لبنان- مدرسة- حادثة
حذرت جمعيات في السابق من أن بعض المدارس الرسمية في لبنان أشبه بقنابل موقوتة

سلّطت حادثة مقتل الطالبة ماغي محمود، وجرح زميلتها، شذى درويش، بحجر سقط عليهما من السقف، وهما على مقعدها الدراسي، الأضواء على مدى الخطر المحدق بطلاب المدارس الرسمية اللبنانية.

ما حصل في ثانوية القبّة الرسمية الثانية المختلطة (الأميركان) في جبل محسن في مدينة طرابلس، أثار رعب أهالي الطلاب ليس في هذه المدرسة فحسب، بل في جميع المدارس الرسمية على امتداد الأراضي اللبنانية، فهم الذين يفعلون كل ما في وسعهم لتأمين ما يحتاجه أبناؤهم لكي يحصلوا على شهادات تؤمن مستقبلهم، لا لكي يستشهدوا نتيجة الإهمال والفساد. 

بلغ عدد التلامذة في المدارس الرسمية للعام الدراسي 2021/2022 بحسب وزارة التربية، 334802 تلميذا، منهم 259118 في التعليم الأساسي، و75684 في التعليم الثانوي، في حين أشارت "الدولية للمعلومات" في العام 2019 إلى أن عدد المدارس الرسمية يبلغ 1,256 مدرسة، والعام الماضي ذكرت أن "حوالي 32% من طلاب لبنان يتلقون تعليمهم في المدارس الرسمية، وأنه رغم تفاقم الأزمة الاقتصادية وارتفاع الأقساط في المدارس الخاصة، بلغت الزيادة في أعداد الطلاب في المدارس الرسمية خلال الأعوام العشر الأخيرة نسبة 24%، أي بمعدل وسطي سنوياً 2.4٪".

بعد الفاجعة التي حلت في مدرسة "الأميركان"، كلف وزير التربية والتعليم العالي في حكومة تصريف الأعمال الدكتور عباس الحلبي، لجنة تحقيق هندسية وفنية للتعمق بالكشف على المبنى، ورفع تقرير مفصل حول أسباب الحادث والمسؤوليات المترتبة عليه، ليبنى على النتائج المقتضى القانوني سريعا وعلى نحو حاسم، مؤكداً أنه "سيتخذ أقصى العقوبات في حال ثبوت أي إهمال"، مشدداً على أن "سلامة المباني المدرسية أولوية مطلقة، لأنها تحتضن أغلى من في الوطن".
 
كما أجرى الحلبي اتصالاً برئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، الذي عبر عن ألمه وحزنه لفقدان التلميذة وإصابة رفاقها، كما اتصل الحلبي بوزير الصحة الدكتور فراس الأبيض لتأمين العلاج للمصابين، وباليونيسف لتغطية تكاليف العلاج والاستشفاء.

الخطر قائم

يلاحق الموت فقراء لبنان في كل مكان، فلولا الظروف الاقتصادية الصعبة لما اضطر الأهالي إلى تسجيل أولادهم في المدارس الرسمية التي تفتقر إلى المقومات اللوجستية، فـ "ماغي لم تمت، بل قُتلت بسب فساد المسؤولين الذين تركوا المدرسة بلا صيانة، ومسؤوليتهم لا تقل عن مسؤولية كل من لم يفتح ملف التوزيع الجغرافي للمدارس الرسمية في لبنان، حيث شيدت بعض مبانيها الحديثة ضمن أماكن جغرافيا ضمن سياسة 6 و6 مكرر أو بنفوذ سياسي في حين عدد طلابها خجول جداً وبقي استمرارها للتنفيع السياسي، ولم ترشد المدارس حيث الاكتظاظ السكاني والاقبال الكبير على المدارس الرسمية" بحسب ما جاء في بيان اللجنة الفاعلة للأساتذة المتعاقدين في التعليم الأساسي الرسمي.

وأضاف البيان "إنها الفاجعة التي تُميت الكلام على قدر موت الضمير في وزارة التربية بكل مسؤول تعاقب عليها بالفساد على مر سنين نهشت بالمدارس الرسمية حتى سقطت القيم والأخلاق مع سقوط سقف غرفة الصف. ماغي شهيدة المدرسة الرسمية التابعة لوزارة التربية التي تلقت آخر عشر سنوات ما يفوق المليار و200 مليون دولار دعم من المنظمات، فأين الاموال وأين المنظمات وأين كل موظف شيطان أخرس من قتل هذه التلميذة البريئة! اليوم شيع ضميركم مع نعش هذه الملاك، فعسى أن تغفى عيونكم ليلاً"!

وكانت منظمة "هيومن رايتس ووتش" أشارت إلى أنه " من 2017 حتى 2021، قدم المانحون أكثر من 1.12 مليار دولار لبرامج التعليم المدرجة في "خطة لبنان للاستجابة للأزمة"، والتي توجه الاستجابة الإنسانية الدولية لـ 1.5 مليون لاجئ سوري فروا إلى لبنان بعد 2011. تم توجيه أكثر من نصف هذه الأموال إلى وزارة التربية والتعليم اللبنانية".

وطالبت المنظمة "الضغط على لبنان لتغيير السياسات التي تحول دون وصول المساعدات إلى المدارس والطلاب. يشمل ذلك اعتياد البنك المركزي على الاحتفاظ بمعظم قيمة المساعدات الإنسانية من خلال التلاعب بأسعار صرف العملة عند وقت سحب هذه المساعدات" كما طالبت "وزارة التربية والتعليم نشر بيانات عن التحاق وحضور الطلاب في المدارس وأن تضع حداً للقيود المفروضة على التحاق الطلاب اللاجئين فيها".

التلامذة في خطر في بعض المدارس الرسمية، كما تؤكد رئيسة اللجنة الفاعلة للأساتذة المتعاقدين في التعليم الأساسي الرسمي نسرين شاهين (التي صدر قرار من وزير التربية بفصلها، حيث ينظر مجلس الشورى بالقضية)، مع تأكيدها على وجود مدارس رسمية حديثة، وتشرح "يوجد 364 مدرسة بحاجة إلى ترميم، وبعد أن تم حلّ الوحدة الهندسية في الوزارة في عهد وزير التربية السابق الياس بو صعب وإيكال مهام صيانة المشاريع والبرامج إلى مديرة مصلحة الشؤون الثقافية سونيا خوري، ليعاد في عهد الوزير مروان حماده،  تشكيل الوحدة الهندسية حيث تسلمت المهندسة مايا سماحة رئاستها".

وأضافت شاهين في حديث لموقع "الحرة" أنه "يفترض أن يتم رفع تقارير سنوية من قبل مدراء الثانويات الى مديرية التعليم الثانوي في وزارة التربية التي بدورها ترفعه إلى الوحدة الهندسية"، متسائلة "هل وصل لهذه الوحدة تقرير من مديرية الثانوية التي حصلت فيها الكارثة، وهل أجرت الوحدة كشفا على المدرسة، ومن أعطى قرار هدم الحائط بين الصفين، هل هو قرار فردي من قبل المديرة أم اتخذ بموافقة الوحدة الهندسية في الوزارة"؟

وبناء على الأسئلة التي طرحتها شددت على أن "مديرية الثانوية تتحمل المسؤولية في حال لم تكن قد رفعت تقريرا إلى مديرية التعليم الثانوي، وهذه المديرية تتحمل المسؤولية في حال لم ترفع التقرير إلى الوحدة الهندسية، وتقع المسؤولية على الأخيرة إن كانت قد أعطى مهندسوها الموافقة على إزالة الجدار".

ولفتت شاهين إلى أن "كلاماً غير مسؤول صدر عن مسؤولة في ثانوية الاميركان مفاده، أن المعلمين وعاملة النظافة لم يلاحظوا وجود خطر محدق، في حين ان ذلك يقع على عاتق المديرة"، مؤكدة خشيتها من تسييس القضية، مطالبة أن يكون أعضاء اللجنة التي شكلها الوزير محايدون.

تقاذف المسؤوليات

سبق أن حذرت جمعية "شبكة سلامة المباني" من أن بعض المدارس الرسمية في لبنان أشبه بقنابل موقوتة لا يعلم أحد متى تنهار اجزاء منها، وكشف رئيس الجمعية المهندس يوسف عزام لموقع "الحرة" أنه "علمنا من وزارة التربية في عام 2017 أن ما يزيد عن المئة مدرسة رسمية بحاجة إلى ترميم فوري" شارحاً "اهتمام الجمعية بموضوع سلامة المباني بدأ منذ العام 2007، نتيجة وضع الأبنية بعد الحرب الأهلية، حيث أن عدداً كبيراً منها جرى ترميمه من دون مراعاة المواصفات المطلوبة".

لكن المدير العام لوزارة التربية، عماد الأشقر، أكد أنه لا يوجد أي تقرير يشير إلى الأرقام التي يتم الحديث عنها، لافتاً إلى أن "الوزارة باشرت عملية ترميم المباني التي طلب مدراؤها أو البلدية التي تقع ضمن نطاقها ذلك عبر كتاب، اذ في هذه الحالة تتوجه الفرق الهندسية لإجراء مسح على المبنى، تقيّم وضعه ليصار إلى ترميمه أو ما يحتاجه"، مشدداً على أنه "تقع على عاتق كل مدير مدرسة مسؤولية معرفة فيما إن كان المبنى يحتاج لأي ترميم أو غيره واطلاع الوزارة على ذلك".

وعن المبنى الذي وقعت فيه الحادثة، قال لموقع "الحرة" "حالته سليمة، فقد رممه مالكه منذ مدة قصيرة، ومنذ تسعة أشهر تاريخ استلامي مهامي لم يكن يستدعي أي عملية هندسية".

انهيار بعض المباني وسقوط جزء من سقف المدرسة، أمر كان متوقعا كما يقول عزام، لافتاً إلى أنه "سبق أن قمنا بمسح على الصور الجوية للمدن الرئيسية، وقد بينت نتيجة المسح أن هناك 16,000 مبنى وضعها صعب، من بينها بالتأكيد مدارس رسمية، وقد عملنا كثيراً مع وزارة الداخلية والبلديات، وأعددنا كتيبات تم توزيعها على حوالي 250 بلدية، من أجل إيلاء أهمية لهذه القضية التي تطال أرواح المواطنين".

المشكلة الكبرى في المدارس الرسمية كما يقول عزام أنه جرى توزيعها على أساس طائفي وليس على أساس الكثافة السكانية، "من هنا نجد أن بعض المدارس تضم عدداً قليلا من الطلاب، فيما تعاني مدارس أخرى من الاكتظاظ، كالمدرسة التي وقع فيها الحادث، حيث اتخذت الإدارة قرار هد الحائط لتوسيع الصف، رغم خطورة الأمر، ونتيجة القرار غير العلمي والمدروس وقعت الكارثة".

أزاح رحيل ماغي الستار عن صفقات سوداء، في دولة لا تكيل وزناً لتكدّس الطلاب في مدارسها الرسمية، دون حسيب أو رقيب على المنشآت المهترئة، ومن بين الذين وجهت اليهم تهماً بالتقصير بعد الفاجعة، بلدية طرابلس، الذي نفى رئيسها أحمد قمر الدين أن يكون لها أي علاقة، شارحاً في حديث لموقع "الحرة" أن "مبنى المدرسة تراثي، وهو غير آيل للسقوط وليس لديه مشاكل إنشائية، أما سبب الحادثة فهو هدم حائط من الحجر الرملي قبل حوالي الست سنوات، لفتح صفين على بعضهما، بقي جسر في السقف غير متماسك، جرى طلاؤه من دون وضع دعامة له، ومع الوقت بدأ بالتفسخ، إلى أن حلّت الكارثة، نتيجة قلة إدراك من اتخذ قرار الهدم".

ولفت قمر الدين في حديث لموقع "الحرة" إلى أن "وزارة الثقافة هي من تتابع موضوع الأبنية التراثية، في حين أن وزارة التربية هي المسؤولة عن المدارس الرسمية، ونحن كبلدية نتحرك عند تبليغنا عن وجود تصدع في أي مبنى، عندها تكشف عليه مصلحة الهندسة، وفي حال تبين أنه معرض للانهيار نقوم بتوجيه إنذار بضرورة إخلائه".

وعن سقوط مبان أو أجزاء منها في طرابلس بين الحين والآخر علق، "يحصل ذلك في المنطقة القديمة، كون سكانها ليس لديهم قدرات مادية لصيانة مبانيهم".

كذلك نفى وزير الثقافة محمد المرتضى أن يكون للوزارة أي مسؤولية فيما يتعلق بالحادث، شارحاً أن "المدارس التراثية ليست ملكاً لها، فهي إما أن تكون ملكاً خاصاً مستأجراً من وزارة التربية أو أنها ملك عام وبالتالي مملوكة من قبلها، على عكس المعالم الأثرية التي تعود ملكيتها لوزارة الثقافة".

 لكن كما يقول المرتضى لموقع "الحرة" "كل بناء لديه طابع تراثي، تضعه وزارة الثقافة على لائحة الجرد، لمنع هدمه أو تحوير شكله، من دون أن يكون لها أي صلاحية عليه، فليست هي المسؤولة عن ترميمه أو تدعيمه، فإذا أراد المالك أو وزارة التربية القيام بذلك، يقتصر دورنا على الإشراف على الأعمال لكي نضمن فقط الحفاظ على شكل المبنى التراثي"، وعن عدد المدارس الرسمية التراثية على الأراضي اللبنانية أجاب "لا تعد ولا تحصى".

كي لا يقتل الحلم

بعد الكارثة، استنكرت اللجنة الطلابية في لبنان "غياب الصيانة والمتابعة الدائمة للبنى التحتية للمباني التعليمية الرسمية جراء الموازنة شبه المعدومة المخصصة للقطاع التربوي"، مطالبة "الجهات المانحة والجمعيات والمؤسسات الاجتماعية المساهمة في سد الفجوة والحاجة في هذا الخصوص".

كما طالبت في بيان وزير التربية في حكومة تصريف الأعمال، بإقفال كافة المدارس والثانويات الرسمية، في اليوم التالي لمقتل ماغي، "حداداً على روحها وكصرخة وجع وغضب للحال الذي آل إليه القطاع التربوي".

كذلك رثت رابطة التعليم الثانوي الرسمي، "شهيدة العلم، والعلم والتربية والأخلاق والإنسانية في بلدنا المنكوب"، مضيفة في بيان لم نحلم "يوماً بأن نربّي تلاميذنا ونتعهدهم ليموتوا أمام أعيننا تحت الحجارة والركام! فقد كان الحُلم بالتخرج والشهادات العليا هو غاية المنى، لا النعش والدماء والعزاء! هي صرخة الوجع للطفولة، فاحفظوا أولادنا وفلذات أكبادنا من الموت".

وفي حديث مع موقع "الحرة" تشدد رئيسة الرابطة، ملوك محرز، على ضرورة قيام وزارة التربية بكشف دوري على كل المباني المدرسية، واتخاذها قراراً باستبدال المباني القديمة بأخرى جديدة بدلاً من ترميمها، "حيث يمكن تشييد مجمعات نموذجية تكون متناسبة مع الشروط الملائمة لطبيعة لبنان، كما أنه من الضروري ان تغطي وزارة التربية جميع الطلاب بتأمين صحي شامل".

تضيف محرز "يجب أن يشعر الطلاب أنهم بأمان داخل مدرستهم، لا أن يقصدوها وهم يخشون من ألا يعودوا إلى عائلتهم، فهذا سيؤثر على نفسيتهم، ومن المؤكد أن الطلاب في مدرسة الاميركان حيث وقعت الكارثة باتوا بحاجة إلى عناية نفسية، أعزيهم وعائلة الضحية وأساتذتها، وأشددت على ضرورة أن يأخذ التحقيق بالحادثة مجراه لمحاسبة المسؤول".

ولكي لا يموت الحلم ويقتل العلم، يجب كما يرى عزام أن "تجري كل بلدية مسحاً ميدانياً للمدارس الموجودة ضمن نطاقها للتأكد من مدى مطابقتها لمعايير السلامة العامة، والشروع بترميمها في حال كانت تحتاج إلى ذلك، للحفاظ على سلامة الطلاب والكادر التعليمي".

سلاح حزب الله

الحوار، والاستراتيجية الدفاعية، مفردات خطاب لطالما استخدمته السياسة اللبنانية في نقاش ملف سلاح حزب الله، لكن هل تملك الدولة رفاهية الوقت لإدارة حوار ونقاش استراتيجيات، أم أن الخيارات تصبح أكثر كلفة وتداعياتها أقل قابلية للتحكّم؟

المجتمع الدولي يشترط بسط السيادة الكاملة للدولة اللبنانية على كامل أراضيها كمدخل أساسي لأي دعم سياسي أو اقتصادي، فيما تحذر إسرائيل من أنها "ستنفذ المهمة" بنفسها، في حال استمر "تقاعس الدولة".

فهل لا يزال الانتظار خياراً قابلاً للصرف في ميزان التطورات الإقليمية والدولية؟ وهل يُمكن للتعويل على عامل الوقت أن يصمد طويلاً في وجه التحوّلات المتسارعة؟

مصادر تتحدث للحرة عن مؤشرات على نهج جديد.

قنبلة موقوتة

الوقت يداهم لبنان، تؤكد عضو كتلة "الجمهورية القوية" النائب غادة أيوب.

وتشرح "لبنان يعيش تحت وطأة سلاح غير شرعي منذ سنوات، وهذا السلاح جرّ علينا الويلات، من عزلة عربية ودولية، إلى انهيار اقتصادي، إلى تهديد دائم للسلم الأهلي".

ومن يظن "أن ملف السلاح غير الشرعي هو بلا مهلة، واهم أو متواطئ"، تؤكد أيوب. "لأن استمرار سلاح حزب الله هو قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي وقت بوجه مشروع بناء الدولة وبوجه العهد، ولا يجوز لأي مسؤول في الدولة اللبنانية أن يدفن رأسه في الرمال".

وتشدد أيوب في حديث لموقع "الحرة" على أنه "لا مجال بعد الآن للتسويات ولا للتنازلات ولا يمكن أن يبقى هذا الموضوع موضوعًا مؤجّلًا أو قابلًا للمراوغة".

فالبلاد "أمام خطر دائم، ليس فقط على المستوى الأمني، بل على مستوى الاستقرار السياسي والاقتصادي والعلاقات الدولية".

حان "وقت التنفيذ"، تقول، لأنه "لا يمكن أن يُبنى وطن أو يُستعاد الاقتصاد في ظل دويلة ضمن الدولة".
والوقت "ليس مفتوحًا، وكل تأخير هو تراكم إضافي للأزمات".

تفكيك المخازن

من جانبه، يرى المحلل السياسي، المحامي أمين بشير، أن مقاربة الدولة اللبنانية لملف سلاح حزب الله تشهد تحوّلاً جذرياً، "فبعد أن كان هذا الملف يطرح في إطار الاستراتيجية الدفاعية والحوار الوطني، جاءت زيارة المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس إلى بيروت لتحدث نقطة تحوّل مفصلية في مسار التعاطي مع هذا الملف".

الزيارة الأميركية الأخيرة حملت رسالة واضحة، كما يقول بشير لموقع "الحرة"، "مفادها أن أي خطوة تتعلق بتفكيك أو تسليم سلاح حزب الله يجب أن تكون معلنة للرأي العام، لا أن تبقى طي الكتمان. هذا الطرح، لم يكن تفصيلاً، بل كان بمثابة فرض واقع جديد على الدولة اللبنانية، سرعان ما تجلّى بالإعلان عن تفكيك 193 مخزناً من أصل 260 تابعاً لحزب الله، وفق ما كشفه مصدر عسكري لأحد الصحفيين".

ويضيف بشير "هذا التطوّر شكّل صدمة للرأي العام، الذي اعتاد سماع وعود مكرّرة بالحوار دون نتائج ملموسة، وسط نفي دائم من حزب الله لأي نية لتسليم السلاح. لكن ما كان يدار في الغرف المغلقة خرج فجأة إلى العلن، وأصبح تفكيك المخازن مسألة لا تحتمل التعتيم".

حلقة مفرغة؟

سياسة كسب الوقت، أو ما يسمى بسياسة "النعامة"، وفق ما تصف أيوب لا تحمي لبنان، بل تعرّضه كما تقول "أكثر فأكثر للخطر. حزب الله لا ينتظر الدولة ليقرر خطواته، بل يورّط لبنان بقرارات لصالح إيران ومن إيران من دون الرجوع إلى المؤسسات الدستورية". 

"هذا الواقع،" يضيف، "يفتح الباب على مصير مجهول، وربما مواجهة عسكرية تُفرض على اللبنانيين جميعاً من دون رأيهم أو موافقتهم. وحدها الدولة، من خلال قرارها السيادي، تستطيع أن تحمي لبنان، لا الميليشيات".

وتشدد أيوب "نحن مع الحوار، لكن ليس الحوار الذي يطالبون به حول موضوع السلاح لأن الحوار لا يمكن أن يكون غطاءً للشلل أو للاستمرار في الأمر الواقع. إن تجربة السنوات الماضية أثبتت أن طاولات الحوار و'الاستراتيجية الدفاعية' تحوّلت إلى عنوان للاستهلاك الداخلي من دون أي تقدّم فعلي، بل أتت بمفاعيل عكسية وكارثية على البلد ولم تكن سوى وسائل استفاد منها حزب الله لكسب الوقت وللانقضاض على ما تبقى من هيبة الدولة".

"كل طاولات الحوار التي شارك فيها حزب الله انقلب عليها مباشرة"، تقول أيوب. وتوضح "أسقط حوار 2006 عبر حرب يوليو، وأسقط حوار سان كلو 2007 عبر اجتياح بيروت في العام التالي، وأسقط حوار الدوحة 2008 عبر تعطيل الحكومة والسلطة التنفيذية، وأسقط حوار بعبدا 2012 عبر مشاركته في الحرب السورية، وأسقط حوار بعبدا 2017 عبر تمسّكه بالسلاح، وأسقط حوار بعبدا 2019 عبر ضرب النظام المالي، وهذه بعض الأمثلة". 

"لذلك، لا يمكن أن نتوقع من حزب الله أن يتخلى عن سلاحه طوعاً، لكن لا يمكن أيضًا للدولة أن تستسلم لهذا الواقع. المطلوب ضغط سياسي وشعبي ودولي، وموقف وطني موحّد، لاكتساب السيادة كاملة. وهذه ليست مهمة مستحيلة، لكنها تتطلب قراراً".

الحوار حول التنفيذ فقط

أما بشير فيشير إلى تراجع بعض رؤساء الأحزاب عن تحفظاتهم حول الحوار، إثر اتصالات مباشرة مع رئيس الجمهورية "الأخير أوضح أن الحوار لا يعني العودة إلى طاولة وطنية جامعة، بل هو حوار مباشر بينه وبين حزب الله، لبحث آليات تسليم السلاح: هل يسلّم للجيش؟ هل يعاد إلى إيران؟ أم يفكك بطريقة أخرى؟

هذا التوضيح، وفق بشير، "أزال القلق من احتمال العودة إلى الحلقة المفرغة من الحوارات، وفتح الباب أمام نقاش جدي في تنفيذ القرار 1701 بشكل فعلي لا شكلي".

الموقف الدولي واضح وصارم تجاه لبنان كما يشدد بشير "لا مساعدات، لا إعادة إعمار، ولا دعم استثماري أو اقتصادي، من دون حل جذري لملف سلاح حزب الله. هذا ما عبّرت عنه بوضوح الدول الخليجية، والدول الأوروبية، والإدارة الأميركية، التي لم تعد تقبل بتسويف أو مماطلة".

كذلك تؤكد أيوب أن "المجتمع الدولي ينظر إلى هذا الملف كأحد الأسباب الأساسية لفشل الدولة اللبنانية في استعادة سيادتها واستقرارها". وتقول "هناك قناعة متزايدة لدى المجتمع الدولي أن غياب القرار الحاسم في هذا الملف ينعكس سلباً على كل مسار الدعم والمساعدة". 

"هذا التردّد قد لا يُفهم على أنه حكمة، بل على أنه عجز أو تواطؤ. وإذا لم تُظهر الدولة إرادة فعلية في معالجة السلاح غير الشرعي، فإن أي مساعدة دولية ستبقى مشروطة ومحدودة".

منظومة هيمنة

من جانبه، يرى بشير أن المشكلة لا تتعلق فقط بالسلاح كرمز للهيمنة، "بل بحزب الله كمنظومة متكاملة تهيمن على مفاصل الدولة، اقتصادياً وأمنياً وحتى قضائياً.

ويقول "نحن لا نتحدث فقط عن سلاح، بل عن شبكة مصالح موازية تنخر جسم الدولة من الداخل"، في إشارة إلى مؤسسات الحزب المالية، "كمؤسسة القرض الحسن، وشبكة المؤسسات الموازية التي أنشأها في قطاعات الكهرباء، والمرافئ، وحتى القضاء".

لبنان اليوم، كما يقول بشير، يقف بين خيارين "إما نجاح المفاوضات الأميركية–الإيرانية وانعكاساتها الإيجابية على الداخل اللبناني، وإما انفجار عسكري جديد في حال فشلها، فيما إسرائيل تترقب لاستغلال أي فراغ لتبرير تدخلها العسكري، تحت ذريعة بناء حزام أمني لسكان شمالها".

من هنا، يحذّر من الاكتفاء بدور المتفرّج على طاولة المفاوضات. ويشدد على ضرورة أن "تمتلك الدولة اللبنانية، ممثلة بالرئيس والحكومة، موقفاً وطنياً واضحاً حيال هذا الملف، لا يقتصر فقط على المهلة الزمنية، بل يتجاوزها إلى ما بعدها. يجب أن نكون جاهزين للاستفادة من الفرص أو مواجهة التحديات، لا أن نكون مجرد ضحايا على طاولة مفاوضات تدار من الخارج".

ويختم بشير بالتأكيد على أن تفكيك منظومة حزب الله ليس مجرد مطلب سياسي، "بل ضرورة لبناء دولة حديثة قادرة على استعادة سيادتها وثقة المجتمع الدولي بها، ويقول "لبنان لا يمكن أن ينهض طالما هناك مجموعة مذهبية تعمل وفق نظام مصالح خاص، وتخضع لسلطة خارجية. المطلوب ليس فقط نزع السلاح، بل تفكيك كامل للشبكات الرديفة التي أضعفت الدولة ودمّرت مؤسساتها".