لبنانيون عبروا عن مخاوف الإصابة بعدوى الكوليرا (تعبيرية)
وباء الكوليرا ضرب معظم المناطق في لبنان

قبل أن يطوي اللبنانيون صفحة جائحة فيروس كورونا المستجد، وجدوا أنفسهم مجبرين على فتح صفحة جديدة متعلقة بوباء آخر لم يكن في الحسبان، ألا وهو الكوليرا، الذي وضعهم أمام مأساة حقيقية، إذ باتوا يقفون حائرين ماذا يفعلون، لا بل حتى ماذا يأكلون؟.

ويعيش الشعب اللبناني سلسلة من الأزمات، لا يكاد يخرج من إحداها حتى يدخل بأخرى، فما أن فرضت الأزمة الاقتصادية على عدد كبير من منهم أن يصبحوا "نباتيين" نتيجة ارتفاع أسعار الدجاج واللحوم، حتى جاء الوباء الجديد ليدفع العديد منهم إلى التوقف عن تناول الخضراوات والفاكهة، خوفا من أن تكون ملوثة بالبكتيريا المعدية و"القاتلة". 

وكانت منظمة الصحة العالمية قد حذرت في بيان، يوم الإثنين، من تفشي الكوليرا بشكل فتاك في لبنان وسط تزايد حالات الإصابة، وذكرت أن الوضع "طال جميع المحافظات الثمانية، و18 قضاء من أصل 26 قضاء، بعد أن كان محصورا في البداية ضمن الأقضية الشمالية".

وأوضح البيان أنه قد جرى "تحديد سلالة الضمة الكوليرية المنتشرة حاليا، واتضح أنها من نمط المصلي O1 EI-Tor Ogawa، وهو مشابه للنمط المنتشر في سوريا" المجاورة.

وأظهرت آخر إحصاءات وزارة الصحة اللبنانية الصادرة ليل الإثنين الثلاثاء، تسجيل إصابتين جديدتين في الساعات الـ24 الماضية، ما رفع العدد التراكمي للحالات المثبتة إلى 390، في حين لم يتم تسجيل أي حالة وفاة، بعد أن كان العدد التراكمي سجل 17 وفاة. 

وسبق أن أشار وزير الصحة في حكومة تصريف الأعمال، فراس الأبيض، إلى أن المياه الملوثة هي أحد أسباب تفشي الكوليرا ، قائلا: "سجلت الفحوص التي أجرتها الوزارة العديد من مصادر المياه الملوثة، منها ما يستخدم في بعض المخيمات أو البيوت، كما سجل تلوث في مياه ينابيع، بينها نبع الريحانية في الشمال ونبع عين فاعور في ببنين". 

وأوضح  أن "استخدام الخضار الملوثة يسهم بانتشار الوباء، وقد ثبت لوزارة الصحة أن ثمة مياه ملوثة تستعمل لري الخضار، وأن هناك مصادر متعددة لذلك، بينها نهر ببنين في عكار، كما أن المخالطة تساهم بمزيد من انتشار العدوى في حال لم يعقم المريض يديه بشكل جيد". 

قلة الماء النظيف

وما يزيد من تعرض اللبنانيين لخطر الوباء بحسب منظمة الصحة العالمية، الظروف الاقتصادية التي تلقي بظلالها منذ مدة طويلة، وقلة توفر المياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي السليمة في جميع أنحاء البلاد.

تفاقم انتشار الكوليرا في لبنان

كما اجتمعت عوامل أخرى، هي هجرة العاملين في مجال الرعاية الصحية وانقطاع سلاسل الإمداد وعدم القدرة على تحمل تكاليف حلول الطاقة البديلة، لتضعف قدرة المستشفيات ومرافق الرعاية الأولية على مواجهة الأزمة إضعافا شديدا، في وقت أصبحت فيه مهددة بتصاعد الفاشية وتزايد عبء الحالات. 

"مقامرة بالأرواح"

ولم يعد يتجرأ نحو 70 في المئة من سكان بلدة ببنين العكارية إلى شراء كل ما له علاقة بالخضار، لا سيما الورقية منها، كالبقدونس والخس والنعناع، فهي من المزروعات الناقلة للكوليرا بشكل خطير في حال رويت بمياه ملوثة، كون أوراقها تمتص المياه بشكل مباشر، بحسب ما أفاد مختار البلدة، زاهر الكسار.

وسجلت البلدة 106 إصابات بالكوليرا حتى الآن واضطرت وزارة الصحة إلى افتتاح مستشفى ميداني فيها. 

وأكد الكسار،  في حديثه إلى موقع الحرة، أن المخاوف كبيرة جدا وجدية، شارحا أن " إعداد صحن الفتوش أو التبولة والسلطة قد أمسى من الماضي، فقد فرض علينا البحث عن بدائل أخرى لتمرير هذه المرحلة الصعبة".

وتابع: "لكن هذا لا ينفي وجود نحو 30 في المئة من سكان البلدة الذين يجازفون بحياتهم، يدفعهم إلى ذلك ارتفاع أسعار اللحوم والدجاج، ففي ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة شكلت الخضار ركيزة لعدد كبير من اللبنانيين في وجبات طعامهم إلى جانب البقوليات، وبالتالي يجدون صعوبة في الاستغناء عن هذا الخيار". 

ورغم أن العدد الأكبر من المزارعين في سهل عكار، كما يقول المختار، لديهم آبار خاصة بهم، إلا أن هذا لا يلغي وجود بعض من لا يكترثون باستخدام المياه الملوثة لري المزروعات.

ومن هنا يشدد الكسار "على ضرورة أخذ الحيطة وعدم الاستهتار، لا سيما وأن الأمر يطال الأرواح، إذ فقد عدد من أبناء البلدة حياتهم بسبب الوباء"، لافتا إلى أنه "إذا كانت وزارة الصحة تغطي علاج المصابين، فإن ذلك لا يكفي، فالمريض يحتاج إلى بدل نقل من وإلى المستشفى عدا عن الأدوية وغيرها من الأمور". 

وفي السياق ذاته، تقول إحدى السيدات وتدعى، نادين سعيد: "لم يكن ينقصنا في لبنان إلا وباء الكوليرا، وكأنه لا يكفينا كل ما نعانيه من أزمات على مختلف الصعد".

وزادت: "فبعد أن ألغينا من قاموس استهلاكنا عددا كبيرا من الأطعمة، بسبب عدم قدرتنا على دفع ثمنها، وتركيزنا بشكل أكبر على الخضار والفاكهة، التي لم تنج هي الأخرى من ارتفاع الأسعار، ها نحن نقف مصدومين لا نعلم فيما إن كانت ملوثة أم لا".

وتضيف "لا يمكنني اقتصار الوجبات على الحبوب والأرز فقط، لكن في نفس الوقت أشعر وكأني أقامر بأرواح عائلتي فيما لو واظبت على إطعامهم الخضار، لاسيما إننا في بلد قطاعه الصحي متهالك".

وأردفت: "الطبابة في أصعب ظروفها وأسعار معظم الأدوية تتجاوز الحد الأدنى للأجور"، مشددة على أن "طاقة تحملنا بدأت تنفد، وعلى المسؤولين إيجاد حلول جذرية لما يحصل، وليس فقط الاهتمام بكيفية تأمين لقاحات وأسرّة في المستشفيات، فنحن بحاجة إلى وضع خطة مُحكمة لمحاربة جذور المشكلة، أي المياه الملوثة". 

"مرض فتاك"

وينجم وباء الكوليرا، بحسب وزارة الصحة اللبنانية، عن جرثومة تنتقل عبر مياه الشرب أو تناول مواد غذائية ملوثة، أو من شخص إلى آخر عبر الأيدي الملوثة، وتمتد فترة حضانة المرض من يومين إلى خمسة أيام، وتشمل الأعراض إسهالاً مزمناً، يسبب مضاعفات قد تؤدي إلى الوفاة في حال عدم المعالجة. 

وكان ممثل منظمة الصحة العالمية في لبنان، عبد الناصر أبو بكر، قد صرّح سابق أن "الكوليرا مرض فتاك، ولكن يمكن الوقاية منه من خلال اللقاحات وتوفير المياه المأمونة وخدمات الصرف الصحي".

ونبه إلى أنه وفي حالة الإصابة به "يمكن علاجه بسهولة بتعويض السوائل عن طريق الفم أو المضادات الحيوية للحالات الأكثر شدة، ولكن الوضع في لبنان هش، فالبلد يكافح لمواجهة أزمات أخرى وهذه الأزمات يتضاعف أثرها بسبب التدهور السياسي والاقتصادي المستمر منذ مدة طويلة". 

المزروعات تحت المجهر 

وفي خطوة لمواجهة الوباء، ترأس وزير الزراعة في حكومة تصريف الأعمال، عباس الحاج حسن​، اجتماعاً لخلية الأزمة، قبل أيام، لتعلن بعدها الوزارة في بيان أنه سيتم تشكيل لجنة متابعة مع ​وزارة الصحة العامة​ وتحديد المواقع الموبوءة ليصار إلى تحديد نوع وكمية المزروعات فيها من قبل مصالح ​وزارة الزراعة​.

وذكرت الوزارة أنها ستأخذ عينات لمصادر الري والمزروعات والتربة وتحليلها في المختبرات الرسمية والخاصة المؤهلة لإجراء الفحوصات المطلوبة واتخاذ التدابير اللازمة على ضوء النتائج. 

وذكرت الوزارة، أنه في حال ثبت تلوث المنتجات الزراعية فسيتم التنسيق مع الهيئة العليا للإغاثة لتعويض المزراعين وفق ما يقرره ​مجلس الوزراء​ بهذا الخصوص.

وستتولى المراكز الزراعية في الوزارة تكثيف عمليات الإرشاد والتوعية للمزارعين بشأن ما هو واجب اتباعه، في حين جرى تكليف فريق من الوزارة لوضع آلية لأخذ عينات من مستوردات الإنتاج النباتي على المعابر الحدودية البرية في حال الضرورة. 

وأكدت الوزارة تواصلها مع مختلف الجهات الفاعلة وكذلك التعاون من المنظمات الدولية، داعية إلى تعاون ​البلديات​ والأجهزة الامنية، وأهابت بالمواطنين وبوسائل الإعلام توخي الدقة بنشر المعلومات المتعلقة بالمنتجات الزراعية النباتية. 

من جانبه، شدد وزير الصحة اللبناني، فراس الأبيض، على "ضرورة تأمين المياه النظيفة كعامل أساسي يساعد على الحد من انتشار الوباء".

ولفت إلى  الجهود المبذولة من قبل وزارة الصحة بالتعاون مع وزارة الطاقة والمياه، مشيراً إلى أن "منظمة اليونيسف أمنت حوالي 100 ألف ليتر من المازوت لاستخدامها في تشغيل محطات ضخ المياه في مناطق الشمال، والبقاع الشمالي، والبقاع، وبعض محطات تكرير المياه المبتذلة للتخفيف من عبء المياه الملوثة. 

وفي المقابل، نفى رئيس تجمع المزارعين والفلاحين في البقاع ابراهيم ترشيشي،  ما يتم تداوله حول استخدام المياه الآسنة لري المزروعات.

وشدد على أن "مياه الصرف الصحي معروف مجراها ومصبها، فهي على عمق ثلاثة أمتار تحت الأرض، وتصب في مجرى نهر الليطاني، الذي يمنع على أي مزارع تركيب مضخات على جانبيه للري، وقبل حوالي ثلاث سنوات تجرأ أحد المزارعين على ذلك، فكانت الأجهزة الأمنية له بالمرصاد، فصادرت معداته ومزروعاته وجرت ملاحقته قضائياً". 

وأشار ترشيشي في حديث إلى موقع "الحرة" إلى أن "إقبال المواطنين على شراء البضائع اللبنانية من الخضار والفاكهة لا يزال على حاله "كونهم يعلمون علم اليقين أنها تروى بمياه نظيفة، سواء بمياه الأنهار أو الينابيع أو الآبار أو الأمطار".

ونبه إلى أن "الموسم الزراعي شارف على نهايته في البقاع، ففي فصل الشتاء يصبح إنتاج الخضار محصوراً في بيوت بلاستيكية في الساحل اللبناني". 

"الطالح يذهب الصالح"

وعلى عكس ترشيشي، يجزم رئيس جمعية المزارعين اللبنانيين، أنطوان الحويك، أن القطاع الزراعي تأثر بنسبة تزيد عن الخمسين بالمئة، لا سيما "الحشائش" بعد الحديث عن صعوبة تعقيمها.

وفيما إن كان ما يتداول صحيحاً عن وجود مياه آسنة يجري ري المزروعات بها أجاب في حديث لموقع "الحرة": "لا شك أن ذلك يحصل في بعض المناطق، لكن في المقابل هناك مياه نظيفة يتم استخدامها في الري في مناطق عديدة، لكن للأسف 'يذهب الصالح بعزا الطالح'". 

وحمّل الحويك "السلطة السياسية مسؤولية تلوّث الأنهار والينابيع والآبار بمياه الصرف الصحي، مشدداً على أنه عليها كخطوة أولى إيقاف التلوث ومن ثم فرز الإنتاج الزراعي، لكن "قبل الأزمات التي يمر بها البلد لم تكن الدولة تبالي فكيف الآن؟". 

وكلام الحويك يؤكده فراس، وهو أحد بائعي الخضار في ضاحية بيروت، إذ أشار إلى تراجع بيع الخضار الورقية منذ أن بدأ الوباء بالانتشار، بالأخص مع التحذيرات التي أطلقها وزير الصحة، من تلوث مياه الري في بعض المناطق بسبب تداخل مياه الصرفي بها.

وشرح قائلا: "نتيجة ذلك توقفت عن جلبها، كونها بالكاد تُباع ولست مضطرا لتحمل أي خسارة مادية". 

ويضيف في حديث لموقع "الحرة" "لا يمكنني لوم الناس، فمن حقهم الخوف من الإصابة بالعدوى، فحتى أنا أتجنب تناول الخضار، خصوصا وأن النسبة الأكبر منها غير معروفة المصدر، كما أنه لا يمكن لوم المزارعين كون المسؤولين لا يؤمّنون لهم مياهاً نظيفة لري مزروعاتهم".

وختم بالتأكيد على أن "المسؤولية الوحيدة تقع على عاتق من هم في السلطة، فلا نسمع منهم سوى 'العراضات'، من دون أي أفعال على أرض الواقع". 

حجم الكارثة  كبير

وأظهرت آخر الإحصاءات التي أجرتها المصلحة الوطنية لنهر الليطاني هذا العام، المتعلقة بتلوث الموارد المائية في الحوض الأعلى للنهر مما يمكن أن تكون ناقلة أو حاملة لوباء الكوليرا الانتقالي بواسطة الصرف الصحي، أن "المساحات التقديرية للأراضي الزراعية الواقعة ضمن مسافة 2 كلم من جانبي النهر تبلغ حوالي 8396 هكتارا وذلك بالاعتماد على خرائط استخدامات الأراضي، حيث أن هذه الأراضي كلها قابلة للري من النهر بشكل مباشر عبر مضخات زراعية". 

وأضافت "بحسب المعنيين والخبراء في المنطقة، فإن أكثر من 1000 هكتار من هذه الأراضي يروى حالياً من النهر والروافد مباشرة أي من مياه ملوثة بالصرف الصحي بنسب متفاوتة"

ولفتت إلى أن الدولة اللبنانية كانت "قد أتلفت حوالي 20 هكتار منها في الصيف الماضي. فضلاً عن اتخاذ المصلحة الوطنية لنهر الليطاني قراراً بوقف العمل بمشروع قناة ري 900 والذي يروي من مياه بحيرة القرعون حوالي 2000 هكتار من الأراضي الزراعية". 

وفي حديث مع موقع "الحرة" شدد رئيس المصلحة الوطنية لنهر الليطاني، سامي علوية، على أن الدراسة كشفت تفاقم مشكلة التلوث نتيجة تدفق كميات هائلة من مياه الصرف الصحي غير المعالج مباشرة إلى مجراه وإلى بحيرة القرعون.

ويردف موضحا: "ظهر أن أسباباً عدة تكمن خلف تلوث مياه النهر، منها غياب حسن الإدارة ورسم مخطط توجيهي واضح لقطاع الصرف الصحي وفي ظل ذلك يتم اعتماد الحلول المركزية لمنظومات معالجة الصرف الصحي المترافقة مع عيوب في الدراسات والتصاميم وسوء التنفيذ وغيرها". 

وأضاف "كما يشير إلى انتشار مخيمات اللاجئين العشوائية على طول النهر، التي تشكل مصدرا لا يستهان به للتلوث، "حيث تقوم معظم هذه المخيمات بتحويل النفايات السائلة والصلبة الناتجة عنها مباشرة إلى مجرى النهر وروافده كما إلى أقنية مشاريع الري التابعة للمصلحة الوطنية لنهر الليطاني". 

وكشفت نتائج الفحوصات المخبرية، التي أجرتها المصلحة عدم سلامة مياه الشفة وعدم صلاحيتها للاستعمال المنزلي في عدد من المناطق الواقعة في الحوض الأعلى للنهر والتي تتغذى من نبع شمسين.

وأشارت الدراسة إلى أن "مصادر التلوث تختلف بسبب اهتراء الشبكة حينا، أو تلوث النبع، أو البئر أو عدم كفاءة المعالجة أحيان أخرى كما وتحويل مياه الصرف الصحي الغير معالج إلى أراضٍ مكشوفة تصل إلى مجرى النهر أو المياه الجوفية".

وتوضح المعطيات "أن عدد المشتركين في محطات شمسين يبلغ 7000 مشترك تقريباً ويقدر عدد المستفيدين من هذه الشبكة حوالي 50 ألف نسمة".  

وكانت مصلحة الأبحاث العلمية الزراعية (Lari)  قد أصدرت بياناً، الشهر الماضي، أشارت خلاله من خلاله إلى أن "90 في المئة من كل أنواع المياه في لبنان ملوثة" لافتة إلى أن "مجاري المياه والقنوات والأنهر مليئة بالأوساخ وبمياه المجارير".

ونبهت إلى أن "هطول الأمطار يؤدي إلى تشكل بحيرات من المياه الآسنة، تساهم في انتشار التلوث بالمجارير وبالتالي بكل الأمراض المتأتية عنها مثل اليرقان والكوليرا وغيرها، يضاف إلى ذلك ري المزروعات بمياه المجارير. لذا على كل مواطن التأكد من نظافة المياه التي تصل إلى منزله، إضافة إلى نظافة مياه الصهاريج". 

وتابعت: "سبق للمصلحة أن طالبت عشرات المرات البلديات والوزارات المعنية بإجراء فحوصات مستمرة على المياه التي تنقل بالصهاريج للتأكد من سلامتها، كما أنه يتوجب فحص مياه الآبار الجوفية لأن معظم الآبار ملوثة بالمجارير".

وشددت على أن "سوء إدارة مياه المجارير المتبعة منذ 40 عاماً أدّت إلى وجود هذه المياه في كل مكان، مياه سطحية، أنهر، مياه جوفية ومياه بحر، إضافة إلى البرك والتربة، وأن عدداً كبيراً من الآبار الارتوازية تستعمل لضخ المجارير فيها". 

"حل غير محبذ"

"أصبحنا نترحم على أيام كورونا، حيث كان يكفي لتجنب الفيروس الاهتمام بالنظافة وعدم المخالطة، أما اليوم فكل شيء يحيط بنا يمكن أن ينقل لنا العدوى، من مياه الشفة إلى مياه الخدمة المنزلية إلى الخضار والفاكهة".

ذلك ما قالته  سيدة تدعى، نتالي، واصفة الوضع بالإعدام  البطيء، "فبعد أن حرمنا من شراء اللحوم ها نحن نحرم من إعداد صحن سلطة، في وقت يكتفي فيه المسؤولون بتوجيه التحذيرات والنصائح بدل من العمل الجدي لتأمين الطاقة الكهربائية لتشغيل محطات تكرير المياه".  

وتشير نتالي في حديث لموقع "الحرة" إلى أنه "حتى لو أردنا تعقيم الخضار فإن المياه بحد ذاتها بحاجة إلى تعقيم، في وقت غليانها مكلف بعد أن تجاوز سعر قارورة الغاز الـ 400 ألف ليرة، كذلك الحال فيما لو أردنا شراء غالونات مياه عائدة إلى شركات مشهود لها باتباع شروط النظافة".  

أما طارق فيقول لموقع "الحرة": "دفعني ارتفاع الأسعار إلى تغيير عاداتي الغذائية، إذ خفضت من استهلاك اللحوم وبت أعتمد أكثر على الدجاج كونه أقل كلفة، وكذلك الخضار التي أصبحنا مجبرين على التوقف عن تناولها على الرغم من أهميتها كونها غنية بالفيتامينات".

وأردف بأسى: "أشعر أننا كلبنانيين أصبحنا محارَبين ومحاصرين من كل الجهات، وكل يوم نتفاجأ بأزمة جديدة". 

وعلى نفس المنوال، أكدت اختصاصية الصحة العامة والتغذية، ميرنا الفتى، أن "الخضار والفاكهة من الأطعمة الأساسية لمناعة الجسم وتزويده بالفيتامينات، كما أنها تساعد الإنسان على هضم الطعام، وتمده بكمية مرتفعة من مضادات الأكسدة التي تقي من أمراض عدة، على رأسها السرطان والضغط والقلب". 

تشرح الفتى في حديث لموقع "الحرة" أن "بكتيريا الكوليرا تعيش في درجة حرارة مشابهة لدرجة حرارة جسم الإنسان أي 37 درجة مئوية، بالتالي فإنه يمكن القضاء عليها في حال تجميد الخضار أو طبخها".

وتؤكد أنه "يمكن الاستمرار بتناول السبانخ والهندباء والملفوف والبروكلي والقرنبيط وغيرها بعد وضعها على النار، أما البصل الأخضر والنعناع والبقدونس والروكا وما شابه، أي التي تؤكل نيئة فيفضل الابتعاد عنها". 

وفيما يتعلق بالفاكهة، قالت الاختصاصية: "بحسب وزارة الصحة يسمح غسلها بالكلور، لكني لا أحبذ ذلك، وأدعو المواطنين إلى الانتباه، فهذه المادة المعقمة قد تسبب مشاكل صحية على المدى الطويل، من حيث تلف الشعيرات والبكتيريا الجيدة في الأمعاء، ما يؤدي إلى خفض مناعة الجسم". 

وكانت  الدفعة الأولى من اللقاح المضاد للكوليرا بدعم من فرنسا، قد وصلت، يوم الإثنين، بحسب ما أعلن وزير الصحة، مؤكداً تسلم 13440 جرعة.

ولفت الأبيض إلى أن لبنان "يترقب تسلم اللقاحات التي كان قد طلبها من الجمعية الدولية لتنسيق اللقاحات التابعة لمنظمة الصحة العالمية في خلال عشرة أيام بمعدل 600 ألف جرعة، موضحا "أن للقاح دوراً أساسياً في الحد من انتشار الوباء". 

وأضاف خلال مؤتمر صحفي أن "انتشار الوباء يشكل تحدياً جديداً يضاف إلى التحديات التي يواجهها نظامنا الصحي، لكن هذا الوباء يفتح الباب أيضاً للإضاءة على مكامن الخلل في البنى التحتية في بلدنا، والتي يؤثر سوء عملها على قدرتنا على مجابهة الأوبئة والأمراض". 

وأعرب عن أمانيه بأن يدق "الوباء يدق ناقوس الخطر للمسؤولين في قطاعات المياه والنفايات والصرف الصحي للعمل سريعاً على سد الثغرات وإعادة العمل في محطات ضخ المياه وتكرير المياه المبتذلة لنتمكن من تجاوز هذا الوباء ووأده في مهده قبل أن يتوطّن في لبنان، مما يشكل كارثة ليس فقط على القطاع الصحي، بل على القطاع الزراعي والسياحي وبالتالي على الاقتصاد ككل". 

مصارف لبنان

في تحول تاريخي لعمل القطاع المصرفي اللبناني، أقرّ مجلس النواب الخميس تعديلات على قانون السرية المصرفية تسهّل للهيئات الناظمة الحصول على كامل المعلومات المتعلّقة بالحسابات.

جاءت الخطوة تلبية لمطلب رئيسي من مطالب صندوق النقد الدولي.

واعتبر رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، القرار "خطوة ضرورية نحو الإصلاح المالي المنشود وركيزة أساسية لأي خطة تعافٍ، ولكشف الحقائق" بشأن الأزمة المالية التي بدأت عام 2019.

والجمعة، نُشر في الجريدة الرسمية اللبنانية قانون تعديل بعض المواد المتعلقة بسرية المصارف في لبنان، بما في ذلك تعديل المادة 7 (هـ) و (و) من القانون المتعلق بسرية المصارف الذي أقرّ عام 1956، وكذلك تعديل المادة 150 من قانون النقد والتسليف الصادر في عام 1963، بموجب القانون رقم 306 الصادر في 28 تشرين الأول 2022.

وينص التعديل الجديد على تعديل المادة 7 (هـ) من القانون المتعلق بسرية المصارف بما يسمح بمشاركة معلومات مصرفية بين مصرف لبنان، ولجنة الرقابة على المصارف، والمؤسسة الوطنية لضمان الودائع، في إطار تعزيز مراقبة القطاع المصرفي وحماية النظام المالي. 

ويشمل التعديل أيضا صلاحيات تعديل وإنشاء مؤسسة مختلطة لضمان الودائع المصرفية.

أما المادة 7 (و) فتتيح للجهات المعنية، مثل مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف، طلب معلومات مصرفية محمية بالسرية دون تحديد حساب أو عميل معين. ويتيح التعديل إصدار طلبات عامة للحصول على معلومات عن جميع الحسابات والعملاء، إلا أن هذه الطلبات يمكن أن تكون قابلة للاعتراض أمام قاضي الأمور المستعجلة، ويخضع الاعتراض للأصول القانونية المتعلقة بالاعتراض على العرائض.

وفي ما يتعلق بالمادة 150 من قانون النقد والتسليف، تضمن التعديل رفع السرية المصرفية بشكل كامل وغير مقيد أمام مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف، بالإضافة إلى المدققين والمقيمين المعينين من قبل مصرف لبنان أو اللجنة.

وتشمل التعديلات الحسابات الدائنة والمدينة، سواء كانت ضمن أو خارج الميزانية، كما تتيح رفع السرية المصرفية عن سجلات ومستندات ومعلومات تعود إلى أشخاص معنويين أو حقيقيين يتعاملون مع المصارف أو المؤسسات المالية الخاضعة للرقابة. ويشمل تطبيق هذا التعديل بأثر رجعي لمدة عشر سنوات من تاريخ صدور القانون.

وقد شهد لبنان خلال الأسابيع الماضية نقاشات حادة، رأى فيها معارضون للخطوة أن هذا القانون ورفع السرية المصرفية طي لصفحة من تاريخ لبنان المالي العريق من خلال "إلغاء ميزة تفاضلية،" وبأن كشف الفساد ليس معطلاً بسبب السرية المصرفية.

ويرى المتحمسون للقانون أن من شأن التعديلات الجديدة تعزيز الشفافية في القطاع المصرفي في لبنان وتحسين مراقبة ومراجعة العمليات المصرفية، في وقت يشهد فيه القطاع المصرفي تحديات كبيرة في ظل الأزمة المالية المستمرة.

وأوضحت "المفكرة القانونية" وهي منظمة حقوقية غير حكومية، في بيان أصدرته أن التعديل يخوّل "الهيئات الرقابيّة والهيئات النّاظمة للمصارف، وتحديدًا مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف والمؤسسة الوطنية لضمان الودائع، طلب الحصول على جميع المعلومات المصرفية، من دون أن يربط طلب المعلومات بأيّ هدف معيّن، وإمكانية التدقيق في الحسابات بالأسماء، تصحيحا لقانون 2022" والذي تضمن بعض التعديلات.

يعتمد لبنان السرية المصرفية منذ عام 1956، وكان لذلك أثر كبير في جذب رؤوس الأموال والودائع وتوفير مناخ الاستقرار الاقتصادي. وبموجب هذا القانون تلتزم المصارف الخاضعة لأحكامه السرية المطلقة، إذ لا يجوز كشف السر المصرفي سواء في مواجهة الجهات الخاصة أو السلطات العامة، وسواء كانت قضائية أو إدارية أو مالية، إلا في حالات معينة في القانون وردت على سبيل الحصر، وهي:

1- إذن العميل او ورثته خطيًا.
2- صدور حكم بإشهار افلاس العميل.
3- وجود نزاع قضائي بينه وبين البنك بمناسبة الروابط المصرفية. 
4- وجود دعاوى تتعلق بجريمة الكسب غير المشروع. 
5- توقف المصرف عن الدفع، إذ ترفع في هذه الحالة السرية المصرفية عن حسابات أعضاء مجلس الإدارة والمفوضين بالتوقيع ومراقبي الحسابات. 
6- الاشتباه في استخدام الأموال لغاية تبييضها، وعندها ترفع السرية المصرفية بقرار من هيئة التحقيق الخاصة لمصلحة المراجع القضائية المختصة والهيئة المصرفية العليا، وذلك عن الحسابات المفتوحة لدى المصارف أو المؤسسات المالية.

وبالفعل ومنذ إقرار هذا القانون ازدهر القطاع المصرفي اللبناني واستطاع جذب رؤوس أموال، لكن كل ذلك تغير مع اندلاع الحرب الأهلية في منتصف السبعينيات، وبدأت الليرة اللبنانية رحلة الانهيار. خمسة عشر عاما من الاقتتال، انتهت بتسويات سياسية، تبعها نظام اقتصادي جديد، قاده منذ عام 1993 الراحل رفيق الحريري رئيسا للحكومة، ورياض سلامة حاكما لمصرف لبنان المركزي، سعيا وراء الاستقرار. 

وبعد أربع سنوات من استلام منصبه، نجح سلامة في تثبيت سعر العملة اللبنانية، عند 1500 مقابل الدولار الأميركي.

استمرت تلك المعادلة أكثر من عقدين، لكنها كانت تحتاج إمدادات لا تنقطع من العملة الصعبة للمحافظة على استمرارها. وفي محاولة لسد العجز، سعت المصارف اللبنانية لجذب حصيلة كبيرة من العملة الخضراء عبر تقديم فوائد مرتفعة على الودائع الدولارية، فوائد تراوحت بين 15 و 16 في المئة.

نتيجة للفوائد البنكية المرتفعة، شهدت ودائع القطاع المصرفي اللبناني نمواً سنوياً وصل ذروته بقرابة 12 مليار دولار خلال عام 2009.

أغرت الفوائد العالية المقيمين والمغتربين، ليصل إجمالي الودائع في المصارف اللبنانية إلى أكثر من 177 مليار دولار في نهاية نوفمبر عام 2018. 

منذ عام 2017، تراجع الاحتياطي في خزينة مصرف لبنان، رغم محاولات جذب الدولار. وفي صيف عام 2019، لاحت بوادر صعوبة في توافر الدولار في الأسواق اللبنانية، فارتفع سعر صرفه مقابل الليرة للمرة الأولى منذ أكثر من 20 عاما، ما دفع الحكومة لاتخاذ إجراءات استثنائية. لكن البعض يرى أن تلك القرارات جاءت متأخرة.

في أكتوبر 2019، انفجر الشارع اللبناني مطالبا بإسقاط السلطة السياسية، وأغلقت المصارف أبوابها، لكن تقارير صحفية تحدثت عن عمليات تحويل لأرصدة ضخمة الى خارج البلاد.

في تقرير لصحيفة فاينانشال تايمز البريطانية، نُشر في صيف 2020، فإنه، وفقا لكبير موظفي الخدمة المدنية المالية السابق في لبنان ومدير عام وزارة المالية السابق ألان بيفاني، قام مصرفيون بتهريب ما يصل إلى 6 مليارات دولار من لبنان منذ  أكتوبر 2019، في تحايل على الضوابط التي تم إدخالها لوقف هروب رأس المال، مع غرق البلاد في أسوأ أزمة مالية منذ ثلاثين 30 عاما، بينما بات مصير مليارات الدولارات مجهولًا. 

بدأت الأزمة المالية بالظهور تدريجيا، لكنها انفجرت حرفيا منذ اندلاع الاحتجاجات في شهر أكتوبر عام 2019. وتشير تقارير رسمية إلى أن أموالا طائلة تصل إلى مليارات الدولارات تم تحويلها إلى الخارج، بينما تم حجز ودائع صغار زبائن البنوك، من دون ضمانات لحماية ودائع المواطنين، ولا سيولة نقدية.

وتقدر تقارير دولية والمصرف المركزي اللبناني أن ودائع صغار زبائن البنوك بحوالي 121 مليار دولار منها ودائع لغير المقيمين تُقدّر بـ20 مليار دولار، وأصحابها لبنانيون وعراقيون ويمنيون وليبيون ومصريون ومن دول الخليج، إضافة لودائع للسوريين، يقدر المصرفيون بأنها أكثر من 3 مليارات دولار.

وفيما تجري التحقيقات حول آلية تهريب الأموال، لم يصل المحققون المحليون ولا حتى الدوليون إلى جواب شاف، لكن كانت دائما "المصالح المتشابكة داخل النظام اللبناني" جزءا من الجواب.

وتعتبر البنوك اللبنانية مرآة للنظام من حيث التقسيم الطائفي، فغالبيتها تابعة لجهات سياسية ومقربين منها، الأمر الذيث كان واضحا في انعدام الرقابة على عمليات إدخال أموال حزب الله المهربة أو غير الشرعية إلى هذه البنوك، مما يعني عمليات تبييض وشرعنة لهذه الأموال.

منذ منذ عام 2001، وضعت الولايات المتحدة حزب الله على قائمة المنظمات الإرهابية، وفرضت عليه عقوبات ضمن خطة لمكافحة تمويل الإرهاب. وفي هذا الإطار صدر قانون مكافحة تبييض الأموال رقم 44، عام 2015، والذي لم يتم تعطبيقه، واكتفى مصرف لبنان بتعاميم، لم تغير واقع الحال.

بدأ لبنان في يناير 2022 مفاوضات رسمية مع صندوق النقد الذي طالما شدد على أنه لن يقدم أي دعم طالما لم تقرّ الحكومة إصلاحات على رأسها تصحيح الموازنة وإعادة هيكلة القطاع المصرفي وإصلاح المؤسسات العامة والتصدي للفساد المستشري.

وأعلن الصندوق في أبريل من العام ذاته اتفاقا مبدئيا على خطة مساعدة بقيمة ثلاثة مليارات دولار على أربع سنوات، لكنّ تطبيقها كان مشروطا بإصلاحات لم يتم تنفيذ معظمها.

في سبتمبر عام 2024، أوقف الحاكم السابق لمصرف لبنان، رياض سلامة، وهو حتى اليوم قيد التحقيق في اتهامات بغسيل الأموال وشراء وبيع سندات خزينة الحكومة اللبنانية. ومنذ انهيار حزب الله اللبناني، في حربه مع إسرائيل، وصعود ما سمي بالعهد الجديد، أقرت حكومة نواف سلام مشروع قانون لإعادة هيكلة المصارف، استجابةً لمطالب صندوق النقد الدولي، الذي اشترط تنفيذ إصلاحات جذرية، بينها رفع السرية المصرفية، كشرط أساسي لأي دعم مالي للبنان، كما تأتي في ظل إدراج مجموعة العمل المالي (FATF) لبنان على اللائحة الرمادية بسبب ثغرات خطيرة في مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.

من المتوقع أن تسهم هذه التعديلات في تعزيز الشفافية المالية، ومكافحة الفساد وتبييض الأموال والتهرب الضريبي، كما يُتوقع أن تفتح الباب أمام إعادة هيكلة النظام المالي اللبناني بالكامل، واستعادة ثقة المجتمع الدولي، وتأمين الدعم المالي اللازم من الجهات المانحة.

إلا أن نجاح هذه الخطوة لا يقاس فقط بالكشف عن الحسابات، بل العبرة في التنفيذ في ظل نظام قضائي شبه مهترئ وتورط بعض من أصحاب النفوذ السياسي والمالي أنفسهم.

لبنان اليوم أمام مفترق طرق، فإما أن يسلك طريق العهد الجديد الذي وعد به اللبنانيون، أو يظل الفساد العنوان الأبرز في سياسات لبنان المالية المقبلة.