لبنان- مدرسة- حادثة
حذرت جمعيات في السابق من أن بعض المدارس الرسمية في لبنان أشبه بقنابل موقوتة

سلّطت حادثة مقتل الطالبة ماغي محمود، وجرح زميلتها، شذى درويش، بحجر سقط عليهما من السقف، وهما على مقعدها الدراسي، الأضواء على مدى الخطر المحدق بطلاب المدارس الرسمية اللبنانية.

ما حصل في ثانوية القبّة الرسمية الثانية المختلطة (الأميركان) في جبل محسن في مدينة طرابلس، أثار رعب أهالي الطلاب ليس في هذه المدرسة فحسب، بل في جميع المدارس الرسمية على امتداد الأراضي اللبنانية، فهم الذين يفعلون كل ما في وسعهم لتأمين ما يحتاجه أبناؤهم لكي يحصلوا على شهادات تؤمن مستقبلهم، لا لكي يستشهدوا نتيجة الإهمال والفساد. 

بلغ عدد التلامذة في المدارس الرسمية للعام الدراسي 2021/2022 بحسب وزارة التربية، 334802 تلميذا، منهم 259118 في التعليم الأساسي، و75684 في التعليم الثانوي، في حين أشارت "الدولية للمعلومات" في العام 2019 إلى أن عدد المدارس الرسمية يبلغ 1,256 مدرسة، والعام الماضي ذكرت أن "حوالي 32% من طلاب لبنان يتلقون تعليمهم في المدارس الرسمية، وأنه رغم تفاقم الأزمة الاقتصادية وارتفاع الأقساط في المدارس الخاصة، بلغت الزيادة في أعداد الطلاب في المدارس الرسمية خلال الأعوام العشر الأخيرة نسبة 24%، أي بمعدل وسطي سنوياً 2.4٪".

بعد الفاجعة التي حلت في مدرسة "الأميركان"، كلف وزير التربية والتعليم العالي في حكومة تصريف الأعمال الدكتور عباس الحلبي، لجنة تحقيق هندسية وفنية للتعمق بالكشف على المبنى، ورفع تقرير مفصل حول أسباب الحادث والمسؤوليات المترتبة عليه، ليبنى على النتائج المقتضى القانوني سريعا وعلى نحو حاسم، مؤكداً أنه "سيتخذ أقصى العقوبات في حال ثبوت أي إهمال"، مشدداً على أن "سلامة المباني المدرسية أولوية مطلقة، لأنها تحتضن أغلى من في الوطن".
 
كما أجرى الحلبي اتصالاً برئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، الذي عبر عن ألمه وحزنه لفقدان التلميذة وإصابة رفاقها، كما اتصل الحلبي بوزير الصحة الدكتور فراس الأبيض لتأمين العلاج للمصابين، وباليونيسف لتغطية تكاليف العلاج والاستشفاء.

الخطر قائم

يلاحق الموت فقراء لبنان في كل مكان، فلولا الظروف الاقتصادية الصعبة لما اضطر الأهالي إلى تسجيل أولادهم في المدارس الرسمية التي تفتقر إلى المقومات اللوجستية، فـ "ماغي لم تمت، بل قُتلت بسب فساد المسؤولين الذين تركوا المدرسة بلا صيانة، ومسؤوليتهم لا تقل عن مسؤولية كل من لم يفتح ملف التوزيع الجغرافي للمدارس الرسمية في لبنان، حيث شيدت بعض مبانيها الحديثة ضمن أماكن جغرافيا ضمن سياسة 6 و6 مكرر أو بنفوذ سياسي في حين عدد طلابها خجول جداً وبقي استمرارها للتنفيع السياسي، ولم ترشد المدارس حيث الاكتظاظ السكاني والاقبال الكبير على المدارس الرسمية" بحسب ما جاء في بيان اللجنة الفاعلة للأساتذة المتعاقدين في التعليم الأساسي الرسمي.

وأضاف البيان "إنها الفاجعة التي تُميت الكلام على قدر موت الضمير في وزارة التربية بكل مسؤول تعاقب عليها بالفساد على مر سنين نهشت بالمدارس الرسمية حتى سقطت القيم والأخلاق مع سقوط سقف غرفة الصف. ماغي شهيدة المدرسة الرسمية التابعة لوزارة التربية التي تلقت آخر عشر سنوات ما يفوق المليار و200 مليون دولار دعم من المنظمات، فأين الاموال وأين المنظمات وأين كل موظف شيطان أخرس من قتل هذه التلميذة البريئة! اليوم شيع ضميركم مع نعش هذه الملاك، فعسى أن تغفى عيونكم ليلاً"!

وكانت منظمة "هيومن رايتس ووتش" أشارت إلى أنه " من 2017 حتى 2021، قدم المانحون أكثر من 1.12 مليار دولار لبرامج التعليم المدرجة في "خطة لبنان للاستجابة للأزمة"، والتي توجه الاستجابة الإنسانية الدولية لـ 1.5 مليون لاجئ سوري فروا إلى لبنان بعد 2011. تم توجيه أكثر من نصف هذه الأموال إلى وزارة التربية والتعليم اللبنانية".

وطالبت المنظمة "الضغط على لبنان لتغيير السياسات التي تحول دون وصول المساعدات إلى المدارس والطلاب. يشمل ذلك اعتياد البنك المركزي على الاحتفاظ بمعظم قيمة المساعدات الإنسانية من خلال التلاعب بأسعار صرف العملة عند وقت سحب هذه المساعدات" كما طالبت "وزارة التربية والتعليم نشر بيانات عن التحاق وحضور الطلاب في المدارس وأن تضع حداً للقيود المفروضة على التحاق الطلاب اللاجئين فيها".

التلامذة في خطر في بعض المدارس الرسمية، كما تؤكد رئيسة اللجنة الفاعلة للأساتذة المتعاقدين في التعليم الأساسي الرسمي نسرين شاهين (التي صدر قرار من وزير التربية بفصلها، حيث ينظر مجلس الشورى بالقضية)، مع تأكيدها على وجود مدارس رسمية حديثة، وتشرح "يوجد 364 مدرسة بحاجة إلى ترميم، وبعد أن تم حلّ الوحدة الهندسية في الوزارة في عهد وزير التربية السابق الياس بو صعب وإيكال مهام صيانة المشاريع والبرامج إلى مديرة مصلحة الشؤون الثقافية سونيا خوري، ليعاد في عهد الوزير مروان حماده،  تشكيل الوحدة الهندسية حيث تسلمت المهندسة مايا سماحة رئاستها".

وأضافت شاهين في حديث لموقع "الحرة" أنه "يفترض أن يتم رفع تقارير سنوية من قبل مدراء الثانويات الى مديرية التعليم الثانوي في وزارة التربية التي بدورها ترفعه إلى الوحدة الهندسية"، متسائلة "هل وصل لهذه الوحدة تقرير من مديرية الثانوية التي حصلت فيها الكارثة، وهل أجرت الوحدة كشفا على المدرسة، ومن أعطى قرار هدم الحائط بين الصفين، هل هو قرار فردي من قبل المديرة أم اتخذ بموافقة الوحدة الهندسية في الوزارة"؟

وبناء على الأسئلة التي طرحتها شددت على أن "مديرية الثانوية تتحمل المسؤولية في حال لم تكن قد رفعت تقريرا إلى مديرية التعليم الثانوي، وهذه المديرية تتحمل المسؤولية في حال لم ترفع التقرير إلى الوحدة الهندسية، وتقع المسؤولية على الأخيرة إن كانت قد أعطى مهندسوها الموافقة على إزالة الجدار".

ولفتت شاهين إلى أن "كلاماً غير مسؤول صدر عن مسؤولة في ثانوية الاميركان مفاده، أن المعلمين وعاملة النظافة لم يلاحظوا وجود خطر محدق، في حين ان ذلك يقع على عاتق المديرة"، مؤكدة خشيتها من تسييس القضية، مطالبة أن يكون أعضاء اللجنة التي شكلها الوزير محايدون.

تقاذف المسؤوليات

سبق أن حذرت جمعية "شبكة سلامة المباني" من أن بعض المدارس الرسمية في لبنان أشبه بقنابل موقوتة لا يعلم أحد متى تنهار اجزاء منها، وكشف رئيس الجمعية المهندس يوسف عزام لموقع "الحرة" أنه "علمنا من وزارة التربية في عام 2017 أن ما يزيد عن المئة مدرسة رسمية بحاجة إلى ترميم فوري" شارحاً "اهتمام الجمعية بموضوع سلامة المباني بدأ منذ العام 2007، نتيجة وضع الأبنية بعد الحرب الأهلية، حيث أن عدداً كبيراً منها جرى ترميمه من دون مراعاة المواصفات المطلوبة".

لكن المدير العام لوزارة التربية، عماد الأشقر، أكد أنه لا يوجد أي تقرير يشير إلى الأرقام التي يتم الحديث عنها، لافتاً إلى أن "الوزارة باشرت عملية ترميم المباني التي طلب مدراؤها أو البلدية التي تقع ضمن نطاقها ذلك عبر كتاب، اذ في هذه الحالة تتوجه الفرق الهندسية لإجراء مسح على المبنى، تقيّم وضعه ليصار إلى ترميمه أو ما يحتاجه"، مشدداً على أنه "تقع على عاتق كل مدير مدرسة مسؤولية معرفة فيما إن كان المبنى يحتاج لأي ترميم أو غيره واطلاع الوزارة على ذلك".

وعن المبنى الذي وقعت فيه الحادثة، قال لموقع "الحرة" "حالته سليمة، فقد رممه مالكه منذ مدة قصيرة، ومنذ تسعة أشهر تاريخ استلامي مهامي لم يكن يستدعي أي عملية هندسية".

انهيار بعض المباني وسقوط جزء من سقف المدرسة، أمر كان متوقعا كما يقول عزام، لافتاً إلى أنه "سبق أن قمنا بمسح على الصور الجوية للمدن الرئيسية، وقد بينت نتيجة المسح أن هناك 16,000 مبنى وضعها صعب، من بينها بالتأكيد مدارس رسمية، وقد عملنا كثيراً مع وزارة الداخلية والبلديات، وأعددنا كتيبات تم توزيعها على حوالي 250 بلدية، من أجل إيلاء أهمية لهذه القضية التي تطال أرواح المواطنين".

المشكلة الكبرى في المدارس الرسمية كما يقول عزام أنه جرى توزيعها على أساس طائفي وليس على أساس الكثافة السكانية، "من هنا نجد أن بعض المدارس تضم عدداً قليلا من الطلاب، فيما تعاني مدارس أخرى من الاكتظاظ، كالمدرسة التي وقع فيها الحادث، حيث اتخذت الإدارة قرار هد الحائط لتوسيع الصف، رغم خطورة الأمر، ونتيجة القرار غير العلمي والمدروس وقعت الكارثة".

أزاح رحيل ماغي الستار عن صفقات سوداء، في دولة لا تكيل وزناً لتكدّس الطلاب في مدارسها الرسمية، دون حسيب أو رقيب على المنشآت المهترئة، ومن بين الذين وجهت اليهم تهماً بالتقصير بعد الفاجعة، بلدية طرابلس، الذي نفى رئيسها أحمد قمر الدين أن يكون لها أي علاقة، شارحاً في حديث لموقع "الحرة" أن "مبنى المدرسة تراثي، وهو غير آيل للسقوط وليس لديه مشاكل إنشائية، أما سبب الحادثة فهو هدم حائط من الحجر الرملي قبل حوالي الست سنوات، لفتح صفين على بعضهما، بقي جسر في السقف غير متماسك، جرى طلاؤه من دون وضع دعامة له، ومع الوقت بدأ بالتفسخ، إلى أن حلّت الكارثة، نتيجة قلة إدراك من اتخذ قرار الهدم".

ولفت قمر الدين في حديث لموقع "الحرة" إلى أن "وزارة الثقافة هي من تتابع موضوع الأبنية التراثية، في حين أن وزارة التربية هي المسؤولة عن المدارس الرسمية، ونحن كبلدية نتحرك عند تبليغنا عن وجود تصدع في أي مبنى، عندها تكشف عليه مصلحة الهندسة، وفي حال تبين أنه معرض للانهيار نقوم بتوجيه إنذار بضرورة إخلائه".

وعن سقوط مبان أو أجزاء منها في طرابلس بين الحين والآخر علق، "يحصل ذلك في المنطقة القديمة، كون سكانها ليس لديهم قدرات مادية لصيانة مبانيهم".

كذلك نفى وزير الثقافة محمد المرتضى أن يكون للوزارة أي مسؤولية فيما يتعلق بالحادث، شارحاً أن "المدارس التراثية ليست ملكاً لها، فهي إما أن تكون ملكاً خاصاً مستأجراً من وزارة التربية أو أنها ملك عام وبالتالي مملوكة من قبلها، على عكس المعالم الأثرية التي تعود ملكيتها لوزارة الثقافة".

 لكن كما يقول المرتضى لموقع "الحرة" "كل بناء لديه طابع تراثي، تضعه وزارة الثقافة على لائحة الجرد، لمنع هدمه أو تحوير شكله، من دون أن يكون لها أي صلاحية عليه، فليست هي المسؤولة عن ترميمه أو تدعيمه، فإذا أراد المالك أو وزارة التربية القيام بذلك، يقتصر دورنا على الإشراف على الأعمال لكي نضمن فقط الحفاظ على شكل المبنى التراثي"، وعن عدد المدارس الرسمية التراثية على الأراضي اللبنانية أجاب "لا تعد ولا تحصى".

كي لا يقتل الحلم

بعد الكارثة، استنكرت اللجنة الطلابية في لبنان "غياب الصيانة والمتابعة الدائمة للبنى التحتية للمباني التعليمية الرسمية جراء الموازنة شبه المعدومة المخصصة للقطاع التربوي"، مطالبة "الجهات المانحة والجمعيات والمؤسسات الاجتماعية المساهمة في سد الفجوة والحاجة في هذا الخصوص".

كما طالبت في بيان وزير التربية في حكومة تصريف الأعمال، بإقفال كافة المدارس والثانويات الرسمية، في اليوم التالي لمقتل ماغي، "حداداً على روحها وكصرخة وجع وغضب للحال الذي آل إليه القطاع التربوي".

كذلك رثت رابطة التعليم الثانوي الرسمي، "شهيدة العلم، والعلم والتربية والأخلاق والإنسانية في بلدنا المنكوب"، مضيفة في بيان لم نحلم "يوماً بأن نربّي تلاميذنا ونتعهدهم ليموتوا أمام أعيننا تحت الحجارة والركام! فقد كان الحُلم بالتخرج والشهادات العليا هو غاية المنى، لا النعش والدماء والعزاء! هي صرخة الوجع للطفولة، فاحفظوا أولادنا وفلذات أكبادنا من الموت".

وفي حديث مع موقع "الحرة" تشدد رئيسة الرابطة، ملوك محرز، على ضرورة قيام وزارة التربية بكشف دوري على كل المباني المدرسية، واتخاذها قراراً باستبدال المباني القديمة بأخرى جديدة بدلاً من ترميمها، "حيث يمكن تشييد مجمعات نموذجية تكون متناسبة مع الشروط الملائمة لطبيعة لبنان، كما أنه من الضروري ان تغطي وزارة التربية جميع الطلاب بتأمين صحي شامل".

تضيف محرز "يجب أن يشعر الطلاب أنهم بأمان داخل مدرستهم، لا أن يقصدوها وهم يخشون من ألا يعودوا إلى عائلتهم، فهذا سيؤثر على نفسيتهم، ومن المؤكد أن الطلاب في مدرسة الاميركان حيث وقعت الكارثة باتوا بحاجة إلى عناية نفسية، أعزيهم وعائلة الضحية وأساتذتها، وأشددت على ضرورة أن يأخذ التحقيق بالحادثة مجراه لمحاسبة المسؤول".

ولكي لا يموت الحلم ويقتل العلم، يجب كما يرى عزام أن "تجري كل بلدية مسحاً ميدانياً للمدارس الموجودة ضمن نطاقها للتأكد من مدى مطابقتها لمعايير السلامة العامة، والشروع بترميمها في حال كانت تحتاج إلى ذلك، للحفاظ على سلامة الطلاب والكادر التعليمي".

مصارف لبنان

في تحول تاريخي لعمل القطاع المصرفي اللبناني، أقرّ مجلس النواب الخميس تعديلات على قانون السرية المصرفية تسهّل للهيئات الناظمة الحصول على كامل المعلومات المتعلّقة بالحسابات.

جاءت الخطوة تلبية لمطلب رئيسي من مطالب صندوق النقد الدولي.

واعتبر رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، القرار "خطوة ضرورية نحو الإصلاح المالي المنشود وركيزة أساسية لأي خطة تعافٍ، ولكشف الحقائق" بشأن الأزمة المالية التي بدأت عام 2019.

والجمعة، نُشر في الجريدة الرسمية اللبنانية قانون تعديل بعض المواد المتعلقة بسرية المصارف في لبنان، بما في ذلك تعديل المادة 7 (هـ) و (و) من القانون المتعلق بسرية المصارف الذي أقرّ عام 1956، وكذلك تعديل المادة 150 من قانون النقد والتسليف الصادر في عام 1963، بموجب القانون رقم 306 الصادر في 28 تشرين الأول 2022.

وينص التعديل الجديد على تعديل المادة 7 (هـ) من القانون المتعلق بسرية المصارف بما يسمح بمشاركة معلومات مصرفية بين مصرف لبنان، ولجنة الرقابة على المصارف، والمؤسسة الوطنية لضمان الودائع، في إطار تعزيز مراقبة القطاع المصرفي وحماية النظام المالي. 

ويشمل التعديل أيضا صلاحيات تعديل وإنشاء مؤسسة مختلطة لضمان الودائع المصرفية.

أما المادة 7 (و) فتتيح للجهات المعنية، مثل مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف، طلب معلومات مصرفية محمية بالسرية دون تحديد حساب أو عميل معين. ويتيح التعديل إصدار طلبات عامة للحصول على معلومات عن جميع الحسابات والعملاء، إلا أن هذه الطلبات يمكن أن تكون قابلة للاعتراض أمام قاضي الأمور المستعجلة، ويخضع الاعتراض للأصول القانونية المتعلقة بالاعتراض على العرائض.

وفي ما يتعلق بالمادة 150 من قانون النقد والتسليف، تضمن التعديل رفع السرية المصرفية بشكل كامل وغير مقيد أمام مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف، بالإضافة إلى المدققين والمقيمين المعينين من قبل مصرف لبنان أو اللجنة.

وتشمل التعديلات الحسابات الدائنة والمدينة، سواء كانت ضمن أو خارج الميزانية، كما تتيح رفع السرية المصرفية عن سجلات ومستندات ومعلومات تعود إلى أشخاص معنويين أو حقيقيين يتعاملون مع المصارف أو المؤسسات المالية الخاضعة للرقابة. ويشمل تطبيق هذا التعديل بأثر رجعي لمدة عشر سنوات من تاريخ صدور القانون.

وقد شهد لبنان خلال الأسابيع الماضية نقاشات حادة، رأى فيها معارضون للخطوة أن هذا القانون ورفع السرية المصرفية طي لصفحة من تاريخ لبنان المالي العريق من خلال "إلغاء ميزة تفاضلية،" وبأن كشف الفساد ليس معطلاً بسبب السرية المصرفية.

ويرى المتحمسون للقانون أن من شأن التعديلات الجديدة تعزيز الشفافية في القطاع المصرفي في لبنان وتحسين مراقبة ومراجعة العمليات المصرفية، في وقت يشهد فيه القطاع المصرفي تحديات كبيرة في ظل الأزمة المالية المستمرة.

وأوضحت "المفكرة القانونية" وهي منظمة حقوقية غير حكومية، في بيان أصدرته أن التعديل يخوّل "الهيئات الرقابيّة والهيئات النّاظمة للمصارف، وتحديدًا مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف والمؤسسة الوطنية لضمان الودائع، طلب الحصول على جميع المعلومات المصرفية، من دون أن يربط طلب المعلومات بأيّ هدف معيّن، وإمكانية التدقيق في الحسابات بالأسماء، تصحيحا لقانون 2022" والذي تضمن بعض التعديلات.

يعتمد لبنان السرية المصرفية منذ عام 1956، وكان لذلك أثر كبير في جذب رؤوس الأموال والودائع وتوفير مناخ الاستقرار الاقتصادي. وبموجب هذا القانون تلتزم المصارف الخاضعة لأحكامه السرية المطلقة، إذ لا يجوز كشف السر المصرفي سواء في مواجهة الجهات الخاصة أو السلطات العامة، وسواء كانت قضائية أو إدارية أو مالية، إلا في حالات معينة في القانون وردت على سبيل الحصر، وهي:

1- إذن العميل او ورثته خطيًا.
2- صدور حكم بإشهار افلاس العميل.
3- وجود نزاع قضائي بينه وبين البنك بمناسبة الروابط المصرفية. 
4- وجود دعاوى تتعلق بجريمة الكسب غير المشروع. 
5- توقف المصرف عن الدفع، إذ ترفع في هذه الحالة السرية المصرفية عن حسابات أعضاء مجلس الإدارة والمفوضين بالتوقيع ومراقبي الحسابات. 
6- الاشتباه في استخدام الأموال لغاية تبييضها، وعندها ترفع السرية المصرفية بقرار من هيئة التحقيق الخاصة لمصلحة المراجع القضائية المختصة والهيئة المصرفية العليا، وذلك عن الحسابات المفتوحة لدى المصارف أو المؤسسات المالية.

وبالفعل ومنذ إقرار هذا القانون ازدهر القطاع المصرفي اللبناني واستطاع جذب رؤوس أموال، لكن كل ذلك تغير مع اندلاع الحرب الأهلية في منتصف السبعينيات، وبدأت الليرة اللبنانية رحلة الانهيار. خمسة عشر عاما من الاقتتال، انتهت بتسويات سياسية، تبعها نظام اقتصادي جديد، قاده منذ عام 1993 الراحل رفيق الحريري رئيسا للحكومة، ورياض سلامة حاكما لمصرف لبنان المركزي، سعيا وراء الاستقرار. 

وبعد أربع سنوات من استلام منصبه، نجح سلامة في تثبيت سعر العملة اللبنانية، عند 1500 مقابل الدولار الأميركي.

استمرت تلك المعادلة أكثر من عقدين، لكنها كانت تحتاج إمدادات لا تنقطع من العملة الصعبة للمحافظة على استمرارها. وفي محاولة لسد العجز، سعت المصارف اللبنانية لجذب حصيلة كبيرة من العملة الخضراء عبر تقديم فوائد مرتفعة على الودائع الدولارية، فوائد تراوحت بين 15 و 16 في المئة.

نتيجة للفوائد البنكية المرتفعة، شهدت ودائع القطاع المصرفي اللبناني نمواً سنوياً وصل ذروته بقرابة 12 مليار دولار خلال عام 2009.

أغرت الفوائد العالية المقيمين والمغتربين، ليصل إجمالي الودائع في المصارف اللبنانية إلى أكثر من 177 مليار دولار في نهاية نوفمبر عام 2018. 

منذ عام 2017، تراجع الاحتياطي في خزينة مصرف لبنان، رغم محاولات جذب الدولار. وفي صيف عام 2019، لاحت بوادر صعوبة في توافر الدولار في الأسواق اللبنانية، فارتفع سعر صرفه مقابل الليرة للمرة الأولى منذ أكثر من 20 عاما، ما دفع الحكومة لاتخاذ إجراءات استثنائية. لكن البعض يرى أن تلك القرارات جاءت متأخرة.

في أكتوبر 2019، انفجر الشارع اللبناني مطالبا بإسقاط السلطة السياسية، وأغلقت المصارف أبوابها، لكن تقارير صحفية تحدثت عن عمليات تحويل لأرصدة ضخمة الى خارج البلاد.

في تقرير لصحيفة فاينانشال تايمز البريطانية، نُشر في صيف 2020، فإنه، وفقا لكبير موظفي الخدمة المدنية المالية السابق في لبنان ومدير عام وزارة المالية السابق ألان بيفاني، قام مصرفيون بتهريب ما يصل إلى 6 مليارات دولار من لبنان منذ  أكتوبر 2019، في تحايل على الضوابط التي تم إدخالها لوقف هروب رأس المال، مع غرق البلاد في أسوأ أزمة مالية منذ ثلاثين 30 عاما، بينما بات مصير مليارات الدولارات مجهولًا. 

بدأت الأزمة المالية بالظهور تدريجيا، لكنها انفجرت حرفيا منذ اندلاع الاحتجاجات في شهر أكتوبر عام 2019. وتشير تقارير رسمية إلى أن أموالا طائلة تصل إلى مليارات الدولارات تم تحويلها إلى الخارج، بينما تم حجز ودائع صغار زبائن البنوك، من دون ضمانات لحماية ودائع المواطنين، ولا سيولة نقدية.

وتقدر تقارير دولية والمصرف المركزي اللبناني أن ودائع صغار زبائن البنوك بحوالي 121 مليار دولار منها ودائع لغير المقيمين تُقدّر بـ20 مليار دولار، وأصحابها لبنانيون وعراقيون ويمنيون وليبيون ومصريون ومن دول الخليج، إضافة لودائع للسوريين، يقدر المصرفيون بأنها أكثر من 3 مليارات دولار.

وفيما تجري التحقيقات حول آلية تهريب الأموال، لم يصل المحققون المحليون ولا حتى الدوليون إلى جواب شاف، لكن كانت دائما "المصالح المتشابكة داخل النظام اللبناني" جزءا من الجواب.

وتعتبر البنوك اللبنانية مرآة للنظام من حيث التقسيم الطائفي، فغالبيتها تابعة لجهات سياسية ومقربين منها، الأمر الذيث كان واضحا في انعدام الرقابة على عمليات إدخال أموال حزب الله المهربة أو غير الشرعية إلى هذه البنوك، مما يعني عمليات تبييض وشرعنة لهذه الأموال.

منذ منذ عام 2001، وضعت الولايات المتحدة حزب الله على قائمة المنظمات الإرهابية، وفرضت عليه عقوبات ضمن خطة لمكافحة تمويل الإرهاب. وفي هذا الإطار صدر قانون مكافحة تبييض الأموال رقم 44، عام 2015، والذي لم يتم تعطبيقه، واكتفى مصرف لبنان بتعاميم، لم تغير واقع الحال.

بدأ لبنان في يناير 2022 مفاوضات رسمية مع صندوق النقد الذي طالما شدد على أنه لن يقدم أي دعم طالما لم تقرّ الحكومة إصلاحات على رأسها تصحيح الموازنة وإعادة هيكلة القطاع المصرفي وإصلاح المؤسسات العامة والتصدي للفساد المستشري.

وأعلن الصندوق في أبريل من العام ذاته اتفاقا مبدئيا على خطة مساعدة بقيمة ثلاثة مليارات دولار على أربع سنوات، لكنّ تطبيقها كان مشروطا بإصلاحات لم يتم تنفيذ معظمها.

في سبتمبر عام 2024، أوقف الحاكم السابق لمصرف لبنان، رياض سلامة، وهو حتى اليوم قيد التحقيق في اتهامات بغسيل الأموال وشراء وبيع سندات خزينة الحكومة اللبنانية. ومنذ انهيار حزب الله اللبناني، في حربه مع إسرائيل، وصعود ما سمي بالعهد الجديد، أقرت حكومة نواف سلام مشروع قانون لإعادة هيكلة المصارف، استجابةً لمطالب صندوق النقد الدولي، الذي اشترط تنفيذ إصلاحات جذرية، بينها رفع السرية المصرفية، كشرط أساسي لأي دعم مالي للبنان، كما تأتي في ظل إدراج مجموعة العمل المالي (FATF) لبنان على اللائحة الرمادية بسبب ثغرات خطيرة في مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.

من المتوقع أن تسهم هذه التعديلات في تعزيز الشفافية المالية، ومكافحة الفساد وتبييض الأموال والتهرب الضريبي، كما يُتوقع أن تفتح الباب أمام إعادة هيكلة النظام المالي اللبناني بالكامل، واستعادة ثقة المجتمع الدولي، وتأمين الدعم المالي اللازم من الجهات المانحة.

إلا أن نجاح هذه الخطوة لا يقاس فقط بالكشف عن الحسابات، بل العبرة في التنفيذ في ظل نظام قضائي شبه مهترئ وتورط بعض من أصحاب النفوذ السياسي والمالي أنفسهم.

لبنان اليوم أمام مفترق طرق، فإما أن يسلك طريق العهد الجديد الذي وعد به اللبنانيون، أو يظل الفساد العنوان الأبرز في سياسات لبنان المالية المقبلة.