رجال إطفاء لبنان يعانون من وضع معيشي كارثي
رجال إطفاء لبنان يعانون من وضع معيشي كارثي

"أقسم بالله العظيم أني أبحث في النفايات عن البلاستيك والحديد لأتمكن من تأمين قوت عائلتي".. كلمات قالها بحرقة الرقيب الأول في فوج إطفاء طرابلس، محمد كسحه، هزت الرأي العام اللبناني، وذلك خلال اعتصام نفذه عناصر الفوج للمطالبة بدفع رواتبهم ومستحقاتهم.

لدى كسحه طفلتان، إحداهما تبلغ من العمر تسعة أشهر، تحتاج شهرياً كما يقول لموقع "الحرة" إلى "1,300,000 ليرة ثمن حليب وحفاضات، في حين أن راتبه يبلغ 1,800,000 ليرة، أما المبلغ المتبقي فلا يكفي ثمن محروقات للانتقال من وإلى مركز عملي، وفوق هذا تم التوقف عن دفع رواتبنا ومستحقاتنا، فكيف لي أن أسيّر أموري، فهل أسرق لكي لا تجوع طفلتيّ؟ بالتأكيد لا يمكن أن أقدم على ذلك".

بعد أن كان راتب الرقيب أول في فوج الإطفاء يعادل 1200 دولار قبل الأزمة الاقتصادية، أصبح الآن يعادل 43 دولارا مع تخطي سعر صرف الدولار في السوق السوداء عتبة الـ 41,000 ليرة.

يقول بغصة: "منذ أسبوعين طلبت مني ابنتي ذات الأعوام السبعة سندويش شاورما لم أتمكن من شرائه لها كوني لا أملك ثمنه، فكيف لأب أن يتحمل عدم قدرته على تلبية ولو طلب بسيط لصغيرته".

رجل يبحث في صندوق قمامة في ظل وضع معيشي مأساوي

انهيار قيمة راتب كسحه دفعه إلى جمع البلاستيك والحديد لبيعها والحصول على مدخول بسيط يسد ولو قليلاً من حاجات عائلته، وكما يقول: "أبيع كيلو الحديد بـ 10,000 ليرة لبنانية، أي مهما جمعت لا يمكن الاتكال على ما أجنيه منه، من هنا أضطر إلى العمل في العتالة كلما سنحت لي الفرصة".

للعام الثالث على التوالي، يعيش اللبنانيون في ظل انهيار مالي غير مسبوق، اعتبره البنك الدولي متعمدا، ومن أسوأ ثلاثة انهيارات مالية في العصر الحديث، إذ فقدت الليرة اللبنانية ما يزيد عن الـ 95 في المئة من قيمتها مقابل الدولار الأميركي، الأمر الذي أدى إلى اتساع رقعة الفقر حتى وصلت إلى حدود الـ80 بالمئة.

وقبل أيام أكد فوج إطفاء طرابلس عدم قدرته على تلبية النداء في حال نشوب أي حريق، مبرراً ذلك في بيان "بعدم توفر مادة المحروقات في اتحاد بلديات الفيحاء الذي يتبع له إدارياً ومالياً، وعدم القدرة على صرف مستحقات العاملين في الاتحاد لا سيما عناصر فوج الإطفاء من رواتب ومساعدات اجتماعية وبدل النقل وغيرها، كذلك عدم استقبال أي مستشفى لجميع العاملين في الاتحاد بسبب عدم دفع مستحقات المستشفيات".

والأربعاء، أكد فوج الاطفاء تسليم مفاتيح آليات الإطفاء إلى رئيس الاتحاد وإغلاق الاتحاد حتى إشعار آخر "إلى أن نصل إلى مطالبنا وليتحمل كل شخص مسؤوليته من موقعه"، وأكد في بيان "سبق أن أصدرنا بياناً يشرح مطالبنا وأوجاعنا، وأوصلنا الصرخة إلى كل معني بالأمر، ولكننا لم نتلق سوى الوعود والمحبة التي لا تأتي لنا برغيف خبز نسد به جوعنا، لذلك قمنا بالأمس بخطوة تصعيدية في المدينة وأقفلنا الطرقات، وهنا نسجل عتبنا على نواب المدينة الذين لم يتضامن أي منهم مع مطالبنا المحقة".

وتوجه إلى الأهالي بالقول: "نحن لم نترك المدينة ولم نتوان عن القيام بواجبنا حتى في أحلك الظروف، من حرب تموز إلى جولات القتال ثم الانفجارات والثورة حتى المشاكل الفردية التي ترتب عنها حرق ممتلكات وآلياتنا تشهد، فآثار الرصاص لم تزل فيها".

"الوضع مأساوي"

لم يقبض عناصر فوج الإطفاء كما يقول الرقيب أول محمد بيروتي لموقع "الحرة" المساعدات الاجتماعية منذ شهر يوليو، و"هذا الشهر لم نقبض حتى راتبنا وبدل النقل، وفوق هذا لا تتم تغطيتنا صحياً من قبل اتحاد بلديات الفيحاء، لذلك أصبح رجل الإطفاء غير مستعد للتضحية بنفسه، كون أي حادث عمل سيتعرض له لن تستقبله أي مستشفى أو سيقع على عاتقه التكفل بعلاج نفسه".

أما كسحه فيذكر كيف اضطر إلى طرق أبواب الجمعيات من أجل تأمين مبلغ 27 مليون ليرة بدل فاتورة استشفاء ابنته التي أصيبت بالتهاب حاد بعد ولادتها حيث استدعت حالتها الصحية وضعها في الإنعاش 12 يوماً، ويضيف "للأسف توقف اتحاد بلديات الفيحاء عن تغطيتنا وعائلتنا صحياً، بالتالي توقفت المستشفيات عن استقبالنا أو علينا دفع الفاتورة، من دون أن نملك ولو ليرة واحدة في جيوبنا". 

قبل أسبوعين اكتشف الأطباء إصابة زوجة الرقيب أول، خليل الأشقر، بسرطان الثدي، وبدلاً من أن يكون تركيزه على كيفية شفاء زوجته واتباع كل ما يطلبه الأطباء للتغلب على مرضها الخبيث، فإن همّه الأكبر، كما يقول، كيفية تأمين الأموال لعلاجها "إذ قبل أن تتناول حبة دواء واحدة دفعت 800 دولار بين فحوص وصور أشعة، أما كشفية الطبيب فمليون و600 ألف ليرة، أي أنها تعادل راتبي تقريباً".

تحتاج زوجة الأشقر إلى عملية تكلفتها 3500 دولار لا يملك منها دولاراً واحداً، ويقول لموقع "الحرة"، "الوضع صعب جداً، فرغت قارورة الغاز ولا يمكنني تعبئتها، فحتى ثمن ربطة خبز لأولادي الثلاثة أعجز عن تأمينه، اقتصر اشتراك المولّد (الكهربائي) على واحد أمبير بثلاثين دولار شهرياً وأفكر طيلة الشهر من أين سآتي بهذا المبلغ، كما أن بدل إيجار منزلي 50 دولاراً، وفوق هذا أطلعني مالكه أنه مع بداية السنة الجديدة سيصبح 100 دولار".

الوضع المأساوي في لبنان وصل إلى درجة أن "أكثر من 60 في المئة من الأسر تضطر إلى شراء الطعام عبر مراكمة الفواتير غير المدفوعة أو من خلال الاقتراض والاستدانة، و30 في المئة من أطفال لبنان ينامون ببطون خاوية، لعدم حصولهم على عدد كاف من وجبات الطعام، في حين لا تملك 77 في المئة من الأسر ما يكفي من غذاء أو مال لشراء الغذاء" بحسب ما سبق أن أكده تقرير لـ"اليونيسف".

وكان لبنان سجّل ثاني أعلى نسبة تضخم اسميّة في أسعار الغذاء حول العالم خلال فترة الأشهر الثمانية الأولى من العام 2022 بحسب تقرير صادر عن البنك الدولي، (198 في المئة نسبة تغيّر سنويّة في مؤشّر تضخّم أسعار الغذاء)، وسبق أن حمّلت الأمم المتحدة الدولة اللبنانية ومصرفها المركزي المسؤولية "عن انتهاكات حقوق الإنسان، بما في ذلك الإفقار غير الضروري للسكان، الذي نتج عن هذه الأزمة التي هي من صنع الإنسان".

تقاذف المسؤوليات

قبل 13 عاما، انضم بيروتي إلى فوج إطفاء طرابلس، من أجل خدمة مدينته وأهلها، من دون أن يتوقع كما يقول "أن أصبح وزملائي البالغ عددهم نحو 40 رجل إطفاء، كبش محرقة لخلاف رؤساء البلديات المنضمين إلى اتحاد بلديات الفيحاء، فهم يمتنعون عن دفع المستحقات المترتبة عليهم ونحن ندفع الثمن"، ويضيف "من جانبي لا أتكل على راتبي من العمل في فوج الإطفاء، لكن لدي زملاء وضعهم مزر جداً، يبكي الحجر ولا يحرّك للأسف ضمير المسؤولين".

بلغ جهاز فوج الإطفاء نقطة اللاعودة كما أكد في بيانه، شارحاً "لم نأخذ مستحقاتنا منذ شهور وإن أخذنا بعضها فبشق الأنفس حتى ترتب على الاتحاد أكثر من 20 مليون لكل عنصر إطفاء وموظف. أطفالنا جاعوا وأغلبنا مهدد بالطرد من منزله بسبب عدم دفع الإيجارات، عدا عن إخراج أولادنا من الصفوف لعدم دفع الأقساط المتراكمة. إن المشاكل الناتجة عن ترؤس بلدية البداوي رئاسة الاتحاد والصراعات القائمة بين البلديات ليس لنا بها ذنب".

تنضوي تحت لواء اتحاد بلديات الفيحاء أربع بلديات وهي، بلديات طرابلس والقلمون والبداوي والميناء، ويضم الاتحاد كما يقول رئيسه ورئيس بلدية البداوي، حسن غمراوي، "170 موظفا بين فعليين ومتقاعدين، وبسبب عدم تسديد البلديات للمستحقات المتوجبة عليها التي هي بمثابة ديون وصلنا إلى مرحلة لم يتم دفع رواتب الموظفين، فحصلت هذه الانتفاضة".

ويشرح لموقع "الحرة" أن "للاتحاد أكثر من ثلاثين مليار ليرة مستحقة على بلدية طرابلس وأكثر من تسع مليارات ليرة مستحقة على بلدية الميناء".

وفيما إن كان عدم دفع البلديات للمستحقات المتوجبة عليها إلى الاتحاد سببه رئاسة غمراوي له، في حين جرى العرف بأن يرأسه رئيس بلدية طرابلس إما نائبه فرئيس بلدية الميناء، أجاب "كلا، فقد مضى على ترؤسي للاتحاد ما يزيد عن الثلاث سنوات".

وعن الحل يقول غمراوي إن "الحل السريع يكمن في تحويل البلديات الأموال المستحقة عليها للاتحاد، لا سيما بلدية طرابلس وهي البلدية الأكبر التي تملك المليارات كذلك بلدية الميناء، أما بلدية البداوي التي أرأسُها فحوّلت المستحقات المترتبة عليها لثلاث سنوات، كما يجب زيادة الدفعات التي يتم تحويلها من الصندوق البلدي المستقل".

من جانبه، رد رئيس بلدية طرابلس، أحمد قمر الدين، على كلام غمراوي بالقول: "كل البلديات المنضوية في الاتحاد لا تسدد الديون المترتبة عليها وليس فقط بلدية طرابلس التي تعتبر من أكثر البلديات من حيث دفع المتوجبات، وليتفضل غمراوي ويدفع المترتب على البلدية التي يرأسها قبل التصويب على غيره، نعم للاتحاد أموال من بلدية طرابلس منذ سنة 2013، لكن هناك بلديات لم تدفع منذ عام 2006، كما أنه يرفض تزويدنا بالكشوفات للأموال التي بحوزته".

يشدد قمر الدين على أنه "جرى تأمين دفعة مالية للاتحاد"، نافياً أن يكون عدم دفع بلديته للمستحقات المتوجبة عليها سببه خلافات مع رئيس الاتحاد، ويقول: "لا توجد أموال لدى البلديات، وعلى سبيل المثال حصلت بلدية طرابلس العام الماضي على 15 مليار ليرة من الصندوق البلدي المستقل بدلاً من 25 مليار ليرة".

كل الزيادات المالية التي وعد بها رجال فوج إطفاء طرابلس لا تزال، كما يقول الأشقر، حبراً على ورق، ويؤكد أنه يفترض "بالحد الأدنى أن يؤمنوا لنا تغطية صحية، كي نتمكن من العمل، إذ كيف سنواجه النيران ونحن غير محصنين استشفائياً، وكيف لنا إنقاذ الآخرين والحفاظ على ممتلكاتهم ولا يوجد محروقات في آليات الإطفاء والإسعاف، وليعلم الجميع أننا نشحذ المازوت من الجمعيات والمتمولين".

"ما يحصل معيب جداً"، كما يقول الأشقر، "فبعد 12 سنة من خدمة وطني والمخاطرة بحياتي، وبعد أن كنت أساعد كل من يحتاجني، أصبحت أنا من يطلب المساعدة من الغير" وختم "اختنقنا، جبال من الهموم نحملها على أكتافنا، في حين أن المسؤولين لا يبالون بوجعنا ولا بوجع بقية الشعب اللبناني".

أما كسحه فيختم متسائلاً: "حتى الراتب القليل الذي ارتضيت وزملائي به لا يتم دفعه لنا، فما المطلوب منا أن يموت أطفالنا من الجوع أمام أعيننا؟ أهكذا يعامل رجال الإطفاء الذين يخاطرون بأنفسهم لإنقاذ أرواح الناس والحفاظ على ممتلكاتهم؟".

مصارف لبنان

في تحول تاريخي لعمل القطاع المصرفي اللبناني، أقرّ مجلس النواب الخميس تعديلات على قانون السرية المصرفية تسهّل للهيئات الناظمة الحصول على كامل المعلومات المتعلّقة بالحسابات.

جاءت الخطوة تلبية لمطلب رئيسي من مطالب صندوق النقد الدولي.

واعتبر رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، القرار "خطوة ضرورية نحو الإصلاح المالي المنشود وركيزة أساسية لأي خطة تعافٍ، ولكشف الحقائق" بشأن الأزمة المالية التي بدأت عام 2019.

والجمعة، نُشر في الجريدة الرسمية اللبنانية قانون تعديل بعض المواد المتعلقة بسرية المصارف في لبنان، بما في ذلك تعديل المادة 7 (هـ) و (و) من القانون المتعلق بسرية المصارف الذي أقرّ عام 1956، وكذلك تعديل المادة 150 من قانون النقد والتسليف الصادر في عام 1963، بموجب القانون رقم 306 الصادر في 28 تشرين الأول 2022.

وينص التعديل الجديد على تعديل المادة 7 (هـ) من القانون المتعلق بسرية المصارف بما يسمح بمشاركة معلومات مصرفية بين مصرف لبنان، ولجنة الرقابة على المصارف، والمؤسسة الوطنية لضمان الودائع، في إطار تعزيز مراقبة القطاع المصرفي وحماية النظام المالي. 

ويشمل التعديل أيضا صلاحيات تعديل وإنشاء مؤسسة مختلطة لضمان الودائع المصرفية.

أما المادة 7 (و) فتتيح للجهات المعنية، مثل مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف، طلب معلومات مصرفية محمية بالسرية دون تحديد حساب أو عميل معين. ويتيح التعديل إصدار طلبات عامة للحصول على معلومات عن جميع الحسابات والعملاء، إلا أن هذه الطلبات يمكن أن تكون قابلة للاعتراض أمام قاضي الأمور المستعجلة، ويخضع الاعتراض للأصول القانونية المتعلقة بالاعتراض على العرائض.

وفي ما يتعلق بالمادة 150 من قانون النقد والتسليف، تضمن التعديل رفع السرية المصرفية بشكل كامل وغير مقيد أمام مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف، بالإضافة إلى المدققين والمقيمين المعينين من قبل مصرف لبنان أو اللجنة.

وتشمل التعديلات الحسابات الدائنة والمدينة، سواء كانت ضمن أو خارج الميزانية، كما تتيح رفع السرية المصرفية عن سجلات ومستندات ومعلومات تعود إلى أشخاص معنويين أو حقيقيين يتعاملون مع المصارف أو المؤسسات المالية الخاضعة للرقابة. ويشمل تطبيق هذا التعديل بأثر رجعي لمدة عشر سنوات من تاريخ صدور القانون.

وقد شهد لبنان خلال الأسابيع الماضية نقاشات حادة، رأى فيها معارضون للخطوة أن هذا القانون ورفع السرية المصرفية طي لصفحة من تاريخ لبنان المالي العريق من خلال "إلغاء ميزة تفاضلية،" وبأن كشف الفساد ليس معطلاً بسبب السرية المصرفية.

ويرى المتحمسون للقانون أن من شأن التعديلات الجديدة تعزيز الشفافية في القطاع المصرفي في لبنان وتحسين مراقبة ومراجعة العمليات المصرفية، في وقت يشهد فيه القطاع المصرفي تحديات كبيرة في ظل الأزمة المالية المستمرة.

وأوضحت "المفكرة القانونية" وهي منظمة حقوقية غير حكومية، في بيان أصدرته أن التعديل يخوّل "الهيئات الرقابيّة والهيئات النّاظمة للمصارف، وتحديدًا مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف والمؤسسة الوطنية لضمان الودائع، طلب الحصول على جميع المعلومات المصرفية، من دون أن يربط طلب المعلومات بأيّ هدف معيّن، وإمكانية التدقيق في الحسابات بالأسماء، تصحيحا لقانون 2022" والذي تضمن بعض التعديلات.

يعتمد لبنان السرية المصرفية منذ عام 1956، وكان لذلك أثر كبير في جذب رؤوس الأموال والودائع وتوفير مناخ الاستقرار الاقتصادي. وبموجب هذا القانون تلتزم المصارف الخاضعة لأحكامه السرية المطلقة، إذ لا يجوز كشف السر المصرفي سواء في مواجهة الجهات الخاصة أو السلطات العامة، وسواء كانت قضائية أو إدارية أو مالية، إلا في حالات معينة في القانون وردت على سبيل الحصر، وهي:

1- إذن العميل او ورثته خطيًا.
2- صدور حكم بإشهار افلاس العميل.
3- وجود نزاع قضائي بينه وبين البنك بمناسبة الروابط المصرفية. 
4- وجود دعاوى تتعلق بجريمة الكسب غير المشروع. 
5- توقف المصرف عن الدفع، إذ ترفع في هذه الحالة السرية المصرفية عن حسابات أعضاء مجلس الإدارة والمفوضين بالتوقيع ومراقبي الحسابات. 
6- الاشتباه في استخدام الأموال لغاية تبييضها، وعندها ترفع السرية المصرفية بقرار من هيئة التحقيق الخاصة لمصلحة المراجع القضائية المختصة والهيئة المصرفية العليا، وذلك عن الحسابات المفتوحة لدى المصارف أو المؤسسات المالية.

وبالفعل ومنذ إقرار هذا القانون ازدهر القطاع المصرفي اللبناني واستطاع جذب رؤوس أموال، لكن كل ذلك تغير مع اندلاع الحرب الأهلية في منتصف السبعينيات، وبدأت الليرة اللبنانية رحلة الانهيار. خمسة عشر عاما من الاقتتال، انتهت بتسويات سياسية، تبعها نظام اقتصادي جديد، قاده منذ عام 1993 الراحل رفيق الحريري رئيسا للحكومة، ورياض سلامة حاكما لمصرف لبنان المركزي، سعيا وراء الاستقرار. 

وبعد أربع سنوات من استلام منصبه، نجح سلامة في تثبيت سعر العملة اللبنانية، عند 1500 مقابل الدولار الأميركي.

استمرت تلك المعادلة أكثر من عقدين، لكنها كانت تحتاج إمدادات لا تنقطع من العملة الصعبة للمحافظة على استمرارها. وفي محاولة لسد العجز، سعت المصارف اللبنانية لجذب حصيلة كبيرة من العملة الخضراء عبر تقديم فوائد مرتفعة على الودائع الدولارية، فوائد تراوحت بين 15 و 16 في المئة.

نتيجة للفوائد البنكية المرتفعة، شهدت ودائع القطاع المصرفي اللبناني نمواً سنوياً وصل ذروته بقرابة 12 مليار دولار خلال عام 2009.

أغرت الفوائد العالية المقيمين والمغتربين، ليصل إجمالي الودائع في المصارف اللبنانية إلى أكثر من 177 مليار دولار في نهاية نوفمبر عام 2018. 

منذ عام 2017، تراجع الاحتياطي في خزينة مصرف لبنان، رغم محاولات جذب الدولار. وفي صيف عام 2019، لاحت بوادر صعوبة في توافر الدولار في الأسواق اللبنانية، فارتفع سعر صرفه مقابل الليرة للمرة الأولى منذ أكثر من 20 عاما، ما دفع الحكومة لاتخاذ إجراءات استثنائية. لكن البعض يرى أن تلك القرارات جاءت متأخرة.

في أكتوبر 2019، انفجر الشارع اللبناني مطالبا بإسقاط السلطة السياسية، وأغلقت المصارف أبوابها، لكن تقارير صحفية تحدثت عن عمليات تحويل لأرصدة ضخمة الى خارج البلاد.

في تقرير لصحيفة فاينانشال تايمز البريطانية، نُشر في صيف 2020، فإنه، وفقا لكبير موظفي الخدمة المدنية المالية السابق في لبنان ومدير عام وزارة المالية السابق ألان بيفاني، قام مصرفيون بتهريب ما يصل إلى 6 مليارات دولار من لبنان منذ  أكتوبر 2019، في تحايل على الضوابط التي تم إدخالها لوقف هروب رأس المال، مع غرق البلاد في أسوأ أزمة مالية منذ ثلاثين 30 عاما، بينما بات مصير مليارات الدولارات مجهولًا. 

بدأت الأزمة المالية بالظهور تدريجيا، لكنها انفجرت حرفيا منذ اندلاع الاحتجاجات في شهر أكتوبر عام 2019. وتشير تقارير رسمية إلى أن أموالا طائلة تصل إلى مليارات الدولارات تم تحويلها إلى الخارج، بينما تم حجز ودائع صغار زبائن البنوك، من دون ضمانات لحماية ودائع المواطنين، ولا سيولة نقدية.

وتقدر تقارير دولية والمصرف المركزي اللبناني أن ودائع صغار زبائن البنوك بحوالي 121 مليار دولار منها ودائع لغير المقيمين تُقدّر بـ20 مليار دولار، وأصحابها لبنانيون وعراقيون ويمنيون وليبيون ومصريون ومن دول الخليج، إضافة لودائع للسوريين، يقدر المصرفيون بأنها أكثر من 3 مليارات دولار.

وفيما تجري التحقيقات حول آلية تهريب الأموال، لم يصل المحققون المحليون ولا حتى الدوليون إلى جواب شاف، لكن كانت دائما "المصالح المتشابكة داخل النظام اللبناني" جزءا من الجواب.

وتعتبر البنوك اللبنانية مرآة للنظام من حيث التقسيم الطائفي، فغالبيتها تابعة لجهات سياسية ومقربين منها، الأمر الذيث كان واضحا في انعدام الرقابة على عمليات إدخال أموال حزب الله المهربة أو غير الشرعية إلى هذه البنوك، مما يعني عمليات تبييض وشرعنة لهذه الأموال.

منذ منذ عام 2001، وضعت الولايات المتحدة حزب الله على قائمة المنظمات الإرهابية، وفرضت عليه عقوبات ضمن خطة لمكافحة تمويل الإرهاب. وفي هذا الإطار صدر قانون مكافحة تبييض الأموال رقم 44، عام 2015، والذي لم يتم تعطبيقه، واكتفى مصرف لبنان بتعاميم، لم تغير واقع الحال.

بدأ لبنان في يناير 2022 مفاوضات رسمية مع صندوق النقد الذي طالما شدد على أنه لن يقدم أي دعم طالما لم تقرّ الحكومة إصلاحات على رأسها تصحيح الموازنة وإعادة هيكلة القطاع المصرفي وإصلاح المؤسسات العامة والتصدي للفساد المستشري.

وأعلن الصندوق في أبريل من العام ذاته اتفاقا مبدئيا على خطة مساعدة بقيمة ثلاثة مليارات دولار على أربع سنوات، لكنّ تطبيقها كان مشروطا بإصلاحات لم يتم تنفيذ معظمها.

في سبتمبر عام 2024، أوقف الحاكم السابق لمصرف لبنان، رياض سلامة، وهو حتى اليوم قيد التحقيق في اتهامات بغسيل الأموال وشراء وبيع سندات خزينة الحكومة اللبنانية. ومنذ انهيار حزب الله اللبناني، في حربه مع إسرائيل، وصعود ما سمي بالعهد الجديد، أقرت حكومة نواف سلام مشروع قانون لإعادة هيكلة المصارف، استجابةً لمطالب صندوق النقد الدولي، الذي اشترط تنفيذ إصلاحات جذرية، بينها رفع السرية المصرفية، كشرط أساسي لأي دعم مالي للبنان، كما تأتي في ظل إدراج مجموعة العمل المالي (FATF) لبنان على اللائحة الرمادية بسبب ثغرات خطيرة في مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.

من المتوقع أن تسهم هذه التعديلات في تعزيز الشفافية المالية، ومكافحة الفساد وتبييض الأموال والتهرب الضريبي، كما يُتوقع أن تفتح الباب أمام إعادة هيكلة النظام المالي اللبناني بالكامل، واستعادة ثقة المجتمع الدولي، وتأمين الدعم المالي اللازم من الجهات المانحة.

إلا أن نجاح هذه الخطوة لا يقاس فقط بالكشف عن الحسابات، بل العبرة في التنفيذ في ظل نظام قضائي شبه مهترئ وتورط بعض من أصحاب النفوذ السياسي والمالي أنفسهم.

لبنان اليوم أمام مفترق طرق، فإما أن يسلك طريق العهد الجديد الذي وعد به اللبنانيون، أو يظل الفساد العنوان الأبرز في سياسات لبنان المالية المقبلة.