مظاهرة نسائية في شوارع بيروت (أرشيف)
مظاهرة نسائية في شوارع بيروت (أرشيف)

"تعرّضت للاغتصاب، وعلمت بحملي بعد خمسة أشهر من الجريمة، إلا أن عائلتي منعتني من التبليغ عن المجرم بسبب خوفهم من المجتمع، وتعرضت للتهديد بالقتل من شقيقي إن بلغت عن الأمر. لقد تسبّبت لي هذه الحادثة بصدمة كبيرة، ومررت بالكثير من المشاكل النفسيّة والخوف والقلق الدائمين والرغبة بالعزلة نتيجة لذلك"، تقول إحدى الناجيات من اعتداء جنسي في لبنان تحدثت عن تجربتها بعد لجوئها إلى منظمة "أبعاد" للحصول على الحماية. 

"العرض والشرف"، هاجس يمنع 6 من أصل 10 نساء تعّرضن للاعتداء الجنسي في لبنان من التبليغ عن الجريمة، فيما 71% منهن يعتبرن أن المجتمع يرى بالدرجة الأولى في الجريمة، اعتداء على "عرض العائلة"، قبل أن يكون اعتداء جسدي ونفسي على المرأة. 

جاءت هذه النسب في دراسة إحصائية أعدتها منظمة "أبعاد"، التي تعمل على تعزيز المساواة والعدالة الجندرية، بهدف تسليط الضوء على جرائم الاعتداء الجنسي في لبنان ومعرفة مدى لجوء النساء اللواتي يتعرضن للعنف الجنسي للتبليغ، وما هي أسباب الامتناع عن ذلك.

وسجلت قوى الأمن الداخلي في لبنان، 57 حالة اعتداء جنسي مبلغ عنه في لبنان منذ مطلع العام 2022 لغاية شهر أكتوبر، من بينها 20 حالة اغتصاب و37 حالة تحرّش جنسي، أي بمعدل 6 حالات في الشهر. 

#NoShameNoBlame | #لا_عرض_ولا_عار

كم مرّة سمعنا إنو لازم نتستّر عن كل الجرايم اللي بتتعلَّق بالإعتداء الجنسي لأنها بتمسّ ب "العرض"؟ الإعتداء الجنسي جريمة #لاعرض_ولا_عار! Diakonia | Ministerie van Buitenlandse Zaken | Rutgers | RDPP Middle East | The Danish Embassy in Beirut | Kirkens Nødhjelp | United Nations Democracy Fund (UNDEF) | PAX | Nour Arida|

Posted by Abaad on Thursday, November 24, 2022

 

"لا عرض ولا عار"

الدراسة التي أعلنت نتائجها اليوم الجمعة، جاءت في سياق حملة أطلقتها منظمة "أبعاد" تحت عنوان "# لا_عرض_ولا_عار" تطالب بتعديل الفصل السابع من قانون العقوبات اللبناني الخاص بجرائم الاعتداء الجنسي وتشديد العقوبات عليها، وتستهدف فكرة اعتبار تعرض النساء للعنف الجنسي او الاعتداء مس بالعرض والشرف العائلي، مشددة على انها جريمة تستهدف جسد المرأة قبل أي شيء آخر. 

وتأسف مديرة منظمة "أبعاد" غيدا عناني للربط الذي يتم بين جرائم الاعتداء الجنسي في لبنان بموضوع العرض والشرف والعار، وتقول "نحن في أبعاد منذ بدأنا العمل على هذه القضيّة أكدنا على أهمية النظر إلى هذا النوع من الجرائم خارج سياق التنميط المجتمعي والتعامل معها بحزم". 

وتتابع "القوانيين يجب أن تكون حازمة لا منمطة، فالسيدة التي تتعرض للإعتداء الجنسي "الإغتصاب" لم تكن تجرؤ أن تقوم برفع دعوى قانونية بسبب الوصمة المجتمعية أو إذا تجرأت على ذلك يقوم المجرم بطلب الزواج منها فيسقط حقها في معاقبته وهو ما تغير بتعديل القانون 522 ويبقى أن نقوم بتفعيل هكذا قوانيين وتعديل ما يبطء سير العدالة وتحقيقها حتى تشعر من تعرضت للإعتداء بالأمان وأن حقها لن يذهب هدراً أو سدى وأن العقوبة بإنتظار كل من تسول له نفسه أن يتعرض لسيدة أو فتاة بإعتداء ما."

وتطالب منظمة "أبعاد" بتعديل وتشديد العقوبات على جرائم الاعتداء الجنسي على اعتبار هذا الموضوع يشكّل رادعًا لمنع حدوث مثل هذه الجرائم، ولهذا الهدف تتواصل المنظمة مع الكتل النيابيّة لتسليمها مقترح تعديل الفصل الأوّل من الباب السابع من قانون العقوبات اللبناني من أجل أن يكون منصفًا لكل ضحيّة وناجية من هذه الجرائم، و"تعول على السلطة التشريعية في لبنان لإنصاف النساء والموافقة على التعديلات المقترحة"، بحسب عناني.

يتزامن إطلاق الحملة مع اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة في 25 من نوفمبر من كل عام، حيث تطلق هيئة الأمم المتحدة للمساواة بين الجنسين وتمكين المرأة سنوياً، حملة الـ 16 يوماً من الأنشطة لمكافحة هذا العنف، وتحذو المنظمات الحقوقية والإنسانية حذوها في نطاقها المحلي. 

وعلى الرغم من رفضه الأخلاقي والمبدئي للفعل، يبدو جنوح المجتمع اللبناني إلى ربط الاعتداءات الجنسية بالعرض والشرف إلى حد التستر والمداراة مثيراً للاستفهام لما فيه من تناقض مع موقفه من جرائم الاعتداء الجنسي وأدائه بعد وقوعها، وحول ذلك تشرح عناني لموقع "الحرة" أن مصدر هذا الجنوح هو "العادات والتقاليد التي تشكل ثقل معكوس بالنسبة للمجتمع، فمسألة محرم تناولها تكون تحت مسميات مختلفة تمس بالحالة النفسية للجماعة أو الفرد كالإعتداء الجنسي الذي يصب في خانة العار والعيب."

 وعليه تضطر من تعرضت للعنف جنسي، وفق مديرة منظمة "أبعاد" إلى كتمان الأمر "حتى لا تصبح ثقلاً على كاهل عائلتها ضمناً أو مجتمعياً ووصمة عار لهم، بحسب المفهوم الذكوري، والذي يمكن أن يشكل خطراً على حياة السيدة أو الفتاة أو حتى تزويجها قسراً من مغتصبها للتستر على "الفضيحة" وسترها كضحية فيلوذ المجرم بجرمه وتموت الضحية وهي على قيد الحياة مرات ومرات يومياً وهذا مردّه الى أن المجتمع يلوم الضحية يحاسبها بدل أن يحاسب المجرم ويحتضنها لتمكينها في وجه هكذا ممارسات. 


أبرز الهواجس

"لم يكن لديّ أو لدى والدتي الجرأة للتبليغ عن الإعتداء، وقد أجبرتني عائلتي على الزواج من رجل يكبرني سنًّا للتستر على عرضهم." تنقل أبعاد عن ناجية أخرى أدلت للمنظمة بشهادتها، وأضافت "أقول لكلّ ناجية من العنف الجنسي أن الذنب ليس ذنبك، حاولي أن تكوني قويّة وأبلغي من تثقين بهم لمساعدتك". 

تبين الدراسة أيضاً أن النسبة نفسها من النساء (6 من أصل 10) ممن تعرضت بناتهن للاعتداء الجنسي، لم يبلغن عن هذا الاعتداء بسبب "العرض والشرف"، والنسبة نفسها لم يبلغن نتيجة رفض العائلة بسبب هاجس "العرض والشرف"، الذي صنفته الدراسة كأبرز أسباب عدم التبليغ عن هذا النوع من الجرائم في لبنان. 

نُفِذَت هذه الدراسة ما بين الثالث عشر من شهر تشرين الأول من العام 2022 والحادي والعشرين منه، وشملت 1800 سيدة وفتاة مقيمة في لبنان (1200 لبنانية، 400 سورية، 200 فلسطينية) تراوحت اعمارهن ما بين 18 و50 سنة، وتوزعت العينة على مختلف المناطق اللبنانية، وشملت السكان من مختلف المستويات الثقافية ومن مختلف فئات الدخل.

وقد كان لافتاً، وفق الدراسة، أن سلوك النساء لناحية التبليغ، يختلف بين من تعرضن لاعتداء جنسي وبين من لم يتعرضن، اذ أن النساء اللواتي لم يتعرضن للعنف الجنسي أكدن، وبنسب مرتفعة جداً، أنهن سيبلغن عن هذا الاعتداء، لكن المفارقة أن هذه النسبة انخفضت كثيراً لدى النساء اللواتي تعرضن فعلاً لاعتداء جنسي تحت ضغط "العرض والشرف".

84 في المئة من النساء اللواتي لم تتعرضن لاعتداءٍ جنسي، أعلن أنهن سيبلغن في حال لو تعرضن لهذا الاعتداء، في المقابل فإن أكثر من نصف النساء (55 في المئة) اللواتي تعرضن لاعتداءٍ جنسي لم يبلغن عن هذا الاعتداء، أي ان امرأة من أصل 2 تعرضن لاعتداء جنسي لم تبلغ عنه. 

ومن أصل 10 نساء، 6 اخترن إبلاغ السلطات الأمنية والقضائية عن الجريمة، فيما 5 منهن بلغن الأهل والعائلة عما حصل، و2 فقط شاركن الأمر مع أحد الأصدقاء، و2 أيضاً من أصل 10 لجأن إلى احدى الجمعيات المعنية.

عقوبات مجهولة

"تعرّضتُ للاغتصاب. لم أبلّغ القوى الأمنيّة بسبب عدم امتلاكي أوراقًا قانونية. فأنا لاجئة في لبنان منذ سنين. وقد كنت أخاف من أن يتمّ توقيفي في حال توجهت إلى القوى الأمنيّة. لم أخبر أحدًا بالجريمة وأكثر ما يعذبني اليوم أن الجاني لم ينل عقابه." تنقل أبعاد عن ناجية أخرى أيضاً. 

وتبين الدراسة أن 4 من أصل 10 نساء تعرضن للاعتداء الجنسي لم يبلغن عن هذا الاعتداء لأن لا أحد سيصدقهن، فيما 2 ممن تعرضن للاعتداء الجنسي لم يبلغن عن هذا الاعتداء لأن ليس لديهن ثقة أنه بإمكانهن الوصول الى نتيجة، ويرون أن العقوبة لن تكون جدية.

ومن بين أهداف الدراسة أيضاً تحديد مدى المعرفة بالعقوبات التي ينص عليها قانون العقوبات اللبناني لجرائم العنف الجنسي، المدرجة ضمن الفصل السابع منه، والتي تنص على سلسلة عقوبات تجاه حالات مختلفة من الاعتداءات الجنسية، وتميز بين الاعتداء على البالغ أو القاصر، وتشدد العقوبة كلما كانت الضحية أصغر عمراً. 

وتنص المادة 503 من قانون العقوبات على معاقبة "من اكره غير زوجه بالعنف والتهديد على الجماع بالاشغال الشاقة خمس سنوات على الأقل، ولا تنقص العقوبة عن سبع سنوات اذا كان المعتدى عليه لم يتم الخامسة عشرة من عمره."

58 في المئة من المشاركات في الدراسة لا يعرفن ما هي هذه العقوبة في القانون اللبناني، فيما 60 في المئة منهن اعتبرن أن هذه العقوبة غير عادلة، وطالب 46 في المئة منهن برفع العقوبة إلى السجن المؤبد. 

والأمر نفسه ينطبق على باقي مواد الفصل السابع من قانون العقوبات المتعلقة بالاعتداءات الجنسية، التي تتراوح مدة عقوباتها ما بين 5 و7 سنوات حيث أن أكثر من نصف المشاركات في الدراسة لم يعرفن بوجود العقوبة ووجدوا أنها ليست عادلة وطالبن بالسجن المؤبد. 

وفي هذا السياق توضح المحامية المتابعة للقضية في منظمة أبعاد، دانيال حويك أن الحملة اليوم ليست جديدة، بل بدأت منذ العام 2017، "حين عملنا على الغاء المادة 522 التي تعفي المغتصب من العقاب في حال تزوج من الضحية، كان الهدف بعدها أن نصل إلى مرحلة العمل على تغيير الثقافة السائدة، لاسيما وأن هذه القوانين الموضوعة منذ أربعينيات القرن الماضي، والتي تعفي المغتصب من الحساب إذا تزوج وكأن جسد المرأة للعائلة والقبيلة والعشيرة ويمثل الشرف والعرض، وفعل التزويج من شأنه أن يغسل العار." 

وتضيف في حديثها لموقع "الحرة" أن المطلب منذ البداية هو "إعادة النظر بجميع مواد الفصل القانوني المتعلق بالجرائم الجنسية، انطلاقاً من أن العقوبات مخففة بصيغتها الحالية، ولم يكن الاعتداء الجنسي يعتبر في وقت وضع القانون جريمة كبيرة، من هنا حملة اليوم تنطلق لتواكب المفاهيم السائدة اليوم وتبدأ من تغيير الفصل القانوني الذي يسميها في عنوانه جرائم "اعتداء على العرض" لتكون اعتداء جنسي، وتشديد العقوبات في كل الفصل لتكون رادعة."

العقوبات اليوم بحدها الأدنى خمس سنوات، والسنة السجنية في لبنان 9 أشهر، وتطالب "أبعاد" بحد أدنى 20 عاماً وترتفع حين يكون الشخص مقرب أو تحت عمر ال12 عاماً أو جرم مكرر، حيث تطالب بالمؤبد.

"أبعاد" أتمت من جهتها إعداد المقترح القانوني، وتم توزيعه على الكتل النيابية في مجلس النواب اللبناني، وحصل الاقتراح بالفعل على توقيع النائب سامي الجميل وكتلته النيابية، وتسعى حويك للحصول على مزيد من التواقيع في الأيام المقبلة، على أن تستمر الحملة في متابعة هذه القضية لجمع اكبر عدد من الكتل النيابية لكي يسلك المسار التشريعي لإقراره، "ووقف التعامل مع هذا النوع من الجرائم بالخفة الحالية"، على حد قول حويك. 

وترجح حويك أن يكون هناك تجاوب واسع من الكتل النيابية، وتضيف "لم نشعر بوجود أي معارضة للمقترح، ولكن مع ذلك لا نعول على الكلام وإنما ننتظر التواقيع، والكتل مدعوة لمواكبة التغيير الحاصل في واقعنا ما بين زمن وضع القانون وزمننا الحالي."
 
وتختم "يجب التسليم بأن الاعتداء الجنسي ليس اعتداء على عرض أو شرف أحد وإنما على الضحية وحريتها وارادتها، من الضروري أن تتغير هذه النظرة، فتغيير النصوص يجب أن يواكبه تغيير في النفوس."

حزب الله

عادت "جمعية القرض الحسن"، الذراع المالي لحزب الله، إلى الواجهة مجددا مع تداول تقارير إعلامية تشير إلى جهود أميركية لإضعاف الحزب ماليا.

الجمعية، التي كانت تدير أكثر من 30 فرعا في مختلف المناطق اللبنانية قبل آخر حرب مع إسرائيل، تثير جدلا واسعا بشأن دورها في تمويل الحزب. 

وتحاصر الجمعية التي تقدم نفسها كمؤسسة خدمات مالية تشمل قروضا دون فوائد مقابل رهونات، اتهامات بتبييض الأموال لتمويل أنشطة حزب الله.

ويزداد الجدل تعقيدا في ظل غياب الرقابة الرسمية التي يفترض أن يقوم بها مصرف لبنان على أنشط "القرض الحسن" المالية.

ومع تصاعد الضغوط الدولية على لبنان لسحب سلاح حزب الله وإغلاق قنوات تمويله، ومع ربط المساعدات الدولية وإعادة الإعمار بتنفيذ إصلاحات مالية واقتصادية، يتساءل كثير من اللبنانيين حول تأثير استمرار عمل "القرض الحسن" على مسار التعافي الاقتصادي في البلاد. 

فهل تستطيع الدولة اللبنانية اتخاذ خطوات حاسمة لإغلاق هذه "المؤسسة المالية" المخالفة لقانون النقد والتسليف؟

تجاوز الترخيص

تأسست جمعية "القرض الحسن" عام 1982 بموجب ترخيص "علم وخبر" صادر عن وزارة الداخلية اللبنانية، وفقاً للخبير الاستراتيجي في المخاطر المصرفية والاقتصادية، الدكتور محمد فحيلي. 

يوضح فحيلي أن "هذا الترخيص يتيح للجمعية تقديم قروض ذات طابع اجتماعي. وفي البداية، افتتحت الجمعية مكاتبها داخل عدد من المصارف اللبنانية في مناطق نفوذ حزب الله، حيث بدأت بمنح قروض صغيرة جداً تتراوح قيمتها بين 100 و3000 دولار".

ومع مرور الوقت، وسّعت الجمعية نطاق خدماتها لتتجاوز حدود الترخيص الممنوح لها، كما يقول فحيلي لموقع "الحرة".

"أصبحت تقدم خدمات مالية مشابهة للخدمات المصرفية، مثل استقبال الودائع ومنح القروض وإصدار بطاقات الدفع البلاستيكية، إضافة إلى توفير الصرافات الآلية. هذه التجاوزات تمت نتيجة غياب الرقابة من قبل السلطة المعنية، وهي وزارة الداخلية التي منحتها الترخيص".

بدوره، يؤكد الصحفي الاقتصادي، خالد أبو شقرا، أن الجمعية تحولت تدريجياً إلى ما يشبه المصرف غير المرخص، لا سيما بعد تركيب أجهزة الصراف الآلي وتقديم قروض بمبالغ كبيرة سنوياً، بالإضافة إلى استقبال الودائع النقدية والذهبية ودفع أرباح عليها.

ويشدد أبو شقرا في حديث لموقع "الحرة" على أن نشاط "القرض الحسن يمثل مخالفة واضحة لقانون النقد والتسليف اللبناني". ويلفت إلى أن جميع المسؤولين في الجمعية منتمون إلى حزب الله ويخضعون لعقوبات أميركية مفروضة من وزارة الخزانة ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية".

ويرى الكاتب والمحلل السياسي، الدكتور مكرم رباح، في حديث لموقع "الحرة" أن "القرض الحسن لا يُعد عقبة بحد ذاته أمام مسار الإصلاح، بل يمثل اختباراً لمدى جدية الدولة اللبنانية في التعامل مع ملف سلاح حزب الله". ويشير رباح إلى أن "القرض الحسن هو سلاح مالي يُدار خارج إطار الدولة".

وتنص المادة 200 من قانون النقد والتسليف على تجريم أي شخص أو مؤسسة تمارس عمليات التسليف دون ترخيص من مصرف لبنان، فيما تلزم المادة 206 بملاحقة المخالفين أمام المحاكم الجزائية.

وفرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على "القرض الحسن" عام 2007، وأعقبتها بعقوبات إضافية في 2021 طالت ستة من موظفيه. وقد اتُهم هؤلاء باستخدام حسابات شخصية في مصارف لبنانية لتحويل أكثر من 500 مليون دولار إلى الجمعية، مما أتاح لها الوصول إلى النظام المالي الدولي.

وفي سياق متصل، سبق أن وصف المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي في تغريدة عبر منصة "إكس"، الجمعية بـ"المصرف الأسود لحزب الله"، مشيراً إلى أنها تُستخدم كقناة خلفية لتبييض الأموال الناتجة عن تجارة المخدرات التي يديرها الحزب، ويمتد نشاطها إلى أميركا اللاتينية.

وفي حديث سابق لموقع "غلوبس" الإسرائيلي، أشار خبير الحرب المالية، عوزي شايع، إلى أن "القرض الحسن" يمثل الخزينة المالية لحزب الله، حيث تُدار من خلاله الحسابات المالية للمنظمة، فضلاً عن تمويل الأنشطة التجارية والخيرية.

خطر مزدوج

يشير تقرير لمنظمة الدفاع عن الديمقراطيات إلى أن "كبار ممولي حزب الله امتلكوا حسابات في القرض الحسن، واستخدم موظفو الجمعية حسابات شخصية في المصارف اللبنانية الكبرى لتنفيذ معاملات نيابة عن الجمعية، مما أتاح لها الوصول إلى النظام المصرفي اللبناني"، 

وأوضحت المنظمة، في التقرير الذي حمل عنوان "القرض الحسن التابع لحزب الله والقطاع المصرفي في لبنان،" أن وزارة الخزانة الأميركية فرضت عام 2019 عقوبات على "بنك جمال تراست" لتورطه في تسهيل وصول "القرض الحسن" إلى القطاع المصرفي، "وهو ما كان أحد الأسباب الرئيسية وراء فرض تلك العقوبات"، وعقب ذلك تقدم المصرف بطلب إلى مصرف لبنان للحصول على الموافقة لتصفيته، وهو ما تم بالفعل.

وفي ديسمبر 2020، تمكنت مجموعة من القراصنة الإلكترونيين تدعى "Spiderz" من اختراق حسابات جمعية "القرض الحسن"، و"نشرت معلومات تتعلق بنحو 400 ألف حساب مرتبط بالجمعية، تضمّنت أسماء شخصيات بارزة في حزب الله. 

ومن بين تلك الشخصيات قائد قوة الرضوان الذي اغتالته إسرائيل وسام الطويل، وإبراهيم علي ضاهر، رئيس الوحدة المالية للحزب، وحتى المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي" وفقا لما نشره موقع "غلوبس".

وعقب هذا الاختراق، أصدرت بعض المصارف اللبنانية بيانات نفت فيها وجود حسابات رسمية باسم "القرض الحسن"، بحسب ما أشارت إليه "منظمة الدفاع عن الديمقراطيات".

وأوضحت أنه "رغم صحة هذه البيانات من الناحية القانونية، إذ لا توجد حسابات مسجلة باسم الجمعية، إلا أن الوثائق المسربة كشفت أن مسؤولي الجمعية استخدموا حساباتهم الشخصية لإجراء معاملات نيابة عنها".

وفي إطار الجهود الأميركية لمساعدة لبنان على تجاوز أزمته الاقتصادية، حملت مورغان أورتاغوس، نائبة المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط، خلال زيارتها إلى بيروت في أبريل الماضي، رسائل متعددة تضمنت التركيز على ملف الإصلاحات الاقتصادية والمالية إلى جانب الشق الأمني المتعلق بنزع سلاح حزب الله.

وفي هذا السياق، يقول فحيلي أن "الولايات المتحدة تعتبر جمعية القرض الحسن إحدى الأذرع المالية لحزب الله. لكن إذا طبّق لبنان القرار 1701 بشكل صارم، فإن الجمعية ستصبح مجرد تفصيل صغير، في حال فرضت وزارة الداخلية حدوداً واضحة على أنشطتها ضمن إطار الترخيص الممنوح لها، فلن تشكل خطراً على مستوى تبييض الأموال أو تمويل الإرهاب".

"سلاح" يجب ضبطه

خلال زيارة وفد مجموعة العمل المالي إلى لبنان، شدد الوفد، وفقاً لما يقول أبو شقرا، "على ضرورة تعزيز الرقابة على المؤسسات المالية غير المرخصة والتي لا تلتزم بالأنظمة والقوانين المعمول بها. هذه المؤسسات، سواء كانت القرض الحسن أو غيرها، قد تساهم بشكل أو بآخر في عمليات تبييض الأموال وتمويل الأنشطة العسكرية، مما يستدعي فرض إجراءات رقابية صارمة للحد من هذه الأنشطة غير القانونية".

وفي ظل تجاوز الجمعية لحدود أنشطتها المسموح بها، يؤكد فحيلي أن المسؤولية تقع على عاتق السلطة اللبنانية التي تمتلك الصلاحيات لتطبيق القانون على المخالفين. ويشدد على ضرورة أن تقوم وزارة الداخلية بإبلاغ إدارة الجمعية بوضوح بحدود الترخيص وإلزامها بالالتزام به.

وبشأن إدراج لبنان على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي، نفى فحيلي وجود علاقة مباشرة بين القرار وأنشطة "القرض الحسن". 

وأوضح أن "المشكلة الأساسية تكمن في غياب الرقابة على المعاملات النقدية، خاصة بعد فقدان الثقة بالمنظومة المصرفية وابتعاد المواطنين عن استعمال وسائل الدفع المتاحة من خلال القطاع المصرفي والإفراط في استعمال الأوراق النقدية، وقرار مصرف لبنان بتجفيف السيولة بالليرة اللبنانية، والذي سمح باستبدال مبالغ نقدية كبيرة بالدولار الأميركي". 

ويضيف أن "هذا القرار، في ظل غياب الرقابة، أعطى مساحة إضافية لمن يريد تبييض الأموال. وزاد الأمور تعقيداً ظهور عدد كبير من الجمعيات المدنية، وكان معظمها غير مرخص، عقب انفجار مرفأ بيروت".

بالنسبة لمطالب صندوق النقد الدولي، يؤكد فحيلي "رغم أنه لا يتدخل في التفاصيل، فإنه بالتأكيد يهتم بأن تكون جميع المؤسسات التي تقدم خدمات مصرفية مرخصة رسميًا وتحت إشراف الجهات الرقابية الرسمية"، وأضاف قوله: "إذا كانت الحكومة اللبنانية تسعى إلى إعادة الانتظام المالي، فإن ذلك يستوجب وجود مؤسسات مرخصة من قبل مصرف لبنان وخاضعة لرقابته".

وفي السياق ذاته، يقول أبو شقرا إن "المجتمع الدولي وصندوق النقد الدولي يطالبان بمعالجة ملفات يعتبرانها أكثر إلحاحاً من ملف القرض الحسن، تشمل إصلاح القطاع المصرفي وإعادة هيكلته، واستعادة الانتظام المالي، ومعالجة الفجوة المالية، وإصلاح قطاع الطاقة، وخاصة قطاع الكهرباء، فضلاً عن إصلاح السرية المصرفية والخروج من اللائحة الرمادية المرتبطة بتبييض الأموال".

ويشير أبو شقرا إلى أنه "رغم قدرة السلطات اللبنانية على وضع حد للنشاط المالي والمصرفي لجمعية القرض الحسن، إلا أن التوازنات السياسية التي شهدتها البلاد في الفترة الماضية حالت دون التعامل الجدي مع الجمعية".

ويعتبر أبو شقرا أن "معالجة ملف القرض الحسن ترتبط أساساً بالتسوية السياسية"، وقال إن القضية لا تقتصر على الإصلاحات المالية فقط، "بل تتطلب مقاربة شاملة تأخذ في الاعتبار الأبعاد السياسية والأمنية والعسكرية".

من جانبه يدعو رباح إلى إغلاق الجمعية فوراً ومنعها من التظاهر بأي شرعية مالية، وأوضح أن "القرض الحسن، سواء كان له ارتباط مباشر بالحرس الثوري الإيراني أم لا، يظل مؤسسة غير حكومية تمارس أنشطة مالية خارج إطار القانون".