رجال إطفاء لبنان يعانون من وضع معيشي كارثي
رجال إطفاء لبنان يعانون من وضع معيشي كارثي

"أقسم بالله العظيم أني أبحث في النفايات عن البلاستيك والحديد لأتمكن من تأمين قوت عائلتي".. كلمات قالها بحرقة الرقيب الأول في فوج إطفاء طرابلس، محمد كسحه، هزت الرأي العام اللبناني، وذلك خلال اعتصام نفذه عناصر الفوج للمطالبة بدفع رواتبهم ومستحقاتهم.

لدى كسحه طفلتان، إحداهما تبلغ من العمر تسعة أشهر، تحتاج شهرياً كما يقول لموقع "الحرة" إلى "1,300,000 ليرة ثمن حليب وحفاضات، في حين أن راتبه يبلغ 1,800,000 ليرة، أما المبلغ المتبقي فلا يكفي ثمن محروقات للانتقال من وإلى مركز عملي، وفوق هذا تم التوقف عن دفع رواتبنا ومستحقاتنا، فكيف لي أن أسيّر أموري، فهل أسرق لكي لا تجوع طفلتيّ؟ بالتأكيد لا يمكن أن أقدم على ذلك".

بعد أن كان راتب الرقيب أول في فوج الإطفاء يعادل 1200 دولار قبل الأزمة الاقتصادية، أصبح الآن يعادل 43 دولارا مع تخطي سعر صرف الدولار في السوق السوداء عتبة الـ 41,000 ليرة.

يقول بغصة: "منذ أسبوعين طلبت مني ابنتي ذات الأعوام السبعة سندويش شاورما لم أتمكن من شرائه لها كوني لا أملك ثمنه، فكيف لأب أن يتحمل عدم قدرته على تلبية ولو طلب بسيط لصغيرته".

رجل يبحث في صندوق قمامة في ظل وضع معيشي مأساوي

انهيار قيمة راتب كسحه دفعه إلى جمع البلاستيك والحديد لبيعها والحصول على مدخول بسيط يسد ولو قليلاً من حاجات عائلته، وكما يقول: "أبيع كيلو الحديد بـ 10,000 ليرة لبنانية، أي مهما جمعت لا يمكن الاتكال على ما أجنيه منه، من هنا أضطر إلى العمل في العتالة كلما سنحت لي الفرصة".

للعام الثالث على التوالي، يعيش اللبنانيون في ظل انهيار مالي غير مسبوق، اعتبره البنك الدولي متعمدا، ومن أسوأ ثلاثة انهيارات مالية في العصر الحديث، إذ فقدت الليرة اللبنانية ما يزيد عن الـ 95 في المئة من قيمتها مقابل الدولار الأميركي، الأمر الذي أدى إلى اتساع رقعة الفقر حتى وصلت إلى حدود الـ80 بالمئة.

وقبل أيام أكد فوج إطفاء طرابلس عدم قدرته على تلبية النداء في حال نشوب أي حريق، مبرراً ذلك في بيان "بعدم توفر مادة المحروقات في اتحاد بلديات الفيحاء الذي يتبع له إدارياً ومالياً، وعدم القدرة على صرف مستحقات العاملين في الاتحاد لا سيما عناصر فوج الإطفاء من رواتب ومساعدات اجتماعية وبدل النقل وغيرها، كذلك عدم استقبال أي مستشفى لجميع العاملين في الاتحاد بسبب عدم دفع مستحقات المستشفيات".

والأربعاء، أكد فوج الاطفاء تسليم مفاتيح آليات الإطفاء إلى رئيس الاتحاد وإغلاق الاتحاد حتى إشعار آخر "إلى أن نصل إلى مطالبنا وليتحمل كل شخص مسؤوليته من موقعه"، وأكد في بيان "سبق أن أصدرنا بياناً يشرح مطالبنا وأوجاعنا، وأوصلنا الصرخة إلى كل معني بالأمر، ولكننا لم نتلق سوى الوعود والمحبة التي لا تأتي لنا برغيف خبز نسد به جوعنا، لذلك قمنا بالأمس بخطوة تصعيدية في المدينة وأقفلنا الطرقات، وهنا نسجل عتبنا على نواب المدينة الذين لم يتضامن أي منهم مع مطالبنا المحقة".

وتوجه إلى الأهالي بالقول: "نحن لم نترك المدينة ولم نتوان عن القيام بواجبنا حتى في أحلك الظروف، من حرب تموز إلى جولات القتال ثم الانفجارات والثورة حتى المشاكل الفردية التي ترتب عنها حرق ممتلكات وآلياتنا تشهد، فآثار الرصاص لم تزل فيها".

"الوضع مأساوي"

لم يقبض عناصر فوج الإطفاء كما يقول الرقيب أول محمد بيروتي لموقع "الحرة" المساعدات الاجتماعية منذ شهر يوليو، و"هذا الشهر لم نقبض حتى راتبنا وبدل النقل، وفوق هذا لا تتم تغطيتنا صحياً من قبل اتحاد بلديات الفيحاء، لذلك أصبح رجل الإطفاء غير مستعد للتضحية بنفسه، كون أي حادث عمل سيتعرض له لن تستقبله أي مستشفى أو سيقع على عاتقه التكفل بعلاج نفسه".

أما كسحه فيذكر كيف اضطر إلى طرق أبواب الجمعيات من أجل تأمين مبلغ 27 مليون ليرة بدل فاتورة استشفاء ابنته التي أصيبت بالتهاب حاد بعد ولادتها حيث استدعت حالتها الصحية وضعها في الإنعاش 12 يوماً، ويضيف "للأسف توقف اتحاد بلديات الفيحاء عن تغطيتنا وعائلتنا صحياً، بالتالي توقفت المستشفيات عن استقبالنا أو علينا دفع الفاتورة، من دون أن نملك ولو ليرة واحدة في جيوبنا". 

قبل أسبوعين اكتشف الأطباء إصابة زوجة الرقيب أول، خليل الأشقر، بسرطان الثدي، وبدلاً من أن يكون تركيزه على كيفية شفاء زوجته واتباع كل ما يطلبه الأطباء للتغلب على مرضها الخبيث، فإن همّه الأكبر، كما يقول، كيفية تأمين الأموال لعلاجها "إذ قبل أن تتناول حبة دواء واحدة دفعت 800 دولار بين فحوص وصور أشعة، أما كشفية الطبيب فمليون و600 ألف ليرة، أي أنها تعادل راتبي تقريباً".

تحتاج زوجة الأشقر إلى عملية تكلفتها 3500 دولار لا يملك منها دولاراً واحداً، ويقول لموقع "الحرة"، "الوضع صعب جداً، فرغت قارورة الغاز ولا يمكنني تعبئتها، فحتى ثمن ربطة خبز لأولادي الثلاثة أعجز عن تأمينه، اقتصر اشتراك المولّد (الكهربائي) على واحد أمبير بثلاثين دولار شهرياً وأفكر طيلة الشهر من أين سآتي بهذا المبلغ، كما أن بدل إيجار منزلي 50 دولاراً، وفوق هذا أطلعني مالكه أنه مع بداية السنة الجديدة سيصبح 100 دولار".

الوضع المأساوي في لبنان وصل إلى درجة أن "أكثر من 60 في المئة من الأسر تضطر إلى شراء الطعام عبر مراكمة الفواتير غير المدفوعة أو من خلال الاقتراض والاستدانة، و30 في المئة من أطفال لبنان ينامون ببطون خاوية، لعدم حصولهم على عدد كاف من وجبات الطعام، في حين لا تملك 77 في المئة من الأسر ما يكفي من غذاء أو مال لشراء الغذاء" بحسب ما سبق أن أكده تقرير لـ"اليونيسف".

وكان لبنان سجّل ثاني أعلى نسبة تضخم اسميّة في أسعار الغذاء حول العالم خلال فترة الأشهر الثمانية الأولى من العام 2022 بحسب تقرير صادر عن البنك الدولي، (198 في المئة نسبة تغيّر سنويّة في مؤشّر تضخّم أسعار الغذاء)، وسبق أن حمّلت الأمم المتحدة الدولة اللبنانية ومصرفها المركزي المسؤولية "عن انتهاكات حقوق الإنسان، بما في ذلك الإفقار غير الضروري للسكان، الذي نتج عن هذه الأزمة التي هي من صنع الإنسان".

تقاذف المسؤوليات

قبل 13 عاما، انضم بيروتي إلى فوج إطفاء طرابلس، من أجل خدمة مدينته وأهلها، من دون أن يتوقع كما يقول "أن أصبح وزملائي البالغ عددهم نحو 40 رجل إطفاء، كبش محرقة لخلاف رؤساء البلديات المنضمين إلى اتحاد بلديات الفيحاء، فهم يمتنعون عن دفع المستحقات المترتبة عليهم ونحن ندفع الثمن"، ويضيف "من جانبي لا أتكل على راتبي من العمل في فوج الإطفاء، لكن لدي زملاء وضعهم مزر جداً، يبكي الحجر ولا يحرّك للأسف ضمير المسؤولين".

بلغ جهاز فوج الإطفاء نقطة اللاعودة كما أكد في بيانه، شارحاً "لم نأخذ مستحقاتنا منذ شهور وإن أخذنا بعضها فبشق الأنفس حتى ترتب على الاتحاد أكثر من 20 مليون لكل عنصر إطفاء وموظف. أطفالنا جاعوا وأغلبنا مهدد بالطرد من منزله بسبب عدم دفع الإيجارات، عدا عن إخراج أولادنا من الصفوف لعدم دفع الأقساط المتراكمة. إن المشاكل الناتجة عن ترؤس بلدية البداوي رئاسة الاتحاد والصراعات القائمة بين البلديات ليس لنا بها ذنب".

تنضوي تحت لواء اتحاد بلديات الفيحاء أربع بلديات وهي، بلديات طرابلس والقلمون والبداوي والميناء، ويضم الاتحاد كما يقول رئيسه ورئيس بلدية البداوي، حسن غمراوي، "170 موظفا بين فعليين ومتقاعدين، وبسبب عدم تسديد البلديات للمستحقات المتوجبة عليها التي هي بمثابة ديون وصلنا إلى مرحلة لم يتم دفع رواتب الموظفين، فحصلت هذه الانتفاضة".

ويشرح لموقع "الحرة" أن "للاتحاد أكثر من ثلاثين مليار ليرة مستحقة على بلدية طرابلس وأكثر من تسع مليارات ليرة مستحقة على بلدية الميناء".

وفيما إن كان عدم دفع البلديات للمستحقات المتوجبة عليها إلى الاتحاد سببه رئاسة غمراوي له، في حين جرى العرف بأن يرأسه رئيس بلدية طرابلس إما نائبه فرئيس بلدية الميناء، أجاب "كلا، فقد مضى على ترؤسي للاتحاد ما يزيد عن الثلاث سنوات".

وعن الحل يقول غمراوي إن "الحل السريع يكمن في تحويل البلديات الأموال المستحقة عليها للاتحاد، لا سيما بلدية طرابلس وهي البلدية الأكبر التي تملك المليارات كذلك بلدية الميناء، أما بلدية البداوي التي أرأسُها فحوّلت المستحقات المترتبة عليها لثلاث سنوات، كما يجب زيادة الدفعات التي يتم تحويلها من الصندوق البلدي المستقل".

من جانبه، رد رئيس بلدية طرابلس، أحمد قمر الدين، على كلام غمراوي بالقول: "كل البلديات المنضوية في الاتحاد لا تسدد الديون المترتبة عليها وليس فقط بلدية طرابلس التي تعتبر من أكثر البلديات من حيث دفع المتوجبات، وليتفضل غمراوي ويدفع المترتب على البلدية التي يرأسها قبل التصويب على غيره، نعم للاتحاد أموال من بلدية طرابلس منذ سنة 2013، لكن هناك بلديات لم تدفع منذ عام 2006، كما أنه يرفض تزويدنا بالكشوفات للأموال التي بحوزته".

يشدد قمر الدين على أنه "جرى تأمين دفعة مالية للاتحاد"، نافياً أن يكون عدم دفع بلديته للمستحقات المتوجبة عليها سببه خلافات مع رئيس الاتحاد، ويقول: "لا توجد أموال لدى البلديات، وعلى سبيل المثال حصلت بلدية طرابلس العام الماضي على 15 مليار ليرة من الصندوق البلدي المستقل بدلاً من 25 مليار ليرة".

كل الزيادات المالية التي وعد بها رجال فوج إطفاء طرابلس لا تزال، كما يقول الأشقر، حبراً على ورق، ويؤكد أنه يفترض "بالحد الأدنى أن يؤمنوا لنا تغطية صحية، كي نتمكن من العمل، إذ كيف سنواجه النيران ونحن غير محصنين استشفائياً، وكيف لنا إنقاذ الآخرين والحفاظ على ممتلكاتهم ولا يوجد محروقات في آليات الإطفاء والإسعاف، وليعلم الجميع أننا نشحذ المازوت من الجمعيات والمتمولين".

"ما يحصل معيب جداً"، كما يقول الأشقر، "فبعد 12 سنة من خدمة وطني والمخاطرة بحياتي، وبعد أن كنت أساعد كل من يحتاجني، أصبحت أنا من يطلب المساعدة من الغير" وختم "اختنقنا، جبال من الهموم نحملها على أكتافنا، في حين أن المسؤولين لا يبالون بوجعنا ولا بوجع بقية الشعب اللبناني".

أما كسحه فيختم متسائلاً: "حتى الراتب القليل الذي ارتضيت وزملائي به لا يتم دفعه لنا، فما المطلوب منا أن يموت أطفالنا من الجوع أمام أعيننا؟ أهكذا يعامل رجال الإطفاء الذين يخاطرون بأنفسهم لإنقاذ أرواح الناس والحفاظ على ممتلكاتهم؟".

سلاح حزب الله

الحوار، والاستراتيجية الدفاعية، مفردات خطاب لطالما استخدمته السياسة اللبنانية في نقاش ملف سلاح حزب الله، لكن هل تملك الدولة رفاهية الوقت لإدارة حوار ونقاش استراتيجيات، أم أن الخيارات تصبح أكثر كلفة وتداعياتها أقل قابلية للتحكّم؟

المجتمع الدولي يشترط بسط السيادة الكاملة للدولة اللبنانية على كامل أراضيها كمدخل أساسي لأي دعم سياسي أو اقتصادي، فيما تحذر إسرائيل من أنها "ستنفذ المهمة" بنفسها، في حال استمر "تقاعس الدولة".

فهل لا يزال الانتظار خياراً قابلاً للصرف في ميزان التطورات الإقليمية والدولية؟ وهل يُمكن للتعويل على عامل الوقت أن يصمد طويلاً في وجه التحوّلات المتسارعة؟

مصادر تتحدث للحرة عن مؤشرات على نهج جديد.

قنبلة موقوتة

الوقت يداهم لبنان، تؤكد عضو كتلة "الجمهورية القوية" النائب غادة أيوب.

وتشرح "لبنان يعيش تحت وطأة سلاح غير شرعي منذ سنوات، وهذا السلاح جرّ علينا الويلات، من عزلة عربية ودولية، إلى انهيار اقتصادي، إلى تهديد دائم للسلم الأهلي".

ومن يظن "أن ملف السلاح غير الشرعي هو بلا مهلة، واهم أو متواطئ"، تؤكد أيوب. "لأن استمرار سلاح حزب الله هو قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي وقت بوجه مشروع بناء الدولة وبوجه العهد، ولا يجوز لأي مسؤول في الدولة اللبنانية أن يدفن رأسه في الرمال".

وتشدد أيوب في حديث لموقع "الحرة" على أنه "لا مجال بعد الآن للتسويات ولا للتنازلات ولا يمكن أن يبقى هذا الموضوع موضوعًا مؤجّلًا أو قابلًا للمراوغة".

فالبلاد "أمام خطر دائم، ليس فقط على المستوى الأمني، بل على مستوى الاستقرار السياسي والاقتصادي والعلاقات الدولية".

حان "وقت التنفيذ"، تقول، لأنه "لا يمكن أن يُبنى وطن أو يُستعاد الاقتصاد في ظل دويلة ضمن الدولة".
والوقت "ليس مفتوحًا، وكل تأخير هو تراكم إضافي للأزمات".

تفكيك المخازن

من جانبه، يرى المحلل السياسي، المحامي أمين بشير، أن مقاربة الدولة اللبنانية لملف سلاح حزب الله تشهد تحوّلاً جذرياً، "فبعد أن كان هذا الملف يطرح في إطار الاستراتيجية الدفاعية والحوار الوطني، جاءت زيارة المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس إلى بيروت لتحدث نقطة تحوّل مفصلية في مسار التعاطي مع هذا الملف".

الزيارة الأميركية الأخيرة حملت رسالة واضحة، كما يقول بشير لموقع "الحرة"، "مفادها أن أي خطوة تتعلق بتفكيك أو تسليم سلاح حزب الله يجب أن تكون معلنة للرأي العام، لا أن تبقى طي الكتمان. هذا الطرح، لم يكن تفصيلاً، بل كان بمثابة فرض واقع جديد على الدولة اللبنانية، سرعان ما تجلّى بالإعلان عن تفكيك 193 مخزناً من أصل 260 تابعاً لحزب الله، وفق ما كشفه مصدر عسكري لأحد الصحفيين".

ويضيف بشير "هذا التطوّر شكّل صدمة للرأي العام، الذي اعتاد سماع وعود مكرّرة بالحوار دون نتائج ملموسة، وسط نفي دائم من حزب الله لأي نية لتسليم السلاح. لكن ما كان يدار في الغرف المغلقة خرج فجأة إلى العلن، وأصبح تفكيك المخازن مسألة لا تحتمل التعتيم".

حلقة مفرغة؟

سياسة كسب الوقت، أو ما يسمى بسياسة "النعامة"، وفق ما تصف أيوب لا تحمي لبنان، بل تعرّضه كما تقول "أكثر فأكثر للخطر. حزب الله لا ينتظر الدولة ليقرر خطواته، بل يورّط لبنان بقرارات لصالح إيران ومن إيران من دون الرجوع إلى المؤسسات الدستورية". 

"هذا الواقع،" يضيف، "يفتح الباب على مصير مجهول، وربما مواجهة عسكرية تُفرض على اللبنانيين جميعاً من دون رأيهم أو موافقتهم. وحدها الدولة، من خلال قرارها السيادي، تستطيع أن تحمي لبنان، لا الميليشيات".

وتشدد أيوب "نحن مع الحوار، لكن ليس الحوار الذي يطالبون به حول موضوع السلاح لأن الحوار لا يمكن أن يكون غطاءً للشلل أو للاستمرار في الأمر الواقع. إن تجربة السنوات الماضية أثبتت أن طاولات الحوار و'الاستراتيجية الدفاعية' تحوّلت إلى عنوان للاستهلاك الداخلي من دون أي تقدّم فعلي، بل أتت بمفاعيل عكسية وكارثية على البلد ولم تكن سوى وسائل استفاد منها حزب الله لكسب الوقت وللانقضاض على ما تبقى من هيبة الدولة".

"كل طاولات الحوار التي شارك فيها حزب الله انقلب عليها مباشرة"، تقول أيوب. وتوضح "أسقط حوار 2006 عبر حرب يوليو، وأسقط حوار سان كلو 2007 عبر اجتياح بيروت في العام التالي، وأسقط حوار الدوحة 2008 عبر تعطيل الحكومة والسلطة التنفيذية، وأسقط حوار بعبدا 2012 عبر مشاركته في الحرب السورية، وأسقط حوار بعبدا 2017 عبر تمسّكه بالسلاح، وأسقط حوار بعبدا 2019 عبر ضرب النظام المالي، وهذه بعض الأمثلة". 

"لذلك، لا يمكن أن نتوقع من حزب الله أن يتخلى عن سلاحه طوعاً، لكن لا يمكن أيضًا للدولة أن تستسلم لهذا الواقع. المطلوب ضغط سياسي وشعبي ودولي، وموقف وطني موحّد، لاكتساب السيادة كاملة. وهذه ليست مهمة مستحيلة، لكنها تتطلب قراراً".

الحوار حول التنفيذ فقط

أما بشير فيشير إلى تراجع بعض رؤساء الأحزاب عن تحفظاتهم حول الحوار، إثر اتصالات مباشرة مع رئيس الجمهورية "الأخير أوضح أن الحوار لا يعني العودة إلى طاولة وطنية جامعة، بل هو حوار مباشر بينه وبين حزب الله، لبحث آليات تسليم السلاح: هل يسلّم للجيش؟ هل يعاد إلى إيران؟ أم يفكك بطريقة أخرى؟

هذا التوضيح، وفق بشير، "أزال القلق من احتمال العودة إلى الحلقة المفرغة من الحوارات، وفتح الباب أمام نقاش جدي في تنفيذ القرار 1701 بشكل فعلي لا شكلي".

الموقف الدولي واضح وصارم تجاه لبنان كما يشدد بشير "لا مساعدات، لا إعادة إعمار، ولا دعم استثماري أو اقتصادي، من دون حل جذري لملف سلاح حزب الله. هذا ما عبّرت عنه بوضوح الدول الخليجية، والدول الأوروبية، والإدارة الأميركية، التي لم تعد تقبل بتسويف أو مماطلة".

كذلك تؤكد أيوب أن "المجتمع الدولي ينظر إلى هذا الملف كأحد الأسباب الأساسية لفشل الدولة اللبنانية في استعادة سيادتها واستقرارها". وتقول "هناك قناعة متزايدة لدى المجتمع الدولي أن غياب القرار الحاسم في هذا الملف ينعكس سلباً على كل مسار الدعم والمساعدة". 

"هذا التردّد قد لا يُفهم على أنه حكمة، بل على أنه عجز أو تواطؤ. وإذا لم تُظهر الدولة إرادة فعلية في معالجة السلاح غير الشرعي، فإن أي مساعدة دولية ستبقى مشروطة ومحدودة".

منظومة هيمنة

من جانبه، يرى بشير أن المشكلة لا تتعلق فقط بالسلاح كرمز للهيمنة، "بل بحزب الله كمنظومة متكاملة تهيمن على مفاصل الدولة، اقتصادياً وأمنياً وحتى قضائياً.

ويقول "نحن لا نتحدث فقط عن سلاح، بل عن شبكة مصالح موازية تنخر جسم الدولة من الداخل"، في إشارة إلى مؤسسات الحزب المالية، "كمؤسسة القرض الحسن، وشبكة المؤسسات الموازية التي أنشأها في قطاعات الكهرباء، والمرافئ، وحتى القضاء".

لبنان اليوم، كما يقول بشير، يقف بين خيارين "إما نجاح المفاوضات الأميركية–الإيرانية وانعكاساتها الإيجابية على الداخل اللبناني، وإما انفجار عسكري جديد في حال فشلها، فيما إسرائيل تترقب لاستغلال أي فراغ لتبرير تدخلها العسكري، تحت ذريعة بناء حزام أمني لسكان شمالها".

من هنا، يحذّر من الاكتفاء بدور المتفرّج على طاولة المفاوضات. ويشدد على ضرورة أن "تمتلك الدولة اللبنانية، ممثلة بالرئيس والحكومة، موقفاً وطنياً واضحاً حيال هذا الملف، لا يقتصر فقط على المهلة الزمنية، بل يتجاوزها إلى ما بعدها. يجب أن نكون جاهزين للاستفادة من الفرص أو مواجهة التحديات، لا أن نكون مجرد ضحايا على طاولة مفاوضات تدار من الخارج".

ويختم بشير بالتأكيد على أن تفكيك منظومة حزب الله ليس مجرد مطلب سياسي، "بل ضرورة لبناء دولة حديثة قادرة على استعادة سيادتها وثقة المجتمع الدولي بها، ويقول "لبنان لا يمكن أن ينهض طالما هناك مجموعة مذهبية تعمل وفق نظام مصالح خاص، وتخضع لسلطة خارجية. المطلوب ليس فقط نزع السلاح، بل تفكيك كامل للشبكات الرديفة التي أضعفت الدولة ودمّرت مؤسساتها".