميقاتي بأنهم سيشكلون حكومة في اللحظة الأخيرة، "ولكن لا وقائع على الأرض أبدا تشير إلى تقدم هذا الاحتمال، على العكس فإن الانطباع الغالب على مدى اليومين الماضيين، أوحت وكأن الطرفين يريدان الذهاب إلى عدم تشكيل حكومة جديدة."

ويضيف "لا يمكن لأحد أن يتوقع فترة الفراغ المقبلة، ولا ينهي الفراغ إلا تسوية سياسية ذات بعد دولي بين المحاور المتصارعة، للاتفاق على الخطوط العريضة للمرحلة المقبلة، ولو أن اختيار رئيس الجمهورية سيكون ملفا داخليا لكان حصل خلال الفترة الماضية، ولكن الملف ذو طابع دولي بامتياز. 

يعتبر منيّر أن حزب الله يريد ثمنا لقبوله بالترسيم، "الذي كان إشارة كبيرة جدا من ناحيته ومن إيران، خاصة وأننا متجهون إلى مرحلة لن يكون فيها عمل عسكري على حدود لبنان الجنوبية، وبالتالي يريد بديلا على شكل أثمان، خاصة وأنه سبق وطلب المثالثة، أي مؤتمر تأسيسي جديد ولم تكن الأجواء مساعدة، وتلقى أجوبة محلية ودولية واضحة في هذا الشأن بعدم الاستعداد لأي تغيير في الصيغة الحالية، وبالتالي البحث اليوم يتم بالأثمان المقابلة، ومن بعدها يحصل الاتفاق على الرئاسة والبرنامج والمرحلة المقبلة. "

من جهته يؤكد جواد أن "رئاسة لبنان ليست حدثا محليا فقط، بفعل طبيعة النظام الذي يتيح التدخل الدولي، فإن رئاسة لبنان، تنتج دوليا بتفاهم محلي واسع. فضلا عن ذلك فإن المجلس النيابي الجديد لا يضم أكثرية لأي طرف قادرة على انتخاب رئيس، وإنما مجموعة كتل صغيرة غير متفقة، لذا يجب في مرحلة الفراغ أن تترافق مع جهود محلية ودولية لإنجاز هذا الاستحقاق، والفرنسيون يعملون جديا على الملف بموافقة أميركية، لاسيما بعد الترسيم."

وفيما يتوقع جواد أن "ينعكس الخلاف المستجد ما بين الإدارة الأميركية الحالية وبين السعودية، على إمكانية التفاهم بينهما على الملف اللبناني ولاسيما الرئاسي"، يؤكد منيّر أنه سأل هذا السؤال للسفير السعودي في لبنان، وليد البخاري، "وأجابني نفيا بأن العلاقات بين السعودية والولايات المتحدة لن تؤثر على الملف اللبناني، بكون الخلاف مع الولايات المتحدة ينحصر في ملفات محددة ولا ينعكس على غيرها."

ويضيف منيّر للوصول إلى تسوية في لبنان، المسار يمر بمناخ إقليمي ملائم، وطال المناخ الإقليمي حتى الآن لا يزال غير مناسبا، ولو أن هناك إشارات إيجابية تمثلت بترسيم الحدود البحرية، ولكن يجب أولا الاتفاق مع ايران من أجل الاتفاق على لبنان، ومن هنا اعتبر انه لا يمكن التنبؤ بمدة الفراغ."

الأمن الاجتماعي أبرز المهددين

يشدد جواد أنه في المرحلة المقبلة من عمر الفراغ، "ليس هناك مخاوف من تأثيرات أمنية على الساحة اللبنانية، لكن الخطر يكمن في الأمن الاجتماعي للبنانيين." 

وينازع اللبنانيون منذ 3 أعوام تحت وطأة أزمة اقتصادية حادة وصفها البنك الدولي من الأسوأ في تاريخ العالم، وصل معها مستوى الفقر في البلاد إلى حدود قياسية، وارتفعت معها معدلات البطالة إلى عتبة الـ 40 في المئة، فيما تتدهور نوعية حياة اللبنانيين وقدرتهم الشرائية بفعل انهيار العملة المحلية أمام الدولار. 

وينتظر لبنان مساعدة دولية هي رهن بقدرة لبنان على تنفيذ الإصلاحات المطلوبة منه من قبل الجهات المانحة والممولة وأبرزها صندوق النقد الدولي، فيما لبنان لا يزال بعيدا عن تحقيق تلك الشروط، ويحتاج إلى ورشة عمل تشريعية تنفيذية تتطلب بدورها استقرار سياسي وانطلاق بمسار النهوض في البلاد، وسط شحن وانقسامات سياسية لا توحي بسهولة الوصول إلى هذه الوضعية. 

ويزيد الفراغ الرئاسي والنزاع السياسي الجديد من الانعكاسات على الواقع المعيشي والأمن الاجتماعي للبنانيين. ويرى منيّر في هذا السياق أن الفراغ يمكن أن يؤدي بلبنان إلى اضطرابات غير محسوبة، "كالفوضى الاجتماعية التي قد تدفع الجميع مجبرين نحو تسوية مبكرة سابقة للتسوية الإقليمية، بكونه ليس مطلوبا انهيار الوضع اللبناني نهائيا، خاصة في ظل مشاريع الغاز الواعدة في دول الحوض الشرقي للمتوسط، فيما المناخ المقبل على لبنان ينم عن نية تغيير وظيفته من ساحة تصفية حسابات إلى ساحة خالية من خطوط التماس الداخلية، لذا رفعوا وظيفة مواجهة إسرائيل من يد حزب الله، وهذا ما يعنيه الترسيم."

ويختم "لذا ان انهار الوضع الاجتماعي في لبنان مع انعكاسه على الواقع الأمني بمشاكل غير مخطط لها قد تنتج عن ذلك، سيكون عامل ضغط على الخارج لإنجاز تسوية خاصة بلبنان، فهذا النوع من التسويات عادة ما يطبخ على نار حامية كما حصل مع اتفاق الدوحة."
 

مركبة مدمرة في أعقاب غارة جوية إسرائيلية على جنوب لبنان
التوتر يتزايد بين حزب الله وإسرائيل

يتزايد التوتر يوماً بعد يوم بين حزب الله وإسرائيل، مما يثير مخاوف من احتمال نشوب حرب شاملة بين الطرفين، قد تشمل اجتياحاً برياً إسرائيلياً لجنوب لبنان، وإطلاق صواريخ تدمر البنية التحتية تجاه شمال إسرائيل، مع ما يحمله ذلك من تداعيات خطيرة على المنطقة بأسرها.

وفي أعنف تصعيد شهده جنوب لبنان، سقط عدد من المدنيين بين قتلى وجرحى خلال استهداف إسرائيل، قيادات في حزب الله،  الخميس، في بلدات صفد البطيخ ومجدل سلم وشقرا. 

منذ بدء التصعيد، أسفر القصف الإسرائيلي عن مقتل 516 شخصا في لبنان معظمهم من المسلحين و104 مدنيين وفق تعداد لوكالة فرانس برس يستند إلى بيانات حزب الله ومصادر رسميّة لبنانيّة.

وأعلن الجانب الإسرائيلي من جهته مقتل 18 عسكرياً و13 مدنياً.

والأربعاء الماضي حذر الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، في كلمة ألقاها بمناسبة إحياء ذكرى عاشوراء، الجيش الإسرائيلي بأنه "لن يعاني من نقص في الدبابات إذا جاءت إلى لبنان وجنوب لبنان" بل "لن تبقى لديه دبابات"، جاء هذا الحديث بعد "اعتراف الجيش الإسرائيلي لأول مرة بمعاناته من نقص في الدبابات بسبب تضررها في جبهات القتال في غزة"، كما أوردت صحيفة "يديعوت أحرنوت". 

وتتصاعد حدة التهديدات من كلا الطرفين رغم أنها يزعمان عدم وجود رغبة في تصعيد الحرب بينهما.

وقصف حزب الله المصنف كمنظمة إرهابية، لأول مرة "نيفيه زيف بصلية من صواريخ الكاتيوشا"، بينما هدد نصر الله أن الزيادة في التصعيد الإسرائيلي سيؤدي بحزب الله إلى إطلاق الصواريخ واستهداف مواقع جديدة "لم يتم استهدافها سابقا". 

من جانبه، هدد غالانت خلال كلمة ألقاها في الجبهة الشمالية مع لبنان، الأربعاء، باستخدام الخيار العسكري بعد تهديدات نصر الله. 

وفي ضوء تصاعد قرع طبول الحرب، حذّر وزير الخارجية والمغتربين في حكومة تصريف الأعمال اللبنانية، عبد الله بو حبيب، من العواقب الكارثية لأي تصعيد أو اجتياح إسرائيلي للبنان، مشيراً إلى أن مثل هذا التصعيد قد يؤدي إلى توسع رقعة الحرب لتصبح إقليمية.  

وخلال لقاءاته في نيويورك، على هامش مشاركته في النقاش المفتوح حول الحالة في الشرق الأوسط في مجلس الأمن، شدد بو حبيب على ضرورة خفض التصعيد في المنطقة، خاصة في جنوب لبنان، وعلى أهمية تنفيذ القرار 1701 بالكامل. 

وسبق أن نقلت شبكة "سي إن إن" الإخبارية عن مسؤولين أميركيين كبار ومسؤولين مطلعين على المعلومات الاستخباراتية قولهم، في مارس الماضي، إن "مسؤولي الإدارة والمخابرات الأميركية يشعرون بالقلق من أن إسرائيل تخطط لتوغل بري في لبنان".

ورجحت مصادر الشبكة أن التوغل البري المحتمل "يمكن أن يبدأ في أواخر الربيع أو أوائل الصيف، إذا فشلت الجهود الدبلوماسية في دفع حزب الله إلى التراجع عن الحدود الشمالية مع إسرائيل". 

ويتبادل حزب الله وإسرائيل القصف بشكل شبه يومي منذ الثامن من أكتوبر، وهو التاريخ الذي فتح فيه حزب الله جبهة جنوب لبنان كجبهة "دعم وإسناد" لحركة حماس في غزة على ما يزعم.

شرط أساسي 

ورغم تهديدات مسؤولين إسرائيليين باجتياح جنوب لبنان، يرى المحلل العسكري والاستراتيجي، العميد الركن المتقاعد يعرب صخر، أن إسرائيل لن تقدم على ذلك إلا إذا كانت الأرض محروقة، "لاسيما وأنها تستطيع تحقيق أهدافها من الجو باصطياد أعضاء الصف الثالث والثاني وحتى الأول من حزب الله وضرب مراكز القيادة والسيطرة وقطع أوصال الإمدادات اللوجستية لكل ميليشيات إيران أينما كانت". 

ويشرح صخر في حديث لموقع "الحرة" أنه "في مطلع أكتوبر، أعربت أميركا عن جهوزيتها لحماية أمن إسرائيل ووجودها، مما دفع إيران وحلفاءها إلى الصمت. ولكن مع تأكيد النهج الأميركي بعدم توسعة الجبهات وإشعال حرب في المنطقة، واضطرار إسرائيل للتكيف مع قرار الإدارة الأميركية التي تحد من تزويدها بالسلاح النوعي اللازم لعملياتها الكبرى، رفعت إيران من نبرة خطابها وادعاءاتها واستغلت الوضع لتعزيز نفوذها". 

ونوه صخر إلى أن الولايات المتحدة تركز تفكيرها حاليا على الانتخابات الرئاسية، مشيرا إلى تبعات نتائج الانتخابات على المنطقة، ويقول: "ارتفعت حظوظ المرشح الجمهوري دونالد ترامب بالفوز خاصة بعد محاولة الاغتيال الفاشلة التي تعرض لها وتراجعت حظوظ المرشح الديمقراطي جو بايدن. عودة الجمهوريين إلى الحكم يعني توجها أميركيا صلبا وصارما وشرق أوسط مختلف". 

ويشدد صخر على أن الفترة المقبلة حتى نهاية السنة ستكون حاسمة، وأن إسرائيل "ستستغل" الانشغال الأميركي لحشد الدعم في الكونغرس من أجل الإفراج عن الأسلحة التي تحتاجها، "للقيام بعمل عسكري كبير في لبنان، حيث لا تزال لديها النية لذلك، وبوادر ذلك تتصاعد شيئا فشيئا". 

وتطلب إسرائيل اليوم من حزب الله تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة رقم 1701، والذي أنهى حرب يوليو عام 2006. 

وينص هذا القرار، على انسحاب مسلحي حزب الله إلى جنوب نهر الليطاني وإنشاء منطقة عازلة ينتشر فيها الجيش اللبناني وقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان "يونيفيل".

استعدادات إسرائيلية فوق الأرض وتحتها

من جانبها تستعد إسرائيل لما قد تكون حربا أخرى في شمال البلاد، مع حزب الله، حيث تجري استعدادها فوق الأرض وتحتها، بحسب تقرير نشرته صحيفة وول ستريت جورنال، إذ يتوقع أن تؤثر هجمات حزب الله على المدن والبلدات القريبة من شمال إسرائيل.

وعلى سبيل المثال، تجرى استعدادات على قدم وساق لتجهيز مبنى تحت الأرض في مجمع رمبام للرعاية الصحية، بما يشمل أربع غرف عمليات وجناح للولادة ومركزا لغسيل الكلى، وضعت كلها في طوابق المواقف التي كانت مخصصة للسيارات، فيما يتدرب الأطباء على إخلاء التواجد في أروقة المجمع الطبي والانتقال إلى المواقف المجهزة في أسرع وقت.

الطبيب مايكل هالبيرثال، مدير مجمع رمبام للرعاية الصحية قال للصحيفة "نتوقع سقوط آلاف الضحايا هنا.. هذا ما نحن مستعدون له".

وتشير الصحيفة إلى أن مراكز الرعاية الصحية في شمال إسرائيل تستعد لحرب "قد تفوق أضرارها" الحرب الجارية مع حماس، إذ أن حزب الله لديه تنظيم أفضل تدريبا وتسليحا، لدى مقارنته بحماس، فيما يقدر خبراء مخزونه من الصواريخ بـ 150 ألف ذخيرة قادرة على إحداث أضرار.

وإذا وقعت الحرب بين حزب الله وإسرائيل، رجح عمال إغاثة ورؤساء بلديات حظوا بإيجاز من الجيش الإسرائيلي سقوط نحو 4000 آلاف قذيفة صاروخية على البلدات الإسرائيلية يوميا، وهو ما قد يؤدي إلى إنهاك لمنظومة الدفاع الجوية، وترجيح حدوث الحرائق وتدمير البنية التحتية، وفق الصحيفة. 

الخسائر في لبنان لن تكون محدودة أيضا، وستكون واسعة النطاق بحسب الصحيفة، فيما هدد وزير الدفاع الإسرائيلي، غالانت، في تصريحات للصحيفة ذاتها، في يناير الماضي، أن الجيش الإسرائيلي يمكنه "نسخ" ما يحدث في غزة وتكراره في بيروت.

قرار صعب 

من جانبه يرى الخبير العسكري والاستراتيجي اللبناني، العميد المتقاعد ناجي ملاعب، أن "الوضع الداخلي في إسرائيل يجعل من الصعب على حكومة نتانياهو اتخاذ قرار اجتياح لبنان برياً" موضحاً أن ذلك يعود لعدة عوامل، أبرزها ما سُرب عن الجيش الإسرائيلي بشأن نقص الدبابات، واستعدادات حزب الله لمثل هذا السيناريو. 

ويشير ملاعب في حديث مع موقع "الحرة" إلى أن "حزب الله تمكن في عام 2006 من تدمير 72 دبابة ميركافا 3 في يوم واحد في وادي الحجير، والآن يمتلك الحزب صواريخ مطورة من الكورنيت وصواريخ ألماس الفعالة ضد الآليات.  

"الاجتياح البري صعب" بحسب ملاعب "سواء نتيجة استعدادات حزب الله أو النقص في القدرات الإسرائيلية الحالية. إن اضطرار الجيش الإسرائيلي إلى تجنيد الحريديم، بالرغم من موقفهم السلبي والمظاهرات التي قاموا بها ضد ذلك، يدل على حاجته الماسة للعسكر وفقدان الروح المعنوية للقتال". 

ويؤكد أن الوضع في لبنان يختلف تماماً عن غزة، حيث يمكن للجيش الإسرائيلي دخول أي شارع ومكان في غزة، بينما في لبنان الاستعدادات أكبر والجبهة مفتوحة وليست محصورة على حزب الله. 

ويمتلك حزب الله ترسانة أسلحة ضخمة وإن كان لا يُعرف حجمها، إلا أنها تطورت وتوسعت على مدى السنوات الماضية. وأعلن في مناسبات عدّة أنه بات يمتلك أسلحة وصواريخ متطورة عدة قادرة على بلوغ عمق اسرائيل. 

وكان مسؤول في فيلق القدس الإيراني "الذي يشرف على حزب الله وغيره من الفصائل المرتبطة بإيران في الشرق الأوسط،" قال لمجلة "فورين بوليسي" إن "الحزب يمتلك أكثر من مليون صاروخ من أنواع مختلفة، بما في ذلك صواريخ موجهة بدقة وصواريخ كاتيوشا معدلة لزيادة الدقة، بالإضافة إلى صواريخ مضادة للدبابات". 

مع تزايد المخاوف من التصعيد مع إسرائيل.. ما هي الأسلحة التي يمتلكها حزب الله اللبناني؟
خلال أكثر من 6 أشهر، تبادل حزب الله اللبناني وإسرائيل إطلاق النار عبر الحدود، في إطار الحرب الدائرة بين الأخيرة وحركة حماس، مما أعطى صورة أكثر وضوحا عن طبيعة الترسانة العسكرية التي يملكها حزب الله المدعوم من إيران.

وتشمل ترسانة حزب الله، وفق ما تم الكشف عنه خلال حرب الاستنزاف الطويلة، "طائرات بدون طيار مفخخة وطائرات بدون طيار أخرى مزودة بصواريخ روسية الصنع تتيح شن هجمات جوية من داخل الأراضي الإسرائيلية، إلى جانب نوع من الصواريخ الإيرانية يسمى "ألماس" مزود بكاميرا مستوحى من صاروخ سبايك الإسرائيلي، يغير هذا العتاد قواعد اللعبة لأنه يجعل المسلحين أقل عرضة للهجمات الإسرائيلية على مواقع الإطلاق"، بحسب المجلة.

وتشير "فورين بوليسي" إلى أن إسرائيل تمتلك ترسانة متطورة وأكبر بكثير من صواريخ جو-أرض تُطلق من طائرات حربية مختلفة وطائرات مسيرة. 

خطوة مستبعدة 

احتمال نشوب حرب وارد، بحسب ما يقوله رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات والعلاقات العامة، العميد الركن المتقاعد، الدكتور هشام جابر "إلا أنه مستبعد جداً"، ويشرح "لا أحد من الأطراف الدولية، بما في ذلك الولايات المتحدة،، أوروبا، إيران، الأمم المتحدة، أو حتى إسرائيل المنقسمة داخلياً، يقبل باندلاع هذه الحرب".  

ويشير جابر في حديث لموقع "الحرة" إلى أن "الجيش الإسرائيلي منهك ويحتاج إلى وقت لاستعادة عافيته، وهو يعاني من نقص في العدد، ما دفعه إلى طرح قضية تجنيد الحريديم، وهذا النقص هو أكبر دليل على عدم استعداد إسرائيل لفتح جبهة جديدة، حيث لو كانت جاهزة لما لجأت إلى تجنيد الحريديم ولما أثارت هذه المشكلة الداخلية". 

كذلك يعتبر المحلل العسكري والاستراتيجي، العميد الركن المتقاعد اللبناني، نزار عبد القادر، أن أي تصعيد كبير في نمط الاشتباكات الحالية، واحتمال اندلاع حرب بين إسرائيل وحزب الله ما زال مستبعداً، "رغم التصريحات الحادة التي تصدر بين الحين والآخر". 

ويوضح عبد القادر في حديث لموقع "الحرة" أن "الحرب تتعارض مع المصلحة العليا لكل من إيران وإسرائيل"، مؤكداً أن "إسرائيل لم تكن ترغب في الحرب في لبنان وهي تكره استمرارها في غزة". ويلفت إلى أن "رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو يواجه معارضة قوية داخل إسرائيل بشأن استمرار الحرب في غزة، مما يزيد من صعوبة أي تصعيد جديد". 

ويشير إلى أن غالانت، خلال زيارته إلى الحدود الشمالية لإسرائيل، "تحدث عن الاشتباكات المستمرة مع حزب الله، مؤكداً أنها اشتباكات مدروسة، وأنه لا توجد نية لتحويلها إلى حرب شاملة". 

وبعد زيارته لجبهة شمال إسرائيل في مطلع يوليو، أصدر مكتب غالانت بياناً جاء فيه "نحن نضرب حزب الله بشدة كل يوم وسنصل أيضا إلى حالة الاستعداد الكامل للقيام بأي إجراء مطلوب في لبنان أو التوصل إلى اتفاق من مركز قوة. نفضل التوصل لاتفاق لكن إذا أجبرنا الواقع فسنعرف كيف نقاتل". 

كما ذكر عبد القادر أن المجتمع الدولي، وخاصة الأميركي والأوروبي، يضغط على إسرائيل لعدم توسعة الحرب على لبنان. 

استراتيجية بديلة 

الجبهة الجنوبية للبنان ليست تقليدية، كما يقول ملاعب "حيث لا توجد خطوط دفاعية ثابتة أو خطط هجوم واضحة، بل تعتمد على التفوق الجوي الإسرائيلي مقابل هجمات حزب الله باستخدام الصواريخ والمسيرات، أي أن التداعيات لن تكون مقتصرة على لبنان فقط، بل ستمتد إلى إسرائيل أيضاً. وهذا الوضع الجديد يدفع إسرائيل لدراسة خطواتها بعناية، حيث يتطلب قرار اغتيال شخصية قيادية في حزب الله، على سبيل المثال، موافقة رئيس الحكومة، بعد دراسته التداعيات السياسية والعسكرية المحتملة". 

ويتّبع رئيس الأركان الإسرائيلي، هرتسي هاليفي، بحسب ملاعب "استراتيجية تهدف إلى تجفيف قدرات حزب الله على جميع الأصعدة، وليس فقط على الجبهة الأمامية"، قائلا "إن هذه الاستراتيجية، التي أعلنها هاليفي منذ حوالي شهرين، تسعى إلى تجفيف مصادر حزب الله من الذخائر والصواريخ وحتى القيادات البشرية، وصولاً إلى اغتيال الممولين كما حدث على طريق دمشق الدولي مع رجل الأعمال السوري محمد قاطرجي.

هذه الاستراتيجية تضع حزب الله بحسب ملاعب "تحت ضغط كبير من خلال استهدافات دقيقة، دون الحاجة إلى تحضيرات كبيرة لهجوم بري". ويرى أن هذا النهج هو جزء من تكتيكات لتقطيع الوقت لحين الانتهاء من الانتخابات الأميركية المقبلة". 

ويشدد ملاعب على أن الجيش الإسرائيلي "لن يغامر بتوسيع الجبهة باتجاه حرب شاملة مع محور الممانعة أثناء فترة الانتخابات الأميركية، حيث لا يمكنه ضمان دعم الإدارة الحالية أو المقبلة لأي عملية برية إسرائيلية" على حد تعبيره.

لكن عبد القادر يشدد على أنه "لا توجد ضمانة لعدم اندلاع الحرب، التي يمكن أن تندلع عن طريق الصدفة أو الخطأ من قبل أي من الطرفين". 

سيناريوهات محتملة 

في حال حصل سيناريو الاجتياح البري، فإن إسرائيل تمتلك كما يقول ملاعب "قوة جوية هائلة قادرة على التدمير، كما فعلت في غزة. في حين يحتفظ حزب الله بذخيرته وصواريخه بعيدة ومتوسطة المدى لاستخدامها في حال وقوع اجتياح بري أو حتى تدمير شامل". 

ويشرح "رغم قدرة إسرائيل على التدمير على مدى 120 كم من الجبهة، فإن حزب الله يمكنه بعد تسعة أشهر إطلاق 150 صاروخاً دفعة واحدة، مما يوضح أن التدمير الجوي لم يحقق نتائج حاسمة على الجبهة الأمامية. نعم، يمكن أن يحدث خسائر ودماراً في الداخل اللبناني، لكن ذلك سيتبعه تدمير في الداخل الإسرائيلي أيضاً". 

أما جابر فيرى أن "الحرب ستتحول إلى حرب إقليمية خلال أقل من أسبوعين، وستتوسع إلى البحر المتوسط أولاً ثم إلى البحر الأحمر، ما سيؤدي إلى تداعيات خطيرة على المنطقة بأسرها وليس فقط على لبنان. ويلفت إلى أن إسرائيل تعلن أنها تريد القيام بعملية نوعية محدودة، ولكن السؤال يظل عن ماهية هذه العملية، وهل ستكون برية، بحرية، أو جوية، وكيف سيتعامل حزب الله معها". 

ويشدد جابر على أن أي خلل في الحسابات قد يشعل الحرب، حيث أن الأوضاع متوترة والأصبع على الزناد من الطرفين، إلا أن كليهما يسعى إلى تجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة وتحمل المسؤولية. 

وكانت مجلة "الإيكونوميست" البريطانية، نشرت تقريراً أوائل يوليو، يتناول سيناريو محتمل لما ستكون عليه الحرب بين إسرائيل وحزب الله. 

يرجح التقرير أن الحرب، في حال اندلاعها، ستتميز بهجمات مكثفة بواسطة طائرات مسيرة مفخخة وانقطاع دائم للتيار الكهربائي وأكبر وابل صاروخي في التاريخ. 

ويشير التقرير إلى أنه في حال قررت إسرائيل شن حرب تستهدف إضعاف حزب الله ودفعه نحو الشمال، فقد ينطوي ذلك على غزو بري محدود لجنوب لبنان، وهي المنطقة التي احتلتها القوات الإسرائيلية حتى عام 2000. 

يذكر أنه في عام 1982، اجتاحت القوات الإسرائيلية لبنان، وحاصرت بيروت لطرد منظمة التحرير الفلسطينية التي تزعمها الرئيس الراحل، ياسر عرفات، لكن رحيل المسلحين الفلسطينيين أدى إلى ظهور خصم آخر لإسرائيل، وهو حزب الله. 

وفي عام 2006، خاضت إسرائيل وحزب الله، حرباً استمرت 33 يوماً، استخدم فيها الحزب مئات الأسلحة المضادة للدبابات لصد هجمات المدرعات الإسرائيلية، كما هاجمت القوات الجوية الإسرائيلية حوالي 100 هدف يوميا، واليوم يشير التقرير إلى أن "القادة العسكريين الإسرائيليين يتباهون بأنهم يستطيعون إصابة أكثر من 3000 هدف في اليوم". 

وفي ظل تصاعد التهديدات المتبادلة بين حزب الله وإسرائيل، تشتد المنافسة بين المساعي الدبلوماسية والحل العسكري، ويبقى السؤال: من سيسبق الآخر في هذا السباق الحاسم؟.