لبنانيون عبروا عن مخاوف الإصابة بعدوى الكوليرا (تعبيرية)
وباء الكوليرا ضرب معظم المناطق في لبنان

قبل أن يطوي اللبنانيون صفحة جائحة فيروس كورونا المستجد، وجدوا أنفسهم مجبرين على فتح صفحة جديدة متعلقة بوباء آخر لم يكن في الحسبان، ألا وهو الكوليرا، الذي وضعهم أمام مأساة حقيقية، إذ باتوا يقفون حائرين ماذا يفعلون، لا بل حتى ماذا يأكلون؟.

ويعيش الشعب اللبناني سلسلة من الأزمات، لا يكاد يخرج من إحداها حتى يدخل بأخرى، فما أن فرضت الأزمة الاقتصادية على عدد كبير من منهم أن يصبحوا "نباتيين" نتيجة ارتفاع أسعار الدجاج واللحوم، حتى جاء الوباء الجديد ليدفع العديد منهم إلى التوقف عن تناول الخضراوات والفاكهة، خوفا من أن تكون ملوثة بالبكتيريا المعدية و"القاتلة". 

وكانت منظمة الصحة العالمية قد حذرت في بيان، يوم الإثنين، من تفشي الكوليرا بشكل فتاك في لبنان وسط تزايد حالات الإصابة، وذكرت أن الوضع "طال جميع المحافظات الثمانية، و18 قضاء من أصل 26 قضاء، بعد أن كان محصورا في البداية ضمن الأقضية الشمالية".

وأوضح البيان أنه قد جرى "تحديد سلالة الضمة الكوليرية المنتشرة حاليا، واتضح أنها من نمط المصلي O1 EI-Tor Ogawa، وهو مشابه للنمط المنتشر في سوريا" المجاورة.

وأظهرت آخر إحصاءات وزارة الصحة اللبنانية الصادرة ليل الإثنين الثلاثاء، تسجيل إصابتين جديدتين في الساعات الـ24 الماضية، ما رفع العدد التراكمي للحالات المثبتة إلى 390، في حين لم يتم تسجيل أي حالة وفاة، بعد أن كان العدد التراكمي سجل 17 وفاة. 

وسبق أن أشار وزير الصحة في حكومة تصريف الأعمال، فراس الأبيض، إلى أن المياه الملوثة هي أحد أسباب تفشي الكوليرا ، قائلا: "سجلت الفحوص التي أجرتها الوزارة العديد من مصادر المياه الملوثة، منها ما يستخدم في بعض المخيمات أو البيوت، كما سجل تلوث في مياه ينابيع، بينها نبع الريحانية في الشمال ونبع عين فاعور في ببنين". 

وأوضح  أن "استخدام الخضار الملوثة يسهم بانتشار الوباء، وقد ثبت لوزارة الصحة أن ثمة مياه ملوثة تستعمل لري الخضار، وأن هناك مصادر متعددة لذلك، بينها نهر ببنين في عكار، كما أن المخالطة تساهم بمزيد من انتشار العدوى في حال لم يعقم المريض يديه بشكل جيد". 

قلة الماء النظيف

وما يزيد من تعرض اللبنانيين لخطر الوباء بحسب منظمة الصحة العالمية، الظروف الاقتصادية التي تلقي بظلالها منذ مدة طويلة، وقلة توفر المياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي السليمة في جميع أنحاء البلاد.

تفاقم انتشار الكوليرا في لبنان

كما اجتمعت عوامل أخرى، هي هجرة العاملين في مجال الرعاية الصحية وانقطاع سلاسل الإمداد وعدم القدرة على تحمل تكاليف حلول الطاقة البديلة، لتضعف قدرة المستشفيات ومرافق الرعاية الأولية على مواجهة الأزمة إضعافا شديدا، في وقت أصبحت فيه مهددة بتصاعد الفاشية وتزايد عبء الحالات. 

"مقامرة بالأرواح"

ولم يعد يتجرأ نحو 70 في المئة من سكان بلدة ببنين العكارية إلى شراء كل ما له علاقة بالخضار، لا سيما الورقية منها، كالبقدونس والخس والنعناع، فهي من المزروعات الناقلة للكوليرا بشكل خطير في حال رويت بمياه ملوثة، كون أوراقها تمتص المياه بشكل مباشر، بحسب ما أفاد مختار البلدة، زاهر الكسار.

وسجلت البلدة 106 إصابات بالكوليرا حتى الآن واضطرت وزارة الصحة إلى افتتاح مستشفى ميداني فيها. 

وأكد الكسار،  في حديثه إلى موقع الحرة، أن المخاوف كبيرة جدا وجدية، شارحا أن " إعداد صحن الفتوش أو التبولة والسلطة قد أمسى من الماضي، فقد فرض علينا البحث عن بدائل أخرى لتمرير هذه المرحلة الصعبة".

وتابع: "لكن هذا لا ينفي وجود نحو 30 في المئة من سكان البلدة الذين يجازفون بحياتهم، يدفعهم إلى ذلك ارتفاع أسعار اللحوم والدجاج، ففي ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة شكلت الخضار ركيزة لعدد كبير من اللبنانيين في وجبات طعامهم إلى جانب البقوليات، وبالتالي يجدون صعوبة في الاستغناء عن هذا الخيار". 

ورغم أن العدد الأكبر من المزارعين في سهل عكار، كما يقول المختار، لديهم آبار خاصة بهم، إلا أن هذا لا يلغي وجود بعض من لا يكترثون باستخدام المياه الملوثة لري المزروعات.

ومن هنا يشدد الكسار "على ضرورة أخذ الحيطة وعدم الاستهتار، لا سيما وأن الأمر يطال الأرواح، إذ فقد عدد من أبناء البلدة حياتهم بسبب الوباء"، لافتا إلى أنه "إذا كانت وزارة الصحة تغطي علاج المصابين، فإن ذلك لا يكفي، فالمريض يحتاج إلى بدل نقل من وإلى المستشفى عدا عن الأدوية وغيرها من الأمور". 

وفي السياق ذاته، تقول إحدى السيدات وتدعى، نادين سعيد: "لم يكن ينقصنا في لبنان إلا وباء الكوليرا، وكأنه لا يكفينا كل ما نعانيه من أزمات على مختلف الصعد".

وزادت: "فبعد أن ألغينا من قاموس استهلاكنا عددا كبيرا من الأطعمة، بسبب عدم قدرتنا على دفع ثمنها، وتركيزنا بشكل أكبر على الخضار والفاكهة، التي لم تنج هي الأخرى من ارتفاع الأسعار، ها نحن نقف مصدومين لا نعلم فيما إن كانت ملوثة أم لا".

وتضيف "لا يمكنني اقتصار الوجبات على الحبوب والأرز فقط، لكن في نفس الوقت أشعر وكأني أقامر بأرواح عائلتي فيما لو واظبت على إطعامهم الخضار، لاسيما إننا في بلد قطاعه الصحي متهالك".

وأردفت: "الطبابة في أصعب ظروفها وأسعار معظم الأدوية تتجاوز الحد الأدنى للأجور"، مشددة على أن "طاقة تحملنا بدأت تنفد، وعلى المسؤولين إيجاد حلول جذرية لما يحصل، وليس فقط الاهتمام بكيفية تأمين لقاحات وأسرّة في المستشفيات، فنحن بحاجة إلى وضع خطة مُحكمة لمحاربة جذور المشكلة، أي المياه الملوثة". 

"مرض فتاك"

وينجم وباء الكوليرا، بحسب وزارة الصحة اللبنانية، عن جرثومة تنتقل عبر مياه الشرب أو تناول مواد غذائية ملوثة، أو من شخص إلى آخر عبر الأيدي الملوثة، وتمتد فترة حضانة المرض من يومين إلى خمسة أيام، وتشمل الأعراض إسهالاً مزمناً، يسبب مضاعفات قد تؤدي إلى الوفاة في حال عدم المعالجة. 

وكان ممثل منظمة الصحة العالمية في لبنان، عبد الناصر أبو بكر، قد صرّح سابق أن "الكوليرا مرض فتاك، ولكن يمكن الوقاية منه من خلال اللقاحات وتوفير المياه المأمونة وخدمات الصرف الصحي".

ونبه إلى أنه وفي حالة الإصابة به "يمكن علاجه بسهولة بتعويض السوائل عن طريق الفم أو المضادات الحيوية للحالات الأكثر شدة، ولكن الوضع في لبنان هش، فالبلد يكافح لمواجهة أزمات أخرى وهذه الأزمات يتضاعف أثرها بسبب التدهور السياسي والاقتصادي المستمر منذ مدة طويلة". 

المزروعات تحت المجهر 

وفي خطوة لمواجهة الوباء، ترأس وزير الزراعة في حكومة تصريف الأعمال، عباس الحاج حسن​، اجتماعاً لخلية الأزمة، قبل أيام، لتعلن بعدها الوزارة في بيان أنه سيتم تشكيل لجنة متابعة مع ​وزارة الصحة العامة​ وتحديد المواقع الموبوءة ليصار إلى تحديد نوع وكمية المزروعات فيها من قبل مصالح ​وزارة الزراعة​.

وذكرت الوزارة أنها ستأخذ عينات لمصادر الري والمزروعات والتربة وتحليلها في المختبرات الرسمية والخاصة المؤهلة لإجراء الفحوصات المطلوبة واتخاذ التدابير اللازمة على ضوء النتائج. 

وذكرت الوزارة، أنه في حال ثبت تلوث المنتجات الزراعية فسيتم التنسيق مع الهيئة العليا للإغاثة لتعويض المزراعين وفق ما يقرره ​مجلس الوزراء​ بهذا الخصوص.

وستتولى المراكز الزراعية في الوزارة تكثيف عمليات الإرشاد والتوعية للمزارعين بشأن ما هو واجب اتباعه، في حين جرى تكليف فريق من الوزارة لوضع آلية لأخذ عينات من مستوردات الإنتاج النباتي على المعابر الحدودية البرية في حال الضرورة. 

وأكدت الوزارة تواصلها مع مختلف الجهات الفاعلة وكذلك التعاون من المنظمات الدولية، داعية إلى تعاون ​البلديات​ والأجهزة الامنية، وأهابت بالمواطنين وبوسائل الإعلام توخي الدقة بنشر المعلومات المتعلقة بالمنتجات الزراعية النباتية. 

من جانبه، شدد وزير الصحة اللبناني، فراس الأبيض، على "ضرورة تأمين المياه النظيفة كعامل أساسي يساعد على الحد من انتشار الوباء".

ولفت إلى  الجهود المبذولة من قبل وزارة الصحة بالتعاون مع وزارة الطاقة والمياه، مشيراً إلى أن "منظمة اليونيسف أمنت حوالي 100 ألف ليتر من المازوت لاستخدامها في تشغيل محطات ضخ المياه في مناطق الشمال، والبقاع الشمالي، والبقاع، وبعض محطات تكرير المياه المبتذلة للتخفيف من عبء المياه الملوثة. 

وفي المقابل، نفى رئيس تجمع المزارعين والفلاحين في البقاع ابراهيم ترشيشي،  ما يتم تداوله حول استخدام المياه الآسنة لري المزروعات.

وشدد على أن "مياه الصرف الصحي معروف مجراها ومصبها، فهي على عمق ثلاثة أمتار تحت الأرض، وتصب في مجرى نهر الليطاني، الذي يمنع على أي مزارع تركيب مضخات على جانبيه للري، وقبل حوالي ثلاث سنوات تجرأ أحد المزارعين على ذلك، فكانت الأجهزة الأمنية له بالمرصاد، فصادرت معداته ومزروعاته وجرت ملاحقته قضائياً". 

وأشار ترشيشي في حديث إلى موقع "الحرة" إلى أن "إقبال المواطنين على شراء البضائع اللبنانية من الخضار والفاكهة لا يزال على حاله "كونهم يعلمون علم اليقين أنها تروى بمياه نظيفة، سواء بمياه الأنهار أو الينابيع أو الآبار أو الأمطار".

ونبه إلى أن "الموسم الزراعي شارف على نهايته في البقاع، ففي فصل الشتاء يصبح إنتاج الخضار محصوراً في بيوت بلاستيكية في الساحل اللبناني". 

"الطالح يذهب الصالح"

وعلى عكس ترشيشي، يجزم رئيس جمعية المزارعين اللبنانيين، أنطوان الحويك، أن القطاع الزراعي تأثر بنسبة تزيد عن الخمسين بالمئة، لا سيما "الحشائش" بعد الحديث عن صعوبة تعقيمها.

وفيما إن كان ما يتداول صحيحاً عن وجود مياه آسنة يجري ري المزروعات بها أجاب في حديث لموقع "الحرة": "لا شك أن ذلك يحصل في بعض المناطق، لكن في المقابل هناك مياه نظيفة يتم استخدامها في الري في مناطق عديدة، لكن للأسف 'يذهب الصالح بعزا الطالح'". 

وحمّل الحويك "السلطة السياسية مسؤولية تلوّث الأنهار والينابيع والآبار بمياه الصرف الصحي، مشدداً على أنه عليها كخطوة أولى إيقاف التلوث ومن ثم فرز الإنتاج الزراعي، لكن "قبل الأزمات التي يمر بها البلد لم تكن الدولة تبالي فكيف الآن؟". 

وكلام الحويك يؤكده فراس، وهو أحد بائعي الخضار في ضاحية بيروت، إذ أشار إلى تراجع بيع الخضار الورقية منذ أن بدأ الوباء بالانتشار، بالأخص مع التحذيرات التي أطلقها وزير الصحة، من تلوث مياه الري في بعض المناطق بسبب تداخل مياه الصرفي بها.

وشرح قائلا: "نتيجة ذلك توقفت عن جلبها، كونها بالكاد تُباع ولست مضطرا لتحمل أي خسارة مادية". 

ويضيف في حديث لموقع "الحرة" "لا يمكنني لوم الناس، فمن حقهم الخوف من الإصابة بالعدوى، فحتى أنا أتجنب تناول الخضار، خصوصا وأن النسبة الأكبر منها غير معروفة المصدر، كما أنه لا يمكن لوم المزارعين كون المسؤولين لا يؤمّنون لهم مياهاً نظيفة لري مزروعاتهم".

وختم بالتأكيد على أن "المسؤولية الوحيدة تقع على عاتق من هم في السلطة، فلا نسمع منهم سوى 'العراضات'، من دون أي أفعال على أرض الواقع". 

حجم الكارثة  كبير

وأظهرت آخر الإحصاءات التي أجرتها المصلحة الوطنية لنهر الليطاني هذا العام، المتعلقة بتلوث الموارد المائية في الحوض الأعلى للنهر مما يمكن أن تكون ناقلة أو حاملة لوباء الكوليرا الانتقالي بواسطة الصرف الصحي، أن "المساحات التقديرية للأراضي الزراعية الواقعة ضمن مسافة 2 كلم من جانبي النهر تبلغ حوالي 8396 هكتارا وذلك بالاعتماد على خرائط استخدامات الأراضي، حيث أن هذه الأراضي كلها قابلة للري من النهر بشكل مباشر عبر مضخات زراعية". 

وأضافت "بحسب المعنيين والخبراء في المنطقة، فإن أكثر من 1000 هكتار من هذه الأراضي يروى حالياً من النهر والروافد مباشرة أي من مياه ملوثة بالصرف الصحي بنسب متفاوتة"

ولفتت إلى أن الدولة اللبنانية كانت "قد أتلفت حوالي 20 هكتار منها في الصيف الماضي. فضلاً عن اتخاذ المصلحة الوطنية لنهر الليطاني قراراً بوقف العمل بمشروع قناة ري 900 والذي يروي من مياه بحيرة القرعون حوالي 2000 هكتار من الأراضي الزراعية". 

وفي حديث مع موقع "الحرة" شدد رئيس المصلحة الوطنية لنهر الليطاني، سامي علوية، على أن الدراسة كشفت تفاقم مشكلة التلوث نتيجة تدفق كميات هائلة من مياه الصرف الصحي غير المعالج مباشرة إلى مجراه وإلى بحيرة القرعون.

ويردف موضحا: "ظهر أن أسباباً عدة تكمن خلف تلوث مياه النهر، منها غياب حسن الإدارة ورسم مخطط توجيهي واضح لقطاع الصرف الصحي وفي ظل ذلك يتم اعتماد الحلول المركزية لمنظومات معالجة الصرف الصحي المترافقة مع عيوب في الدراسات والتصاميم وسوء التنفيذ وغيرها". 

وأضاف "كما يشير إلى انتشار مخيمات اللاجئين العشوائية على طول النهر، التي تشكل مصدرا لا يستهان به للتلوث، "حيث تقوم معظم هذه المخيمات بتحويل النفايات السائلة والصلبة الناتجة عنها مباشرة إلى مجرى النهر وروافده كما إلى أقنية مشاريع الري التابعة للمصلحة الوطنية لنهر الليطاني". 

وكشفت نتائج الفحوصات المخبرية، التي أجرتها المصلحة عدم سلامة مياه الشفة وعدم صلاحيتها للاستعمال المنزلي في عدد من المناطق الواقعة في الحوض الأعلى للنهر والتي تتغذى من نبع شمسين.

وأشارت الدراسة إلى أن "مصادر التلوث تختلف بسبب اهتراء الشبكة حينا، أو تلوث النبع، أو البئر أو عدم كفاءة المعالجة أحيان أخرى كما وتحويل مياه الصرف الصحي الغير معالج إلى أراضٍ مكشوفة تصل إلى مجرى النهر أو المياه الجوفية".

وتوضح المعطيات "أن عدد المشتركين في محطات شمسين يبلغ 7000 مشترك تقريباً ويقدر عدد المستفيدين من هذه الشبكة حوالي 50 ألف نسمة".  

وكانت مصلحة الأبحاث العلمية الزراعية (Lari)  قد أصدرت بياناً، الشهر الماضي، أشارت خلاله من خلاله إلى أن "90 في المئة من كل أنواع المياه في لبنان ملوثة" لافتة إلى أن "مجاري المياه والقنوات والأنهر مليئة بالأوساخ وبمياه المجارير".

ونبهت إلى أن "هطول الأمطار يؤدي إلى تشكل بحيرات من المياه الآسنة، تساهم في انتشار التلوث بالمجارير وبالتالي بكل الأمراض المتأتية عنها مثل اليرقان والكوليرا وغيرها، يضاف إلى ذلك ري المزروعات بمياه المجارير. لذا على كل مواطن التأكد من نظافة المياه التي تصل إلى منزله، إضافة إلى نظافة مياه الصهاريج". 

وتابعت: "سبق للمصلحة أن طالبت عشرات المرات البلديات والوزارات المعنية بإجراء فحوصات مستمرة على المياه التي تنقل بالصهاريج للتأكد من سلامتها، كما أنه يتوجب فحص مياه الآبار الجوفية لأن معظم الآبار ملوثة بالمجارير".

وشددت على أن "سوء إدارة مياه المجارير المتبعة منذ 40 عاماً أدّت إلى وجود هذه المياه في كل مكان، مياه سطحية، أنهر، مياه جوفية ومياه بحر، إضافة إلى البرك والتربة، وأن عدداً كبيراً من الآبار الارتوازية تستعمل لضخ المجارير فيها". 

"حل غير محبذ"

"أصبحنا نترحم على أيام كورونا، حيث كان يكفي لتجنب الفيروس الاهتمام بالنظافة وعدم المخالطة، أما اليوم فكل شيء يحيط بنا يمكن أن ينقل لنا العدوى، من مياه الشفة إلى مياه الخدمة المنزلية إلى الخضار والفاكهة".

ذلك ما قالته  سيدة تدعى، نتالي، واصفة الوضع بالإعدام  البطيء، "فبعد أن حرمنا من شراء اللحوم ها نحن نحرم من إعداد صحن سلطة، في وقت يكتفي فيه المسؤولون بتوجيه التحذيرات والنصائح بدل من العمل الجدي لتأمين الطاقة الكهربائية لتشغيل محطات تكرير المياه".  

وتشير نتالي في حديث لموقع "الحرة" إلى أنه "حتى لو أردنا تعقيم الخضار فإن المياه بحد ذاتها بحاجة إلى تعقيم، في وقت غليانها مكلف بعد أن تجاوز سعر قارورة الغاز الـ 400 ألف ليرة، كذلك الحال فيما لو أردنا شراء غالونات مياه عائدة إلى شركات مشهود لها باتباع شروط النظافة".  

أما طارق فيقول لموقع "الحرة": "دفعني ارتفاع الأسعار إلى تغيير عاداتي الغذائية، إذ خفضت من استهلاك اللحوم وبت أعتمد أكثر على الدجاج كونه أقل كلفة، وكذلك الخضار التي أصبحنا مجبرين على التوقف عن تناولها على الرغم من أهميتها كونها غنية بالفيتامينات".

وأردف بأسى: "أشعر أننا كلبنانيين أصبحنا محارَبين ومحاصرين من كل الجهات، وكل يوم نتفاجأ بأزمة جديدة". 

وعلى نفس المنوال، أكدت اختصاصية الصحة العامة والتغذية، ميرنا الفتى، أن "الخضار والفاكهة من الأطعمة الأساسية لمناعة الجسم وتزويده بالفيتامينات، كما أنها تساعد الإنسان على هضم الطعام، وتمده بكمية مرتفعة من مضادات الأكسدة التي تقي من أمراض عدة، على رأسها السرطان والضغط والقلب". 

تشرح الفتى في حديث لموقع "الحرة" أن "بكتيريا الكوليرا تعيش في درجة حرارة مشابهة لدرجة حرارة جسم الإنسان أي 37 درجة مئوية، بالتالي فإنه يمكن القضاء عليها في حال تجميد الخضار أو طبخها".

وتؤكد أنه "يمكن الاستمرار بتناول السبانخ والهندباء والملفوف والبروكلي والقرنبيط وغيرها بعد وضعها على النار، أما البصل الأخضر والنعناع والبقدونس والروكا وما شابه، أي التي تؤكل نيئة فيفضل الابتعاد عنها". 

وفيما يتعلق بالفاكهة، قالت الاختصاصية: "بحسب وزارة الصحة يسمح غسلها بالكلور، لكني لا أحبذ ذلك، وأدعو المواطنين إلى الانتباه، فهذه المادة المعقمة قد تسبب مشاكل صحية على المدى الطويل، من حيث تلف الشعيرات والبكتيريا الجيدة في الأمعاء، ما يؤدي إلى خفض مناعة الجسم". 

وكانت  الدفعة الأولى من اللقاح المضاد للكوليرا بدعم من فرنسا، قد وصلت، يوم الإثنين، بحسب ما أعلن وزير الصحة، مؤكداً تسلم 13440 جرعة.

ولفت الأبيض إلى أن لبنان "يترقب تسلم اللقاحات التي كان قد طلبها من الجمعية الدولية لتنسيق اللقاحات التابعة لمنظمة الصحة العالمية في خلال عشرة أيام بمعدل 600 ألف جرعة، موضحا "أن للقاح دوراً أساسياً في الحد من انتشار الوباء". 

وأضاف خلال مؤتمر صحفي أن "انتشار الوباء يشكل تحدياً جديداً يضاف إلى التحديات التي يواجهها نظامنا الصحي، لكن هذا الوباء يفتح الباب أيضاً للإضاءة على مكامن الخلل في البنى التحتية في بلدنا، والتي يؤثر سوء عملها على قدرتنا على مجابهة الأوبئة والأمراض". 

وأعرب عن أمانيه بأن يدق "الوباء يدق ناقوس الخطر للمسؤولين في قطاعات المياه والنفايات والصرف الصحي للعمل سريعاً على سد الثغرات وإعادة العمل في محطات ضخ المياه وتكرير المياه المبتذلة لنتمكن من تجاوز هذا الوباء ووأده في مهده قبل أن يتوطّن في لبنان، مما يشكل كارثة ليس فقط على القطاع الصحي، بل على القطاع الزراعي والسياحي وبالتالي على الاقتصاد ككل". 

لبنان وحماس

في حدث معبر وغير مسبوق، أظهرت الدولة اللبنانية صلابة في موقفها، وأجبرت حركة حماس، التي طالما استخفت بالسيادة اللبنانية، على الانصياع.

بعد تحذير حازم، من مجلس الدفاع الوطني اللبناني، سلمت حماس عددا من المطلوبين بتهمة إطلاق صواريخ من جنوب لبنان نحو إسرائيل، وهو تصعيد لم تكن الدولة اللبنانية لتواجهه بردع مباشر في السابق، إذ غالبا ما كانت تتم معالجة خروقات كهذه ضمن تفاهمات خلف الكواليس، خصوصا بوجود غطاء سياسي لحماس في لبنان من حزب الله. 

لكن هذه المرة، بدا الأمر مختلفا تماما.

الرسالة كانت واضحة: لم يعد بإمكان أي جهة أن تتصرف خارج سلطة الدولة اللبنانية.

استعادة السيادة

في أبريل الماضي، أعلن الجيش اللبناني ضبط عدة صواريخ ومنصات إطلاق واعتقل عددا من الأشخاص في جنوب لبنان، وقال إن التحقيقات جارية تحت إشراف القضاء.

حماس، التي اعتادت التلاعب بالسيادة اللبنانية مسنودة بتحالفاتها الإقليمية وصلاتها بحزب الله، وجدت نفسها الآن مجبرة على تسليم المطلوبين، في خطوة تعكس هشاشة موقفها وانحسار الدعم الذي طالما استفادت منه.

هذه الاستجابة السريعة تأتي بعد الهزيمة العسكرية التي تعرضت لها الحركة في غزة خلال الحرب الأخيرة مع إسرائيل. فبينما تكبدت حماس خسائر فادحة، أظهرت التطورات الميدانية في لبنان تراجعا واضحا في تأثيرها ونفوذها.

فهل نحن أمام إعادة صياغة لدور حماس في لبنان؟ أم أن الحركة تسعى لتجنب مواجهة جديدة قد تكون مكلفة في ظل تغير الموازين السياسية والأمنية في المنطقة؟

نقطة التحول المفصلية

أصبحت بيروت منذ عام 2019 حاضنة رئيسية لقيادات حماس ومحطة مهمة لوجودها السياسي والأمني، كما ذكر مركز "كارنيغي".

ولا شك أن اللحظة التي أُعلنت فيها استراتيجية "وحدة الساحات" 

وقبل هجوم حماس على إسرائيل في أكتوبر 2023 وتشكيل غرفة عمليات مشتركة في الضاحية الجنوبية لـ"محور الساحات،" أعلنت حماس وحزب الله استراتيجية "وحدة الساحات".

وبدت تلك اللحظة وكأنها "تمهيد لانقلاب شامل على الوضع اللبناني ومحاولة لفرض سيطرة محور الممانعة على كامل الأراضي اللبنانية وعلى جميع القوى السياسية دون استثناء مع بروز دور حركة حماس كعامل فلسطيني رديف لحزب الله في لبنان".

نشاط حماس في لبنان "يتعارض مع السياسة الرسمية الفلسطينية في التعاطي مع الشأن اللبناني"، يقول مدير مركز تطوير للدراسات الاستراتيجية والتنمية البشرية الباحث الفلسطيني، هشام دبسي لموقع "الحرة".

وتبنت حماس إطلاق صواريخ من لبنان خلال المواجهة التي بدأها حزب الله ضد إسرائيل عام 2023 على خلفية الحرب في قطاع غزة، لكن التطورات الميدانية وعمليات الاغتيال التي نفذتها إسرائيل قلبت المشهد رأساً على عقب".

وجاءت "تداعيات الضربات الإسرائيلية على حزب الله ومحور الممانعة في لبنان قاسية ليس فقط على حركة حماس بل على حزب الله ذاته"، يقول دبسي لموقع "الحرة".

وشكّلت عملية اغتيال نائب رئيس مكتب حماس السياسي، صالح العاروري في لبنان في يناير 2024، وفق ما يقوله دبسي "نقطة تحول رئيسية في مسار حركة حماس التي كانت تعيش حالة من الصعود على المستويين الفلسطيني واللبناني".

ويتابع "لكن نتائج الحرب الأخيرة وضعت الحركة في مأزق تحالفها مع حزب الله إذ لم تعد قادرة على فك ارتباطها بهذا التحالف كما لا تستطيع اتخاذ خطوة تراجع منهجية تقتضي بتسليم سلاحها للدولة اللبنانية والالتزام بالشرعية الفلسطينية ممثلة بمنظمة التحرير وسفارة فلسطين في لبنان".

يذكر أن العاروري، قتل مع اثنين من قادة الجناح العسكري للحركة، في ضربة إسرائيلية استهدفت مكتبا للحركة في الضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية بيروت، أحد معاقل جماعة حزب الله اللبنانية.

رسالة واضحة

حذّر مجلس الدفاع الوطني اللبناني حماس من استخدام الأراضي اللبنانية للقيام بأي أعمال تمس بالأمن القومي اللبناني تحت طائلة اتخاذ أقصى التدابير والإجراءات اللازمة لوضع حد نهائي لأي عمل ينتهك السيادة اللبنانية.

يتجلى في خطوة المجلس هذه بعدان أساسيان، يشرحهما دبسي "الأول هو انقلاب موازين القوى الداخلية لصالح الدولة اللبنانية في مواجهة سلاح الميليشيات حيث يعكس هذا التحرك تحولاً نوعياً نحو تعزيز سيطرة الدولة على السلاح وتقليص نفوذ الجماعات المسلحة".

الثاني "هو ترجمة خطاب القسم الرئاسي والبيان الوزاري إلى خطوات عملية تهدف إلى حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وفي هذا الإطار جاء إطلاق مجموعة من حركة حماس صواريخ من الأراضي اللبنانية نحو إسرائيل ليشكل اختباراً لمدى جدية العهد الجديد في فرض سيادة الدولة وقد كان الرد الإسرائيلي العنيف بمثابة إنذار لما قد تترتب عليه مثل هذه العمليات من تداعيات خطيرة".

وبالتالي فإن الدولة اللبنانية بسياساتها الجديدة لا يمكنها وفق ما يشدد دبسي "التغاضي عن هذه التطورات أو التعامل معها كما كان يحدث في السابق، بل على العكس جاء توجيه الإنذار لحركة حماس كرسالة واضحة بأن قرار السلاح والسيادة بات في يد الدولة اللبنانية ولن يُسمح لأي طرف بتجاوزه".

وفي ما يتعلق بتقييم استجابة حركة حماس لطلب تسليم المطلوبين، يرى دبسي أن الحركة "في البداية كانت مترددة وحاولت الاعتماد على علاقاتها التقليدية مع حزب الله وباقي قوى محور الممانعة في لبنان لكن مع إدراكها أن حزب الله لن يقدم لها الدعم ولن تستطيع الاحتماء بمظلته أو بمظلة أي من القوى اللبنانية الأخرى لم يبق أمامها سوى خيارين إما تسليم العناصر المطلوبة للدولة اللبنانية أو مواجهة الدولة دون أي غطاء لبناني داخلي ودون أي غطاء فلسطيني أيضاً".

ويشير دبسي إلى "أن منظمة التحرير الفلسطينية طالبت حماس مرارا بتسليم المطلوبين وعدم استخدام الأراضي اللبنانية لإطلاق الصواريخ حتى لا تعرض مجتمع اللاجئين الفلسطينيين لردود الفعل الإسرائيلية".

وبناء على ذلك اضطرت حركة حماس "في نهاية المطاف للاستجابة لمطلب الدولة اللبنانية كخيار إجباري لا مفر منه".

تصدّع التحالف

كشفت التطورات الأخيرة عمق الخلافات والتباينات الميدانية بين حماس وحزب الله، إذ لم يعد أي منهما قادراً على مساندة الآخر في ظل الظروف الراهنة، بحسب ما يرى دبسي.

ويشرح أن "حزب الله الذي أعلن التزامه بموقف الدولة اللبنانية لم يعد قادراً على تقديم الغطاء لحماس أو حمايتها، ما يعكس حالة من التباعد بين الطرفين، خاصة وأن حزب الله يشعر بأن حماس قد خدعته بعملية 'طوفان الأقصى'، إذ لم تنسق العملية معه ولم تُعلمه بموعدها مسبقاً".

في المقابل، "تشعر حماس بأن حزب الله لم يكن وفياً بما يكفي في دعمه للحالة الفلسطينية ولم يلتزم بتعهداته كما تتصور الحركة. وهكذا، باتت العلاقة بين الطرفين أقرب إلى تبادل الاتهامات وتحميل المسؤولية؛ فحزب الله يلقي اللوم على حماس بسبب التصعيد الميداني غير المنسق، بينما ترى حماس أن حزب الله استخدم إطلاق النار من لبنان كغطاء دون التشاور معها".

في ظل هذه التوترات، عادت قضية سحب السلاح الفلسطيني من المخيمات إلى الواجهة، وسط توقعات بإعلان الدولة اللبنانية عن خريطة طريق واضحة لتنفيذ هذه الخطوة، وفقاً لدبسي.

يُذكر أن ملف السلاح الفلسطيني في لبنان ينقسم إلى محورين: السلاح داخل المخيمات وخارجها. وقد أنجز ملف السلاح خارج المخيمات بالكامل، بينما يجري العمل حالياً لضبط السلاح داخل المخيمات.

وتندرج هذه القضية ضمن إطار القرار 1559 الصادر عام 2003، والذي ينص على نزع سلاح الميليشيات والقوى الأجنبية غير اللبنانية، بما فيها السلاح الفلسطيني.

يشير دبسي إلى أن "الشرعية الفلسطينية سبق أن أعلنت دعمها لتطبيق القرارين 1559 و1701، وأبدت استعدادها للتعاون الكامل مع الدولة اللبنانية لتنظيم الوجود المسلح داخل المخيمات وخارجها".

وكان الرئيس الفلسطيني محمود عباس قد أكد خلال زيارته السابقة إلى قصر بعبدا في عهد الرئيس ميشال سليمان على تسهيل عمل الحكومة اللبنانية في إنهاء هذا الملف، لكن التطبيق تعثر بفعل هيمنة "محور الممانعة".

وفي هذا السياق، تتجه الأنظار إلى زيارة عباس المرتقبة إلى لبنان في 21 مايو، "حيث يتوقع أن تحمل مؤشرات حول كيفية تنفيذ المبادرة السياسية والأمنية المتعلقة بسحب السلاح من المخيمات بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية"، وفقاً لدبسي.