غالب عروب (15 عاما) ومهند عروب (13 عاما) اختطفا من قبل مجهولين يستقلون سيارة رباعية الدفع
غالب عروب (15 عاما) ومهند عروب (13 عاما) اختطفا من قبل مجهولين يستقلون سيارة رباعية الدفع | Source: MBN

تعيش الأسر في مدينة بعلبك خوفا كبيرا على أغلى ما يملكون، أطفالهم، الذين باتوا اليوم هدفا لعصابات الخطف مقابل فدية، في تجاوز لكل الخطوط الحمراء والمحرمات في أنشطتها الإجرامية.

وانتقلت هذه العصابات من استهداف الميسورين ماديا ورجال الأعمال والمغتربين في السنوات والأشهر الماضية، طمعا بالاستحصال على فدية، إلى استهداف الفئات الأكثر ضعفا في المجتمع، الأطفال، الأقل قدرة على المقاومة والهروب من جهة، ولضمان حظوظ أعلى في الاستحصال على الفدية، استغلالا لعاطفة الأهل التي قد تدفعهم لتقديم أي مقابل لتحرير أولادهم. 

أحدث القضايا التي لا تزال فصولها جارية حتى اليوم هي واقعة اختطاف الطفلين السوريين غالب عروب (15 عاما) ومهند عروب (13 عاما) من قبل مجهولين يستقلون سيارة رباعية الدفع زجاجها داكن، في حي آل صلح في بعلبك بتاريخ 22 أكتوبر الماضي.

وبعد الخطف، تلقى والدهما رسالة من رقم خارجي، اطلع عليها موقع "الحرة"، تطالبه بدفع فدية مالية قدرها 300 ألف دولار، خلال مهلة 24 ساعة أو سيتم بيع أعضاء ولديه، إلا أن العائلة التي لا تملك هذا المبلغ، عجزت عن تأمين الفدية، ولجأت إلى الأجهزة الأمنية من أجل متابعة القضية. 

المال.. الهدف الأول والأخير

ويروي حسين مشيك، خال الطفلين، لموقع "الحرة"، كيف تمت عملية الخطف قائلا: "كانوا متوجهين من منزلهم إلى محل والدهم، الذي يبيع الألبسة المستعملة في بعلبك، لمساعدته في العمل كونه يوم سبت وكان الأطفال في إجازة من مدرستهم".

ويضيف: "خلال مرورهم على الطريق، لاحقتهم سيارة رباعية الدفع داكنة الزجاج، وفيها مسلحان. تظهر مقاطع الفيديو المسجلة في الحي كيف هرب الطفلين بمجرد ترجل مسلحين ملثمين بقربهم، حيث قام أحدهم بملاحقتهم في الحي الذي هربوا إليه، ثم لحقت بهم السيارة حيث خطفوا الأطفال وهربوا من المكان مسرعين".

 

وبحسب مشيك، فإن الهدف كان واضحا منذ البداية وهو أنهم يريدون فدية مالية "وهي ظاهرة باتت متكررة جدا في المنطقة هنا، وفي أكثر من منطقة لبنانية، إلا أن الأحوال المادية للعائلة ليست بالقدر الذي يتوقعه الخاطفون، وإنما هي عائلة مكتفية بالحد الأدنى. أضف إلى ذلك أنهم ليسوا لبنانيين، الأمر الذي ساعد أكثر على استضعافهم، حيث أن الوالد سوري الجنسية فيما الوالدة لبنانية".

ويوضح مشيك أن العصابة طلبت في البداية 300 ألف دولار "لم نقبل معهم بهذا المبلغ، فإذ بهم يرفعون الفدية إلى 350 ألفا. في حين أن محال الأب في بعلبك هي أجار وليست ملكا له، لو كان لديه 300 ألف دولار لرحل منذ زمن بعيد إلى دولة أخرى أو منطقة أخرى".

ويتابع: "المشكلة أننا كعائلة عاجزون تماما عن تأمين المبلغ، الأمر خارج إرادتنا، لذا لم يطرح حتى الآن أي آلية تسليم، ونخشى التحدث معهم عن آلية تسليم فيما المبلغ غير مقدور على تأمينه، مما قد يشكل خطرا على الأطفال، إذا ما ظنوا اننا نخدعهم".

ومنذ 12 يوما لم تطمئن العائلة على سلامة الطفلين نهائيا، وإنما تلقت فيديوهات لهم توحي بتعذيبهم من خلال صراخهم وأصوات الضرب، فيما الكاميرا مغطاة ولا توضح أي تفاصيل. 

كذلك تلقت العائلة تهديدا منذ 3 أيام مفادها أنه "إن لم يتم تأمين الفدية، سيقوم الطبيب بعمله" في إشارة إلى استئصال أعضائهم، بحسب ما يؤكد مشيك.  

ويضيف: "اضطررنا في نهاية الأمر إلى حظر التواصل مع الرقم الأجنبي، لأن الوالد والوالدة وصلوا إلى مرحلة حرجة جدا نفسيا ولم يعودا قادرين على تحمل الابتزاز الذي يتعرضون له".

ويكشف أن الأب لديه مشاكل في القلب وضغط الدم، وقد تم نقله أكثر من مرة إلى المستشفيات بعد وقوع عملية الخطف، فيما الأم وصلت إلى مرحلة تغيب عن الوعي يوميا بحدود 4 أو 5 مرات، ووضعها النفسي منهار تماما.

و"أضف إلى ذلك شقيقهم الأصغر (6 سنوات) مصاب بصدمة، ويستيقظ يوميا ليصرخ ويبكي في الليل ويطلب رؤية أشقائه، الوضع العائلي مأساوي جدا".

الأمن: وصلنا إلى أطراف خيوط

القوى الأمنية تقوم بعملها ودورها في القضية، بحسب مشيك "ولكن بشكل بطيء، خاصة مع قضية خطف أطفال. لا يتعاملون معنا بالأسلوب اللازم لطمأنة الأهل، وإنما يطلبون منا البقاء في المنزل وتركهم ليقوموا بعملهم، دون أي تطمينات أو تحديثات في القضية".

ويضيف خال المخطوفين "تخيل ما الذي يعانيه طفل يمضي يومه الـ 12 في الاختطاف بعيدا عن منزله، يتعرض للتعذيب والترويع والاستغلال، يرسل الخاطفون للأهل مقاطع مسجلة للطفلين وهما يرجوان والدهما دفع الفدية لتحريرهما، ومقاطع أخرى تظهر صراخهما وتعرضهما للضرب، فيما الطفل بهذا العمر يكفي إطفاء الضوء عليه لإرعابه".

الطفلان يبكيان ويناشدان والدهما تحريرهما
استمع
02 نوفمبر 2022

ومن هذا المنطلق، كان توجه العائلة إلى الاعلام والاعتصام من أجل محاولة التسريع والضغط على المعنيين لإعطاء القضية أولوية بحكم كونهم أطفالا، وفق مشيك. 

من جهته، أكد مصدر في مخابرات الجيش اللبناني الممسكة بالقضية أن الجهاز يتابع الموضوع بجدية "ونفذنا عدد من المداهمات الأسبوع الفائت لعدد من المشبوهين بهذه العملية، ووصلنا إلى أطراف خيوط في معرفة المنفذين لكن يستلزم وقت لهكذا عمليات، فهناك عملية تحرير استغرقت 40 يوام حتى أنجزناها".

ويشير المصدر إلى أن الوالد حاول تقديم شكوى قانونية لدى قوى الأمن الداخلي "لكن تعطيل النيابات العامة يعيق متابعة الموضوع".

وتعاقب المادة 495 من قانون العقوبات اللبناني على خطف القاصر دون الـ18 من عمره، ولو برضاه، بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وبالغرامة من خمسين ألفا ليرة (نحو 30 دولارا) إلى 200 ألف ليرة، وإذا لم يكن القاصر قد أتم الـ12 من عمره وخُطف أو أُبعد بالحيلة أو بالقوة، تكون العقوبة الأشغال الشاقة.

وقامت العائلة إضافة إلى بعض الأقارب وزملاء الأطفال في المدرسة بوقفة احتجاجية، يوم الاثنين الماضي، عند مدخل مدينة بعلبك، وأقدموا على قطع الطريق احتجاجا على خطف الطفلين، حيث ألقيت كلمات من قبل الأهل طالبوا فيها بالإسراع بالإجراءات والتحقيقات لكشف الفاعلين وتحرير الأطفال، فيما عبر عدد من الفعاليات في المنطقة عن تضامنهم مع العائلة ورفضهم ما يجري، لما يسيء لسمعة المنطقة. 

المدينة خائفة

ويؤكد مشيك أن ما جرى "تسبب بخوف شديد لأهالي المنطقة، منذ أن وقعت الحادثة نلاحظ يوميا أن الأهل باتوا يرسلون أولادهم هم إلى المدارس وليس عبر الحافلات، لأنه من يخطف طفلا من أمام منزله، يمكنه خطفه من مدرسته، ويرافقونهم في كل تحركاتهم.

علي. م، وهو ابن الحي الذي وقعت فيه العملية، يقول بدوره لموقع الحرة إنهم ما عادوا يجرؤون على إرسال أولادهم بالحافلات إلى المدارس، ويضيف: "نقوم بتوصيلهم بيدنا ونعيدهم بيدنا إلى المنزل، حتى أننا في المنزل لم نعد نجرؤ على فتح الباب للطارق إن لم نكن نعلم من القادم، بتنا نفتقد إلى أدنى مقومات الأمان هنا".

ويضيف أن هذه العصابات تضع شروطا وفديات مالية خيالية "ويطلبون مئات الآلاف من الدولارات، ونحن ليس لدينا دولارا واحدا لإطعام أسرنا، الوضع سيء جدا، حتى أن الأولاد بات ممنوع عليهم اللعب في الخارج أو في الحي، وكل أهالي الحي وضعهم كذلك، ولا يقتصر القلق على حي آل الصلح في بعلبك، بل انعكس على كامل المدينة، التي تحتجز أولادها في منازلهم".

من ناحيتها، قالت ميادة. ر، وهي أيضا من سكان الحي المجاور لمكان و،قوع عملية الاختطاف، لموقع "الحرة" إن أطفال الحي الذين سمعوا بالقصة يواجهون خوفا شديدا وبات الخطف حديثهم اليومي "ويسألونني عن سبب عدم السماح لهم بمغادرة المنزل، وأقول لهم بسبب الكوليرا، كي لا أزيد من مخاوفهم، ولكنني أرى وضعهم النفسي بأنه ليس على ما يرام، منذ أن وقعت الحادثة وأبني الصغير تصيبه كوابيس خلال نومه ويصرخ ويبكي في الليل".

وتتابع: "كثر قالوا لي إنني أبالغ، ولكن ليس لدي أي استعداد لخسارة أي فرد من عائلتي مهما كلف الأمر، حتى لو اضطرني الأمر للانتقال من المنطقة كلها".

ليست المرة الأولى

يذكر أنها ليست الواقعة الأولى التي يشهدها لبنان، لناحية اختطاف أطفال هذا العام، ولعل القضية الأبرز التي شهدها لبنان شهر فبراير الماضي، مع اختطاف الطفل ريان كنعان (11 عاما) من يد والدته من قبل مجهولين في منطقة حالات قرب مدينة جبيل، ليتبين حينها أن والد الطفل يعمل في محل للمجوهرات ووضع العائلة المادي مقبول، الأمر الذي جعلهم عرضة للاستهداف والابتزاز. 

ونجحت القوى الأمنية سريعا في تحرير المخطوف حينها، وألقى الجيش اللبناني بعد أشهر القبض على منفذ العملية.

وكان قد شهد مطلع شهر أكتوبر الماضي عملية اختطاف أخرى لطفل بعمر الـ 13 عاما، وثقتها كاميرات المراقبة في منطقة تعلبايا، في البقاع ولاقت انتشارا كبيرا في لبنان، ليتبين فيما بعد أن الأسباب عائلية وليست مالية. 

كذلك سجل شهر سبتمبر الماضي محاولة خطف طفل يبلغ من العمر 5 سنوات في بيروت، حيث تم إلقاء القبض على الرجل بالجرم المشهود من قبل سكان المنطقة عند محاولته تنفيذ العملية، وتم التقاط فيديو أثناء القبض عليه وبعد تعرضه للضرب من قبل أهالي المنطقة، ثم تم تسليم الخاطف للأجهزة الامنية.

وشهد العام الماضي عددا كبيرا من عمليات الخطف المشابهة التي استهدفت من بين ضحاياها أطفال بهدف الابتزاز.

ويرتفع تسجيل هذا النوع من الجرائم في لبنان، بعد تردي الأحوال المعيشية للسكان من جهة نتيجة الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد. 

وتجد عصابات الخطف والإجرام في الوضع الراهن بيئة خصبة لضم وتجنيد شبان عاطلين عن العمل أو مدمني مخدرات، في أعمالهم الإجرامية مقابل الحصول على المال.

وقد نشر موقع الحرة تقريرا مفصلا حول ظاهرة الخطف مقابل الفدية. 

حزب الله

عادت "جمعية القرض الحسن"، الذراع المالي لحزب الله، إلى الواجهة مجددا مع تداول تقارير إعلامية تشير إلى جهود أميركية لإضعاف الحزب ماليا.

الجمعية، التي كانت تدير أكثر من 30 فرعا في مختلف المناطق اللبنانية قبل آخر حرب مع إسرائيل، تثير جدلا واسعا بشأن دورها في تمويل الحزب. 

وتحاصر الجمعية التي تقدم نفسها كمؤسسة خدمات مالية تشمل قروضا دون فوائد مقابل رهونات، اتهامات بتبييض الأموال لتمويل أنشطة حزب الله.

ويزداد الجدل تعقيدا في ظل غياب الرقابة الرسمية التي يفترض أن يقوم بها مصرف لبنان على أنشط "القرض الحسن" المالية.

ومع تصاعد الضغوط الدولية على لبنان لسحب سلاح حزب الله وإغلاق قنوات تمويله، ومع ربط المساعدات الدولية وإعادة الإعمار بتنفيذ إصلاحات مالية واقتصادية، يتساءل كثير من اللبنانيين حول تأثير استمرار عمل "القرض الحسن" على مسار التعافي الاقتصادي في البلاد. 

فهل تستطيع الدولة اللبنانية اتخاذ خطوات حاسمة لإغلاق هذه "المؤسسة المالية" المخالفة لقانون النقد والتسليف؟

تجاوز الترخيص

تأسست جمعية "القرض الحسن" عام 1982 بموجب ترخيص "علم وخبر" صادر عن وزارة الداخلية اللبنانية، وفقاً للخبير الاستراتيجي في المخاطر المصرفية والاقتصادية، الدكتور محمد فحيلي. 

يوضح فحيلي أن "هذا الترخيص يتيح للجمعية تقديم قروض ذات طابع اجتماعي. وفي البداية، افتتحت الجمعية مكاتبها داخل عدد من المصارف اللبنانية في مناطق نفوذ حزب الله، حيث بدأت بمنح قروض صغيرة جداً تتراوح قيمتها بين 100 و3000 دولار".

ومع مرور الوقت، وسّعت الجمعية نطاق خدماتها لتتجاوز حدود الترخيص الممنوح لها، كما يقول فحيلي لموقع "الحرة".

"أصبحت تقدم خدمات مالية مشابهة للخدمات المصرفية، مثل استقبال الودائع ومنح القروض وإصدار بطاقات الدفع البلاستيكية، إضافة إلى توفير الصرافات الآلية. هذه التجاوزات تمت نتيجة غياب الرقابة من قبل السلطة المعنية، وهي وزارة الداخلية التي منحتها الترخيص".

بدوره، يؤكد الصحفي الاقتصادي، خالد أبو شقرا، أن الجمعية تحولت تدريجياً إلى ما يشبه المصرف غير المرخص، لا سيما بعد تركيب أجهزة الصراف الآلي وتقديم قروض بمبالغ كبيرة سنوياً، بالإضافة إلى استقبال الودائع النقدية والذهبية ودفع أرباح عليها.

ويشدد أبو شقرا في حديث لموقع "الحرة" على أن نشاط "القرض الحسن يمثل مخالفة واضحة لقانون النقد والتسليف اللبناني". ويلفت إلى أن جميع المسؤولين في الجمعية منتمون إلى حزب الله ويخضعون لعقوبات أميركية مفروضة من وزارة الخزانة ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية".

ويرى الكاتب والمحلل السياسي، الدكتور مكرم رباح، في حديث لموقع "الحرة" أن "القرض الحسن لا يُعد عقبة بحد ذاته أمام مسار الإصلاح، بل يمثل اختباراً لمدى جدية الدولة اللبنانية في التعامل مع ملف سلاح حزب الله". ويشير رباح إلى أن "القرض الحسن هو سلاح مالي يُدار خارج إطار الدولة".

وتنص المادة 200 من قانون النقد والتسليف على تجريم أي شخص أو مؤسسة تمارس عمليات التسليف دون ترخيص من مصرف لبنان، فيما تلزم المادة 206 بملاحقة المخالفين أمام المحاكم الجزائية.

وفرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على "القرض الحسن" عام 2007، وأعقبتها بعقوبات إضافية في 2021 طالت ستة من موظفيه. وقد اتُهم هؤلاء باستخدام حسابات شخصية في مصارف لبنانية لتحويل أكثر من 500 مليون دولار إلى الجمعية، مما أتاح لها الوصول إلى النظام المالي الدولي.

وفي سياق متصل، سبق أن وصف المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي في تغريدة عبر منصة "إكس"، الجمعية بـ"المصرف الأسود لحزب الله"، مشيراً إلى أنها تُستخدم كقناة خلفية لتبييض الأموال الناتجة عن تجارة المخدرات التي يديرها الحزب، ويمتد نشاطها إلى أميركا اللاتينية.

وفي حديث سابق لموقع "غلوبس" الإسرائيلي، أشار خبير الحرب المالية، عوزي شايع، إلى أن "القرض الحسن" يمثل الخزينة المالية لحزب الله، حيث تُدار من خلاله الحسابات المالية للمنظمة، فضلاً عن تمويل الأنشطة التجارية والخيرية.

خطر مزدوج

يشير تقرير لمنظمة الدفاع عن الديمقراطيات إلى أن "كبار ممولي حزب الله امتلكوا حسابات في القرض الحسن، واستخدم موظفو الجمعية حسابات شخصية في المصارف اللبنانية الكبرى لتنفيذ معاملات نيابة عن الجمعية، مما أتاح لها الوصول إلى النظام المصرفي اللبناني"، 

وأوضحت المنظمة، في التقرير الذي حمل عنوان "القرض الحسن التابع لحزب الله والقطاع المصرفي في لبنان،" أن وزارة الخزانة الأميركية فرضت عام 2019 عقوبات على "بنك جمال تراست" لتورطه في تسهيل وصول "القرض الحسن" إلى القطاع المصرفي، "وهو ما كان أحد الأسباب الرئيسية وراء فرض تلك العقوبات"، وعقب ذلك تقدم المصرف بطلب إلى مصرف لبنان للحصول على الموافقة لتصفيته، وهو ما تم بالفعل.

وفي ديسمبر 2020، تمكنت مجموعة من القراصنة الإلكترونيين تدعى "Spiderz" من اختراق حسابات جمعية "القرض الحسن"، و"نشرت معلومات تتعلق بنحو 400 ألف حساب مرتبط بالجمعية، تضمّنت أسماء شخصيات بارزة في حزب الله. 

ومن بين تلك الشخصيات قائد قوة الرضوان الذي اغتالته إسرائيل وسام الطويل، وإبراهيم علي ضاهر، رئيس الوحدة المالية للحزب، وحتى المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي" وفقا لما نشره موقع "غلوبس".

وعقب هذا الاختراق، أصدرت بعض المصارف اللبنانية بيانات نفت فيها وجود حسابات رسمية باسم "القرض الحسن"، بحسب ما أشارت إليه "منظمة الدفاع عن الديمقراطيات".

وأوضحت أنه "رغم صحة هذه البيانات من الناحية القانونية، إذ لا توجد حسابات مسجلة باسم الجمعية، إلا أن الوثائق المسربة كشفت أن مسؤولي الجمعية استخدموا حساباتهم الشخصية لإجراء معاملات نيابة عنها".

وفي إطار الجهود الأميركية لمساعدة لبنان على تجاوز أزمته الاقتصادية، حملت مورغان أورتاغوس، نائبة المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط، خلال زيارتها إلى بيروت في أبريل الماضي، رسائل متعددة تضمنت التركيز على ملف الإصلاحات الاقتصادية والمالية إلى جانب الشق الأمني المتعلق بنزع سلاح حزب الله.

وفي هذا السياق، يقول فحيلي أن "الولايات المتحدة تعتبر جمعية القرض الحسن إحدى الأذرع المالية لحزب الله. لكن إذا طبّق لبنان القرار 1701 بشكل صارم، فإن الجمعية ستصبح مجرد تفصيل صغير، في حال فرضت وزارة الداخلية حدوداً واضحة على أنشطتها ضمن إطار الترخيص الممنوح لها، فلن تشكل خطراً على مستوى تبييض الأموال أو تمويل الإرهاب".

"سلاح" يجب ضبطه

خلال زيارة وفد مجموعة العمل المالي إلى لبنان، شدد الوفد، وفقاً لما يقول أبو شقرا، "على ضرورة تعزيز الرقابة على المؤسسات المالية غير المرخصة والتي لا تلتزم بالأنظمة والقوانين المعمول بها. هذه المؤسسات، سواء كانت القرض الحسن أو غيرها، قد تساهم بشكل أو بآخر في عمليات تبييض الأموال وتمويل الأنشطة العسكرية، مما يستدعي فرض إجراءات رقابية صارمة للحد من هذه الأنشطة غير القانونية".

وفي ظل تجاوز الجمعية لحدود أنشطتها المسموح بها، يؤكد فحيلي أن المسؤولية تقع على عاتق السلطة اللبنانية التي تمتلك الصلاحيات لتطبيق القانون على المخالفين. ويشدد على ضرورة أن تقوم وزارة الداخلية بإبلاغ إدارة الجمعية بوضوح بحدود الترخيص وإلزامها بالالتزام به.

وبشأن إدراج لبنان على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي، نفى فحيلي وجود علاقة مباشرة بين القرار وأنشطة "القرض الحسن". 

وأوضح أن "المشكلة الأساسية تكمن في غياب الرقابة على المعاملات النقدية، خاصة بعد فقدان الثقة بالمنظومة المصرفية وابتعاد المواطنين عن استعمال وسائل الدفع المتاحة من خلال القطاع المصرفي والإفراط في استعمال الأوراق النقدية، وقرار مصرف لبنان بتجفيف السيولة بالليرة اللبنانية، والذي سمح باستبدال مبالغ نقدية كبيرة بالدولار الأميركي". 

ويضيف أن "هذا القرار، في ظل غياب الرقابة، أعطى مساحة إضافية لمن يريد تبييض الأموال. وزاد الأمور تعقيداً ظهور عدد كبير من الجمعيات المدنية، وكان معظمها غير مرخص، عقب انفجار مرفأ بيروت".

بالنسبة لمطالب صندوق النقد الدولي، يؤكد فحيلي "رغم أنه لا يتدخل في التفاصيل، فإنه بالتأكيد يهتم بأن تكون جميع المؤسسات التي تقدم خدمات مصرفية مرخصة رسميًا وتحت إشراف الجهات الرقابية الرسمية"، وأضاف قوله: "إذا كانت الحكومة اللبنانية تسعى إلى إعادة الانتظام المالي، فإن ذلك يستوجب وجود مؤسسات مرخصة من قبل مصرف لبنان وخاضعة لرقابته".

وفي السياق ذاته، يقول أبو شقرا إن "المجتمع الدولي وصندوق النقد الدولي يطالبان بمعالجة ملفات يعتبرانها أكثر إلحاحاً من ملف القرض الحسن، تشمل إصلاح القطاع المصرفي وإعادة هيكلته، واستعادة الانتظام المالي، ومعالجة الفجوة المالية، وإصلاح قطاع الطاقة، وخاصة قطاع الكهرباء، فضلاً عن إصلاح السرية المصرفية والخروج من اللائحة الرمادية المرتبطة بتبييض الأموال".

ويشير أبو شقرا إلى أنه "رغم قدرة السلطات اللبنانية على وضع حد للنشاط المالي والمصرفي لجمعية القرض الحسن، إلا أن التوازنات السياسية التي شهدتها البلاد في الفترة الماضية حالت دون التعامل الجدي مع الجمعية".

ويعتبر أبو شقرا أن "معالجة ملف القرض الحسن ترتبط أساساً بالتسوية السياسية"، وقال إن القضية لا تقتصر على الإصلاحات المالية فقط، "بل تتطلب مقاربة شاملة تأخذ في الاعتبار الأبعاد السياسية والأمنية والعسكرية".

من جانبه يدعو رباح إلى إغلاق الجمعية فوراً ومنعها من التظاهر بأي شرعية مالية، وأوضح أن "القرض الحسن، سواء كان له ارتباط مباشر بالحرس الثوري الإيراني أم لا، يظل مؤسسة غير حكومية تمارس أنشطة مالية خارج إطار القانون".