السوري الذي قت تحت التعذيب في مركز لأمن الدولة اللبناني
الشاب السوري، بشار عبد السعود، توفي نتيجة التعذيب الذي تعرض له خلال التحقيق معه من جهاز أمن الدولة اللبناني نهاية شهر أغسطس الماضي. 

"قرار تاريخي، ومن أجرأ القرارات القضائية الصادرة في تاريخ لبنان"، هكذا يصف خبراء قانونيون القرار الاتهامي الأخير الصادر عن القاضية العسكرية، نجاة أبو شقرا، التي تولت التحقيق في قضية وفاة الشاب السوري، بشار عبد السعود، نتيجة التعذيب الذي تعرض له خلال التحقيق معه من جهاز أمن الدولة اللبناني نهاية شهر أغسطس الماضي. 

وتأتي أهمية القرار، بكونه يوثق ممارسات وحشية حصلت في مركز التحقيق التابع لأمن الدولة، ويكشف عن منهجية معتمدة تستخدم التعذيب والعنف وسيلة لانتزاع اعترافات خطيرة من الموقوفين، في مخالفة موصوفة للقانون اللبناني الذي يمنع التعذيب ويجرمه، في حين أنه من النادر قيام تحقيقات قضائية جدية في لبنان بدعاوى تعذيب خلال التحقيقات الأولية، وانتزاع الاعترافات بالقوة، رغم أن هذه الممارسات منتشرة بشكل كبير في معظم مراكز التحقيق التابعة للأجهزة الأمنية والعسكرية اللبنانية. 

وكانت النيابة العامة العسكرية قد أوقفت خمسة ضبّاط وعناصر في أمن الدولة مطلع سبتمبر الماضي، على إثر وفاة الموقوف، وتمت إحالتهم إلى قاضية التحقيق العسكري، نجاة أبو شقرا، وفي 29 نوفمبر الماضي، وجهت أبو شقرا تهمة التعذيب إلى عناصر أمن الدولة الخمسة بموجب قانون مناهضة التعذيب رقم 65 الصادر عام 2017، فيما نُشر القرار في الرابع من ديسمبر الجاري.

ولم يكتف القرار الاتهامي الذي نشرت نصه الكامل حصرياً مجلة "محكمة" المتخصصة بالشؤون القضائية والقانونية في لبنان، بتثبيت وتوثيق التعذيب الوحشي الذي أدى إلى وفاة عبد السعود، وإنما كشف أيضاً عن محاولات التزوير والتلاعب بالتحقيقات وتلفيق الاتهامات التي قام بها مكتب أمن الدولة، إضافة إلى الإفادات الكاذبة التي أدلى بها الضابط المسؤول عن المركز لمرؤوسيه وللقضاء قبل وخلال التحقيقات. 

تعذيب وحشي

ويوجه القرار اتهاماً لـ 5 أشخاص بينهم الضابط المسؤول عن تعذيب، بشار عبد السعود، 30 عامًا، بعد اعتقاله في 30 أغسطس 2022، ما أدّى إلى وفاته متأثرًا بجراحه خلال التحقيق معه. وكان موقع "الحرة" قد تابع الواقعة في تقرير مفصل يكشف عن التعذيب الوحشي الذي تعرض له عبد السعود، والمجريات القانونية للقضية، فضلاً عن المتابعة الحقوقية التي حظيت بها

القاضية أبو شقرا، ومن خلال قرارها، سلطت الضوء للمرة الأولى بهذا الوضوح، على منهجية التعذيب المعتمدة من قبل الأجهزة الأمنية اللبنانية، الخاضعة لاستنسابية ومزاجية وتقدير المحقق الشخصي، كاستخدام الضرب وفقاً للتهمة المساقة للمتهم، فيزيد كلما كانت التهمة "أخطر" وفق تقدير المحقق، ويقتصر على "كفين" حين تكون التهمة "غير مهمة" وفق تقديره أيضاً، وبغطاء ضمني من قبل رؤساء وضباط هذه الأجهزة، بحسب ما أظهر نص القرار الاتهامي الذي تضمن أقوال المتهمين. 

يكشف التقرير أيضاً عن محاولات التلاعب بأسباب الوفاة من ناحية العناصر والضابط المسؤول، ومحاولة تلفيق تهمة تعاطي المخدرات ونسب اعترافات للموقوف من أجل تبرير وفاته بسبب جرعة زائدة، وهو ما كشفته الفحوصات المخبرية على جثة الضحية والتي جاءت سلبية لـ 12 نوعاً من المخدرات ضمنها مادة "الأمفيتامين" الموجودة في الكبتاغون. 

وكان جهاز أمن الدولة اللبناني قد ألقى القبض على بشار عبد السعود، سوري الجنسية، ضمن حملة توقيفات لمن قيل إنهم أعضاء في "خلية تابعة لتنظيم داعش" تنشط ما بين جنوب لبنان وبيروت، وفق الرواية التي قدمها الجهاز الأمني في الـ29 من أغسطس. 

و"سبق للخلية،" بحسب زعم البيان، "أن قاتلت في سوريا، وانتقلت إلى لبنان بطريقة غير شرعيّة". وأضاف البيان أن أفراد الخلية "كانوا يقيمون أثناء توقيفهم في إحدى القرى الحدوديّة جنوبي البلاد"، وأن هذه المجموعة "سبق وأن أدارت شبكة لترويج العملات الأجنبية المزيّفة والمخدّرات، بهدف تمويل عملها ومهامّها". وقال جهاز الأمن اللبناني إن التحقيقات لا تزال جارية لكشف خيوط وأهداف الخلية. 

وفجأة، في الـ 31 من أغسطس، أُعلنت وفاة أحد الموقوفين إثر نوبة قلبية استدعت نقله إلى المستشفى، حيث توفي، لتتكشف تفاصيل عملية تعذيب أقدم عليها مكتب جهاز أمن الدولة، كانت السبب الرئيسي في وفاة الموقوف السوري، كما انتشرت صور وتقارير تظهر آثار التعذيب وجلد لم يترك مكانا في الجثة من دون جروح وكدمات. 

في حينها جرت محاولات عدة للتستر على ما جرى، من بينها تسريب معلومات عن إنجاز أمني حقّقه جهاز أمن الدولة "بتوقيفه خلية لتنظيم داعش"، والتسويق لكون الضحية الذي أطلق عليه صفة "القيادي في داعش"، كان تحت تأثير المخدرات، وحاول مهاجمة المحقق وأن العناصر أمسكوا به لتهدئته، قبل أن يصاب بنوبة قلبية استدعت نقله إلى المستشفى حيث توفي.

خبراء قانونيون اعتبروا قرار المحكمة المتعلقة بملابسان وفاة الشاب السوري عبد السعود خطوة تاريخية.

كل تلك الروايات سقطت في تحقيق القاضية أبو شقرا التي أوردت في تقريرها أقوال المتهمين في جهاز أمن الدولة من جهة وأقوال 7 من الموقوفين في القضية نفسها تعرضوا بدورهم لعمليات تعذيب وحشي تركت أثرها على أجسادهم لوقت طويل، وتمكن القضاء العسكري من توثيقها بالصور وتقارير أطباء شرعيين، ما يثبت أن التعذيب كان نهجاً معتمداً وليس مرتبطا بحالة عبد السعود فقط. 

كما كشفت أقوال الموقوفين عن حجم الرعب الذي يصيبهم بسبب كل ما تعرضوا له، والذي وصل بهم جميعاً إلى حد رفض مواجهة المحققين وعناصر الجهاز الأمني الذين قاموا بتعذيبهم، خشية تعرضهم للمزيد من المشاكل أو لممارسات انتقامية تستهدفهم أو تستهدف عائلاتهم فيما لو تعرفوا على معذبيهم أمام القضاء، وذلك بعد تراجعهم عن اعترافاتهم انتزعت تحت التعذيب المتعلقة بالانضمام إلى تنظيمات إرهابية. 

سابقة قضائية نادرة

يصف المحامي اللبناني المتخصص بالقضايا القانونية والشؤون القضائية ،علي الموسوي، القرار بالتاريخي ويقول إنه "من النادر جداً ان تصدر قرارات عن القضاء في لبنان تتعلق بتعذيب موقوفين خلال التحقيقات الأولية، لذا عندما يصدر قرار ما بهذا الخصوص من البديهي والطبيعي أن يتم الترحيب به لأنه خطوة على طريق تصحيح هذه الطريقة المخالفة والمتعارضة مع القانون والتي لا تليق بأي بلد يدعي صون الحريات ويحترم حرية التعبير والحريات العامة."

ويؤكد الموسوي في حديثه لموقع "الحرة" أن ما حصل "جريمة، وليست مجرد حادثة عرضية لوفاة تحت التعذيب، مهما كانت التبريرات والمسوغات التي حاول الضابط المسؤول عن مكتب تبنين في أمن الدولة تمريرها خلال التحقيق معه، مستخدما توصيفات وعبارات لا تليق بشخص مسؤول عن تحقيقات، على سبيل المثال، حين يتحدث عن عدم تدخله لردع الرتيب الذي مارس التعذيب بحجة "حفظ هيبة التحقيق"، ويسأل الموسوي "ما معنى هيبة التحقيق وما قيمة هيبة التحقيق إن كان الشخص الذي يحقق معه سيموت خلاله؟"

ويتابع "ما معنى أن يقول الضابط أنه أومأ بعينه للرتيب بأن يتوقف عن الضرب؟ بدلاً من أن يردعه بشكل واضح وحاسم وفق ما تفرضه مسؤولياته؟ وبالتالي الضابط في هذه الحالة هو المسؤول الأول عما جرى قبل الرتيب الذي مارس التعذيب، فهو الذي تفرج ووافق على هذا الأسلوب، وكانت النتيجة وفاة الموقوف."

يشدد الموسوي على عدم القبول بانتزاع اعترافات وتلفيق اتهامات، تحت وطأة التعذيب والترهيب والتخويف، بغض النظر عن هوية الشخص والتهمة الموجهة له، مضيفاً أن هذه الأساليب "تستخدم لدى مختلف الأجهزة الأمنية في لبنان"، لافتاً إلى أن التقرير يثبت الاستهتار واللامسوؤلية في التعاطي مع الموقوفين.  

وحول التزوير الذي حاول ضابط وعناصر مكتب أمن الدولة تمريره، يشرح الموسوي أن قرار القاضية أبو شقرا "يكشف ان المكتب بدأ التحقيق ولم يستخدم محضر التحقيق الرسمي الذي يفترض أن يستخدم عادة بشكل طبيعي ويوقع عليه كل من المحقق والموقوف، وبالتالي لم يكن هناك محضر رسمي أصولي، ما يشير إلى وجود نية إخفاء التعذيب الممارس في البداية، بانتظار أن ينهار الموقوف تحت التعذيب فيعترف من ثم يدون اعترافه في المحضر الرسمي ويدفع للتوقيع عليه."

نص القرار القضائي يشير أيضاً إلى أساليب وحشية "تفوق التوقعات في قلة الأخلاق والإنسانية" على حد قول الموسوي، حيث تبين أنه وبالإضافة إلى الضرب والجلد والركل واللكم والإهانات وغيره، وصل الأمر بعناصر جهاز أمن الدولة إلى حد "تقديم مياه ممزوجة بمساحيق غسيل للموقوفين حين يعطشون ويطلبون شرب الماء، ما أدى إلى حالات تسمم ونزيف معوي". 

"تستحق التحية" 

من ناحيته وفي أول تعليق إعلامي له على القرار، يوجه وكيل عائلة عبد السعود ومدير مركز حقوق السجين في نقابة المحامين في طرابلس، المحامي محمد صبلوح، التحية للقاضية أبو شقرا على "قرارها الجريء الذي يوثق ويكشف عن أمور خطيرة جداً تحصل لدى الأجهزة الأمنية في لبنان." 

ويتابع في حديثه لموقع "الحرة" أن القرار كشف كل أساليب التلاعب التي حاول من خلالها عناصر وضابط جهاز أمن الدولة تكمييع القضية والتهرب من العقاب، ويلفت إلى أن أقوال الضابط الواردة في القرار الاتهامي، "تكشف عن وجود قرار داخلي من نوع ما في جهاز أمن الدولة يبرر التعذيب للمتهمين بقضايا إرهاب بغطاء من قيادة الجهاز الأمني، لانتزاع الاعترافات بالقوة، وهذه فضيحة بحد ذاتها وأمر خطير جداً لن يمر مرور الكرام، فهذه الاعترافات من شأنها أن تكون محور مؤتمرات دولية، لما له من دلالات خطيرة، وهذا ما سأعمل عليه كناشط حقوقي."

التدقيق في نص القرار، يظهر بحسب صبلوح، أنه تم تحضير التحقيق مسبقاً للتوقيع عليه، في حين أن الموقوف توفي قبل التوقيع على التحقيق، "فيما درجت العادة وفق ما نشهد كمحامين نحضر التحقيقات، أن يتم التوقيع من قبل المتهم على كل صفحة بصفحتها من ملف التحقيق الأولي قبل الانتقال إلى الصفحة اللاحقة، ما يعني انهم كانوا قد حضروا السيناريو ويطلبون منه فقط التوقيع عليه، من هنا أقول أن هذا القرار أجرأ قرار في تاريخ لبنان صدر عن قاضية تحقيق عسكري، رغم أن موقفي ضد إحالة الملف إلى القضاء العسكري ولكن الحق يقال، بذلت القاضية جهداً جباراً في العمل على هذا الملف بمهنية عالية." 

وبحسب مدير مركز حقوق السجين في نقابة المحامين في طرابلس، فإن القرار كشف أموراً خطيرة موجودة لدى جميع الأجهزة الأمنية والعسكرية في البلاد، وليس فقط لدى أمن الدولة، "هناك ثقافة خاطئة لدى الأجهزة الأمنية في لبنان، في مجال التحقيقات الأولية. فالتجاوزات لا تقتصر على تعذيب أو مخالفة قانونية واحدة، بل في آلية تعامل كاملة مع الموقوف والتحقيق، على سبيل المثال في القضية نفسها لعبد السعود، ورغم وجود المادة 47 التي تفرض حضور محامي إلى جانب الموقوف في التحقيقات الأولية، لم تكن مطبقة ولم يكن هناك محام وتوفي بعد 3 ساعات من توقيفه." 

يذكر أن الضحية عبد السعود لم يسمح له بالاستفادة من نص المادة 47، بحسب الوكيل القانوني لعائلته، لا من ناحية تلاوة حقوقه ولا من ناحية السماح له الاتصال بأهله، ولا من ناحية تعيين طبيب لمعاينته ولا من ناحية السماح له الاتصال بمحام ليحضر التحقيق الأولي معه، حيث أن مصير الضحية بقي مجهولاً، بحسب صبلوح، ولا معلومات عنه حتى تاريخ السبت 3-9-2022، أي بعد حوالي أربعة أيام من توقيفه حين تم الاتصال بعائلة الضحية وطلبوا منهم استلام الجثة بدون أي تفسير.

موقع "الحرة" حاول التواصل مع جهاز أمن الدولة للوقوف على الملابسات المستجدة في القضية،  من خلال الاتصال بالمستشار الإعلامي للجهاز، جورج حرب، الذي أكد عدم اطلاعه بعد على قرار القاضية أبو شقرا، مشيراً إلى أن الجهاز الأمني ليس في وارد التعليق على القرارات القضائية وإنما يلتزم بها.

ترحيب ومخاوف

من جهتها رحبت منظمة العفو الدولية بالقرار الاتهامي الصادر عن القضاء اللبناني في قضية عبد السعود التي تابعتها المنظمة منذ انتشار أخبار الواقعة. 

وقالت نائبة مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة العفو الدولية، آية مجذوب، "إنَّ اتخاذ لبنان خطوة نحو تنفيذ قانون مناهضة التعذيب أخيرًا هو تطور مشجع يمنح بصيص أمل لعائلة بشار عبد السعود وغيره من الضحايا. على مدى سنوات، ظلت ممارسات التعذيب المنهجية وغيره من ضروب المعاملة السيئة والانتهاكات في مراكز الاحتجاز بمنأى عن العقاب."

وأشارت مجذوب إلى أنه "لا تزال عشرات الشكاوى التي تستند إلى قانون مناهضة التعذيب من دون تحقيق، بما في ذلك قضية الممثل اللبناني زياد عيتاني، الذي تعرض للتعذيب على أيدي عناصر من أمن الدولة في عام 2017. نطالب السلطة القضائية بالمثابرة في طريقها نحو تحقيق العدالة، والتحرّك في مثل هذه القضايا بسرعة لمنع حدوث انتهاكات مماثلة في المستقبل."

وكان جهاز أمن الدولة قد اتُهم سابقا بـ "فبركة" ملف تعامل مع إسرائيل للممثل المسرحي اللبناني، زياد عيتاني، قام على أثرها باعتقاله حيث تعرض بدوره للتعذيب والضرب، وانتزاع اعترافات بالقوة، ليتبين بعد احتجاز طويل، وعلى أثر تحقيق منفصل من قبل فرع المعلومات، أن عيتاني بريء من التهمة "الملفقة له لأسباب شخصية وبتورط عدد من الضباط الأمنيين". 

وناشدت المسؤولة في منظمة العفو الدولية، السلطات اللبنانية بنقل هذه القضية من المحاكم العسكرية "التي لا تتلاءم مع معايير المحاكمة العادلة إلى القضاء الجزائي العادي، بما يتماشى مع القانون اللبناني والمعايير القانونية الدولية التي تؤكد على أن المحاكمات المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان يجب أن تتم في المحاكم الجزائية العادية لضمان تحقيق العدالة."

هذا المطلب كان من المطالب الرئيسية للمحامي صبلوح الذي وجهه لمختلف الجهات المعنية من النيابة العامة التمييزية إلى المجلس النيابي وصولاً إلى المنظمات الحقوقية والقانونية والأمم المتحدة، بهدف نقل القضية من القضاء العسكري إلى محقق عدلي، "لأننا في لبنان نعاني من طمس لمعظم القضايا التي تتعلق بالتعذيب وانتهاك حقوق الإنسان وخصوصا في القضاء العسكري"، وفق صبلوح، الذي يتسلح بالمادة 15 من أصول المحاكمات الجزائية التي تؤكد أن هذا النوع من الدعاوى يجب على المدعي العام التمييزي إحالتها إلى المحقق العدلي. 

ويضيف "أنا وبسبب خبرتي في هذا المجال، خفت أن يتم معمعة القضية والتهرب عبر القول إن الموقوف مات تحت تأثير التسمم أو بسبب جرعة زائدة من الكبتاغون، وعندها يصبح ارتكاب الضابط والعناصر عبارة عن جنحة يخرجون منها بسهولة، وهذا ما حاولوا القيام به فعلياً، خاصة أنه في القضاء العسكري لا وجود لجهة مدعية، لا يمكنها الاطلاع على التحقيقات ولا متابعة مسار القضية، يحق لنا فقط الحصول على تقرير الطبيب الشرعي، والتأكد من موته تحت التعذيب أم لا، وحين يصدر الحكم يمكننا الذهاب إلى القضاء المدني للمطالبة بتعويض، ولكن هنا مطلبنا ليس التعويض بقدر ما نهدف إلى منع هذه الممارسات السائدة لدى الأجهزة الأمنية، ومنع المرتكب من الإفلات من العقاب."

وعلى الرغم من رضى المحامي عن القرار الاتهامي الصادرة عن القاضية العسكرية، إلا أن مخاوفه لا زالت موجودة بسبب امساك المحكمة العسكرية بالقضية، ويعبر صبلوح عن خشيته "من محاولة معمعة للقضية إن لم تكن مواكبة بجهود ورقابة حقوقية قانونية وإعلامية من أجل إبقاء الرأي العام المحلي والدولي على اطلاع بما يجري في هذه القضية ومصير المحاسبة فيها، وانا اعمل على إنشاء لجنة مراقبين متخصصين من أجل مراقبة أداء المحكمة ومسار المحاكمة، ونحتاج موافقة وزارة الدفاع، لأن تاريخنا مع القضاء العسكري يدفعنا للقلق في هذا الجانب"، لافتا إلى أن العقوبة في هذه الحالة تصل إلى المؤبد بكونها جريمة قتل.

قضاء "متستر" وأجهزة "فوق القانون"

تذكر منظمة العفو في تعليقها على القرار بقضايا أخرى وثقت فيها بانتظام استخدام التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة في مراكز الاحتجاز اللبنانية، لاسيما المتهمين بقضايا الإرهاب بين العامين 2014 و2021. 

ويتأسف الموسوي في هذا السياق لوجود كثير من القضاة ممن يعاينون آثار التعذيب على الموقوفين ويتغاضون عنه خلال الاستجواب، مشيرا إلى أن نسبة قليلة من القضاة يرفضون ذلك ويجرون تحقيقاتهم لمحاسبة مرتكبي التعذيب.

ويتابع أنه من المفروض على قاضي التحقيق حين يحضر إليه موقوفاً وتبدو عليه علامات التعذيب، ألا يبادر إلى إجراء الاستجواب الاستنطاقي، "يجب أن يمهله فترة ليستعيد وعيه ويستعيد عافيته ليتمكن من تقديم افادة بشكل سليم، ولكن هناك قضاة يقبلون بذلك في حين يفترض أن يبادروا لفتح تحقيق، أقله من أجل مكافحة هذه الطريقة في انتزاع الاعترافات الأولية المنتشرة لدى الضابطة العدلية في لبنان، بغض النظر اذا ما كانت التهمة ثابتة أم لا."

الموسوي يحذر أيضاً من أن الضابطة العدلية تتعامل خلال التحقيقات وفق معاييرها الخاصة، وكأنها فوق القانون ولا تعترف به، حيث لديهم مفاهيم وتقسيمات للتعذيب وكيفية الضرب حسب التهم وتقديراتهم الشخصية.

ويختم المحامي اللبناني بالدعوة إلى إعادة تأهيل كل العاملين في مرحلة التحقيقات الأولية في مختلف الأجهزة الأمنية اللبنانية ضباطاً ورتباء، "كي يكونوا مجهزين للتعامل السليم مع الموقوفين خلال التحقيقات. ويجب ان يفهموا أنها مسؤولية القضاء حصراً البت بالتهمة وتثبيتها"، مؤكداً أن تفعيل المحاسبة القضائية في هذا المكان قد يكون الرادع الأول لهذه الممارسات. 
 

حزب الله

في أقصى الجنوب اللبناني، حيث لا يبدو أن إعادة الإعمار قادرة على إعادة عقارب الدمار إلى الوراء، يبرز السؤال مرة أخرى: من يملك القرار في لبنان فعلا؟ الدولة، أم ميليشيا تعمل بالوكالة داخل الدولة؟

عاد هذا السؤال المزمن إلى الواجهة بعد تأكيد نائب رئيس المجلس السياسي في حزب الله، محمود قماطي، في 3 مايو، مرة أخرى،  رفض الحزب التخلي عن سلاحه لصالح سيادة الدولة.

 "سلاح المقاومة باق ولن يُسلَّم مهما اشتدت الضغوط،" قال قماطي. 

العبارة مألوفة، لكنها تتردد اليوم في لبنان المنهار اقتصاديا، المتعثر سياسيا، والمثقل بتبعات حرب لم يكن حزب الله قادرا على خوضها.

بالنسبة لكثير من اللبنانيين، الجواب بات واضحا. فالحرب الأخيرة مع إسرائيل كشفت حدود قدرة حزب الله العسكرية، وفشله في حماية لبنان من التدمير الواسع النطاق، بل فشله حتى في حماية قياداته. 

ورغم قبوله باتفاق وقف إطلاق النار، الذي اعتبره مراقبون بمثابة "استسلام"، يواصل الحزب تأويل بنود الاتفاق، مصرا على حصر تسليم السلاح في جنوب نهر الليطاني، والاحتفاظ بترسانته في شماله.

الدولة في مواجهة الميليشيا

إصرار حزب الله على الاحتفاظ بسلاحه يتناقض بشكل صارخ مع خطاب القسم الرئاسي والبيان الوزاري، وقرارات دولية أبرزها القرار 1701، والتي تؤكد جميعها حصر السلاح بيد الدولة. ومع ذلك، يصر حزب الله على أن سلاحه لا يزال ضروريا لـ"الحماية والدفاع" رغم أن هذا السلاح نفسه يغرق لبنان أكثر فأكثر في صراعات إقليمية لا طاقة له بها.

"سلاح حزب الله لم يكن يوما لحماية لبنان"، يقول الكاتب والمحلل السياسي علي الأمين، رئيس تحرير موقع "جنوبية"، "الهدف الأساس كان حماية المصالح الإيرانية في المنطقة، من سوريا إلى العراق واليمن".

وفي رأيه، فإن مواجهة حزب الله لإسرائيلي في السابق، لم تكن إلا وسيلة للحفاظ على نفوذ طهران، لا على السيادة اللبنانية. "لبنان لم يكن أولوية، بل جاءت سيطرة هذا السلاح على لبنان لتضعف الدولة والاقتصاد وتساهم في الانهيار المالي والسياسي الذي يعاني منه لبنان حتى اليوم"، كما قال في حديثه لـ"الحرة".

سلاح بلا مهمة

يصف الأمين تصريح قماطي بأنه "نوع من المكابرة". ويضيف: "إذا كان المقصود بالسلاح مواجهة إسرائيل، فسلاح حزب الله فشل فشلا ذريعا في حماية لبنان، بل في حماية قيادته والبيئة الحاضنة ووفر فرصة لإسرائيل لتدمير وتهجير عشرات القرى والبلدات الحدودية".

التناقض جلي: كيف يمكن لحزب أن يشارك في المؤسسات الدستورية للدولة بينما يحتفظ بميليشيا مسلحة خارجة عن سلطتها؟

أداة بيد طهران

من جانبه، يرى المحلل السياسي إلياس الزغبي أن تمسك حزب الله بسلاحه يعكس تطورات تتجاوز حدود لبنان.

"يتبدّل خطاب الحزب تبعا لمسار المفاوضات الإيرانية-الأميركية، والوضع في اليمن، ومصير سلاح الحوثيين"، يشرح الزغبي، "حتى تصريح قماطي الأخير جاء، بعد ثلاثة أسابيع من الصمت، بطلب إيراني على الأرجح، في إطار لعبة التفاوض الأوسع".

ويشير الزغبي إلى أن طهران تسعى لضبط إيقاع أذرعها: إيقاف ضربات ضد الأميركيين، الاستمرار في الضغط على إسرائيل، والمحافظة على ورقة السلاح للتفاوض.

درع مُكلف

ينتقد كثير من اللبنانيين سلاح الحزب باعتباره درعا جلب الخراب بدلا من الحماية. المحلل السياسي خالد ممتاز كتب على منصة أكس "لو كان سلاح حزب الله رادعا، لما تجرأت إسرائيل على استهداف قياداته، ولما بلغت خسائر لبنان 14 مليار دولار، ولا تدمرت مئات القرى بالكامل".

ويضيف: "سلاح الحزب له قيمة فقط في الداخل، لذلك نطالب بتفكيك المنظومة الأمنية المرتبطة به، لأن كواتم الصوت والمتفجرات قتلت خيرة الناس وساهمت في دمار الدولة وإفلاس البنوك ووصول الفاسدين إلى السلطة".

بين البقاء والاندثار

يعتقد الأمين أن الحزب يتمسك بسلاحه لأنه لا يستطيع الاستمرار من دونه. "نزع السلاح يعني تحوّله إلى حزب سياسي عادي، ما يفقده جزءا كبيرا من النفوذ القائم على المال والسلاح والتبعية الكاملة لإيران".

لكن هذا النفوذ يأتي بثمن داخلي متزايد. "حين يتحول السلاح إلى أداة لتخويف المجتمع وفرض القرار، يُغذي الطائفية ويزيد الانقسام"، يحذر الأمين.

ويدعو الحكومة إلى الحزم إذ "لا يجوز للدولة أن تتعايش مع ميليشيا. إما أن يلتزم الحزب بشرعية الدولة، أو أن يخرج منها. لا وجود لمنطقة وسطى".

وهم المقاومة

بحسب الزغبي، فقدت ذريعة المقاومة صلاحيتها بعد الهزيمة أمام إسرائيل. ويقول: "لم يعد بإمكان الحزب الادعاء بأن سلاحه يحمي لبنان، إذليس باستطاعته حتى حماية معاقله".

ويرى أن تذرّع الحزب بخطر التكفيريين وسوريا هو محاولة جديدة لتبرير بقاء السلاح، لكنه يضيف: "الحماية الحقيقية لا تأتي إلا من الدولة وشرعيتها".

ورغم ذلك، لا يتردد حزب الله في مطالبة الدولة بالحماية من الغارات الإسرائيلية، وبالدعم في إعادة الإعمار، بينما يُصر على التفرد بالسلاح. هذا التناقض يعمّق أزمة الشرعية والحكم في لبنان.

البُعد الدولي

تتجاوز تداعيات احتفاظ حزب الله بسلاحه حدود لبنان. فالدعم الدولي مشروط بسيادة الدولة الكاملة. أما إسرائيل، فتحذر من أنها قد تتصرف بمفردها إذا عجزت الدولة اللبانية عن ضبط الميليشيات.

بالنسبة للأمين، لم تعد مسألة السلاح داخلية فقط. فالحزب وافق على اتفاق وقف إطلاق النار. "تصريحاته اليوم تهدف لإشعال أزمة داخلية، لكنها لن تغيّر الموقف الدولي".

ويحذر من أن المماطلة ستزيد من كلفة نزع السلاح على اللبنانيين.

ويذهب الزغبي في الاتجاه ذاته: "ما دام الحزب مسلحا، سيبقى لبنان غير مستقر. السلاح يمنع قيام الدولة، ويُبقي الطوائف في حالة ترقب وقلق دائم من مواجهات جديدة".

ضرورة وطنية

في الذكرى السنوية لأحداث 7 أيار، كتب العميد المتقاعد بعرب صخر، الباحث في شؤون الأمن القومي: "يوم عار كشف الستار عن الوجه القبيح لحزب إيران في لبنان، وبين أن سلاحه ليس من أجل لبنان، بل على لبنان".

وأضاف في منشور على أكس: "اليوم المجيد هو اليوم القريب الذي ننزع فيه هذا السلاح، سلاح الدمار والغدر والاغتيال، والعبثية والتبعية لأعداء لبنان".

ويخلص الزغبي إلى القول إن على الدولة اللبنانية "حصر السلاح في يدها" وذلك "كي تنجح في تحقيق وعودها بالاستقرار والسيادة والإصلاح. فنزع السلاح غير الشرعي سواء كانت هويته لبنانية أو غير لبنانية هو الشرط الأول لنجاح الإصلاح واستجرار أموال المساعدات العربية والدولية المخصصة لإعادة الإعمار، وكذلك لاستعادة ثقة العرب والعالم وتشجيع السياحة وأموال الاستثمارات" في لبنان.