البرلمان اللبناني فشل في انتخاب رئيس جديد للبلاد في 4 جلسات مخصصة لذلك خلال المرحلة الماضية، آخرها كان في 24 أكتوبر الحالي
البرلمان اللبناني فشل في انتخاب رئيس جديد للبلاد في 4 جلسات مخصصة لذلك خلال المرحلة الماضية، آخرها كان في 24 أكتوبر الحالي

دخل لبنان في مرحلة الشغور الرئاسي بالفعل، حيث لم يعد ممكنا بالوقت المتاح لانتهاء ولاية الرئيس اللبناني الحالي ميشال عون (يوم الاثنين المقبل)، أن يطرأ أي جديد على المشهد السياسي القائم في لبنان، فلا قدرة وتوافق على انتخاب رئيس جمهورية جديد عبر المجلس النيابي المنقسم على نفسه، ولا حظوظ بولادة حكومة جديدة في اللحظات الأخيرة للولاية الرئاسية في ظل الصدام بين فريق رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلف نجيب ميقاتي. 

واقع يتجه بلبنان نحو فراغ رئاسي من جهة، وصراع دستوري من جهة أخرى يتمحور حول سؤال واحد: من سيدير مرحلة الفراغ؟ أو بمعنى آخر من سيحكم البلاد خلال المرحلة المقبلة؟ 

ولاية عون الرئاسية كانت قد بدأت بتاريخ 31 أكتوبر 2016، ما يفرض انتهاءها في 31 أكتوبر 2022، بكون الولاية الرئاسية بحسب الدستور اللبناني تمتد على 6 سنوات، ومثلما تسلم عون الرئاسة بعد فراغ رئاسي امتد على عامين ونحو 5 أشهر، يسلم اليوم موقعه إلى الفراغ مجددا، دون مراسم تسلم وتسليم، ودون وجود ما يؤشر إلى المدى الزمني الذي قد يبلغه هذا الفراغ. 

وفشل مجلس النواب اللبناني في انتخاب رئيس جديد للبلاد في 4 جلسات مخصصة لذلك خلال المرحلة الماضية، آخرها كان في 24 أكتوبر الحالي، حيث لم تتمكن الكتل النيابية المنبثقة عن انتخابات مايو الماضي، من الاتفاق على اسم مرشح يحظى بقبول الأكثرية المطلوبة، فيما بقيت الأسماء المطروحة بعيدة جدا عن تحقيق الأغلبية، وسط لجوء كتل وازنة للتصويت بورقة بيضاء أو بعبارات رمزية تظهر عدم وجود مرشح لها حتى الآن بانتظار تسوية أو اتفاق معين. 

في المقابل وبعد صدور نتائج الانتخابات النيابية في مايو الماضي، اعتبرت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي مستقيلة بحكم الدستور، ليعاد تكليفه من جديد بتشكيل حكومة، وهو ما فشل به طيلة الأشهر الماضية بسبب خلاف تحاصص مع عون وفريقه السياسي، التيار الوطني الحر، حول اختيار وتسمية الوزراء من حصتهم، لتبقى حكومة تصريف الأعمال هي السلطة التنفيذية الوحيدة المتوفرة والقادرة على إدارة البلاد في مرحلة الفراغ الرئاسي والحكومي. 

تصعيد ووعيد

إلا أن المناكفات السياسية القائمة بين رئاستي الحكومة ورئاسة البلاد، خلقت جدلا دستوريا جديدا، إذ شكك عون وفريقه السياسي بدستورية إدارة حكومة تصريف الاعمال للبلاد وميثاقية هذه الخطوة في ظل الفراغ، وإمكانية تسلمها لمهامه خلال هذه الفترة، في بلد يدار بالتوازنات الطائفية والتحاصص بينها، حيث رئاسة الجمهورية عرفا من حصة المسيحيين الموارنة، فيما رئاسة الحكومة من حصة المسلمين السنة، ما أتاح لعون طرح الميثاقية بتسلم ميقاتي وحكومته للحكم في مرحلة الفراغ. 

وفي هذا الإطار لم يتردد عون عن استعراض مناورة قانونية من شأنها أن تزيد من الخلاف الدستوري القائم، ملوحا بالتوقيع على مراسيم استقالة حكومة ميقاتي، أي قبول الاستقالة التلقائية التي يفرضها الدستور بعد انتخاب مجلس نواب جديد، من أجل تحويلها إلى حكومة مستقيلة تضعف موقف ميقاتي. 

وكان لعون دردشة مع الصحفيين على هامش اللقاءات الأخيرة التي يجريها في قصر بعبدا قبل رحيله، جدد التلويح خلالها، بتوقيع استقالة الحكومة ما لم يتم تشكيل حكومة أخرى، وهو ما يمكن اعتباره إجراء فريد من نوعه لم يسجل لرئيس لبناني من قبله."

ورد عون على الرأي القائل بعدم قانونية خطوته، معتبرا أنه "ليس هناك نص دستوري يشترط ذلك، بل إن المسألة متعلقة بالأعراف، ويمكن خرق العرف"، في تجلٍ واضح لنية التصعيد لدى عون وفريقه السياسي.

اتضحت هذه النيات أكثر مع الهجوم الذي شنه رئيس التيار الوطني الحر، النائب جبران باسيل، على ميقاتي متهما إياه بمحاولة "وضع اليد على مقام الرئاسة والحكم وثروات البلد"، مؤكدا عدم قبوله "بحكومة فاقدة للدستورية والميثاقية والشرعية تتسلم البلد بفراغ مفتوح"، محذرا من "فوضى دستورية، قد تجلب كل أنواع الفوضى." 

وأضاف باسيل في تصريح له بعد زيارته البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، أن "هناك امرا يخطط للبنان وارادة للوصول إلى وضع معين منذ ما قبل تسمية الرئيس ميقاتي، وهو عدم التشكيل، وذلك بإرادة من ميقاتي ودعم من الرئيس بري (رئيس مجلس النواب) ودعم خارجي وبتغطية من بعض المرجعيات في الداخل"، مشددا أنه لن يقبل بحكومة "فاقدة للشرعية البرلمانية والشعبية."

أمر واقع دستوري

لكن وفق ما يرى الخبراء القانونيين والسياسيين، فإن استمرار حكومة تصريف الأعمال هو أمر واقع محمي بالدستور. وبحسب ما يؤكد المحامي المحاضر في كليات الحقوق هيثم عزو لموقع "الحرة"، فإن الدستور ينص صراحة أنه في حال الشغور في منصب رئاسة الجمهورية، فإن صلاحيات الرئيس، تناط وكالة بمجلس الوزراء، "وذلك يعني أن مجلس الوزراء الموجود يصبح هو الوكيل بنص دستوري، دون أن يغير ذلك بشكل هذه الحكومة وكيانها الدستوري، سواء أكانت حكومة عادية أم حكومة مستقيلة." 

يعيد المحامي اللبناني ذلك أسباب واعتبارات قانونية عدة، "أولها أن الحكومة المستقيلة يمكنها أن تصرف الأعمال لضمان استمرارية عمل المرافق العامة، وبالتالي يمكنها أيضا أن تصرف الأعمال الخاصة أيضا بالرئاسة من أجل ذات الغاية ووحدة العلة وهي استمرارية المرافق العامة."

ويضيف "علاوة على ذلك، فإن النص الدستوري الذي خول مجلس الوزراء ممارسة صلاحيات الرئاسة في حال الشغور، لم يميز بين حكومة مستقيلة أو حكومة عادية."

أما بالنسبة إلى النقطة الثانية المتعلقة بأثر توقيع الرئيس اللبناني لمراسيم قبول استقالة الحكومة قبل رحيله، بحسب عزو "ليس من شأنه تغيير الكيان الدستوري للحكومة الحالية، وليس من شأنه أن يغل يدها أو يؤثر على صلاحياتها المقتصرة على تصريف الأعمال، ما لم يكن هناك ضرورة ملحة لإجراء أعمال تصرفية، عملا بمبدأ الضرورات تبيح المحظورات، ما قد يلزمها باتخاذ قرارات خارجة عن تصريف الأعمال لمواجهة خطر داهم أو حالات طارئة."

ويتابع شارحا أن مرسوم قبول استقالة الحكومة هو "مرسوم إعلاني لحالتها المنشأة أصلا عن حكم دستوري بعد الانتخابات النيابية، وليس ناجما عن مرسوم رئاسة الجمهورية بكونه ليس إنشائيا، ولا يمكنه أن يغير شيء بالمعادلة الدستورية، ولا في المعاملة العملية على أرض الواقع، وليس من شأنه أن يجهضها من الحياة الدستورية والسياسية، باعتبار أن الذي يؤدي إلى ذلك هو فقط توقيع مرسوم تشكيل حكومة جديدة تخلفها وتمارس صلاحياتها، كل ذلك وارد في الدستور لضمان عدم جواز الفراغ في المؤسسات الدستورية واستمرارية العمل في المرافق العامة."

من جهته يرى الكاتب السياسي جوني منيّر انه وبعيدا عن النقاش السياسي الحاصل، "هناك أمر واقع يشير إلى اتجاهين، إما إزالة الدولة نهائيا أو استمرارها. روحية الدستور فعليا تهدف إلى المحافظة على شرعية الدولة، لذا مهمته إيجاد حلول للمشاكل المستعصية التي تواجه الدولة لمساعدتها على الاستمرار، ومع ذلك مع الأسف لم يلحظ حجم السوء الموجود لدى الطبقة السياسية الحاكمة في لبنان، والمدى التي ستصل إليه في ضرب بعضها البعض. 

ويضيف: "فعليا وعلى أرض الواقع، السلطة الموجودة هي التي تمسك بالأمور وتملأ الفراغ الحاصل، وتؤمن استمرارية الدولة إلى حين الوصول لانتخاب رئيس جديد للبنان، وحكومة تصريف الأعمال قادرة على ذلك، لاسيما وأنه في هذه الحالات الممسك الحقيقي والفعلي بالوضع يكون مؤسسة الجيش اللبناني." 

وبالتالي يتوقع منيّر في المرحلة المقبلة، أن تسير الأمور كما هي قائمة حاليا، "حكومة تصريف الأعمال مستمرة دستوريا بإدارة البلاد، ويستمر التضارب السياسي والتصعيد الخطابي بين الأطراف السياسية المتنازعة بشأن الدستورية."

ماذا عن الميثاقية؟ 

من جهته يصف الصحافي والكاتب السياسي غسان جواد النقاش الحاصل حول دستورية الحكومة الحالية من عدمه، بأنه نقاش سياسي وليس دستوريا، "فبحسب ما ينص الدستور فإن الحكومة القائمة وهي حكومة تصريف أعمال في حال لم نشكل حكومة، تستلم هي السلطة، ولكن هناك طرح سياسي ميثاقي اليوم يقول أن هذه الحكومة إن لم يكن حولها اتفاق على ادارتها لمرحلة الفراغ، لن تتمكن من الحكم بشكل سلس بكونها ستواجه انسحاب وزراء وطعن في الميثاقية وغيرها من الاستعصاءات التي ستواجهها.

ويتابع "انعكاس الصراع القائم حاليا، فيما لو أدارت حكومة تصريف الأعمال مرحلة الفراغ دون رضى التيار الوطني الحر، قد نشهد توقف وزراء عن أداء مهماتهم بتصريف الأعمال، وقد نشهد توترات طائفية بتحريك سياسي، فيما لو بات البلد مكشوف سياسيا سيصبح مستعصيا حل أبسط الأمور."

بدوره يقول منيّر "عودنا جبران باسيل وميشال عون في تاريخهم السياسي، أنهم يستخدمون كل أنواع الأسلحة في معاركهم، وبالتالي من المحتمل جدا استخدام سلاح الميثاقية، وبرأيي سيعتمدون خطابا غرائزيا طائفيا، الهدف منه إعادة جمع الناس من حولهم ولملمة شعبيتهم، ولا اعلم ان كان سينجح ذلك معهم أم لا، ولكن أشك في ذلك لكون الناس اليوم في لبنان في مكان آخر." 

ويلفت إلى أنه "لو كان هناك أفق لتغيير الصيغة والدستور في لبنان، ومزاج دولي موافق، كان يمكن لهذا الصراع الدستوري أن يصل إلى عقد مؤتمر تأسيسي، لكونه يؤدي إلى توقف العمل بسلطات الدولة ومؤسساتها من أجل دفع الأمور نحو مؤتمر تأسيسي، ولكن قرارا كبيرا من هذا النوع لا تقف حدوده عند لبنان، والقوى الدولية الكبرى أكدت رفضها المس بالصيغة اللبنانية الحالية أو المس بدستور الطائف."

ويضيف "بالتالي كل تلك المناكفات لن تصل إلى مدى بعيد ومن المستبعد أن تؤدي إلى تغيير في واقع الحكم في لبنان أو نظامه السياسي." 

فراغ.. إلى متى؟ 

يؤكد جواد أن أجواء إمكانية تشكيل الحكومة في اللحظات الأخيرة من عمر العهد لا تزال ضبابية، "بالإمكان تشكيل حكومة جديدة في ظرف 48 ساعة، إن حصل ذلك يكون الحكم للائتلاف الممثل في الحكومة الجديدة، ما يعني اتفاق بين المكونات على آلية إدارة لمرحلة الفراغ، لأن ما يحصل حاليا هو صراع على إدارة الفراغ، بين عون وميقاتي." 

ولا يتوقع جواد أن تطول مدة الفراغ على الصعيد الرئاسي، "برأيي مجرد أن الترسيم الحدودي تم، سيفتح معه كثير من الأبواب منها رئاسة الجمهورية وأتوقع فراغ أشهر وليس سنوات." 

يتفق كل من جواد ومنيّر على أن "حزب الله" يمرس ضغطا كبيرا في الوقت الحالي المتبقي من عمر الولاية الرئاسية من أجل تشكيل حكومة، وينقل منيّر أجواء لدى الحزب تقول إن لديه وعود من جبران باسيل ونجيب ميقاتي بأنهم سيشكلون حكومة في اللحظة الأخيرة، "ولكن لا وقائع على الأرض أبدا تشير إلى تقدم هذا الاحتمال، على العكس فإن الانطباع الغالب على مدى اليومين الماضيين، أوحت وكأن الطرفين يريدان الذهاب إلى عدم تشكيل حكومة جديدة."

ويضيف "لا يمكن لأحد أن يتوقع فترة الفراغ المقبلة، ولا ينهي الفراغ إلا تسوية سياسية ذات بعد دولي بين المحاور المتصارعة، للاتفاق على الخطوط العريضة للمرحلة المقبلة، ولو أن اختيار رئيس الجمهورية سيكون ملفا داخليا لكان حصل خلال الفترة الماضية، ولكن الملف ذو طابع دولي بامتياز. 

يعتبر منيّر أن حزب الله يريد ثمنا لقبوله بالترسيم، "الذي كان إشارة كبيرة جدا من ناحيته ومن إيران، خاصة وأننا متجهون إلى مرحلة لن يكون فيها عمل عسكري على حدود لبنان الجنوبية، وبالتالي يريد بديلا على شكل أثمان، خاصة وأنه سبق وطلب المثالثة، أي مؤتمر تأسيسي جديد ولم تكن الأجواء مساعدة، وتلقى أجوبة محلية ودولية واضحة في هذا الشأن بعدم الاستعداد لأي تغيير في الصيغة الحالية، وبالتالي البحث اليوم يتم بالأثمان المقابلة، ومن بعدها يحصل الاتفاق على الرئاسة والبرنامج والمرحلة المقبلة. "

من جهته يؤكد جواد أن "رئاسة لبنان ليست حدثا محليا فقط، بفعل طبيعة النظام الذي يتيح التدخل الدولي، فإن رئاسة لبنان، تنتج دوليا بتفاهم محلي واسع. فضلا عن ذلك فإن المجلس النيابي الجديد لا يضم أكثرية لأي طرف قادرة على انتخاب رئيس، وإنما مجموعة كتل صغيرة غير متفقة، لذا يجب في مرحلة الفراغ أن تترافق مع جهود محلية ودولية لإنجاز هذا الاستحقاق، والفرنسيون يعملون جديا على الملف بموافقة أميركية، لاسيما بعد الترسيم."

وفيما يتوقع جواد أن "ينعكس الخلاف المستجد ما بين الإدارة الأميركية الحالية وبين السعودية، على إمكانية التفاهم بينهما على الملف اللبناني ولاسيما الرئاسي"، يؤكد منيّر أنه سأل هذا السؤال للسفير السعودي في لبنان، وليد البخاري، "وأجابني نفيا بأن العلاقات بين السعودية والولايات المتحدة لن تؤثر على الملف اللبناني، بكون الخلاف مع الولايات المتحدة ينحصر في ملفات محددة ولا ينعكس على غيرها."

ويضيف منيّر للوصول إلى تسوية في لبنان، المسار يمر بمناخ إقليمي ملائم، وطال المناخ الإقليمي حتى الآن لا يزال غير مناسبا، ولو أن هناك إشارات إيجابية تمثلت بترسيم الحدود البحرية، ولكن يجب أولا الاتفاق مع ايران من أجل الاتفاق على لبنان، ومن هنا اعتبر انه لا يمكن التنبؤ بمدة الفراغ."

الأمن الاجتماعي أبرز المهددين

يشدد جواد أنه في المرحلة المقبلة من عمر الفراغ، "ليس هناك مخاوف من تأثيرات أمنية على الساحة اللبنانية، لكن الخطر يكمن في الأمن الاجتماعي للبنانيين." 

وينازع اللبنانيون منذ 3 أعوام تحت وطأة أزمة اقتصادية حادة وصفها البنك الدولي من الأسوأ في تاريخ العالم، وصل معها مستوى الفقر في البلاد إلى حدود قياسية، وارتفعت معها معدلات البطالة إلى عتبة الـ 40 في المئة، فيما تتدهور نوعية حياة اللبنانيين وقدرتهم الشرائية بفعل انهيار العملة المحلية أمام الدولار. 

وينتظر لبنان مساعدة دولية هي رهن بقدرة لبنان على تنفيذ الإصلاحات المطلوبة منه من قبل الجهات المانحة والممولة وأبرزها صندوق النقد الدولي، فيما لبنان لا يزال بعيدا عن تحقيق تلك الشروط، ويحتاج إلى ورشة عمل تشريعية تنفيذية تتطلب بدورها استقرار سياسي وانطلاق بمسار النهوض في البلاد، وسط شحن وانقسامات سياسية لا توحي بسهولة الوصول إلى هذه الوضعية. 

ويزيد الفراغ الرئاسي والنزاع السياسي الجديد من الانعكاسات على الواقع المعيشي والأمن الاجتماعي للبنانيين. ويرى منيّر في هذا السياق أن الفراغ يمكن أن يؤدي بلبنان إلى اضطرابات غير محسوبة، "كالفوضى الاجتماعية التي قد تدفع الجميع مجبرين نحو تسوية مبكرة سابقة للتسوية الإقليمية، بكونه ليس مطلوبا انهيار الوضع اللبناني نهائيا، خاصة في ظل مشاريع الغاز الواعدة في دول الحوض الشرقي للمتوسط، فيما المناخ المقبل على لبنان ينم عن نية تغيير وظيفته من ساحة تصفية حسابات إلى ساحة خالية من خطوط التماس الداخلية، لذا رفعوا وظيفة مواجهة إسرائيل من يد حزب الله، وهذا ما يعنيه الترسيم."

ويختم "لذا ان انهار الوضع الاجتماعي في لبنان مع انعكاسه على الواقع الأمني بمشاكل غير مخطط لها قد تنتج عن ذلك، سيكون عامل ضغط على الخارج لإنجاز تسوية خاصة بلبنان، فهذا النوع من التسويات عادة ما يطبخ على نار حامية كما حصل مع اتفاق الدوحة."
 

حزب الله

عادت "جمعية القرض الحسن"، الذراع المالي لحزب الله، إلى الواجهة مجددا مع تداول تقارير إعلامية تشير إلى جهود أميركية لإضعاف الحزب ماليا.

الجمعية، التي كانت تدير أكثر من 30 فرعا في مختلف المناطق اللبنانية قبل آخر حرب مع إسرائيل، تثير جدلا واسعا بشأن دورها في تمويل الحزب. 

وتحاصر الجمعية التي تقدم نفسها كمؤسسة خدمات مالية تشمل قروضا دون فوائد مقابل رهونات، اتهامات بتبييض الأموال لتمويل أنشطة حزب الله.

ويزداد الجدل تعقيدا في ظل غياب الرقابة الرسمية التي يفترض أن يقوم بها مصرف لبنان على أنشط "القرض الحسن" المالية.

ومع تصاعد الضغوط الدولية على لبنان لسحب سلاح حزب الله وإغلاق قنوات تمويله، ومع ربط المساعدات الدولية وإعادة الإعمار بتنفيذ إصلاحات مالية واقتصادية، يتساءل كثير من اللبنانيين حول تأثير استمرار عمل "القرض الحسن" على مسار التعافي الاقتصادي في البلاد. 

فهل تستطيع الدولة اللبنانية اتخاذ خطوات حاسمة لإغلاق هذه "المؤسسة المالية" المخالفة لقانون النقد والتسليف؟

تجاوز الترخيص

تأسست جمعية "القرض الحسن" عام 1982 بموجب ترخيص "علم وخبر" صادر عن وزارة الداخلية اللبنانية، وفقاً للخبير الاستراتيجي في المخاطر المصرفية والاقتصادية، الدكتور محمد فحيلي. 

يوضح فحيلي أن "هذا الترخيص يتيح للجمعية تقديم قروض ذات طابع اجتماعي. وفي البداية، افتتحت الجمعية مكاتبها داخل عدد من المصارف اللبنانية في مناطق نفوذ حزب الله، حيث بدأت بمنح قروض صغيرة جداً تتراوح قيمتها بين 100 و3000 دولار".

ومع مرور الوقت، وسّعت الجمعية نطاق خدماتها لتتجاوز حدود الترخيص الممنوح لها، كما يقول فحيلي لموقع "الحرة".

"أصبحت تقدم خدمات مالية مشابهة للخدمات المصرفية، مثل استقبال الودائع ومنح القروض وإصدار بطاقات الدفع البلاستيكية، إضافة إلى توفير الصرافات الآلية. هذه التجاوزات تمت نتيجة غياب الرقابة من قبل السلطة المعنية، وهي وزارة الداخلية التي منحتها الترخيص".

بدوره، يؤكد الصحفي الاقتصادي، خالد أبو شقرا، أن الجمعية تحولت تدريجياً إلى ما يشبه المصرف غير المرخص، لا سيما بعد تركيب أجهزة الصراف الآلي وتقديم قروض بمبالغ كبيرة سنوياً، بالإضافة إلى استقبال الودائع النقدية والذهبية ودفع أرباح عليها.

ويشدد أبو شقرا في حديث لموقع "الحرة" على أن نشاط "القرض الحسن يمثل مخالفة واضحة لقانون النقد والتسليف اللبناني". ويلفت إلى أن جميع المسؤولين في الجمعية منتمون إلى حزب الله ويخضعون لعقوبات أميركية مفروضة من وزارة الخزانة ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية".

ويرى الكاتب والمحلل السياسي، الدكتور مكرم رباح، في حديث لموقع "الحرة" أن "القرض الحسن لا يُعد عقبة بحد ذاته أمام مسار الإصلاح، بل يمثل اختباراً لمدى جدية الدولة اللبنانية في التعامل مع ملف سلاح حزب الله". ويشير رباح إلى أن "القرض الحسن هو سلاح مالي يُدار خارج إطار الدولة".

وتنص المادة 200 من قانون النقد والتسليف على تجريم أي شخص أو مؤسسة تمارس عمليات التسليف دون ترخيص من مصرف لبنان، فيما تلزم المادة 206 بملاحقة المخالفين أمام المحاكم الجزائية.

وفرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على "القرض الحسن" عام 2007، وأعقبتها بعقوبات إضافية في 2021 طالت ستة من موظفيه. وقد اتُهم هؤلاء باستخدام حسابات شخصية في مصارف لبنانية لتحويل أكثر من 500 مليون دولار إلى الجمعية، مما أتاح لها الوصول إلى النظام المالي الدولي.

وفي سياق متصل، سبق أن وصف المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي في تغريدة عبر منصة "إكس"، الجمعية بـ"المصرف الأسود لحزب الله"، مشيراً إلى أنها تُستخدم كقناة خلفية لتبييض الأموال الناتجة عن تجارة المخدرات التي يديرها الحزب، ويمتد نشاطها إلى أميركا اللاتينية.

وفي حديث سابق لموقع "غلوبس" الإسرائيلي، أشار خبير الحرب المالية، عوزي شايع، إلى أن "القرض الحسن" يمثل الخزينة المالية لحزب الله، حيث تُدار من خلاله الحسابات المالية للمنظمة، فضلاً عن تمويل الأنشطة التجارية والخيرية.

خطر مزدوج

يشير تقرير لمنظمة الدفاع عن الديمقراطيات إلى أن "كبار ممولي حزب الله امتلكوا حسابات في القرض الحسن، واستخدم موظفو الجمعية حسابات شخصية في المصارف اللبنانية الكبرى لتنفيذ معاملات نيابة عن الجمعية، مما أتاح لها الوصول إلى النظام المصرفي اللبناني"، 

وأوضحت المنظمة، في التقرير الذي حمل عنوان "القرض الحسن التابع لحزب الله والقطاع المصرفي في لبنان،" أن وزارة الخزانة الأميركية فرضت عام 2019 عقوبات على "بنك جمال تراست" لتورطه في تسهيل وصول "القرض الحسن" إلى القطاع المصرفي، "وهو ما كان أحد الأسباب الرئيسية وراء فرض تلك العقوبات"، وعقب ذلك تقدم المصرف بطلب إلى مصرف لبنان للحصول على الموافقة لتصفيته، وهو ما تم بالفعل.

وفي ديسمبر 2020، تمكنت مجموعة من القراصنة الإلكترونيين تدعى "Spiderz" من اختراق حسابات جمعية "القرض الحسن"، و"نشرت معلومات تتعلق بنحو 400 ألف حساب مرتبط بالجمعية، تضمّنت أسماء شخصيات بارزة في حزب الله. 

ومن بين تلك الشخصيات قائد قوة الرضوان الذي اغتالته إسرائيل وسام الطويل، وإبراهيم علي ضاهر، رئيس الوحدة المالية للحزب، وحتى المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي" وفقا لما نشره موقع "غلوبس".

وعقب هذا الاختراق، أصدرت بعض المصارف اللبنانية بيانات نفت فيها وجود حسابات رسمية باسم "القرض الحسن"، بحسب ما أشارت إليه "منظمة الدفاع عن الديمقراطيات".

وأوضحت أنه "رغم صحة هذه البيانات من الناحية القانونية، إذ لا توجد حسابات مسجلة باسم الجمعية، إلا أن الوثائق المسربة كشفت أن مسؤولي الجمعية استخدموا حساباتهم الشخصية لإجراء معاملات نيابة عنها".

وفي إطار الجهود الأميركية لمساعدة لبنان على تجاوز أزمته الاقتصادية، حملت مورغان أورتاغوس، نائبة المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط، خلال زيارتها إلى بيروت في أبريل الماضي، رسائل متعددة تضمنت التركيز على ملف الإصلاحات الاقتصادية والمالية إلى جانب الشق الأمني المتعلق بنزع سلاح حزب الله.

وفي هذا السياق، يقول فحيلي أن "الولايات المتحدة تعتبر جمعية القرض الحسن إحدى الأذرع المالية لحزب الله. لكن إذا طبّق لبنان القرار 1701 بشكل صارم، فإن الجمعية ستصبح مجرد تفصيل صغير، في حال فرضت وزارة الداخلية حدوداً واضحة على أنشطتها ضمن إطار الترخيص الممنوح لها، فلن تشكل خطراً على مستوى تبييض الأموال أو تمويل الإرهاب".

"سلاح" يجب ضبطه

خلال زيارة وفد مجموعة العمل المالي إلى لبنان، شدد الوفد، وفقاً لما يقول أبو شقرا، "على ضرورة تعزيز الرقابة على المؤسسات المالية غير المرخصة والتي لا تلتزم بالأنظمة والقوانين المعمول بها. هذه المؤسسات، سواء كانت القرض الحسن أو غيرها، قد تساهم بشكل أو بآخر في عمليات تبييض الأموال وتمويل الأنشطة العسكرية، مما يستدعي فرض إجراءات رقابية صارمة للحد من هذه الأنشطة غير القانونية".

وفي ظل تجاوز الجمعية لحدود أنشطتها المسموح بها، يؤكد فحيلي أن المسؤولية تقع على عاتق السلطة اللبنانية التي تمتلك الصلاحيات لتطبيق القانون على المخالفين. ويشدد على ضرورة أن تقوم وزارة الداخلية بإبلاغ إدارة الجمعية بوضوح بحدود الترخيص وإلزامها بالالتزام به.

وبشأن إدراج لبنان على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي، نفى فحيلي وجود علاقة مباشرة بين القرار وأنشطة "القرض الحسن". 

وأوضح أن "المشكلة الأساسية تكمن في غياب الرقابة على المعاملات النقدية، خاصة بعد فقدان الثقة بالمنظومة المصرفية وابتعاد المواطنين عن استعمال وسائل الدفع المتاحة من خلال القطاع المصرفي والإفراط في استعمال الأوراق النقدية، وقرار مصرف لبنان بتجفيف السيولة بالليرة اللبنانية، والذي سمح باستبدال مبالغ نقدية كبيرة بالدولار الأميركي". 

ويضيف أن "هذا القرار، في ظل غياب الرقابة، أعطى مساحة إضافية لمن يريد تبييض الأموال. وزاد الأمور تعقيداً ظهور عدد كبير من الجمعيات المدنية، وكان معظمها غير مرخص، عقب انفجار مرفأ بيروت".

بالنسبة لمطالب صندوق النقد الدولي، يؤكد فحيلي "رغم أنه لا يتدخل في التفاصيل، فإنه بالتأكيد يهتم بأن تكون جميع المؤسسات التي تقدم خدمات مصرفية مرخصة رسميًا وتحت إشراف الجهات الرقابية الرسمية"، وأضاف قوله: "إذا كانت الحكومة اللبنانية تسعى إلى إعادة الانتظام المالي، فإن ذلك يستوجب وجود مؤسسات مرخصة من قبل مصرف لبنان وخاضعة لرقابته".

وفي السياق ذاته، يقول أبو شقرا إن "المجتمع الدولي وصندوق النقد الدولي يطالبان بمعالجة ملفات يعتبرانها أكثر إلحاحاً من ملف القرض الحسن، تشمل إصلاح القطاع المصرفي وإعادة هيكلته، واستعادة الانتظام المالي، ومعالجة الفجوة المالية، وإصلاح قطاع الطاقة، وخاصة قطاع الكهرباء، فضلاً عن إصلاح السرية المصرفية والخروج من اللائحة الرمادية المرتبطة بتبييض الأموال".

ويشير أبو شقرا إلى أنه "رغم قدرة السلطات اللبنانية على وضع حد للنشاط المالي والمصرفي لجمعية القرض الحسن، إلا أن التوازنات السياسية التي شهدتها البلاد في الفترة الماضية حالت دون التعامل الجدي مع الجمعية".

ويعتبر أبو شقرا أن "معالجة ملف القرض الحسن ترتبط أساساً بالتسوية السياسية"، وقال إن القضية لا تقتصر على الإصلاحات المالية فقط، "بل تتطلب مقاربة شاملة تأخذ في الاعتبار الأبعاد السياسية والأمنية والعسكرية".

من جانبه يدعو رباح إلى إغلاق الجمعية فوراً ومنعها من التظاهر بأي شرعية مالية، وأوضح أن "القرض الحسن، سواء كان له ارتباط مباشر بالحرس الثوري الإيراني أم لا، يظل مؤسسة غير حكومية تمارس أنشطة مالية خارج إطار القانون".