الاتصالات في لبنان
إضراب شركات الخلوي يهدد شبكة الاتصالات في لبنان.

أي عطل طارئ أو مشكلة تقنية من شأنها أن تُفقد لبنان شبكة اتصالاته الخليوية في أي لحظة، فيما خدمة الزبائن في الشركات لا تجيب على أي اتصال، وقد بدأت بوادر الأعطال بالظهور على شكل ضعف في شبكات الإرسال وانقطاع في مناطق معينة. هذا هو الأمر الواقع في لبنان، الذي يشهد إضرابا شاملاً لليوم الرابع على التوالي، ينفذه موظفو شركتي اتصالات الهاتف الخليوي في البلاد، "ألفا" و"تاتش".  

وكان مجلس نقابة موظفي ومستخدمي الشركات المشغلة للقطاع الخليوي في لبنان قد أعلن مطلع الأسبوع "التوقف عن العمل في شركتي ألفا وتاتش ابتداء من الاثنين، وحتى نيل الحقوق"، مؤكدا أن "من يتحمل مسؤولية هذا القرار هو من سلب صاحب الحق حقه ونكث بوعوده".

وأضافت النقابة: "لم نكن يوما هواة تعطيل، لكن عند النكث بالوعود وعند عدم التزام المسؤولين بتعهداتهم بإعطائنا ما هو حق لنا بلا زيادة أو نقصان، ولأننا لم نكن يوما من الطامعين كما غيرنا والإثباتات معلومة وكل ما نطلبه هو حقنا، وبعد إعطاء مهل كدليل على حسن النية، قوبلنا بالتحدي والتهديد والوعيد، ووصلنا إلى نتائج سلبية وعدم رغبة أصحاب الشأن بإعطائنا حقوقنا المنصوص عليها بشكل واضح في عقد العمل الجماعي".

وفي اليوم الرابع للإضراب، وعلى الرغم من المفاوضات الجارية بوساطة لجنة الاتصالات النيابية ووزارة العمل اللبنانية بين الموظفين وإدارات الشركات ووزارة الاتصالات، لم تتقدم أي حلول في المدى المنظور، حيث يتمسك الموظفون بإضرابهم فيما يؤكد وزير الاتصالات عدم القدرة على تلبية مطالب الموظفين، ما يهدد بأزمة اتصالات لا مفر منها مطلع الأسبوع القادم. 

وعليه أعلنت نقابة موظفي شركات الخليوي استمرارها بالإضراب. وفي بيان صادر عنها الخميس، لخصت مطالبها بلائحة من عدة نقاط، حسب الأولويات، بدءا من "إقرار الزيادات السنوية المستحقة منذ العام 2018 حسب عقد العمل الجماعي"، من ثم "إقرار الترقيات المستحقة حسب الأنظمة والقوانين المعمول بها في الشركات (الفا وتاتش) بدون استنسابية"، إضافة إلى "جدولة واضحة للمستحقات المتراكمة (Bonuses+ months 13) والتي تعتبر جزءا أساسيا من الراتب"، وأخيرا "اعتبار عقد العمل الجماعي هو عقد ملزم بكافة بنوده ومنتفعاته دون نقصان".

وهذا الإضراب هو الثاني الذي يأتي بعد رفع الحكومة اللبنانية تعرفة الاتصالات في البلاد في يوليو، بعد الإضراب الأول  الذي شهده شهر أغسطس الماضي،  وعلى الرغم من أن الأسعار تضاعفت أكثر من 5 مرات لم تنعكس تحسنا على أوضاع الموظفين والعاملين في قطاع الاتصالات وشركاته، وفق ما يؤكدون. 

محسوبيات واستنسابية 

يعيد نقيب موظفي شركات الخليوي مارك عون، المشكلة إلى العام 2018، حين توقفت الحكومة اللبنانية عن تسديد الزيادات السنوية للموظفين المنصوص عليها بالعقد الجماعي للشركة، ويقول "صبرنا حينها ووقعت الأزمة المالية، فانتظرنا طيلة تلك السنوات التي لم نحصل فيها على حقوقنا، وإذ بالوزير، يمنح زيادات وترقيات استثنائية واستنسابية لبعض الأشخاص في الشركتين، بناء على محسوبيات سياسية وحزبية، بينما في حالتنا كموظفين في شركات خاصة تتعاقد مع الدولة اللبنانية، لدينا عقد عمل جماعي، الزودة 5٪ على الراتب هي بند شرعي في عقد العمل الجماعي، ويجب أن تقر كل عام للجميع".

ويشرح عود في حديثه لموقع "الحرة" أن النقابة اعترضت على ما يحصل، "حيث لم نكن نريد إثارة شرخ بين الموظفين، بناء على معايير سياسية وطائفية، وهذا ظلم، خاصة أن كل تلك التقديمات الاستنسابية جاءت في زمن الانتخابات، ورغم صبر الموظفين وطول انتظارهم، وبعد الوعود المقدمة لهم من إدارات الشركات ومن وزارة الاتصالات، لم يعطوهم شيئاً، وهو ما أوصلهم إلى الإضراب الشامل".

 "ينظرون إلينا وكأننا محظوظون نسبة لموظفي الدولة، ولكن الحقيقة أن الجميع يعاني وليست الأمور مفاضلة وإنما حقوق مكتسبة للجميع". ويلفت عون إلى أن معدل الرواتب في شركات الاتصالات كان بحدود 1700 "لولار" (تسمية أطلقت على أرصدة الدولارات العالقة في المصارف والتي تصرف وفق سعر 8000 ليرة، فيما سعر صرف الدولار في الأسواق يبلغ 41500 ليرة لبنانية)، ارتفع هذا المعدل إلى 2500 "لولار" بعد الزيادات العشوائية التي أقرها الوزير لبعض المحظيين".

"في المقابل، الحكومة اللبنانية رفعت من تعرفة الاتصالات وبالتالي ما من عذر بعدم توفر الأموال، وهذا ما كانوا قد وعدونا به، أن يرفعوا التعرفة ويدفعوا حقوقنا، ولم يحصل ذلك"، يؤكد عون. 

ويضيف "فيما نحو 80 في المئة من الموظفين يتراوح معاشهم بين الـ 1000 والـ 1500  "لولار"، أي أن راتب الـ1000 دولار يساوي نحو 200 فقط، فيكون 8 ملايين ليرة بدلاً من 41 مليون، فيما سعر صفيحة البنزين الواحدة يقارب المليون ليرة".

حتى الترقيات التي أعطيت عشوائيا، وفق عون، لم تحترم التراتبية داخل الشركات والأنظمة الداخلية، "وقفزت بموظفين من أدنى السلم الوظيفي إلى منصب مدراء، معيارها المحسوبية السياسية وليس التسلسل أو الأحقية أو الكفاءة في كثير من الحالات".

تهديدات بالفصل ونعرات طائفية 

يكشف نقيب موظفي شركات الخليوي، أن هناك عددا من الموظفين يتعرضون للتهديد من وزير الاتصالات بفصلهم إذا ما استمروا بإضرابهم، "رغم أن الإضراب حق شرعي، والموظفون مستمرون بالإضراب وليسوا خائفين من تلك التهديدات، وشأنهم شأن كافة الموظفين والقضاة وغيرهم المضربين عن العمل لنيل حقوقهم، وليس من حق أي جهة أن تهدد موظفاً يطالب بحقوقه".

ويحذر عون من اللعب على الأوتار الطائفية والحزبية السياسية داخل الشركات من أجل تشتيت الموظفين وخلق النعرات في ما بينهم من أجل ضرب مسعاهم النقابي، ويتهم وزير الاتصالات اللبناني بالعمل على ذلك، من خلال استدعاء موظفين بشكل خاص ومحاولة ترغيبهم بزيادات وترقيات خاصة أو ترهيبهم وتهديدهم بالفصل والخطوات القانونية.  

وعلى ضوء الإضراب كان وزير الاتّصالات قد اجتمع مع رئيس حكومة تصريف الأعمال، نجيب ميقاتي، معلناً أنّ "تعطيل المرفق العام هو خطّ أحمر"، كاشفاً عن مباحثات لإيجاد الطرق القانونية لمعالجة أزمة إضراب العاملين في شركتي الاتصالات الخلوية. 

ولم يخف قرم في تصريحاته نيته بحل نقابة موظفي شركات الخليوي عبر وزارة العمل، وطلب انتخابات مبكّرة، إذ لوح بذلك محملاً النقابة مسؤولية الإضراب وتأثيره على المواطنين والبلاد، مشدداً على أنه في الوقت الراهن ليس بالإمكان إعطاء زيادة على الرواتب".

يصف عون أداء الوزير بـ "القمعي"، ويضيف "وصل به الأمر إلى حد إحضار القوى الأمنية لوضعهم في وجه موظفي ألفا وتاتش المعتصمين للمطالبة بحقوقهم، وسحبهم لاحقا رئيس شرطة بيروت رفضا لهذا الموقف المخجل، وقبل ذلك هدد موظفي شركة أوجيرو حين أضربوا للمطالبة بحقوقهم بتدخل الجيش اللبناني". 

ويؤكد عون أنه تواصل بشأن قضية حل النقابة مع وزارة العمل "التي أعلنت وقوفها إلى جانبنا ويتولى وزير العمل التفاوض وقال لنا إنه يحمي العمل النقابي ولا يرضى بأي مس بالعمل النقابي المحمي بالمواثيق الدولية". 

ويتابع "إضرابنا حتى الآن مهذب ومحترم جداً، ولكن من الممكن أن تؤدي الإضرابات إلى أذى كبير، وهذا ما لا نطمح إليه، ولكن إن أرادوا التصعيد سنصعد".

الوزير يرد 

موقع "الحرة" تواصل مع وزير الاتصالات اللبناني، جوني قرم، الذي رأى أن الاتهامات بشأن الاستنسابية والمحسوبيات في الترقيات والزيادات المقدمة، هي اتهامات "قديمة دائما ما يحكى فيها، وسبق أن رددت عليها ولست في وارد الرد عليها الآن".

وكان في تصريحات سابقة قد برر القرم الترقيات بأنها جاءت لملء شواغر بمواقع عدة خلت بعد استقالة موظفين وتخطى عددهم 450 بعد إيجادهم وظائف أخرى تدفع رواتب أفضل​، ومن جهة أخرى لتحفيز ​الموظفين​ الأكفاء على البقاء في القطاع"، كاشفا أن "كل الجهات السياسية أرسلت أسماء لتشملها الترقيات، لكنني أدقق فيها، وأرقي فقط الأكفاء بناء على مؤشرات من بينها أداؤهم ومدى حضورهم إلى العمل وغيرها". 

وعن التهديدات بفصل موظفين، يؤكد القرم لموقع "الحرة" أنه لم يتخذ قراره فيها بعد، إلى حين البت في المفاوضات التي تنسقها وزارة العمل ولجنة الاتصالات النيابية، وبنتيجة الاجتماعات يتبين إن كان الاتجاه تصعيدياً أم نحو التهدئة.  

ويحسم وزير الاتصالات بأنه لا نية لديه للتوقيع على أي زيادات على الرواتب حالياً، ويعبر عن عدم وجود قناعة لديه بزيادة الرواتب بنسبة 25 في المئة كما يطالب الموظفون، مضيفاً "في النتيجة هذه شركتهم هم وليست شركتي أنا، هم من يعملون بها ويستمرون معها".

يحمل القرم المسؤولية كاملة لنقيب الموظفين في شركات الخليوي مارك عون بصورة شخصية، عما قد يحصل في قطاع الاتصالات ومصالح المواطنين ومصير الموظفين في حال الاستمرار بالإضراب، "خاصة وأنهم يعرفون موقفي بأنني لن أوقع".

حتى قضية العقد الجماعي التي يستخدمها الموظفون منطلقاً للمطالبة بحقوقهم، يعبر الوزير القرم عن ملاحظاته ومآخذه عليها، بحيث أن العقد الجماعي لا ينص على إعطاء أي مبالغ مالية بعملة الدولار، "إن وقعوا على تعهد بأنهم لا يريدون الزيادات بعملة الدولار، سأكون حاضراً لتنفيذ العقد الجماعي بدون دفع الدولار الفريش، ولكن لا يمكن الركون للعقد الجماعي في حالات والتغاضي عنه في حالات أخرى".  

وينبه الوزير من وجود مسعى "يبدأ اليوم للمطالبة بزيادة الرواتب تمهيداً للمطالبة بدفع 50 في المئة منها مطلع العام المقبل بعملة الدولار الفريش، وهم ينكرون ذلك، لكنهم في بياناتهم الأولى قالوا إنهم يطالبون بالترقيات دون الزيادات، من ثم طرحوا قضية زيادات الأجور لاحقا".

رواتب موظفي الشركتين هي بحدود 2500 دولار يتقاضون منها 25% "فريش" وقريباً سيتقاضون المبلغ المتبقي على 15 ألف ليرة، كما أنّ لديهم تأميناً من الدرجة الأولى لهم ولكافة أفراد عائلاتهم كذلك تدفع لهم قيمة الأدوية، كما أنّ لديهم مساعدات مدرسية تصل إلى 8 آلاف دولار على كلّ ولد وبينها 20% "فريش، أضف إلى ذلك، خط هاتفي مع تغطية لفاتورته، جمعت كل تلك المحفزات في شركة تاتش مثلاً، تصل التكلفة لـ 640 موظف، 3.75 مليون دولار في الشهر، بمعدل ٥٨٠٠ دولار لكل موظف كتكلفة إجمالية. 

ولدى مواجهته بأن هذه الحسابات تتم وفق "اللولار" وليس القيمة السوقية والشرائية للدولار، يؤكد أن صرف هذه الدولارات سيتم من شهر فبراير المقبل وفق سعر 15000 ليرة بدلا من 8 آلاف، (سعر صرف السوق 41.5 ألف ليرة)، كل ذلك إضافة إلى المحفزات التي يحصلون عليها، تشكل حلماً لأي موظف آخر في لبنان إن كان في القطاع العام أو الخاص، وجميعهم اليوم لا يتقاضون أكثر مما كانوا يتقاضونه في السابق". 

وعما إذا كان رفع تعرفة الاتصالات قد أمن مردوداً كافيا لسد حاجات موظفي قطاع الاتصالات، يؤكد الوزير أن المشكلة تكمن في تأمين الدولارات "الفريش"، لتلبية حاجات ومتطلبات قطاع الاتصالات ومدفوعاته التي باتت جميعها بالدولارخاصة وأنه عاجلاً أم آجلاً ستصرف رواتبهم بالدولار وبالتالي الزيادات التي قد تقر اليوم وفق أسعار صرف متدنية ستصرف لاحقاً بالدولار، وبالتالي المطالبة بالزيادات اليوم نوع من أنواع التذاكي".

ويختم أنا مؤتمن على قطاع الاتصالات، وهذه الأموال ليست ملكي الخاص، ولن أقبل أن يقال بعد سنوات الوزير جوني القرم رفع الرواتب عشوائياً، وأدى ذلك إلى عجز في القطاع وخسارة من قيمته، وهذا هدفي الوحيد في العمل، ولكن في النهاية ليس ذنب المواطن أن يتحمل نتائج الإضراب ويدفع ثمن انقطاع بطاقات الاتصالات والتشريج أضعافاً في السوق السوداء".

أزمة مقبلة بدأ استغلالها 

يذكر أن بوادر أزمة اتصالات حادة بدأت تنعكس في الأسواق اللبنانية، فالإضراب الذي نتج عنه عدم تسليم لبطاقات التشريج والخطوط الجديدة، أدى إلى انخفاض هذه البطاقات من الأسواق، لاسيما وأن الإضراب جاء مفاجئاً لأصحاب محال الخليوي ومراكز التوزيع بحيث لم يكونوا قد احتسبوا للأمر لناحية مخزونهم.  

ووفقاً لتقديرات عون فإن الكميات المتوفرة اليوم في الأسواق لا تكفي لأكثر من 3 أيام، ما يعني أن السوق مهدد بالانقطاع شبه التام في مطلع الأسبوع المقبل إذا ما استمر الإضراب، في حين بدأت تشهد الأسواق ظاهرة احتكار ورفع أسعار البطاقات بنحو 20 في المئة عن سعرها الرسمي، وفق ما أكد عدد من أصحاب المحال لموقع "الحرة"، حيث باتت بطاقة التشريج التي كانت تباع بـ 250 ألف ليرة تباع بـ300 ألف والرقم مرشح للارتفاع في الأيام المقبلة مع اشتداد الأزمة.  

أصحاب المحال يؤكدون أن وكلاء الشركتين لا يزودون الأسواق بتلك البطاقات، ومن يسلم يحد جداً من الكميات، ما أدى إلى نوع من الانقطاع في الأسواق، وتحكم بالأسعار، في حين أن الطلب عليها يرتفع وتحديداً في ظل مشاهدة الناس لكأس العالم عبر هواتفهم والتطبيقات، حيث يزداد الإقبال.  

من جهة أخرى بدأت أعطال تقنية بالظهور على شبكة الإرسال والإنترنت في البلاد في حين يرفض عمال الصيانة أسوة بغيرهم من الموظفين إجراء أي تصليحات، الأمر الذي يهدد بتوقف شامل للاتصالات عند أي خلل طارئ دون أن يتم إصلاحه، مع ما يمثله ذلك من مخاطر وأضرار، أحدث تلك الأعطال طرأ على شبكة الإرسال في منطقة المصنع الحدودية مع سورية شرقي لبنان، حيث انقطع الإرسال نهائياً، دون أن يتم إصلاحه، وهو سيناريو قد يتكرر في أي منطقة لبنانية أو في كامل البلاد في أي لحظة.

متسوقون في سوق النبطية الذي أعيد فتحه بعد تدميره خلال الحرب الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله، في النبطية، جنوبي لبنان، 19 مايو 2025. رويترز
متسوقون في سوق النبطية الذي أعيد فتحه بعد تدميره خلال الحرب الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله، في النبطية، جنوبي لبنان، 19 مايو 2025. رويترز

وسط أنقاض خلفها القصف الإسرائيلي لجنوب لبنان، تحث ملصقات دعائية الناخبين على التصويت لجماعة حزب الله في الانتخابات البلدية غدا السبت، وسط مساعي الجماعة لإظهار أنها لا تزال تتمتع بنفوذ سياسي على الرغم من الضربات الموجعة التي تلقتها العام الماضي في الحرب مع إسرائيل.

والانتخابات البلدية بالنسبة لحزب الله أكثر أهمية من أي وقت مضى، إذ تتزامن مع تزايد الدعوات لنزع سلاح الجماعة واستمرار الضربات الجوية الإسرائيلية، وفي وقت لا يزال فيه كثير من قاعدتها الانتخابية من الشيعة يئنون تحت وطأة تداعيات الصراع.

ومضت بالفعل ثلاث جولات انتخابية أجريت هذا الشهر بشكل جيد بالنسبة للجماعة المدعومة من إيران. وفي الجنوب، لن تكون هناك منافسة في كثير من الدوائر، مما يمنح حزب الله وحلفاءه انتصارات مبكرة.

وقال علي طباجة البالغ من العمر 21 عاما "بالدم نريد أن ننتخب"، في إشارة إلى ولائه لحزب الله. وسيكون إدلاؤه بصوته في مدينة النبطية بدلا من قريته العديسة بسبب ما لحق بها من دمار.

وأضاف "العديسة صارت صحراء، راحت كلها، لم يعد فيها شيء".

ويعكس مشهد الأنقاض في الجنوب التداعيات المدمرة للحرب التي بدأت مع قصف جماعة حزب الله لإسرائيل "إسنادا" لحركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) مع اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر 2023، وتطور الأمر إلى أن بلغ ذروته بهجوم إسرائيلي واسع النطاق.

وباتت الجماعة أضعف مما كانت عليه في السابق بعد مقتل قيادتها وآلاف من مقاتليها وتضاؤل ​​نفوذها على الدولة اللبنانية بشكل كبير وتزايد نفوذ خصومها في البلاد.

وفي مؤشر على مدى انقلاب الموازين، أعلنت الحكومة الجديدة أنها تهدف إلى حصر السلاح بيد الدولة ما يعني ضرورة نزع سلاح حزب الله كما هو منصوص عليه في اتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل والذي توسطت فيه الولايات المتحدة.

وقال مهند الحاج علي من مركز كارنيغي للشرق الأوسط، وهو مركز أبحاث، إن نتائج الانتخابات تشير بناء على ذلك إلى أن "الحرب لم تحقق هدفها المتمثل في خفض شعبية حزب الله ... بل على العكس، يشعر كثير من الشيعة الآن بأن مصيرهم مرتبط بمصير حزب الله".

ولطالما كان سلاح الجماعة مصدر انقسام في لبنان ما أشعل فتيل اقتتال قصير عام 2008. ويقول منتقدون إن حزب الله جر لبنان إلى القتال.

وقال وزير الخارجية يوسف راجي، وهو معارض لحزب الله، إنه تم إبلاغ لبنان بأنه لن تكون هناك مساعدات من المانحين الأجانب لإعادة الإعمار حتى يكون السلاح بيد الدولة وحدها.

من ناحيته، ألقى حزب الله بعبء إعادة الإعمار على عاتق الحكومة واتهمها بالتقصير في اتخاذ خطوات تجاه هذا الأمر رغم وعود الحكومة.

شروط نزع السلاح

قال الحاج علي إن الهدف من ربط مساعدات إعادة الإعمار بنزع سلاح الجماعة هو تسريع العملية، لكن "من الصعب أن يقبل حزب الله بذلك".

وذكرت الجماعة أنه لا يوجد أي سلاح لها حاليا في الجنوب، لكنها تربط أي نقاش عما تبقى من ترسانة أسلحتها بانسحاب إسرائيل من خمسة مواقع لا تزال تسيطر عليها وبوقف الهجمات الإسرائيلية.

وتقول إسرائيل إن حزب الله لا يزال يمتلك بنية تحتية قتالية في الجنوب تضم منصات إطلاق صواريخ، ووصفت ذلك بأنه "انتهاك صارخ للتفاهمات بين إسرائيل ولبنان".

وذكر مصدر دبلوماسي فرنسي أن إعادة الإعمار لن تتحقق إذا استمرت إسرائيل في القصف وإذا لم تتحرك الحكومة اللبنانية بالسرعة الكافية لنزع السلاح.

ويريد المانحون أيضا أن يقوم لبنان بإصلاحات اقتصادية.

وقال هاشم حيدر، رئيس مجلس الجنوب، إن الدولة ليس لديها الأموال اللازمة لإعادة الإعمار، لكنه أشار إلى أن هناك تقدما في رفع الأنقاض. ووفقا لتقديرات البنك الدولي، يحتاج لبنان إلى 11 مليار دولار لإعادة الإعمار والتعافي.

وتشير كومة من الأنقاض في النبطية إلى مكان متجر خليل ترحيني (71 عاما) الذي كان بين عشرات المتاجر التي دمرها القصف الإسرائيلي في سوق النبطية المركزي.

ولم يحصل ترحيني على أي تعويض، ولا يرى جدوى من التصويت. وقال "الدولة لم تقف إلى جانبا"، في تعبير عن شعوره بالخذلان.

لكن الوضع كان مختلفا تماما بعد حرب سابقة بين حزب الله وإسرائيل في عام 2006 حين تدفقت المساعدات من إيران ودول الخليج العربية.

وقال حزب الله إنه ساعد 400 ألف شخص ودفع تكاليف الإيجار والأثاث وترميم الأضرار، لكن المستفيدين يقولون إن الأموال المتاحة له تبدو أقل بكثير من عام 2006.

واتهم حزب الله السلطات الحكومية بعرقلة وصول الأموال القادمة من إيران رغم أن طهران تعاني أيضا من ضائقة مالية أكبر مما كانت عليه قبل عقدين بسبب تشديد الولايات المتحدة للعقوبات التي تفرضها عليها وعودتها من جديد لسياسة ممارسة "أقصى الضغوط".

أما دول الخليج، فقد توقفت مساعداتها للبنان مع انخراط حزب الله في صراعات إقليمية وتصنيفها له منظمة إرهابية في عام 2016. وأيدت السعودية موقف الحكومة اللبنانية بأن تكون المتحكم الوحيد في السلاح.

وقال حسن فضل الله النائب البرلماني عن حزب الله إن تأمين تمويل لإعادة الإعمار يقع على عاتق الحكومة، واتهمها بالتقصير في اتخاذ "أي تحركات فعالة في هذا السياق".

وحذر من أن هذه المسألة قد تفاقم الانقسامات في لبنان إذا لم تُعالج. وتساءل "هل يمكن أن يستقر جزء من الوطن وجزء آخر يتألم؟ هذا لا يستقيم" في إشارة إلى الشيعة في الجنوب ومناطق أخرى، بما في ذلك الضاحية الجنوبية لبيروت التي يُهيمن عليها حزب الله، والتي تضررت بشدة من قصف إسرائيل.