لبنان- مدرسة- حادثة
حذرت جمعيات في السابق من أن بعض المدارس الرسمية في لبنان أشبه بقنابل موقوتة

سلّطت حادثة مقتل الطالبة ماغي محمود، وجرح زميلتها، شذى درويش، بحجر سقط عليهما من السقف، وهما على مقعدها الدراسي، الأضواء على مدى الخطر المحدق بطلاب المدارس الرسمية اللبنانية.

ما حصل في ثانوية القبّة الرسمية الثانية المختلطة (الأميركان) في جبل محسن في مدينة طرابلس، أثار رعب أهالي الطلاب ليس في هذه المدرسة فحسب، بل في جميع المدارس الرسمية على امتداد الأراضي اللبنانية، فهم الذين يفعلون كل ما في وسعهم لتأمين ما يحتاجه أبناؤهم لكي يحصلوا على شهادات تؤمن مستقبلهم، لا لكي يستشهدوا نتيجة الإهمال والفساد. 

بلغ عدد التلامذة في المدارس الرسمية للعام الدراسي 2021/2022 بحسب وزارة التربية، 334802 تلميذا، منهم 259118 في التعليم الأساسي، و75684 في التعليم الثانوي، في حين أشارت "الدولية للمعلومات" في العام 2019 إلى أن عدد المدارس الرسمية يبلغ 1,256 مدرسة، والعام الماضي ذكرت أن "حوالي 32% من طلاب لبنان يتلقون تعليمهم في المدارس الرسمية، وأنه رغم تفاقم الأزمة الاقتصادية وارتفاع الأقساط في المدارس الخاصة، بلغت الزيادة في أعداد الطلاب في المدارس الرسمية خلال الأعوام العشر الأخيرة نسبة 24%، أي بمعدل وسطي سنوياً 2.4٪".

بعد الفاجعة التي حلت في مدرسة "الأميركان"، كلف وزير التربية والتعليم العالي في حكومة تصريف الأعمال الدكتور عباس الحلبي، لجنة تحقيق هندسية وفنية للتعمق بالكشف على المبنى، ورفع تقرير مفصل حول أسباب الحادث والمسؤوليات المترتبة عليه، ليبنى على النتائج المقتضى القانوني سريعا وعلى نحو حاسم، مؤكداً أنه "سيتخذ أقصى العقوبات في حال ثبوت أي إهمال"، مشدداً على أن "سلامة المباني المدرسية أولوية مطلقة، لأنها تحتضن أغلى من في الوطن".
 
كما أجرى الحلبي اتصالاً برئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، الذي عبر عن ألمه وحزنه لفقدان التلميذة وإصابة رفاقها، كما اتصل الحلبي بوزير الصحة الدكتور فراس الأبيض لتأمين العلاج للمصابين، وباليونيسف لتغطية تكاليف العلاج والاستشفاء.

الخطر قائم

يلاحق الموت فقراء لبنان في كل مكان، فلولا الظروف الاقتصادية الصعبة لما اضطر الأهالي إلى تسجيل أولادهم في المدارس الرسمية التي تفتقر إلى المقومات اللوجستية، فـ "ماغي لم تمت، بل قُتلت بسب فساد المسؤولين الذين تركوا المدرسة بلا صيانة، ومسؤوليتهم لا تقل عن مسؤولية كل من لم يفتح ملف التوزيع الجغرافي للمدارس الرسمية في لبنان، حيث شيدت بعض مبانيها الحديثة ضمن أماكن جغرافيا ضمن سياسة 6 و6 مكرر أو بنفوذ سياسي في حين عدد طلابها خجول جداً وبقي استمرارها للتنفيع السياسي، ولم ترشد المدارس حيث الاكتظاظ السكاني والاقبال الكبير على المدارس الرسمية" بحسب ما جاء في بيان اللجنة الفاعلة للأساتذة المتعاقدين في التعليم الأساسي الرسمي.

وأضاف البيان "إنها الفاجعة التي تُميت الكلام على قدر موت الضمير في وزارة التربية بكل مسؤول تعاقب عليها بالفساد على مر سنين نهشت بالمدارس الرسمية حتى سقطت القيم والأخلاق مع سقوط سقف غرفة الصف. ماغي شهيدة المدرسة الرسمية التابعة لوزارة التربية التي تلقت آخر عشر سنوات ما يفوق المليار و200 مليون دولار دعم من المنظمات، فأين الاموال وأين المنظمات وأين كل موظف شيطان أخرس من قتل هذه التلميذة البريئة! اليوم شيع ضميركم مع نعش هذه الملاك، فعسى أن تغفى عيونكم ليلاً"!

وكانت منظمة "هيومن رايتس ووتش" أشارت إلى أنه " من 2017 حتى 2021، قدم المانحون أكثر من 1.12 مليار دولار لبرامج التعليم المدرجة في "خطة لبنان للاستجابة للأزمة"، والتي توجه الاستجابة الإنسانية الدولية لـ 1.5 مليون لاجئ سوري فروا إلى لبنان بعد 2011. تم توجيه أكثر من نصف هذه الأموال إلى وزارة التربية والتعليم اللبنانية".

وطالبت المنظمة "الضغط على لبنان لتغيير السياسات التي تحول دون وصول المساعدات إلى المدارس والطلاب. يشمل ذلك اعتياد البنك المركزي على الاحتفاظ بمعظم قيمة المساعدات الإنسانية من خلال التلاعب بأسعار صرف العملة عند وقت سحب هذه المساعدات" كما طالبت "وزارة التربية والتعليم نشر بيانات عن التحاق وحضور الطلاب في المدارس وأن تضع حداً للقيود المفروضة على التحاق الطلاب اللاجئين فيها".

التلامذة في خطر في بعض المدارس الرسمية، كما تؤكد رئيسة اللجنة الفاعلة للأساتذة المتعاقدين في التعليم الأساسي الرسمي نسرين شاهين (التي صدر قرار من وزير التربية بفصلها، حيث ينظر مجلس الشورى بالقضية)، مع تأكيدها على وجود مدارس رسمية حديثة، وتشرح "يوجد 364 مدرسة بحاجة إلى ترميم، وبعد أن تم حلّ الوحدة الهندسية في الوزارة في عهد وزير التربية السابق الياس بو صعب وإيكال مهام صيانة المشاريع والبرامج إلى مديرة مصلحة الشؤون الثقافية سونيا خوري، ليعاد في عهد الوزير مروان حماده،  تشكيل الوحدة الهندسية حيث تسلمت المهندسة مايا سماحة رئاستها".

وأضافت شاهين في حديث لموقع "الحرة" أنه "يفترض أن يتم رفع تقارير سنوية من قبل مدراء الثانويات الى مديرية التعليم الثانوي في وزارة التربية التي بدورها ترفعه إلى الوحدة الهندسية"، متسائلة "هل وصل لهذه الوحدة تقرير من مديرية الثانوية التي حصلت فيها الكارثة، وهل أجرت الوحدة كشفا على المدرسة، ومن أعطى قرار هدم الحائط بين الصفين، هل هو قرار فردي من قبل المديرة أم اتخذ بموافقة الوحدة الهندسية في الوزارة"؟

وبناء على الأسئلة التي طرحتها شددت على أن "مديرية الثانوية تتحمل المسؤولية في حال لم تكن قد رفعت تقريرا إلى مديرية التعليم الثانوي، وهذه المديرية تتحمل المسؤولية في حال لم ترفع التقرير إلى الوحدة الهندسية، وتقع المسؤولية على الأخيرة إن كانت قد أعطى مهندسوها الموافقة على إزالة الجدار".

ولفتت شاهين إلى أن "كلاماً غير مسؤول صدر عن مسؤولة في ثانوية الاميركان مفاده، أن المعلمين وعاملة النظافة لم يلاحظوا وجود خطر محدق، في حين ان ذلك يقع على عاتق المديرة"، مؤكدة خشيتها من تسييس القضية، مطالبة أن يكون أعضاء اللجنة التي شكلها الوزير محايدون.

تقاذف المسؤوليات

سبق أن حذرت جمعية "شبكة سلامة المباني" من أن بعض المدارس الرسمية في لبنان أشبه بقنابل موقوتة لا يعلم أحد متى تنهار اجزاء منها، وكشف رئيس الجمعية المهندس يوسف عزام لموقع "الحرة" أنه "علمنا من وزارة التربية في عام 2017 أن ما يزيد عن المئة مدرسة رسمية بحاجة إلى ترميم فوري" شارحاً "اهتمام الجمعية بموضوع سلامة المباني بدأ منذ العام 2007، نتيجة وضع الأبنية بعد الحرب الأهلية، حيث أن عدداً كبيراً منها جرى ترميمه من دون مراعاة المواصفات المطلوبة".

لكن المدير العام لوزارة التربية، عماد الأشقر، أكد أنه لا يوجد أي تقرير يشير إلى الأرقام التي يتم الحديث عنها، لافتاً إلى أن "الوزارة باشرت عملية ترميم المباني التي طلب مدراؤها أو البلدية التي تقع ضمن نطاقها ذلك عبر كتاب، اذ في هذه الحالة تتوجه الفرق الهندسية لإجراء مسح على المبنى، تقيّم وضعه ليصار إلى ترميمه أو ما يحتاجه"، مشدداً على أنه "تقع على عاتق كل مدير مدرسة مسؤولية معرفة فيما إن كان المبنى يحتاج لأي ترميم أو غيره واطلاع الوزارة على ذلك".

وعن المبنى الذي وقعت فيه الحادثة، قال لموقع "الحرة" "حالته سليمة، فقد رممه مالكه منذ مدة قصيرة، ومنذ تسعة أشهر تاريخ استلامي مهامي لم يكن يستدعي أي عملية هندسية".

انهيار بعض المباني وسقوط جزء من سقف المدرسة، أمر كان متوقعا كما يقول عزام، لافتاً إلى أنه "سبق أن قمنا بمسح على الصور الجوية للمدن الرئيسية، وقد بينت نتيجة المسح أن هناك 16,000 مبنى وضعها صعب، من بينها بالتأكيد مدارس رسمية، وقد عملنا كثيراً مع وزارة الداخلية والبلديات، وأعددنا كتيبات تم توزيعها على حوالي 250 بلدية، من أجل إيلاء أهمية لهذه القضية التي تطال أرواح المواطنين".

المشكلة الكبرى في المدارس الرسمية كما يقول عزام أنه جرى توزيعها على أساس طائفي وليس على أساس الكثافة السكانية، "من هنا نجد أن بعض المدارس تضم عدداً قليلا من الطلاب، فيما تعاني مدارس أخرى من الاكتظاظ، كالمدرسة التي وقع فيها الحادث، حيث اتخذت الإدارة قرار هد الحائط لتوسيع الصف، رغم خطورة الأمر، ونتيجة القرار غير العلمي والمدروس وقعت الكارثة".

أزاح رحيل ماغي الستار عن صفقات سوداء، في دولة لا تكيل وزناً لتكدّس الطلاب في مدارسها الرسمية، دون حسيب أو رقيب على المنشآت المهترئة، ومن بين الذين وجهت اليهم تهماً بالتقصير بعد الفاجعة، بلدية طرابلس، الذي نفى رئيسها أحمد قمر الدين أن يكون لها أي علاقة، شارحاً في حديث لموقع "الحرة" أن "مبنى المدرسة تراثي، وهو غير آيل للسقوط وليس لديه مشاكل إنشائية، أما سبب الحادثة فهو هدم حائط من الحجر الرملي قبل حوالي الست سنوات، لفتح صفين على بعضهما، بقي جسر في السقف غير متماسك، جرى طلاؤه من دون وضع دعامة له، ومع الوقت بدأ بالتفسخ، إلى أن حلّت الكارثة، نتيجة قلة إدراك من اتخذ قرار الهدم".

ولفت قمر الدين في حديث لموقع "الحرة" إلى أن "وزارة الثقافة هي من تتابع موضوع الأبنية التراثية، في حين أن وزارة التربية هي المسؤولة عن المدارس الرسمية، ونحن كبلدية نتحرك عند تبليغنا عن وجود تصدع في أي مبنى، عندها تكشف عليه مصلحة الهندسة، وفي حال تبين أنه معرض للانهيار نقوم بتوجيه إنذار بضرورة إخلائه".

وعن سقوط مبان أو أجزاء منها في طرابلس بين الحين والآخر علق، "يحصل ذلك في المنطقة القديمة، كون سكانها ليس لديهم قدرات مادية لصيانة مبانيهم".

كذلك نفى وزير الثقافة محمد المرتضى أن يكون للوزارة أي مسؤولية فيما يتعلق بالحادث، شارحاً أن "المدارس التراثية ليست ملكاً لها، فهي إما أن تكون ملكاً خاصاً مستأجراً من وزارة التربية أو أنها ملك عام وبالتالي مملوكة من قبلها، على عكس المعالم الأثرية التي تعود ملكيتها لوزارة الثقافة".

 لكن كما يقول المرتضى لموقع "الحرة" "كل بناء لديه طابع تراثي، تضعه وزارة الثقافة على لائحة الجرد، لمنع هدمه أو تحوير شكله، من دون أن يكون لها أي صلاحية عليه، فليست هي المسؤولة عن ترميمه أو تدعيمه، فإذا أراد المالك أو وزارة التربية القيام بذلك، يقتصر دورنا على الإشراف على الأعمال لكي نضمن فقط الحفاظ على شكل المبنى التراثي"، وعن عدد المدارس الرسمية التراثية على الأراضي اللبنانية أجاب "لا تعد ولا تحصى".

كي لا يقتل الحلم

بعد الكارثة، استنكرت اللجنة الطلابية في لبنان "غياب الصيانة والمتابعة الدائمة للبنى التحتية للمباني التعليمية الرسمية جراء الموازنة شبه المعدومة المخصصة للقطاع التربوي"، مطالبة "الجهات المانحة والجمعيات والمؤسسات الاجتماعية المساهمة في سد الفجوة والحاجة في هذا الخصوص".

كما طالبت في بيان وزير التربية في حكومة تصريف الأعمال، بإقفال كافة المدارس والثانويات الرسمية، في اليوم التالي لمقتل ماغي، "حداداً على روحها وكصرخة وجع وغضب للحال الذي آل إليه القطاع التربوي".

كذلك رثت رابطة التعليم الثانوي الرسمي، "شهيدة العلم، والعلم والتربية والأخلاق والإنسانية في بلدنا المنكوب"، مضيفة في بيان لم نحلم "يوماً بأن نربّي تلاميذنا ونتعهدهم ليموتوا أمام أعيننا تحت الحجارة والركام! فقد كان الحُلم بالتخرج والشهادات العليا هو غاية المنى، لا النعش والدماء والعزاء! هي صرخة الوجع للطفولة، فاحفظوا أولادنا وفلذات أكبادنا من الموت".

وفي حديث مع موقع "الحرة" تشدد رئيسة الرابطة، ملوك محرز، على ضرورة قيام وزارة التربية بكشف دوري على كل المباني المدرسية، واتخاذها قراراً باستبدال المباني القديمة بأخرى جديدة بدلاً من ترميمها، "حيث يمكن تشييد مجمعات نموذجية تكون متناسبة مع الشروط الملائمة لطبيعة لبنان، كما أنه من الضروري ان تغطي وزارة التربية جميع الطلاب بتأمين صحي شامل".

تضيف محرز "يجب أن يشعر الطلاب أنهم بأمان داخل مدرستهم، لا أن يقصدوها وهم يخشون من ألا يعودوا إلى عائلتهم، فهذا سيؤثر على نفسيتهم، ومن المؤكد أن الطلاب في مدرسة الاميركان حيث وقعت الكارثة باتوا بحاجة إلى عناية نفسية، أعزيهم وعائلة الضحية وأساتذتها، وأشددت على ضرورة أن يأخذ التحقيق بالحادثة مجراه لمحاسبة المسؤول".

ولكي لا يموت الحلم ويقتل العلم، يجب كما يرى عزام أن "تجري كل بلدية مسحاً ميدانياً للمدارس الموجودة ضمن نطاقها للتأكد من مدى مطابقتها لمعايير السلامة العامة، والشروع بترميمها في حال كانت تحتاج إلى ذلك، للحفاظ على سلامة الطلاب والكادر التعليمي".

لبنان وحماس

في حدث معبر وغير مسبوق، أظهرت الدولة اللبنانية صلابة في موقفها، وأجبرت حركة حماس، التي طالما استخفت بالسيادة اللبنانية، على الانصياع.

بعد تحذير حازم، من مجلس الدفاع الوطني اللبناني، سلمت حماس عددا من المطلوبين بتهمة إطلاق صواريخ من جنوب لبنان نحو إسرائيل، وهو تصعيد لم تكن الدولة اللبنانية لتواجهه بردع مباشر في السابق، إذ غالبا ما كانت تتم معالجة خروقات كهذه ضمن تفاهمات خلف الكواليس، خصوصا بوجود غطاء سياسي لحماس في لبنان من حزب الله. 

لكن هذه المرة، بدا الأمر مختلفا تماما.

الرسالة كانت واضحة: لم يعد بإمكان أي جهة أن تتصرف خارج سلطة الدولة اللبنانية.

استعادة السيادة

في أبريل الماضي، أعلن الجيش اللبناني ضبط عدة صواريخ ومنصات إطلاق واعتقل عددا من الأشخاص في جنوب لبنان، وقال إن التحقيقات جارية تحت إشراف القضاء.

حماس، التي اعتادت التلاعب بالسيادة اللبنانية مسنودة بتحالفاتها الإقليمية وصلاتها بحزب الله، وجدت نفسها الآن مجبرة على تسليم المطلوبين، في خطوة تعكس هشاشة موقفها وانحسار الدعم الذي طالما استفادت منه.

هذه الاستجابة السريعة تأتي بعد الهزيمة العسكرية التي تعرضت لها الحركة في غزة خلال الحرب الأخيرة مع إسرائيل. فبينما تكبدت حماس خسائر فادحة، أظهرت التطورات الميدانية في لبنان تراجعا واضحا في تأثيرها ونفوذها.

فهل نحن أمام إعادة صياغة لدور حماس في لبنان؟ أم أن الحركة تسعى لتجنب مواجهة جديدة قد تكون مكلفة في ظل تغير الموازين السياسية والأمنية في المنطقة؟

نقطة التحول المفصلية

أصبحت بيروت منذ عام 2019 حاضنة رئيسية لقيادات حماس ومحطة مهمة لوجودها السياسي والأمني، كما ذكر مركز "كارنيغي".

ولا شك أن اللحظة التي أُعلنت فيها استراتيجية "وحدة الساحات" 

وقبل هجوم حماس على إسرائيل في أكتوبر 2023 وتشكيل غرفة عمليات مشتركة في الضاحية الجنوبية لـ"محور الساحات،" أعلنت حماس وحزب الله استراتيجية "وحدة الساحات".

وبدت تلك اللحظة وكأنها "تمهيد لانقلاب شامل على الوضع اللبناني ومحاولة لفرض سيطرة محور الممانعة على كامل الأراضي اللبنانية وعلى جميع القوى السياسية دون استثناء مع بروز دور حركة حماس كعامل فلسطيني رديف لحزب الله في لبنان".

نشاط حماس في لبنان "يتعارض مع السياسة الرسمية الفلسطينية في التعاطي مع الشأن اللبناني"، يقول مدير مركز تطوير للدراسات الاستراتيجية والتنمية البشرية الباحث الفلسطيني، هشام دبسي لموقع "الحرة".

وتبنت حماس إطلاق صواريخ من لبنان خلال المواجهة التي بدأها حزب الله ضد إسرائيل عام 2023 على خلفية الحرب في قطاع غزة، لكن التطورات الميدانية وعمليات الاغتيال التي نفذتها إسرائيل قلبت المشهد رأساً على عقب".

وجاءت "تداعيات الضربات الإسرائيلية على حزب الله ومحور الممانعة في لبنان قاسية ليس فقط على حركة حماس بل على حزب الله ذاته"، يقول دبسي لموقع "الحرة".

وشكّلت عملية اغتيال نائب رئيس مكتب حماس السياسي، صالح العاروري في لبنان في يناير 2024، وفق ما يقوله دبسي "نقطة تحول رئيسية في مسار حركة حماس التي كانت تعيش حالة من الصعود على المستويين الفلسطيني واللبناني".

ويتابع "لكن نتائج الحرب الأخيرة وضعت الحركة في مأزق تحالفها مع حزب الله إذ لم تعد قادرة على فك ارتباطها بهذا التحالف كما لا تستطيع اتخاذ خطوة تراجع منهجية تقتضي بتسليم سلاحها للدولة اللبنانية والالتزام بالشرعية الفلسطينية ممثلة بمنظمة التحرير وسفارة فلسطين في لبنان".

يذكر أن العاروري، قتل مع اثنين من قادة الجناح العسكري للحركة، في ضربة إسرائيلية استهدفت مكتبا للحركة في الضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية بيروت، أحد معاقل جماعة حزب الله اللبنانية.

رسالة واضحة

حذّر مجلس الدفاع الوطني اللبناني حماس من استخدام الأراضي اللبنانية للقيام بأي أعمال تمس بالأمن القومي اللبناني تحت طائلة اتخاذ أقصى التدابير والإجراءات اللازمة لوضع حد نهائي لأي عمل ينتهك السيادة اللبنانية.

يتجلى في خطوة المجلس هذه بعدان أساسيان، يشرحهما دبسي "الأول هو انقلاب موازين القوى الداخلية لصالح الدولة اللبنانية في مواجهة سلاح الميليشيات حيث يعكس هذا التحرك تحولاً نوعياً نحو تعزيز سيطرة الدولة على السلاح وتقليص نفوذ الجماعات المسلحة".

الثاني "هو ترجمة خطاب القسم الرئاسي والبيان الوزاري إلى خطوات عملية تهدف إلى حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وفي هذا الإطار جاء إطلاق مجموعة من حركة حماس صواريخ من الأراضي اللبنانية نحو إسرائيل ليشكل اختباراً لمدى جدية العهد الجديد في فرض سيادة الدولة وقد كان الرد الإسرائيلي العنيف بمثابة إنذار لما قد تترتب عليه مثل هذه العمليات من تداعيات خطيرة".

وبالتالي فإن الدولة اللبنانية بسياساتها الجديدة لا يمكنها وفق ما يشدد دبسي "التغاضي عن هذه التطورات أو التعامل معها كما كان يحدث في السابق، بل على العكس جاء توجيه الإنذار لحركة حماس كرسالة واضحة بأن قرار السلاح والسيادة بات في يد الدولة اللبنانية ولن يُسمح لأي طرف بتجاوزه".

وفي ما يتعلق بتقييم استجابة حركة حماس لطلب تسليم المطلوبين، يرى دبسي أن الحركة "في البداية كانت مترددة وحاولت الاعتماد على علاقاتها التقليدية مع حزب الله وباقي قوى محور الممانعة في لبنان لكن مع إدراكها أن حزب الله لن يقدم لها الدعم ولن تستطيع الاحتماء بمظلته أو بمظلة أي من القوى اللبنانية الأخرى لم يبق أمامها سوى خيارين إما تسليم العناصر المطلوبة للدولة اللبنانية أو مواجهة الدولة دون أي غطاء لبناني داخلي ودون أي غطاء فلسطيني أيضاً".

ويشير دبسي إلى "أن منظمة التحرير الفلسطينية طالبت حماس مرارا بتسليم المطلوبين وعدم استخدام الأراضي اللبنانية لإطلاق الصواريخ حتى لا تعرض مجتمع اللاجئين الفلسطينيين لردود الفعل الإسرائيلية".

وبناء على ذلك اضطرت حركة حماس "في نهاية المطاف للاستجابة لمطلب الدولة اللبنانية كخيار إجباري لا مفر منه".

تصدّع التحالف

كشفت التطورات الأخيرة عمق الخلافات والتباينات الميدانية بين حماس وحزب الله، إذ لم يعد أي منهما قادراً على مساندة الآخر في ظل الظروف الراهنة، بحسب ما يرى دبسي.

ويشرح أن "حزب الله الذي أعلن التزامه بموقف الدولة اللبنانية لم يعد قادراً على تقديم الغطاء لحماس أو حمايتها، ما يعكس حالة من التباعد بين الطرفين، خاصة وأن حزب الله يشعر بأن حماس قد خدعته بعملية 'طوفان الأقصى'، إذ لم تنسق العملية معه ولم تُعلمه بموعدها مسبقاً".

في المقابل، "تشعر حماس بأن حزب الله لم يكن وفياً بما يكفي في دعمه للحالة الفلسطينية ولم يلتزم بتعهداته كما تتصور الحركة. وهكذا، باتت العلاقة بين الطرفين أقرب إلى تبادل الاتهامات وتحميل المسؤولية؛ فحزب الله يلقي اللوم على حماس بسبب التصعيد الميداني غير المنسق، بينما ترى حماس أن حزب الله استخدم إطلاق النار من لبنان كغطاء دون التشاور معها".

في ظل هذه التوترات، عادت قضية سحب السلاح الفلسطيني من المخيمات إلى الواجهة، وسط توقعات بإعلان الدولة اللبنانية عن خريطة طريق واضحة لتنفيذ هذه الخطوة، وفقاً لدبسي.

يُذكر أن ملف السلاح الفلسطيني في لبنان ينقسم إلى محورين: السلاح داخل المخيمات وخارجها. وقد أنجز ملف السلاح خارج المخيمات بالكامل، بينما يجري العمل حالياً لضبط السلاح داخل المخيمات.

وتندرج هذه القضية ضمن إطار القرار 1559 الصادر عام 2003، والذي ينص على نزع سلاح الميليشيات والقوى الأجنبية غير اللبنانية، بما فيها السلاح الفلسطيني.

يشير دبسي إلى أن "الشرعية الفلسطينية سبق أن أعلنت دعمها لتطبيق القرارين 1559 و1701، وأبدت استعدادها للتعاون الكامل مع الدولة اللبنانية لتنظيم الوجود المسلح داخل المخيمات وخارجها".

وكان الرئيس الفلسطيني محمود عباس قد أكد خلال زيارته السابقة إلى قصر بعبدا في عهد الرئيس ميشال سليمان على تسهيل عمل الحكومة اللبنانية في إنهاء هذا الملف، لكن التطبيق تعثر بفعل هيمنة "محور الممانعة".

وفي هذا السياق، تتجه الأنظار إلى زيارة عباس المرتقبة إلى لبنان في 21 مايو، "حيث يتوقع أن تحمل مؤشرات حول كيفية تنفيذ المبادرة السياسية والأمنية المتعلقة بسحب السلاح من المخيمات بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية"، وفقاً لدبسي.